بيدرسون في غرفة الانتظار

 

تتواصل الجولات واللقاءات التي يجريها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، التي بدأها بعد إحاطته الأولى التي قدمها أمام مجلس الأمن نهاية شهر شباط الماضي. وعلى الرغم من مرور نحو ثلاثة أشهر على تسلّم بيدرسون لمهماته، فإنه ليس واضحاً بعد ما هو الطريق الذي سيسلكه كي يصل إلى نتائج غير التي وصل إليها سلفه ديمستورا. 

وكان بيدرسون قد التقى مسؤولين من دول الجوار السوري، والقوى الدولية الفاعلة في المنطقة، خلال مؤتمر بروكسل الذي عقد بين 13 و15 آذار الجاري. وبعده توجه إلى دمشق في 17 آذار، في زيارة هي الثانية بعد تسلّمه أعماله، التقى فيها وفداً من حكومة نظام الأسد برئاسة وليد المعلم، وبعدها وفداً من هيئة التنسيق الوطنية ضم رئيسها حسن عبد العظيم؛ ليتابع بعدها في جولة شملت لقاءات مع الهيئة العليا للمفاوضات في مدينة استنبول يوم السبت الفائت 23 آذار.

أكد المبعوث الدولي خلال جميع هذه اللقاءات على ما كان قدمه في إحاطته أمام مجلس الأمن، التي شملت خمس نقاط أساسية، وهي إعادة الثقة للحوار؛ وتحقيق تقدم في ملف المعتقلين والمخطوفين؛ وانخراط جميع السوريين في الحل؛ وتسريع عمل اللجنة الدستورية بقيادة سوريّة وبرعاية الأمم المتحدة؛ بالإضافة إلى ضرورة إيجاد توازن بين القوى الخارجية الفاعلة في سوريا.

كذلك، ارتبطت تصريحات بيدرسون على الدوام بضرورة تطبيق القرار 2254، ما يعطي مؤشراً على توجهه نحو عدم الاعتماد على مسار اللجنة الدستورية المرعي من قبل روسيا وتركيا وإيران بشكل كامل، خلافاً لتوجه سلفه ديمستورا خلال العام الأخير من مهمته، عندما بدا أن مسار اللجنة الدستورية كان على وشك أن يصير بديلاً لمجمل المسار السياسي.

ربما تكون هذه هي الإشارة الوحيدة التي يمكن التقاطها بوصفها تعديلاً في سير العمل السابق على ملف المفاوضات، لكنها تبقى مجرد توكيد لفظي على مبدأ شديد العمومية، لطالما نجح النظام وحلفاؤه في إغراقه بالتفاصيل. وبالمقابل، يبدو أن بيدرسون مستمر في استطلاع الآراء الدولية والإقليمية، وفي بناء تصور واضح لما يجري في سوريا، بانتظار الموقف الأمريكي من المسار السياسي، بعد إعلان واشنطن «إنهاء الخلافة» وطرد تنظيم داعش من آخر المعاقل المأهولة بالسكان شرق محافظة دير الزور في بلدة الباغوز ومحيطها.

وقد أشاد جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وممثل واشنطن في التحالف الدولي، بدور المبعوث الأممي، وأكد دعم بلاده لجهوده، إلا أن موقف جيفري، خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أمس في البيت الأبيض، لم يكن واضحاً بشكل كافٍ من مجمل المسار السياسي، ومن تفاصيل العمل على اللجنة الدستورية؛ وفي ما عدا تأكيده على أن النظام فاقد لأي شرعية وأنه يعطل عمل حتى حلفائه الروس في هذا الملف، فإن جيفري لم يقدم أي تصورات واضحة.

ومن المرجح أن لا يتضح الموقف الإقليمي والدولي ولا الموقف الأمريكي، حتى يتم الوصول إلى توجه واضح للعمل ضد إيران من قبل كل من واشنطن وتل أبيب، بُعيد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الشهر المقبل. وحتى تلك اللحظة فإن كل المؤشرات تعطي انطباعاً بأن المسار السياسي في سوريا مرتبطٌ بشكل كبير بالصدام مع طهران ودورها في سوريا، الأمر الذي يعني أن هذا الملف العالق الذي لن يجد حلّاً سريعاً في الأفق المنظور، قد يؤدي إلى تعطيل أي فرصة جدية لبحث المسار السياسي، ومن ثم لعمل المبعوث الدولي الجديد، إذ سيؤدي دعم طهران المستمر والمتزايد لبشار الأسد إلى عرقلة أي محاولة لتحقيق اختراق في هذا المسار، كما أن خطط التصعيد الأمريكي ضد طهران تبدو أكثر أهمية بالنسبة واشنطن من تفعيل المسار السياسي في سوريا خلال الفترة المقبلة القريبة.

ضمن هذه الأجواء، لا يبدو أن أمام بيدرسون سوى أن يواصل لقاءاته وجولاته بحثاً عن مقاربات جديدة أنو نوافذ للمبادرة والعمل، إذ إنه لا يستطيع أن يقدّم أي مبادرة قبل أن يصل إلى نقطة توازن بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في سوريا، حتى تكون نتائج تلك المبادرة مضمونة، أو على الأقل تملك فرصاً جيدة للنجاح.

في مواجهة كل هذه التعقيدات، وبانتظار أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً واضحاً من المسألة السورية، يبدو أنه ليس لدى بيدرسون الكثير ليفعله، طبعاً باستثناء العودة إلى مواصلة العمل وفق الخطة الروسية بشكل كامل، وهو الأمر الذي لا يبدو حتى الآن أنه ينوي القيام به.