بيكسلات عن الخوف والطاعة والاستثناء

كان من المفترض أن يُكتب هذا النصّ منذ سنوات، لكن الخوف هدد ظهوره.

*****

"في هذا العصر، لا يوجد رئيس دولة في العالم، إلا ويمكن بالواقع اعتباره مجرماً" 

الشرطة السياديّة- جورجيو أغمبين-1991

ماكينات الخوف العزباء

يتحرك الخوف بين الذاتي والجمعيّ، هو  شعور فردي يُنبه الوعيّ ويضبط كيف يتجلى المرء في العالم، هو أيضاً مجموعة من الاتفاقات الضمنيّة والقوى العلنيّة التي تضبط الحركة والأداء، الممنوع والمسموح، هو الـ Mana التي تنتشر في الهواء والمادة والنفوس، هو حذرٌ من فخ ما، لا مرئي، لكن احتمال الوقوع فيه قائم في أي لحظة. إثره، تتحول أنشطة الحياة اليوميّة إلى تمرينات للنجاة، تُمارس بالحدّ الذي يضمن تجنب «الخطر»، ذاك الحاضرٌ دوماً، المُراقبُ دوماً، الذي يخلق الوهم بأنه العارف بكلّ شيء حتى لو لم يكن موجوداً، لكن له أعين وأيد في كل مكان.

*****

لا يمكن الحديث عن الخوف إلا والخوض في النظرية السياسيّة، خصوصاً في بلد كسوريا، بعد 2011. لكن ما سنحاول القيام به هو الاقتراب من الخوف اليوميّ، الاعتيادي الذي لا يثير الشكّ، الذي «نظنّ» أنه يسكن من نراهم في خلفيات نشرة الأخبار الرسميّة، والمارّة في تقاريرها والعابرون في الصور النوستالجيّة، أولئك المنهمكين في حياتهم.

هذا الخوف نتاج الرعب من «كارثة» روّج لها النظام السوريّ، كارثة تُشكّل خطراً على الشكل القائم للحياة، وتهديدياً لإيقاعها الاعتيادي، بوصفه نتاجاً سياسياً، قرر النظام حمايته أكثر بقانون مكافحة الإرهاب الصادر عام 2012، كامتداد لقانون الطوارئ. لن ندخل في حيثيات هذا القانون والعنف الاعتباطي الذي يختزنه، لكن الخطاب الذي حول الثورة  إلى «كارثّة، فتنة، موجة» ساهم في ترسيخ أشكال الطاعة العلنيّة ومفاهيم الاعتياديّ والآمن، بوصفها نتاج الخوف، من الموت، من السجن، من الاختفاء.

الخوف عاطفة وممارسة، فعل يتجلّى في الأنشطة اليوميّة التي لا تثير الشبهة، في المساحات الخاضعة للسيادة المباشرة للنظام السوري، الذي يدّعي حمايتها وتأمين استمرار الحياة فيها.

مواطنة سوريّة في نادي ليلي: حياة السوريين بتجنن، كانوا يخافو من قبل، بس هلق تأقلموا مع الوضع.

*****

كما شكل هذا النص، للخوف أعراض غير متجانسة وغير مترابطة، قد يهيمن بشكلّ كلي، أو يظهر فجأة نتيجة تغير في الإيقاع، وقد يتحول إلى نوع من البارانويا، خوف عميق من مجهولٍ ما سيحدث، وتهديد بخطر حاضر وغائب في ذات الوقت.

تبنى النظام السوري كلمة «الأزمة» بوصفها تهديداً لثوابت العالم القائم، تاركاً المحاصرين خوفاً في لحظات انتظار ما قبل النهاية، وما قبل الحسم، وكأن الحياة اليوميّة معلّقة في ظل للا-كارثة، تلك الوشيكة دوماً، التي لابدّ من الحذر منها. وهنا يتدخل الخطاب الإعلاميّ الرسمّي لخلق الخوف، عبر تهديم العلاقة بين الدال والمدلول، ما يهدد «الحقيقة» ومصدرها، فلا نعرف بدقة من يتسبب بخراب العالم، إرهابيون، مواطنون، جراثيم، متآمرون، كلمات تخلق كائناً سحرياً وعجائبياً لا نعرف خصائصه وشكله بدقة، في حين أن الحل، أو القادر على تجاوز الكارثة، واضح، ومرئي، معروف وموجود في كلّ مكان، هو عقلانيّ، قادر على حل المشكلات، وتفادي الخطر، هو القائد،  مغيّر الأحوال، كليّ السلطة والمعرفة، يرتكب مجزرة ويبيد الأعداء، في ذات الوقت، يحلّ أزمة الغاز ويصلح الرصيف، هو محرّك صلاح العالم وشكله «الطبيعي»، بعكس المخربين،  الأعداء، أنصار الكارثة.

مواطن سوري بعد تفجير في القصاع: شو هوي شعوري، هادا بيتي،  وهدول  مخربين، وبهي البلد نحن قمة العروبة والعرب.

*****

إعلان الحرب ضد الإرهاب والمخربين، حوّل الكتلة البشريّة الخاضعة للسيادة المباشرة إلى مُخاطرة مُحتملة، هناك متخيّل عن «الكارثة» يهدد هذه الكتلة ذاتها التي تحتوي احتمالات «الكارثة»، فالأعداء و«المواطنون الصالحون» في ذات الجسد. الأهم، أن «الإعلان» السابق خلق فئة من البروليتاريا العسكريّة، فئة «تعمل» للحفاظ على الأمن، سواء ببدل مأجور أو مجاناً، فئة تبدو مذنبة في حال حلت الكارثة، ومهمة أفرادها تحديد الخطر والقضاء عليه، هم أطباء وفي ذات الوقت مُنجمون، هناك لغز أو أحجية لابد من حلها لمعرفة «المذنب» أو «العدو» الذي لا شكل له، بالتالي لابد من الوقايّة والتدابير الاحترازيّة لتحديد الخطر أو أعراضه، من أجل القضاء عليه.

لا علم يضبط «الحوادث»، خصوصاً تلك الخطيرة منها، وفي حال وقوعها، نعلم أن هناك تقصير وخطأ بشري أدّى إليها، ما يعني أن حماة النظام العام مُقصّرون في مهمتهم، هم متهمون بسوء التشخيص، التهاب غير مرئيّ ينز مظاهرة من هنا أو هتاف من هناك، فلا عدو متماسك يمكن مواجهته، أو تسميته والإشارة له، ذات الكتلة التي يتم الحفاظ على حياتها وتعكس النظام العام تهدد جهاز مناعتها والمسؤولين عن أمنها. 

مواطن أثناء اعتقاله في الشارع:  يا أخي شو عملت ، شو عملت ؟ 

شرطي : يا أخي هيك .

*****

الحفاظ على النظام العام ليس مهمّة بيروقراطيّة، بل مجموعة من الجهود البشريّة وتكنولوجيا العنف.  السلاح في الشارع والتقدير الشخصي لاستخدامه، يحوله لحدّ بين القانون وبين عنف السيادة الاستثنائي، هو التجليّ المرئي للعنف والسلطة على الحياة التي يختزنها «القائد» ويطبقها. وهنا يُنتج الخوف مرة أخرى، ذاك الذي بدأ مع إطلاق أول رصاصة من أي واحد من هذه الأسلحة، التي يتطابق أثرها «السيد» مع الجلاد، وكلماته مع البندقيّة. هو سبب الخوف، وفي ذات الوقت نتيجة استمراره، خصوصاً أن إعلان الحرب ضد العدو المفترض يبدو عبثياً، هناك عدم توازن في القدرة، فالعدو الجديد ليس مادياً فقط، بل مناعياً، ينتقل بالعدوى، ليس مجرماً فقط لابد من اعتقاله أو سجنه ، بل فايروس لابد من إبادته، «جرثومة» تنتقل في الهواء، يمكن أن تصيب حتى «المواطنين الصالحين»، المطيعين. وهنا تظهر إجراءات الوقاية، العزل والتكديس وضبط الحركة، هناك طبيب يحاول تحديد مصدر الخطر درءاً للعدوى التي قد تتحول إلى كارثة قد تطيح به.

عسكري سوري على حاجز: الحمد لله الأكل متوفر إلنا، بفضل سيادة الدكتور الرئيس بشار الأسد.

*****

أقنعة الطاعة الشفافّة

تتمثل النتيجة النهائية للخوف بالطاعة، بالانصياع العلنيّ وخلق الإيقاع «الاعتياديّ» عبر لعب أدوار والتلفظ بكلمات تضمن تفادي الخطر أو الاتهام به، نوع من التنكّر الذي يتطابق مع الجلد من أجل النجاة، هناك أداء لا نعلم مدى جديته يُحرك الحياة اليوميّة. لكن، كأي أداء، لا يمكن إتقانه كليّا، هناك دوماً سهو، وسوء تقدير. صحيح أن كل شيء يبدو طبيعياً ومتماسكاً، لكن هناك خوف يتجلى بتجنب «المرئيّة»، والاشتباه بأن يكون الفرد «عدواً».

أن تتفادى المرور بجانب «الشرطة»، أن لا تتحدث بصوت عالي يثير الانتباه، أن لا تسهو مُسبباً أي «إزعاج»، أن تحدق بعيداً دوماً، فالنظام العام لا يظهر فقط مرئياً في زي الشرطي أو العسكري وسلاحهما، بل أيضاً في «المواطن الصالح»، ذاك النموذج، الذي لا شكل ثابت له، لكنه كيان متخيّل يُسعى لتقليده، هو خائف أيضاً، وقد يهدد حياتك إن سهوت؛ هو مطيع، يَتبنى النظام العام وينتجه؛ هو ضحية كافكاويّة، بمعنى، أن الطاعة تشكّل صكّ براءة من نوع ما، لا أمام المحكمة أو الجلاد، بل أمام الآخرين، المواطنين الصالحين والشرطة في الشوارع، أولئك الذين يمتلكون شرعية استخدام العنف المُرتجل ضد «الأعداء» و «الجراثيم».

*****

كما جوزيف ك في «المحاكمة»، البعض مُتهم بسبب اسمه وأوراقه الرسميّة، يحمل التهمة في جلده، فـ ك، إحالة إلى كلمة calomnier، التي كانت تهمة في القانون الرومانيّ Kalumniator  والتي اشتقت منها الكلمة ، وتعني «المُفتري». وكانت عقوبة المفتري هي وشم حرف ك-K على جبينه كي يعرفه الجميع، لا يعلم متى  وأين ستتم محاكمته أو عقوبته، ذات الشيء في  حالة «المشتبه بهم» في الشوارع «الآمنة». هناك خوف من لحظة «المحاكمة» التي يمكن أن تقع عند أيّ نقطة تفتيش، حين يضطر لإخراج أوراقه الثبوتيّة، المسؤولة عن تعريفه القانونيّ ومكانته ضمن الكتلة البشريّة الخاضعة للسيادة.

عسكري سوري على حاجز: هات هويتك !

*****

تقسم الكارثة العالم والناس، مساحات آمنة ومساحات خطرة، أصحاء و مرضى محتملين. لكن في سوريا – دمشق مثلاً، هناك كارثة مختلفة، لا نعرف بدقة ما هي، وما هي مساحات الأمان والخطر. هناك إجراءات وقائية لعزل الأفراد والتحكم بحركتهم، وتغيير مادي في شكل المدينة، هذا التغيّر الذي يوظف سطوة الخوف، ويحول العلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد إلى علاقات شك وعداوة، والأهم، يتحول أسلوب الحركة إلى أسلوب للهرب أو الوقوف بوجه الكارثة، سواء كانت مظاهرة لابد من الانضمام لها أو الهرب منها، أو ضمان أمن من فيها، أو ممارسة العنف لإيقافها واحتواء من فيها.

مواطن سوري بعد مظاهرة: هي المزة دائماً معترف عليها أنها من ضمن الوطن..

*****

فقد المنزل تعريفه كمساحة آمنة، لا بسبب الاعتقالات العشوائيّة والمداهمات، بل بسبب التلفاز، بوصفه مؤشراَ للخطر ومحركاً للخوف ومُنتجاً لمعالم سكريبت الطاعة. هو، كجهاز مبرمج مسبقاً، يحوي أنواع مخصصة له، نشرات أخبار، تعليقات مباشرة، بث مباشر، تقارير حيّة.. الأهم أن تدفق هذه الأنواع ضمنه مستمر، دائم. الزمن كله يحدث الآن على الشاشة، وكأن كل الآن يتكرر الآن. هذا التدفق لا يتطابق مع الحياة اليوميّة، كون الخطر فيه مرئي دوماً، وقريب، ويتغير مكانه وشكله، هو يخلق الصدمة مع الحياة الواقعية وكيفية التعامل معها، الأهم، أنه يظهر أشكال نفي الطاعة، تدفق لا متناهي من الأشلاء والأحشاء والموت.  هو الذي يرسم صور هزيمة «الأعداء»، الذين لا حق لديهم بالاستسلام، يلتقط ملامح الماكينة التي تحافظ على العنف السياسيّ، ويجعل الخوف مرئياً وحاضراً، و«يعلّمنا» كيف نتفاداه، كيف «ننجو» حين ننتقل للحياة اليوميّة. وحتى لو «انطفأ»، صوت ماكينة الأمان هذه مستمر، الخوف حاضر، قصف دائم يتردد صداه، إذ لا توازن في الأمن كونه مرتبط ومقترن بالخطر، الذي أصبح مكوناً أنطولوجياً الآن، لا مجرد مفهوم مجرد في المنزل أو الشارع أو العمل. الحياة اليوميّة تحوي خطراً، كون سوء تقدير بسيط قد يؤدي إلى كسر روتين الطاعة وتبنّي صورة العدوّ.

هتاف من مظاهرة: الشعب يريد إسقاط الجزيرة

*****

بعكس المسرح، الخطأ أثناء أداء الطاعة جديّ، لا يمكن تجاوزه أو إصلاحه بسهولة، فلابدّ من إتقان الدور، أو على الأقل تجنب مساحات استعراض مهارات تأديته. فسوء الأداء أو عدم الإتقان قد يؤدي على أقل تقدير إلى عنف علنيّ، خصوصاً أثناء اختبار الحياة اليوميّة والتنقل في الشوارع. عليك تجنب المسيرة بحذر، كي لا تتم مشاهدتك تتفاداها، وفي ذات الوقت كي لا تجبر على المشاركة فيها والظهور مرئياً كمواطن مطيع.

عنصر مكافحة شغب: لا حدا يتطلع بالتاني، امشوا على السريع..

*****

أكروباتيّة هذا الأداء العلنيّ/القناع لا تظهر فقط في المسيرات العفويّة واجتماع الحشود والتنويم المغناطيسي الذي يأسر الناس في الأماكن العامة، إذ تنكشف هشاشته حين المواجهة مع عين المراقب، حين يوضع أحدهم بموقع الاختبار أمام الكاميرا لإبراز مهارات الطاعة كما في تقرير تلفزيوني أو استطلاع رأي، إذ تتضّح عيوب القناع حين تحدّق الكاميرا فيه، ويظهر الخوف من وراءه ومقدار لا منطقيته، كأن يجد ممثل كومبارس فجأة نفسه مضطراً للعب دور البطل، وتفسير كل ما يحصل في المسرحيّة، هو عادة لا يحفظ الدور، يتحرك في الخلفيّة، يتوارى، شبه لا مرئيّ، وفي حال وُرِّط بالـ «ظهور»، نسمع  كلاماً لا معنى له.  لا سيناريو مسبق لهذا الموقف، بل ترديد للعناوين العريضة، كالملخص الموجود على بروشور مسرحيّة، أو نرى مبالغة في الأداء تفقده جدّيته لتصل حدّ الكوميديا، هناك نوع من اللامنطق يستبدل العقل بسبب الخوف والرغبة باستعراض المهارة، كما نرى في اللقاءات مع من يبجّل القائد أو يضع حذاء عسكري على رأسه.

مواطن سوري: عنا بشار الأسد، قبل الله، منعبده، أنا أقولها لك هكذا..

*****

المُطيع مستهلك مثالي للمنتجات الرمزية والإيديولجيّة للنظام السوري، هو يتبنى بسرعة رواياته وحكاياته ورموزه. هو، كأي عارضة أزياء، عليها أن تكون «مُعاصرة»، تعكس بجسدها «الجديد» و«الشرعيّ» من أشكال اللباس، هي تقدم النموذج الذي يحتذى به.

رحالة صينيّة: شعرت بأجواء الأمان التي تعم جميع المناطق السوريّة، خلافاً لما تروجه وسائل الإعلام الغربيّة

*****

مساحات الاستثناء المرتجلة

الاستثناء، أي ممارسة العنف السيادي التأسيسي مباشرة على جسد العدو أو الفايروس، ليس حصراً على أقبيّة الأمن، هو يقع لأسباب أدائيّة أكثر منها قانونية، حدّه ومقداره مرتجل أكثر منه عقابيّ أو تأديبي مضبوط ومقاس. مساحة اللاكارثة جعلت المكان مفهوماً رمزياً، يتولد ويتطابق مع جسد «المشتبه به» أو «المخرب»، ما قد يؤدي إلى موته. وهنا يأتي سوء الأداء أو الإخفاق في الطاعة كمحرك للعنف السيادي، الذيّ يطّبق مباشرة على اللحم، علناً.

شاب سوري: الطلعة بالمظاهرة في هذا الوقت، مشروع شهادة

*****

سياسات مكافحة الإرهاب التي تستهدف «البيئة الحاضنة» تتعامل مع المخربين كفيروسات، وتهدد شروط حياتهم واستمراراها، فالعنف الذي مورس ضدهم، لا يقتل أو يشوه فقط، بل يعطب تكوين شروط الحياة بمعناها البيولوجي. البيئة والأرض والجسد الذي يحتضن الخلايا التي تكوّن «الحياة» يصبح «غير صالح»، كما في استخدام السلاح الكيماوي، هو لا يقضي على الخطر الآن، بل يستمر التطهير عبر الزمن، مدمّراً بيولوجيا الأجيال القادمة.

بشار الأسد : المؤامرات كالجراثيم، تتكاثر في كل لحظة وفي كل مكان، ولا يمكن إبادتها، بل يمكن العمل على تقوية المناعة في أجسادنا لصدّها.