تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة

 

لم يكن لشارعنا اسم، بل رقم، ويقولون إن الأعداد بلا معنى، أو على الأقل هي تجريد لمعاني أكبر منها. وسيكون من الخطأ، طبعاً، أن نفترض أن رقم 30 يعكس أي معنى محدد في ذاته، لكنه كان الرقم الذي حمله شارعنا، وهذا كان كافياً ليصبح تجريداً لعدد لا نهائي من الذكريات. وبالطبع لا معنى للذكريات إن لم تُروى، ولا معنى لرواياتها لو لم يكن هناك من يستمع لها، ولا معني للسمع إن لم يكن بين الراوي والسامع لغة مشتركة. وكانت هذه معضلة آدم، في البداية، فلمن يحكي حكايته. وحين أحضر له الرب جميع المخلوقات، فإن آدم أعطى اسماً لكل منها، واحداً واحداً، لجميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. وغالباً كانت هذه مهمة شاقة، واستهلكت زمناً طويلاً، ظلّ فيه آدم وحده، وما أن فرغ منها، حتى خلق الله له امرأة من ضلعه، وأطلق عليها آدم هي أيضاً، اسماً، حواء، لأنها أمٌّ لكل حي. ولإن كان الرب قد ترك لآدم أن يدعو الكائنات باسمها، فلكي يتسلط عليها، فمن يعطى الشيء اسمه يصبح سيداً له. 

ولم يبق لحواء سوى الأعداد، وكان هذا ربما من حسن حظها وحظنا أيضاً، فهي حفظت سرها الكبير لنفسها، ولم تنطق به في العلن، غالباً من باب الحكمة أو حرص المظلوم المقنّع بالحياء. والكلمة إن لم تخرج من الفم ويلفظها اللسان، تحتفظ بملء روحها. وهكذا، وحين طرد الله آدم وحواء من الجنة، فقدت الأسماء صدقها المطلق، لم تعد الكلمات هي الأشياء ذاتها كما كانت، كن فيكون، أضحت صوراً لا تشبه نفسها، رموزاً متفقاً عليها بما يكفي لأن نفهم بعضنا بعضاً، بالكاد، وعلى وجه التخمين. ولأن براءة الفردوس كانت قد هُتكت، فالتأويل أصبح لازماً، وتقريبياً، وموضعاً دائماً للشك الذي جلب معه الحاجة للمعاجم والمعلمين والشعراء ورجال الدين. وبالطبع ومن هنا ولدت البلاغة والكذب كتؤام. وبسبب هذا كله، فَقَدَ آدم سلطته على المخلوقات، أضحى يخشى وحوش الأرض وتخشاه، وولِدت الضغينة في العالم.

أما حواء، فبعد السقوط من الفردوس، استمرت في الكتمان، بدافع من خوف المغبون مرتين، وربما أملاً في خلاص أبناء بطنها في يوم من الأيام. وبفضلها، ظلت الأعداد على براءتها الأولى، محايدة على الأقل في الظاهر، لا تستدعى تفسيراً، سوى منطق رياضي بسيط ومباشر، وواعدة بعودة فردوس مفقود أو عالم أفضل له أن يأتي. 

ولطفل في عمري حينها، كان أبي هو آدم، وأمي هي حواء، وكان شارع 30 هو جّنتي، أو كما سأكتشف لاحقاً بإنه الطريق الكَرِبُ الواصل بين الفردوس والجحيم. وبالفعل كان شارعنا يقف على خط يقسم عالمين. فالحي الذي قيل إن شركة سويسرية كانت قد أهدته لعبد الناصر في نهاية الخمسينات، جلب العمران لصحراء عين شمس، ذلك الحاجز الطبيعي الذي ولوقت طويل تُرك عمداً ليفصل مصر الجديدة وقصورها عن المطرية وامتدادها الريفي. كانت مساكن الحلمية خليطاً بين الإثنين، أو منطقة عازلة للهدنة بينهما، أو على أقل تقدير عتبة للولوج من عالم إلى آخر تماماً.

وكان الحيّ الصغير مقسمٌ لشبكة من الشوارع المشجرة المستقيمة والمتساوية الأطوال تقريباً، والتي رسمت عند تلاقيها مربعات متكررة، مع حدائق صغيرة توسطت كل أربع مربعات منها. وبرَّرَ ذلك لوالدي أن يدعي أمام المعارف البعيدين بأن بيت الحوائط الحاملة ذا الدورين الذي نسكنه بحديقته الخلفية وشرفته الأسمنتية، هو فيلا. وكانت أمي، أحياناً، ما تدير رأسها وتمصمص شفتيها، هامسة في تبرم: «المساكن الشعبية بقت فيلا برضوا!».

ولم تقتصر ادعاءات الأب على هذا فقط، فكان دائماً ما يعيد لنا وللآخرين، وبل لنفسه أيضاً أحياناً كثيرة بأننا نسكن تقريباً في مصر الجديدة... تقريباً، «عشرة دقايق بس من هليوبوليس، وهليوبوليس دي مصر الجديدة مش كده؟»، وكان هو يرد على نفسه، إن لم يجبه أحد: «طبعاّ، دي هليوبوليس دي أرقى حتّة في مصر الجديدة».

وأحياناً ليست بالقليلة كان يضطر أن يرمي بورقته الأخيرة، تلك التي احتفظ بها للأيام الصعبة، وللمستمعين العنيدين، ولأوقات اليأس التي كان يتشكك فيها بنفسه: «يعني ما هي هليوبوليس دي أصلاً هي عين شمس، وعين شمس هي هليوبوليس». وكان يستكمل تفسيره بتفصيص الكلمة إلى أصولها، شارحاً لمستمعيه بكثير من الوقار الذي تهبه طمأنينة المعرفة، أن «هليو» تعني الشمس في اليونانية، وإن «بوليس» تعني المدينة، ويظن معظم الناس أن هليوبوليس تعني مدينة الشمس، وهم مخطئون قطعاً، فـ«بوليس» تعني أيضاً الشرطة أو الحكومة، والعين هي حارسة الجسد والساهرة على حمايته، وكذا فهليوبوليس تعني عين شمس بالتأكيد، مع بعض من التحريف المحدود، والذي يُعدّ مقبولاً جداً بعد مرور آلاف السنين.

 وكان في الأغلب ما ينتهي النقاش ههنا، لا بسبب اقتناع المستمعين بالضرورة، بل لإعجابهم بالجهد المبذول في الحجّة، ومدى حذقها، ولتقديرهم للعبة الحلوة، حتى لو جاءت من الخصوم، هذا غير أنه كان من المستبعد أن يدعي أي من المستمعين إلمامه باليونانية أو الإيتمولوجي. وطالما ما كانت تبهرني قدرته تلك على التلاعب بالكلمات، والنبش وراء أصولها، وتحويل واحدة منها إلى أخرى، والقفز بها من لغة إلى لغة، ومن زمن لآخر بغية زحزحة معناها قليلاً أو إعادة خلقها من جديد. وإن كان ذلك الانبهار يتركني متشككاً في مسألة الأسماء وإمكانية التعويل عليها، وممتناً لحقيقة أن شارعنا على الأقل يميزه رقم، 30، لا يحتمل أي من تلك المناورات المجهدة ومهانة الطعن فيها. 

«عشر دقايق من مصر الجديدة ؟... طيب ماهي إمبابة عشر دقايق من الزمالك، تبقى إمبابة في الزمالك؟»، كانت الوالدة تناكفه من المطبخ، بمنطقها المقارن الحاد والواضح. وهي لم تكن تسعى لمواجهة فيما يبدو، بل تسلية الضيوف ببعض المناقرات الزوجية. فتلك العروض مع ضحالتها وافتعالها، كانت ذات شعبية واسعة كموضوع للترفيه في التجمعات العائلية ودراما المسلسلات.

وصلَ الضيوف فجأة، وكان عليها أن تطبخ شيئاً على وجه السرعة، وقبل ذلك يجب أن تغير جلابيتها البيتية المبقعة بآثار زيت الطبخ بملابس مناسبة ونظيفة، وأن تلمّ شعرها بسرعة إلى الخلف في كحكة تثبّتها ببنستين أو أكثر، وذلك لأن الكحكة كانت أسلمَ الحلول وأسهلها وأكثرها وقاراً. وهكذا كان يظهر الزوار في الماضي، تسمع خبطات خفيفة على شراعة الباب، وبعدها تنشق الأرض عنهم أمام العتبة. وكانت حالة التوتر التي يفرضها وصولهم المفاجئ، وأصوات الجلبة وقرقعة المواعين في المطبخ الأعلى من انفجارات بومب العيد، جزءاً أساسياً من بهجة الضيافة، ومحفزّاً دائماً للرجاء الذي كان ينتابنا كحمى خفيفة، وبالأخص في أيام الجمع الخاملة، ونحن ننتظر زواراً مأمولين، في دِعة وتوجس. 

«الجرعة تتباهى بشعر بنت أختها، يا أم شريف»، تبع تعليق الضيف، ضحكة قصيرة ونصف مصطنعة من الوالدة، معلنة امتنانها لمشاركته في اللعبة. كان رجائي، ابن خالة لوالدي، ومن عمره، وأقرب الأقارب له، ويكاد أن يكون صديقاً أكثر منه قريباً، وربما لذلك لم تجد الأم حرجاً في إلقاء مزحتها الصغيرة أمامه وأمام زوجته التي بدت نضرة دائماً، وبلا هموم أو أفراح تعكّر تعابير وجهها المسترخية.

كان حضور عمو رجائي، الذي يتكرر مرتين أو ثلاثاً في العام، سبباً لابتهاجي. فهو دون غيره من أقاربنا، كان ميسور الحال بما يكفي لدس ورقة بخمسة جنيهات في يدي الصغيرة عند وصوله، وهذا كان مبلغاً معتبراً حينها.

أما دخان السجائر التي لم يكن يطفئ واحدة منها حتى يشعل الأخرى في الحال، فألصق به رائحة قوية ومنعشة كصفعة على الوجه، كانت قد أضحت جزءاً من وجوده المادي، يبقى أثرها في جنبات البيت لمدة يوم أو أثنين بعد الزيارة، كذاكرة يمكن تتبع خفوتها المتدرج والحزين بحاسة الشم وبشعور خفيف بالندم. ولا أعرف إن كنت أحببته بسبب رائحة السجائر أم أحببت السجائر بسببه، فلم يكن لأحد آخر من معارفنا رائحة بمثل ذلك الحضور الطاغي والقدرة على الإقناع. وكان من أسباب محبته، تلك اللهجة العطوفة لأهل الأُقصر، التي كان يتكلم بها، فقلبها القاف إلى جيم قاهرية، ومدها لحروف العلة في وسط الكلمات، منحهُ هالة غامضة من البساطة، المخلوطة بفحولة حنونة.

انتبهت إلى يده وهي تنحي السيجارة، وتضعها على طرف المنفضة النحاسية أمامه، وحزرت من ذلك، ومن الخبطات الخفيفة بيده اليمنى على فخذه، أنه على وشك أن يقول شيئاً هاماً. فهو لم يكن يتخلى عن سيجارته سوى لغرض طارئ أو لواحدة من القهقهات الطويلة التي كان يرتجف لها جسده الضخم، وكأنها تنفض عنه رماداً غير مرئي، خلفته محرقة السجائر المستمرة.

مال عمو رجائي نحو زوجته، وكأنه يوجه كلامه لها، أو أنه سيقول ما سيقوله فقط لإرضائها. ولم يصدر عن طنط هيلانة أي تعبير خاص، يدلّ على الامتنان، مكتفية بصمتها الأقرب إلى الخمول منه إلى الوقار.

«يعني أنا إمبابة دي زمان حصل لي فيها حاجة أغرب من الخيال».

هرولت أمي من المطبخ، إلى الصالة، بقفزات رشيقة وطفولية، بدت غير متناسقة مع قوامها المدكوك وتضاريسها الممتلئة. كان دخولها مفاجئاً، تسمّرت لوهلة في منتصف الجلسة، قبل أن تتسحّبَ إلى الخلف، ببعض التردد. جرجرت قدميها على بلاط الأرضية، وكأنها تمسح بهما خطأ قد ارتكبته بانضمامها إلينا. توجهت عائدة إلى الطُرقة التي جاءت عبرها، ومالت بكتفها الإيسر إلى الحائط، في انتظار أن تسمع أعجوبة الضيف، عن بعد، وبمسافة تسمح لها بأن تكون جزءاً من جلستنا وخارجها في الوقت نفسه. وكانت هذه واحدة من المناورات، ذات التفاصيل الدقيقة، والتبعات التافهة، التي يجب على الأمهات أن تحسب لها ألف حساب. كانت معلقة بين المطبخ والصالة كالعادة، أو على وجه الدقة كانت فيهما معاً. وبدا ذلك كله مناسباً، وبديهياً، فهي كانت لا تزال ممسكة بالسكين في يدها اليمني التي وضعتها في وسطها، والبصلة المبشور نصفها في اليد الأخرى، وكان جبينها يتصبب بالعرق، شهادة على حرارة أغسطس ولهيب نار البوتاجاز تحت القُدور. 

«عنك يا أم شريف، أساعدك في حاجة، ما يصحش نتعبك كده». 

انتفضت طنط هيلانة من جلستها، ووقفت مادة يديها الاثنين في اتجاه أمي، وفي صوتها رنّة من العتاب. لكن إشارة خفيفة من يد الوالدة، كانت قد أقنعت الضيفة بالجلوس مرة أخرى، وبددّت عن وجهها علامات الشفقة المبالغ فيها، وحلّ بدلاً منها نظره استسلام، سرعان ما تبخرت هي أيضاً. 

«تعبك راحة يا حبيبتي، هو أنتوا يعني بتيجوا كل يوم». 

أتبعت أمي، جملتها المكررة عشرات المرات من قبل في حضرة الضيوف، بواحدة من حركاتها التي تسبب غضب والدي وتجلب لي الكثير من الإحراج، فهي أمسكت بكم بلوزتها الطويل، ومررته على عينيها وخديها، ماسحة خليط العرق والدموع التي ذرفتها على البصلة المغدورة. وختمت المشهد بشنة طويلة، وعالية الصوت. 

كنتُ قد سمعت حكاية عم رجائي عن إمبابة من قبل، مرتين على الأقل منه في زياراته السابقة، وأكثر من مرة على لسان والدي، ولم تكن أعجوبته الصغيرة وحدها هي ما يتم تكراره في الزيارات العائلية. ففي زمن كان لا يحدث فيه الكثير، ولا يُرتجى أن يحدث فيه الكثير، لم يكن لدينا سوى موضوعات قليلة للحديث مع الضيوف. فبعد الشكاوى المحفوظة من صعوبة العيش وضيقه يوماً بعد يوم، وقليل من ذكريات الطفولة والأزمنة الأجمل التي لن تعود، ورثاء يتجدد لقريبة أكلتها قرحة الفراش في مستشفى التأمين الصحي، لم يكن هناك بدٌّ من العودة إلى الطرائف المكررة، والاستماع إليها بدهشة المرة الأولى نفسها، وبكثير من الطمأنينة الذي تفيض بها عوداتها الموسمية. 

«استنى يا رجائي، أجيب الكاسيت». 

قفز الوالد من كرسيه وهو يصفق بيديه في ابتهاج، وصعد درجات السلم بقفزات سريعة، قاصداً غرفته في الدور الثاني، وكما توقعت، تبادلت أمي مع طنط هيلانة نظرة فيها القليل من الاستخفاف. كان المسجل «التوشيبا» هو لعبة الوالد الجديدة، وأقصى رفاهية يمكن لموظف حكومي صغير ومسرف أن يتمتع بها. كانت البيوتات الأخرى قد استبدلت التلفزيون الأبيض والأسود بتلفزيونات ذات شاشات أكبر وبالألوان، وكان البعض قد اقتنى الفيديو أيضاً، وأحياناً ما وصلتنا دعوات من المعارف لقضاء سهرات حوله لديهم. وتفرجنا حينها على أفلام، كنا نعرف معظمها أو ربما حتى شاهدناها بالصدفة في التلفزيون قبلها بأيام، إلا أن ما أثار غيرة والدي، ودفعه لشراء الكاسيت، من محل التقسيط، وبستة وصولات أمانة، كل واحد منها يساوى نصف راتبه الشهري، هو تلك القدرة المذهلة التي اكتشفها في التسجيل المنزلي، التحكم في الزمن، والحركة على مسطرته ذهاباً وإياباً، وإعادته أكثر من مرة، والتوقف عنده طويلاً إن أردنا على الضد من الطبيعة، وتحريكه ببطء تارة وتأمله، وتسريع ما لا يعنينا به تارة أخرى.

رجع الوالد هابطاً على السلم، بخطوات متأنية ووقار مبالغ فيه، ربما لتعويض الحرج الذي تسبب به لنفسه في طريقه إلى الأعلى، أو إجلالاً للجهاز الذي بين يديه، وللمهمة المقدم عليها، أي الإمساك باللحظة لدفنها، وتعليب الحاضر قبل أن يحدث، خوفاً منه أو عليه، فتلك كان عادة الثمانينات بلا شك. 

«هتسجّل إيه يا عم أنت؟».

أشاح عام رجائي بيده، ضاحكاً، وحرّك سبابته إلى اليمين وإلى اليسار، رافضاً الاشتراك في اللعبة. 

«إنتوا بتغيبوا علينا، نبقى نسمعه لما توحشونا».

تغيرت تعابير وجه طنط هيلانة فجأة، على وقع جملة الوالد، وستارةٌ من الحزن الذي لم أتصور أنها تعرفه خيمت عليها. رمقتها أمي بنظرة خاطفة مملؤة بالشفقة، وبدا لي أنها تعرف سر تغير مزاجها المفاجئ. 

«سجّل يا رجائي، عشان خاطري».

كان توسّلُ طنط هيلانة، هو ما دفع زوجها لأن يضع السيجارة جانباً، وأن يرجع بظهره للخلف، معلناً للجميع استعداده للتضحية بحكايته قرباناً للذكرى. تنحنح عدة مرات، لتسليك زوره. ووضع الوالد الشريط في الكاسيت، وضغط بأصبعين، واحد على زر التشغيل والآخر على الزر الأحمر المجاور له. كان اللون الدموي للزر مقصوداً للتحذير بالطبع، فالكاسيتات لا تخلو من مخاطر، ككل شيء آخر، والضغط عليه قد يعني المسح أيضاً كما يعني التسجيل. وفي أحيان كثيرة يكون المسح ضياعاً لا يمكن تعويضه أو الرجوع فيه، والذاكرة في جوهرها حادثة أفضت لنسيان أشياء أخرى كثيرة.

ولتلافي هذا النوع من الحوادث غير المقصودة والفادحة، كان الجهاز مُصمماً بحيث يحتاج التسجيل عليه إلى كبستين حازمتين على الزرين وفي الوقت نفسه. وكانت احتياطات الأمان تلك وليدة تكنولوجيا مسؤولة، قادرة على سبر أغوار الإنسان، وحمايته من نفسه، وتاريخ طويل من التجربة والخطأ، وألوف من الكبسات القاتلة، بأكثر من سلاح، كان يمكن تلافي خسائرها، بسهولة، في الماضي.

انفجر صوت وردة من السماعات، بأعلى صوت، «أكدب عليك»، ومن المفاجئة ارتد الوالد إلي الخلف، «أكدب عليك»، وأفلتت منى ضحكة شامتة سرعان ما كتمتُها، كانت الضغطة غير موفقة، وهبط زر التشغيل وحده، فيما بقي الزر الآخر عالقاً في المنتصف. وأطرق هو للحظة، ورأسه منحنية تجاه الكاسيت، وكأنه وقبل أن يقوم بمحوها، يلقي بالنظرة الأخيرة على جسد الأغنية التي سجّلها من التلفزيون منذ أيام. حاول مرة ثانية، وضرب بحزم أكبر أو ربما بِغلّ، أطلق الزناد، وهبط الزران معاً، وسمعنا تكّة قوية، تلاها صوت حفيف الشريط وهو يلف على بكرتيه، بصحبة بعض الخروشة المنتظمة، وتكتكته التروس وهي تفرم الأغنية بـتأني. أضاءت اللمبة الصغيرة «ريكوردينج»، وكانت وردة مطربته المفضلة، لكن لم يعد هناك مكان للندم.

خيمت دقيقة من الترقب في الصالة، مال الجميع بآذانهم صوب الكاسيت، وكان لصوت الدوران الهادئ الصادر منه، ولإيقاعه الرتيب كتلك الأيام، مفعولٌ مخدر. وبدا على عمو رجائي بعض التهيب، فأن تحجز مكاناً من ذاكرة العالم، وأن تترك أثراً فيه ولو كان في غاية التفاهة ولا يعرف به سوى خمسة أفراد فقط، فهذا بالطبع ليس أمراً هيناً، وكان يستحق وقفة طويلة للتأمل، لولا أن الوالد قاطعه بإشارة حاسمة من يده، للبدء.