تدهور الواقع الصحي في سوريا

 

قضى أكثر من خمسين طفلاً في دمشق وريفها بسبب انتشار مرض مجهول خلال الأشهر الماضية، فيما لم يستطع الأطباء تحديد ماهية هذا المرض الذي أرّق السكان، والذي كانت أعراضه تبدأ بارتفاع درجات الحرارة والخمول، يليه توقف وظائف الجسم بداية بالكلى وصولاً إلى الدماغ والقلب، إذ يدخل المريض في غيبوبة لمدة لا تتجاوز أسبوعاً قبل الوفاة.

وعلى الرغم من إجراء مئات التحاليل بمختلف أنواعها للأطفال الذين تعرضوا لهذا المرض، إلّا أنّ الكوادر الطبية في مشافي العاصمة ومراكزها الطبية لم تستطع تشخيصه وتحديد أسبابه للوصول إلى علاج يحد من خطورته.

تتحدث إحدى السيدات اللواتي فقدنَ أطفالهنّ للجمهورية عن تفاصيل ما حدث مع ابنها البالغ من العمر سنتين ونصف، قائلة إن المرض «بدأ بارتفاع حرارة الطفل، ظننا أنّه أمر اعتيادي لما يواجهه الأطفال من أمراض والتهابات يسهل التغلّب عليها عادةً، إلّا أنّ استمرار ذلك وترافقه مع الخمول الشديد، بعد أن كان الطفل لا يهدأ، دفعنا لإسعافه إلى مشفى الأطفال الحكومي في دمشق، حيث أوضحوا أنه يحتاج إلى تحاليل لتحديد وضعه، وبعد إجراء التحاليل قال الطبيب المشرف إنّ الوضع أقرب للفشل الكلوي، والطفل يحتاج رعاية خاصة حتى يتغلّب على هذه الانتكاسة المفاجئة».

تضيف السيدة أنه «على الرغم من حديث الطبيب عن خطورة وضعه، إلّا أنّ المشفى لم يقدم العناية اللازمة، وتُركنا نقضي ساعات في أروقته مع إجراء التنفس الصناعي للطفل بجهاز بدائي، ثم أخبرونا أنّه يجب نقله إلى مشفى يحتوي على جهاز تنفس حديث. وُضع الطفل في سيارة إسعاف وبدأنا عملية البحث عن مشفى مناسب حتى الثالثة صباحاً، ليتبين لاحقاً أنّ جميع المشافي التي سألنا فيها يتوفر فيها سرير فارغ أو سريران، إلّا أنّ هذه الأسرّة تبقى فارغة ومجهزة لأي طارئ يصيب أبناء المسؤولين، بحسب ما ذكرت لنا إحدى الممرضات في مشفى الرشيد  الخاص بدمشق. وجدنا سريراً شاغراً في النهاية في مشفى خاص على أطراف العاصمة، وقبل إدخال الطفل إلى العناية المشددة اشترطوا علينا دفع مبلغ 140 ألف لقضاء الليلة، وبعد إدخاله اجتمع الأطباء المسؤولون واستدعوا أخصائي الكلى ليتبين أنّه لا ارتباط بين حالة الطفل والفشل الكلوي، لأن التحاليل الجديدة أظهرت أنّ عدة وظائف بدأت تتوقف في جسمه، إذ أنّ المرض بدأ ينتشر دون معرفة ماهيته. دخل طفلي بعد ذلك في غيبوبة لثلاثة أيام، فارق بعدها الحياة دون معرفة أي تفاصيل عن المرض».

أمراض مندثرة تعاود الظهور

ساهمت الظروف التي تعيشها سوريا حتى الآن، كالحصار والمعارك وتردي الخدمات الطبية، بعودة العديد من الأمراض التي كانت قد اختفت أو تضاءلت بسبب النهضة العلمية في مجال الطب خلال السنوات الأخيرة، وأبرزها الأمراض السارية كالسلّ، والأمراض المستوطنة البيئية كاللاشمانيا، والملاريا، والتهاب السحايا، والتهاب الكبد. وبالإضافة إلى هذه الأمراض، زادت نسبة المصابين بالسرطانات بشكل كبير، فبحسب منظمة الصحة العالمية وصل عدد المصابين بالسرطان في سوريا عام 2018 إلى 23000 إصابة، لتحل سوريا بالمركز الخامس في منطقة غرب آسيا بإصابات السرطان حسب تقرير للوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

تقول الطبيبة النسائية تغريد علي إن «لتلوث البيئة وغياب نمط الحياة السليم وتراجع الرعاية الصحية دورٌ كبيرٌ في زيادة حالات التشوهات الخلقية وحالات الإجهاض والولادة المبكرة، التي تعاني منها النساء في سورية مؤخراً، حيث ارتفعت نسبة التشوهات الخلقية 3% خلال السنوات الخمس الأخيرة».

وقد عادت الأمراض التي كانت قد تراجعت بشكل ملحوظ قبل 2011 إلى الظهور عام 2013، وبلغت ذروتها عام 2017، تزامناً مع حملات النظام العسكرية على المناطق الخارجة عن سيطرته، حيث تسبب القصف والمعارك بتلوث المياه والتربة وتهدّم آلاف الأبنية دون إزالة ركامها، فيما بقيت بعض الجثامين وجيف الحيوانات في الركام، بالإضافة إلى تدهور أنظمة الصرف الصحي وانتشار القمامة في مناطق كثيرة، ليكون كل ذلك بيئة حاضنة للأمراض والأوبئة، خصوصاً مرض اللشمانيا الذي تسببه «ذبابة الرمل»، والذي بلغ عدد المصابين به في سوريا العام الماضي 58000 حالة، ثلثها في الشمال السوري، بارتفاع نسبي من 30% إلى 40% عن عام 2017، بحسب المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية ومبعوثها إلى سوريا طارق جارستافن.

آثار بعيدة المدى

يقول الطبيب باسل نمرة للجمهورية إنه قبل الحرب «كان ثمة مجموعات طبية محلية تعمل على أبحاث للحد من انتشار الأمراض وتخفيف نسبتها، بالاعتماد على خبراتها العلمية، وبمساعدة من بعض المخابر في العاصمة دمشق. وكانت هذه المجموعات تتابع حالات السرطان في المشافي والمراكز الصحية والجمعيات التي كانت تقدم العلاج المجاني للمرضى، وقد حققت هذه المجموعات التطوعية نجاحاً في الحد من انتشار السرطان، من خلال برامج توعية للسكان بضرورة إجراء الفحوصات المبكرة، وعلاج عشرات الحالات التي كان فيها المرض في بداية انتشاره، إلّا أنّ ظروف الحرب التي عاشتها البلاد تسببت باندثار جهود هذه المجموعات بسبب اعتقال قسم منها وسفر آخرين إلى دول أخرى».

وأضاف نمرة أن السوريين الذين تعرضت مناطقهم للحصار والحملات العسكرية «واجهوا نقصاً حاداً في الغذاء، وتعرضوا للتسمم بمواد جرثومية وكيماوية بشكل مباشر أو عبر المحاصيل التي تشرّبت جذورها هذه المواد، الأمر الذي شكّل خطراً على السكان الذين اضطروا لتناول أي شيء دون اعتبار للأضرار المترتبة عليه، وسط غياب التوعية الطبية بمخاطر ذلك»، مشيراً إلى أنّ انتشار المواد الكيماوية التي تنتقل عبر ذرات الهواء والماء والتربة «أدى إلى ارتفاع نسبة السرطان بما يقارب 7% في عموم سوريا».

جهود عشوائية وظروف معقّدة

يقول الطبيب باسل نمرة إن الظروف السياسية والأمنية الخطيرة في سوريا أدّت إلى تراجع التواصل والاحتكاك بين الأطباء الموجودين في مناطق سيطرة النظام والأطباء الموجودين خارج البلاد، أو الذين تم تهجيرهم منها في زمن الحرب، وهو ما أثر سلباً على الواقع الصحي في البلاد، ذلك أن هذا الاحتكاك كان يكسب الأطباء داخل البلاد معارف وخبرات حديثة يحتاجونها، ذلك إضافة إلى عدم مواكبة التطور المخبري المستمر خارج سوريا، إذ تحتاج بعض الحالات المرضية تشخيصاً مخبرياً دقيقاً غير متوافر داخل البلاد، ومنها تلك التي أدت لوفاة عشرات الأطفال دون تحديد ماهيتها وأسبابها.

كذلك يشير الطبيب إلى أنّ المنظمات والمراكز الطبية المدعومة دولياً في مناطق سيطرة فصائل المعارضة «تحتاج لإعادة هيكلة، ووضع برامج جديدة لآلية العمل فيها، حيث أنّها تأتي ببرامج مُعدة مسبقاً، بدلاً من تحديد الحاجات الفعلية بشكل دقيق والعمل على أساسها. يجب أن تكون برامج هذه المنظمات طويلة الأمد، لأنّ معظم الأزمات والمشاكل الصحية لا يمكن حلّها ببرامج قصيرة الأمد. سوريا تحتاج مشروعاً وطنياً شاملاً ومتكاملاً لتنظيم الجهود المبذولة وتقنين الدعم المقدم من المنظمات الدولية، لوضع خطة عمل مستمرة لسنوات على الأقل».

ويلفتُ نمرة إلى أنّ الوضع السياسي الحالي ساهم في تعقيد الواقع الطبي في سوريا، فالعقوبات الدولية المفروضة على مؤسسات النظام، بسبب انتهاكه حقوق الإنسان واستخدامه الأسلحة المحرّمة دولياً، أدّت إلى حظر إرسال التجهيزات الطبية المتطورة إلى البلاد، كما تسببت بانقطاع العلاقات مع دول كانت ترغب في تطوير الواقع الطبي في سوريا عبر برامج متقدمة.

وحذّر الطبيب من خطورة الوضع الصحي في سوريا قائلاً إن «هناك أمراضاً تحتاج إلى سنوات لاكتشافها، كما أنّ بعضها يبقى في فترة حضانة في الجسم لفترة تتراوح من عشرة إلى خمسة عشر عاماً، فالمصابون كُثر والعناية بهم غير موجودة، وهذا يدفعنا لتشغيل إنذارات الخطر على المدى الطويل»، منوهاً إلى أن ما يُعقّد الحالة الصحية للمرضى هو انتشار الأدوية منتهية الصلاحية: «هناك مستودعات كاملة من الأدوية منتهية الصلاحية، والوضع الاقتصادي العام مع العقوبات المفروضة على البلاد دفع مؤسسات النظام للتخلص منها عبر المشافي العامة والخاصة، وقد سُجّلت عدة حالات صُرفت فيها أدوية منتهية الصلاحية في المشافي الخاصة والعامة، ولوحظ انتكاس وضع المرضى الصحي بدلاً من التماثل للشفاء»، يقول نمرة.

ونشرت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها أنّ سنوات الحرب في سوريا دمرّت نظام الرعاية الصحية، فأكثر من نصف المستشفيات العامة ومراكز الرعاية أُغلقت أو لا تعمل بكامل طاقتها، ويتجاوز عدد المحتاجين للمساعدة 11.3 مليون شخص، ثلاثة ملايين منهم يعيشون بأمراض مزمنة وإصابات وإعاقات خطيرة.