تركيا تهدّد باستئناف معاركها في سوريا

 


قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم أمس إن بلاده ستواصل العمليات العسكرية في سوريا «حتى إقامة المنطقة الآمنة»، مضيفاً أن تركيا ستلتزم بالاتفاقات مع كل من الولايات المتحدة وروسيا إذا التزمت الأخيرتان بوعودهما بخصوص انسحاب مقاتلي وحدات حماية الشعب، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، من المناطق المحاذية للحدود السورية التركية، إلا أنه شكك في التصريحات الروسية التي قالت إن هذا الانسحاب قد تم تنفيذه بالفعل، واتّهم الولايات المتحدة أيضاً بعد تنفيذ وعودها في هذا المجال.

وجاءت تصريحات أردوغان هذه بُعيد إعلان وزارة الدفاع الروسية في بيان لها عن نجاح تسيير الدورية الثانية المشتركة بين الشرطة العسكرية الروسية وقوات حرس الحدود التركي، وقال البيان إن الدورية المشتركة قطعت مسافة 70 كلم بعد دخولها من معبر جمركي على الحدود السورية-التركية، بينما قالت مصادر عسكرية تركية لوكالة الأناضول إن عمل الدورية المشتركة شمل المنطقة الواقعة بين شرق عين العرب/كوباني وغرب تل أبيض حيث تسيطر القوات التركية بشكل مباشر. وكانت الدوريات المشتركة بين أنقرة وموسكو قد بدأت أعمالها يوم الجمعة الفائت الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، تنفيذاً للاتفاق المشترك بين الطرفين، والقاضي بتسيير دوريات للتأكد من انسحاب مقاتلي الوحدات الكردية من الحدود مع تركيا.

وعلى الرغم من أن اتفاقات تركيا مع الولايات المتحدة وروسيا قد ضمنت لها استقرار سيطرتها المباشرة على مدينتي تل أبيض ورأس العين والشريط الحدودي الواصل بينهما بعمق 30 كم داخل الأراضي السورية، وعلى الرغم من أن الدولتين قد ضمنتا لها انسحاب المقاتلين الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية من بقية المناطق الحدودية التي لا تسيطر عليها، إلا أن تصريحات أردوغان تعكس عدم رضى تركيا عن ما تم تنفيذه حتى الآن، وتؤكد عدم اكتفائها بانتشار قوات النظام السوري والشرطة العسكرية الروسية على بقية الشريط الحدودي معها، ورغبتها في إنهاء كل وجود لقسد في المنطقة بما في ذلك هياكل الإدارة المدنية المرتبطة بها على طول الحدود، وهو ما يفتح الباب على توتر مستمر واحتمال اندلاع اشتباكات ومعارك جديدة في كل وقت.

وبالفعل، تستمر الاشتباكات المتقطعة على جبهات تل تمر وأبو راسين/زركان في محافظة الحسكة، وهي الجبهات الجنوبية الشرقية من مناطق السيطرة التركية قرب رأس العين، وذلك على الرغم من أن إعلان تركيا السابق عن توقف عمليتها العسكرية بعد الاتفاقات مع كل من موسكو وواشنطن. وقالت قوات سوريا الديمقراطية يوم أمس إنها أفشلت هجوماً للفصائل المدعومة من تركيا على قرية باب الخير في تلك المنطقة، وهي واحدة من المناطق التي انتشرت فيها قوات النظام السوري إلى جانب قوات قسد بعد الاتفاق الروسي التركي، وشهدت منذ ذلك الوقت اشتباكات، كان بعضها بالغ العنف، بين قسد وقوات نظام الأسد من جهة والقوات التركية ومقاتلي الفصائل التابعة لها من جهة أخرى.

وكانت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري قد قالت يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي إن اشتباكات عنيفة حصلت بين القوات التركية وقوات النظام السوري بالقرب من رأس العين، في حين قالت معرفات تابعة لما يُعرف بـ «الجيش الوطني» المدعوم من أنقرة وقتها إن اشتباكات متقطعة حصلت في المنطقة. وفي اليوم التالي لتلك الاشتباكات، قامت القوات التركية بتسليم عدد من عناصر قوات النظام كانوا قد أسروا على يد فصائل المعارضة المدعومة من أنقرة خلال الاشتباكات التي دارت بين الجانبين، وقام الجانب التركي بتسليم العناصر الثمانية عشر للنظام بإشراف روسي في معبر الدرباسية شمال الحسكة.

وتشير مجمل هذه الوقائع، بما فيها الدوريات التركية الروسية المشتركة، إلى أن سائر مناطق الحدود التركية السورية التي لا تسيطر عليها تركيا مباشرة قد باتت تحت النفوذ الروسي، وسيكون مصير وجود قسد والإدارة الذاتية التابعة لها في هذه المناطق رهيناً بالتوافقات الروسية التركية، وبمدى قدرة قوات النظام على السيطرة الأمنية والعسكرية والإدارية فيها. أما بقية مناطق سيطرة قسد، فيبدو أنها ستبقى خاضعة بمعظمها للنفوذ الأميركي، الذي بدأ النفوذ الروسي يزاحمه مع انتشار قوات النظام في منبج بريف حلب الشرقي، وفي محيط الطبقة وسد الفرات ومدينة عين عيسى في محافظة الرقة.

وقال مسؤولون أميركيون يوم أمس لوكالة أسوشيتد برس إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعطى الموافقة على خطة لبقاء القوات الأميركية لحماية حقول النفط في شرق سوريا، وأن هذه الموافقة الرسمية جاءت بعد اجتماع عقده ترامب مع قادة وزارة الدفاع يوم الجمعة الماضي. وكانت معالم هذه الخطة قد بدأت تظهر للعلن منذ الأسبوع الماضي، عبر تصريحات لمسؤولين متعددين من بينهم ترامب نفسه، وهي تقتضي أن تنتشر قوات أميركية إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية لحماية مساحة واسعة تمتد على مسافة 150 كم بين دير الزور والحسكة حيث تقع أكبر حقول النفط السورية شرق البلاد. وتعد حقول العمر والتنك والورد في ريف دير الزور الشرقي أكبر هذه الحقول، ويبدو أن الخطة الأميركية تستهدف حرمان النظام السوري وإيران من عوائد هذه الحقول، وتهدف في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بوجود أميركي مهم شرق البلاد قرب الحدود العراقية، لأسباب تتعلق بالصراع مع إيران.

تميل خرائط النفوذ الجديدة في الجزيرة السورية إلى الاستقرار، وهي تشهد تزاحم مزيج من النفوذ والسيطرة المباشرة لعدة دول عظمى وإقليمية. وفي ظل هذا التزاحم والتداخل الشديد، وفي ظل استمرار التهديدات التركية باستئناف القتال، يبدو واضحاً أن هذا الاستقرار الحرج لن يكون إلا استقراراً مؤقتاً، ستعقبه تحولات أخرى يدفع ثمنها مجدداً سكان الجزيرة السورية، الذين كان ثمن التحولات الأخيرة بالنسبة لهم نزوح عشرات الآلاف من بيوتهم ومئات الضحايا والجرحى جراء العملية العسكرية التركية.