تنفيذٌ لأستانا أم نسفٌ له؟

 


تستمر الحملة العسكرية التي تشنها قوات النظام وحلفاؤها على مناطق في ريفي حماة وإدلب منذ نهاية شهر نيسان/أبريل الفائت، متسببة بمزيد من الضحايا والنزوح والدمار، في وقت تبدو فيه الجهود الدولية والإقليمية لوقفها متواضعة للغاية، حتى على صعيد التصريحات وبيانات التنديد، وفي وقت لا تزال فيه أهداف هذه الحملة والحدود التي ستقف عندها غير واضحة.

وكان أعضاء مجلس الأمن قد فشلوا في إصدار بيان حول إدلب بعد جلسة مغلقة يوم الجمعة الفائت، وذلك بسبب المعارضة الروسية، فيما اكتفى مندوب بلجيكا بقراءة بيان جماعي أمام الصحفيين بعد انتهاء الجلسة المغلقة، وقعت عليه بالإضافة إلى بلجيكا تسع دول من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والكويت، وتضمن إدانة لـ«مقتل المدنيين في شمال غربي سوريا»، ودعوة إلى ضرورة الالتزام باتفاقية سوتشي الموقعة بين تركيا وروسيا خريف العام الماضي حول المنطقة منزوعة السلاح الثقيل.

وفي تصريح هو الأول لمسؤول تركي منذ بداية هذه الحملة، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار لوكالة الأناضول إن بلاده: «تنتظر من روسيا اتخاذ تدابير فاعلة وحازمة من أجل إنهاء هجمات قوات النظام وضمان انسحاب فوري للقوات إلى حدود إدلب المتفق عليها في مسار أستانا». فيما قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري في لقاء أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط، إن روسيا أبلغت بلاده أن هذه العمليات محدودة للرد على قصف هيئة تحرير الشام لقاعدة حميميم، لكنه عاد ليؤكد في اللقاء نفسه أن واشنطن «تريد وقف هذا الهجوم (...) لأن هجوماً شاملاً على إدلب سيكون عملاً متهوراً ونعارضه بشدة».

ميدانياً، استطاعت قوات النظام أول أمس السبت، تحقيق تقدم على محور جبل شحشبو بريف حماة الغربي شمال بلدة قلعة المضيق، بعد تمكين سيطرتها على بلدة المستريحة، مما جعل خط الجبهة على بعد أربعة كيلومترات فقط من نقطة المراقبة التركية قرب بلدة شير مغار. وبالمقابل، فشلت قوات النظام في تحقيق أي تقدم على محور بلدة الهبيط، ما يعني أن خطوط الجبهات في ريف حماة الشمالي لا تزال على حالها منذ سقوط بلدة كفرنبودة بيد قوات النظام الأسبوع الماضي.

بالتوازي مع ذلك، قال تقرير لموقع المدن إن الميليشيات الإيرانية تحشد قواتها لمساندة قوات النظام والقوات الروسية على جبهة مدينة اللطامنة بريف حماة، التي تعد خط الدفاع الأول عن كل من بلدة كفرزيتا بريف حماة الشمالي ومدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي. كما أفاد ناشطون محليون بأن اشتباكات دارت على محور الكبانة في منطقة جبل الأكراد بريف اللاذقية، وأكدت تقارير إعلامية أنّ قوات النظام لم تستطع تحقيق أي تقدم على هذا المحور حتى اللحظة.

إذن ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت العمليات العسكرية التي يشنها النظام على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي ستقف عند حدود معينة، أم أنها ستتطور لتصبح عمليات واسعة تشمل كامل المنطقة التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة في إدلب وأرياف حماة واللاذقية وحلب. كما أنه ليس ثمة معلومات مؤكدة حول ما إذا كانت هذه العمليات ناجمة عن تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة بين ضامني مسار أستانا، على ما قال محللون وذكرت تقارير صحفية عديدة، أم أنها ناتجة عن خلافات بين هؤلاء الضامنين وفق تحليلات أخرى.

يعتبر حايد حايد، الباحث المستشار في معهد تشاتام هاوس، أن العمليات العسكرية الحالية لا توحي حتى اللحظة بأنها عمليات واسعة، وأنها على الأرجح ستشمل مناطق محدودة في ريفي حماة الشمالي والغربي، وأضاف حايد في تصريح للجمهورية: «أتصور أن العمليات التي تقوم بها روسيا في ريف حماة وإدلب، كانت بعلم أنقرة، ويؤيد ذلك غياب التصريحات الرسمية التركية باستثناء تصريح وحيد لوزير الدفاع جاء متأخراً ولم يحمل لهجة تصعيدية تجاه موسكو، كما يؤيد هذا الاستنتاج أن الفصائل المدعومة من أنقرة مثل الجبهة الوطنية للتحرير، أو حتى تلك التي تمتلك تفاهمات مع تركيا مثل هيئة تحرير الشام، لم ترمِ بكامل ثقلها في المعركة».

أما معن طلّاع، الباحث في مركز عمران للدراسات، فيعتبر أنه لا يمكن إخراج عملية إدلب من منظور النظام وحلفائه، الذي ينتهي إلى السعي للسيطرة على كافة الأراضي السورية، حتى أن توقف العمليات في الفترة الماضية لم يكن إلّا جزءاً من هذا المنظور، وحلقة من حلقات تنفيذه. مضيفاً أنه بات واضحاً اليوم أن مسار أستانا كان إيغالاً في حرف العملية السياسية عن جوهرها الرئيسي وفق القرارات الدولية، إلى أن وصلنا مرحلةً بات فيها المسار السياسي، حتى بعد اختصاره إلى لجنة دستورية، غير ممكن نتيجة المعطيات على الأرض.

ويقول طلّاع في حديثه للجمهورية: «ربما تتوقف هذه العملية عند حدود تطبيق مخرجات أستانا، ما يعني تأمين المجال الحيوي لطريقي دمشق-حلب وحلب-اللاذقية الدوليين لصالح النظام وروسيا؛ وربما تكون ذات أهداف واسعة تشمل كافة المحافظة والأرياف المحيطة، ما يعني دخول النظام وحلفائه في معركة استنزاف بالغة الصعوبة؛ وربما يشهد التصعيد توقفاً خلال الأيام القادمة نتيجة ضغط دولي، مما سيثبّت خطوط النار الناتجة عن هذه العمليات، ويضع مكتسبات النظام الحالية في وضع قلق وغير نهائي على الأرض»، مؤكداً أن أياً من المآلات الثلاثة لن يعني بأي حال تغييراً فعلياً في استراتيجية النظام الرئيسية الساعية لسحق خصومه كلهم عسكرياً.

أما بالنسبة لتركيا، فيعتقد طلّاع أنها تمتلك تصوراً لما يمكن أن يجري من عمليات عسكرية نتيجة انخراطها في مسار أستانا، إلا أنها لا تمتلك التفاصيل الدقيقة حول مدى وعمق تلك العمليات، مضيفاً أن تصريحات وزير الدفاع التركي الأخيرة تشير بوضوح إلى أن مسار أستانا مسار ذو طبيعة أمنية، وأنه غير قادر على إنجاز أي تقدم على المسار السياسي.

في وقت تعتبر فيه التصريحات التركية الرسمية أن هذه المعركة خروج عن مسار أستانا، وفي وقت تبدو فيه العمليات العسكرية على الأرض خروجاً فعلياً عن هذا المسار والاتفاقات التي بنيت عليه بما فيها سوتشي، فإن ضعف رد الفعل الدولي، وعدم اتخاذ تركيا إجراءات جدية لوقف الحملة حتى الآن، يعطي إشارات معاكسة تقول إن ما يجري متفقٌ عليه بصيغة أو بأخرى. لكن ما يبقى مؤكداً على أي حال، هو أن مسار أستانا لم يكن إلا واحداً من أدوات حرب النظام ضد خصومه في سوريا، وأن السوريين يدفعون ثمن تفاهمات إقليمية ودولية لا يعرفون عنها شيئاً، وثمن وحشية النظام المنفلتة من كل قيد، وثمن ضعف وتشتت قوى المعارضة السياسية والعسكرية، التي رهنت مصيرها بتفاهمات وتوازنات ليس لها يد في تقريرها أو التأثير فيها.