جحيم مخيم الركبان المنسي

 


توفيت قبل أيام امرأة في مخيم الركبان بعد تدهور حالتها الصحية أثناء الولادة، وعجز الكوادر الطبية عن تقديم المساعدة لها في ظل الحصار المفروض من قبل قوات النظام على المخيم الواقع في البادية قرب مثلث الحدود الأردنية السورية العراقية، ما يمنع وصول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية إليه. وجاءت وفاة السيدة بعد تعرضها لانخفاض حاد في ضغط الدم تلاه احتشاء في القلب، الأمر الذي عجزت الكوادر الطبية المتواضعة عن معالجته، وتطلّب نقلها إلى الأردن، لكن الوقت لم يكن كافياً أمامها، فلم تتمكن من الوصول إلى الحدود، وتوفيت مع جنينها على الطريق.

واقع طبي وخدمي مزرٍ

يقطن في مخيم الركبان اليوم ما يتراوح بين ثلاثين وأربعين ألف نسمة، وكانت معلومات سابقة قد تحدثت عن أن عدد قاطنيه وصل في ربيع 2017 إلى ما يقرب من سبعين ألفاً، إلا أن شهادات حصلنا عليها خلال إعداد هذا النص قالت إن عدد سكان المخيم ربما لا يكون قد تجاوز الخمسين ألف نسمة في أي وقت. ويرجع التضارب في الأرقام، بما في ذلك أعداد الباقين فيه اليوم، إلى التغيّير المستمر فيها، وخصوصاً بعد مغادرة كثيرين له في الأشهر الأخيرة، وإلى ضعف الخدمات التي تقدمها المنظمات الإنسانية لقاطنيه، ومعها ضعف كفاءة عمليات الإحصاء، بالإضافة إلى وجود تجمعات سكانية أخرى قريبة منه مثل الزرقة والحقل والدكاكة، تعيش في ظروف مماثلة لظروفه.

على الرغم من وجود عشرات الآلاف فيه، ومن وجوده في منطقة ذات ظروف مناخية صعبة وسط البادية، لا يتم تقديم الدعم المناسب والخدمات الطبية لسكان المخيم، سواءً من المنظمات المحلية أو الدولية، كما لا يوجد أي طبيب يقطن في المخيم، ولا يقدم العلاج للمرضى فيه سوى عشرة ممرضين وبعض القابلات المختصات بالأمراض النسائية والولادات، يعتمدون جميعاً على أدوات بدائية وتجهيزات أولية، إضافةً لكونهم لا يملكون خبرة كافية تساعد على إنقاذ الحالات الحرجة، كما حصل في حالة المرأة التي توفيت أثناء الولادة.

وبحسب الناشط سعيد سيف، فإنّ المراكز الطبية في المخيم تحتاج لتجهيزات ضرورية أهمها حاضنات الأطفال وأجهزة التنفس وغسيل الكلى والإنعاش، إضافةً إلى افتقارها لأدوية الأمراض مزمنة، ما يضطر المرضى لدفع مبالغ إضافية على سعر الدواء للحصول عليه من مناطق النظام عبر التهريب. كما تحتاج المراكز إلى مضادات للسعات العقارب والأفاعي، التي تكثر في المنطقة مشكلة خطراً إضافياً على قاطني المخيم.

وأشار سيف إلى أنّ الحالات الحرجة يتم نقلها في الوقت الحالي إلى مشافي الأردن، بتنسيق مع الجيش الأردني ومفوضية اللاجئين السوريين في الأردن، إلّا أنّ هذه العملية تستغرق ساعات وقد يفارق المريض الحياة دون القدرة على إنقاذه، خصوصاً وأنّ الطريق بين المخيم والمنطقة المتفق عليها لإدخال المرضى يستغرق ساعتين بالسيارة، كما أنّه ليس مُعبداً بالكامل، ما يزيد من صعوبة الأمر. ويقتصر دور منظمة اليونيسيف على إنشاء نقطة طبية للمخيم في الأراضي الأردنية تبعد 10 كم عنه، وتعمل بدوام جزئي من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، ولا تستقبل أي حالات بعد هذا الوقت.

أما بالنسبة للوضع التعليمي فإنه ليس أفضل حالاً من القطاع الطبي في المخيم المنسي، كما يطلق عليه بعض الناشطين، فأكثر من 1500 طفل بلغوا سن التعليم ولم يلتحقوا بالمدارس أو الصفوف التعليمية، بينما يتلقى قرابة 4500 طالب التعليم في أربع مدارس كبيرة وأربعين مدرسة صغيرة (عبارة عن خيمة أو غرفة واحدة)، على يد مئة وثلاثين معلماً فقط.

ويرى الأستاذ أحمد الحمصي أنّ التعليم في المخيم يفتقد لأبسط المستلزمات، إضافةً لقلة عدد المدارس مقارنة بعدد الطلاب الكبير، الأمر الذي يدفع القائمين على المدارس إلى وضع أعداد كبيرة في الصف الواحد. كما أن كثيراً من الأهالي عاجزون تماماً عن تقديم القرطاسية والاحتياجات المدرسية لأطفالهم، الذين يواجه المئات منهم خطر خسارة فرصة التعليم نهائياً، ويقبعون تحت رحمة أصحاب الأشغال الذين يوظفونهم في أعمال شاقة مقابل أجور قليلة.

الحصار يتسبب بخروج الآلاف إلى مناطق النظام

يعتمد النازحون في المخيم على بعض المواد التموينية الموجودة بأسعار مرتفعة، إلّا أنّه ليس بمقدور الجميع شراؤها نتيجة عدم وجود فرص عمل أو مردود مالي للنازحين، باستثناء بعض الحوالات التي تصلهم من أقاربهم في مناطق أخرى، أما الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية فهي لا تستطيع إدخال المساعدات بشكل منتظم إلى المخيم، حتى أنّ آخر قافلة مساعدات من العاصمة دمشق كانت قبل سبعة أشهر.

ويفرض النظام وشريكه الروسي حصاراً على ساكني المخيم، ويمنعون وصول المواد الغذائية والأساسية والطبية إليهم، حتى بات منطقة غير صالحة للعيش تحت أنظار المجتمع الدولي. وقد تسبب ذلك بخروج أكثر من 14 ألف شخص من المخيم في الأشهر الأخيرة إلى مراكز إيواء في مدينة حمص، بالتعاون بين النظام وعدة شخصيات تعمل سراً من داخل المخيم حسب شهادات السكان.

وقد وعد المنسقون مع النظام سكان المخيم بالعديد من المزايا حال خروجهم، مثل تأجيل المتخلفين عن الخدمة العسكرية لستة أشهر، وبأنّ المسؤولين المباشرين عنهم سيكونون من الضباط الروس، وبأنه لا علاقة للأفرع الأمنية بهم. كما تم إقناعهم بأنّ مراكز الإيواء ستكون مؤقتة، وسيُسمح لهم بمغادرتها بعد إجراءات روتينية، إلّا أنّ الخارجين تعرضوا لانتهاكات من قبل قوات النظام رغم كل التعهدات، إذ تم اعتقال المطلوبين أمنياً وسوق مئات الشبّان إلى الخدمة العسكرية، كما قُتل شابان أثناء خروجهما من المخيم في ظروف غامضة، ولم يتم الكشف عن ملابسات مقتلهما أو البحث فيها.

ويقول الناشط سعيد سيف أنّ الخروج من المخيم طوعي لمن يريد، لكن ما يجبر الناس على الخروج هو الأوضاع الإنسانية القاسية، أما ما يجبر الآخرين على البقاء فهو الخوف من ممارسات النظام، لافتاً إلى أنّ الراغبين بالخروج يطلبون سيارات أجرة من خارج المخيم لتقلهم إلى أطراف البادية، حيث يكون بانتظارهم ضباط روس وآخرون تابعون لجيش النظام، قبل أن يتم تحويلهم إلى مراكز الإيواء، لتصبح أفرع النظام الأمنية هي المسؤول المباشر عنهم فيها.

وأضاف المصدر أن ضباط النظام يستغلون هذا الحصار لتحقيق مكاسب مالية، حيث يتقاضون رشاوى كبيرة على كل سيارة بضائع تدخل إلى المخيم، وينعكس ذلك على النازحين بارتفاع الأسعار وشح المواد الأساسية، كما يطلبون مبالغ مالية كبيرة من الأشخاص الراغبين بمغادرة المخيم عن طريق التهريب إلى مناطق سيطرة المعارضة، خوفاً من تعرضهم للاعتقال أو الملاحقة في حال خروجهم إلى مناطق النظام.

مشهد مُعقّد ومتحدثون كُثر

تتعقد الصورة في مخيم الركبان باستمرار الحصار المفروض عليه وعدم تحرك الجهات الدولية، وهو ما فتح المجال لظهور كثير من الشخصيات والهيئات التي تتبنى مسؤولية المخيم، دون تنفيذ أعمال تخفف من تردي الوضع المعيشي والطبي والاجتماعي فيه، أو البحث عن آلية واضحة بالتنسيق مع الجهات الدولية لإنقاذ حياة سكّانه. ولا تجد هذه التشكيلات والهيئات القبول لدى النازحين في المخيم، الذين لا يستطيعون تحديد الجهات المسؤولة عنهم بسبب كثرة من يدعي ذلك.

وأوضح الناشط سعيد سيف أنّ إدارةً مدنية يرأسها شخص يدعى فيصل الحدار، تشكلّت لإدارة أمور المخيم المدنية دون التدخل بالواقع الأمني فيه، فيما كان فصيل جيش العشائر المدعوم من الأردن مسؤولاً عن نقل الجرحى والحالات الطبية الحرجة منه إلى الأردن، مضيفاً أنّ المخيم شهد تشكيل قيادة أركان، وكتيبة شرطة عسكرية ومدنية، إلّا أنّ هذه التشكيلات لم تلقَ أي دعم لتسيير أمورها، الأمر الذي تسبب بتوقفها والتفات عناصرها لتأمين قوتهم اليومي، في ظل الحصار الذي يعيشونه في المخيم، الذي لا يصله حتى الخبز إلا بشكل قليل ومتقطع.

وأضاف سيف أنّ محاولة لتشكيل مجلس محلي لإدارة الواقع الأمني فيه فشلت مؤخراً، ليبقى بذلك دون إدارة فعلية، رغم وجود عدة فصائل في مناطق قريبة منه. وقد دفعت هذه الظروف المنظمات الدولية إلى العزوف عن التعامل الرسمي مع الهيئات المُشكلة داخل المخيم لعدم اتفاق الجميع عليها، وعدم قدرتها على تنفيذ خطوات عملية داخله، أو التواصل بشكل رسمي مع الجهات الدولية فيما يخصه.

وأكدت مصادر من المخيم للجمهورية أنّ وجهاء العشائر وعدداً من العاملين في المخيم شكلّوا وفداً وطالبوا قاعدة التحالف الدولي الموجودة في المنطقة بإدخال المساعدات الإنسانية للمخيم، إلّا أنّ طلبهم قوبل بالرفض، وكان الرد بأنّ القاعدة ليس لها صلاحيات للتدخل بالأمور الإنسانية، وأن عملها يقتصر على الجانب العسكري، وأنه «يجب التواصل مع الإدارة في واشنطن» من أجل طلبات كهذه.

وأشارت المصادر إلى أنّ الوجهاء طالبوا بفتح ممرات آمنة للنازحين في المخيم ليخرجوا باتجاه مناطق الشمال السوري الخارجة عن سيطرة النظام، على غرار ما حصل في مناطق عديدة من البلاد، لكنّهم لم ينجحوا في ذلك، مؤكدةً أن التحالف ليس عاجزاً عن تقديم المساعدات للمخيم، أو فتح ممرات آمنة، إلّا أنّه لا يٌقدم شيئاً لأسباب قد لا تكون مجهولة، فمعاناة الآلاف لم تعد أمراً يُكترث له في الحسابات السياسية.

بين هذا وذاك، لا يزال سكان الركبان يعيشون أسوأ الظروف الإنسانية، أمامهم حدودٌ مغلقة، وخلفهم قوات النظام المستعدة لاعتقال العائدين وإهانتهم، بينما لم تنفع النداءات الإنسانية التي يطلقها سكان المخيم والمناصرون لهم في تحريك الأمم المتحدة، ولا الولايات المتحدة التي تسيطر على قاعدة التنف القريبة منه، ومعها فصائل مناوئة للنظام السوري.