جريمة مونستر: اللاجئون داخل الحدث رغماً عنهم

 

«رجلٌ يهاجم حشداً من الناس بسيارة شحن صغيرة في وسط مدينة مونستر»، هذه كانت صيغة الخبر الأوليّ الذي نشرته وسائل الإعلام الألمانية في السابع من نيسان الجاري، وأسفرت الحادثة المذكورة فيه عن ثلاث ضحايا بينهم الجاني نفسه، وعشرات الجرحى. وما هي إلّا ساعات قليلة حتى بدأ سيل الاتهامات الموجّه ضد سياسة ميركل، وضد سياسة الترحيب باللاجئين في ألمانيا.

نشرت الشرطة الخبر كما تداولته وسائل الإعلام، دون أي ذكرٍ لخلفية الجاني أو انتماءاته أو جنسيته، وناشدت المواطنين عشرات المرات تجنُّبَ الأخبار المزيّفة، مؤكّدةً أنها ستنشر الحقائق أولًا بأول، لكن الإشاعات والتنبؤات انتشرت بسرعة كبيرة، وتوجهت الأصابع والأنظار إلى المسلمين واللاجئين.

توقّعَ كثيرون أن الاعتداء مرتبطٌ بالإرهاب، لأن حادثة الدهس بالشاحنة هذه لم تكن الأولى من نوعها، بل سبقتها حادثةٌ تبناها تنظيم داعش، حين تسبَّبَ سائق شاحنة تونسي بمقتل 12 شخصاً وجرح 48 آخرين وسط العاصمة الألمانية برلين في شهر كانون الثاني 2016.

نَفَت الشرطة بعد عدة ساعات وجود علاقة للإرهاب والتطرّف بالحادثة، فتنفّسَ كثيرون الصعداء، إذ لا يخيفهم شيء كما يخيفهم أن يُعاد السيناريو الماضي نفسه، لكن الشكوك التي أثارها الخوف الحاضر من الإرهاب بين الألمان استمرّت، يدفعها إلى ذروتها تحريض اليمينيين المتطرفين، فالجاني بالنسبة لهؤلاء لا يمكن أن يكون ألماني الجنسية، بل لا بدَّ أن يكون ذا أصول أجنبية لدعم سياستهم العنصرية.

كانت بياتريكس فون شتورخ من حزب البديل الألماني في مقدمة من شاركوا في موجة الشائعات، ناشرةً على حسابها في تويتر بعد ساعة تقريباً من أول خبر جاء من مونستر، وقبل نتيجة التحقيق الأولي، تغريدةً تلقي فيها اللوم على سياسة ميركل. فيما كان هربرت رويل، وزير داخلية الولاية التي تتبعُ لها مونستر، قد أكّدَ أنه لا دليل على وجود دوافع إرهابية في الجريمة، مضيفاً أن سائق الشاحنة ألماني الجنسية وليس لاجئاً. كما نشرت الصحف الألمانية أن الجاني يدعى يانس، وهو من منطقة زاورلاند.

بعدها تمَّ تداول صورة مقتطعة من سياقها لشاب أسمر البشرة مع لحية خفيفة، بوصفه المسؤول عن الحادثة. تمّت مشاركة الصورة آلاف المرات في وسائل التواصل الاجتماعي، لتصبَّ النار فوق زيت الكراهية، ونشر مارتين شيفر، القيادي حزب البديل، الصورة ساخراً: هل هذا مظهر شاب من زاورلاند؟

بعدها نشرت شبكة «Buzz Feed» قائمةً تجمع الصور المزيفة التي انتشرت تحت عنوان: هذه الصور مزيفة ولا علاقة لها بمونستر. كما أكّدَت شرطة الولاية أن صورة الشاب الأسمر المنتشرة هي مجرد تلفيق، وأنها لا تنشر صور مرتكبي الجرائم، مؤكِّدةً على أهمية دعمها عبر محاربة الشائعات والأخبار الكاذبة.

الجاني ألماني الجنسية

بعد نفي الشائعات والتأكد من أن الجاني ألمانيّ الجنسية، تحوَّلَ حديث الصحافة إلى القول إنه يعاني من اضطرابات نفسية. التقطَ الداعمون لسياسة الترحيب باللاجئين أنفاسهم، فالجاني ليس مسلماً أو لاجئاً، وكان على اليمينيين التراجعُ خطوة إلى الوراء. أصبحت فون شتورخ مدينةً باعتذار نشرته على صفحتها على فيسبوك، وأصبحَ مارتين شيفر مضطراً لحذف الصورة التي نشرها.

حاولت فون شتورخ تبرير موقفها قائلة إنها مثل آلاف الألمان، افترضت أنه كان هجوماً إسلامياً، لكنها عادت لتنشر بعدها على تويتر ما يؤكد موقفها في معاداة سياسة اللجوء، قائلة إن الجاني يقلّدُ الإسلاميين، وإن كونه ألمانياً يعني أن لدينا ما يكفي من المجرمين، ولسنا بحاجة لاستيرادهم من الخارج، مضيفةً أن ذلك لا يعني أن نوقف صافرة الخطر، لأنه في ظل وجود أكثر من 700 إسلامي خطر في البلاد، وفقَ آخر إحصائية أعلنتها الهيئة الاتحادية لمكافحة الجريمة في ألمانيا، فإن مسألة حصول اعتداء إسلامي هي مجرد مسألة وقت.

عن المسؤولية الصحفية

كانت مسؤولية الصحفيين كبيرة في الحادثة، إذ قام المعادون للاجئين باتهام الصحافة بإخفاء معلومات الجاني، والتكتمّ على هويته لأنه «مسلم وإرهابي» وفق زعمهم، مما أوقع الصحافة في فخّ تسليط الأضواء على جنسية الفاعل، ومنحها الأولوية عند تغطية الحدث.

يقول البند الثاني عشر من ميثاق الصحافة الألمانية، في القسم المخصّص للحديث عن مناهضة العنصرية في العمل الصحفيّ، إنه لا ينبغي في الحالة العامة ذكر هوية الجاني في حال انتمائه إلى أقليات عرقية أو دينية، ويُستثنى من ذلك وجود اهتمام شعبي «مُبرّر» بذلك، مع أهمية الأخذ بالاعتبار ألّا يؤدي ذكر الانتماء إلى تغذية الأحكام المسبقة ضد الطرف الآخر أو تأجيجها. وهنا يكون على رئيس التحرير اتخاذ القرار المناسب بمسؤولية ووعي، موازناً بين إشباع الفضول الشعبي، وبين إمكانية فتح الباب للتعميم العنصري الأعمى.

ولأن هذه الحادثة بحسب راديو ألمانيا لن تكون الأخيرة من نوعها للأسف، فـ «على الصحافة أن تراجع ذاتها وتتعلم من الأخطاء المهنية التي ارتكبت في حادثة مونستر، وألّا ينحرف مسارها بسبب الضغط الذي يمارسه المتطرفون».

ليس المهم ماذا وكيف، المهم من ولماذا

رغم أن ما حدث في مونستر لم يكن اعتداءً مرتبطاً بالإرهاب ومسألة اللاجئين والتشدّد الإسلامي، إلا أن تفاعلاته جاءت في صلب هذه القضايا، إذ أنه سلَّطَ الضوء على الخوف العميق من الإسلاميين والاعتداءات الإرهابية في ألمانيا، كما بيَّنَ استعداد القوى اليمينية لاقتناص أي فرصة سانحة لنشر الكراهية ودعم سياساتها العنصرية، وجاء مؤشراً على عمق التغيّر الاجتماعي الذي فرضه توافد اللاجئين على ألمانيا، والذي انعكس على أداء وسائل الإعلام.

كانت تلك جريمةً أودت بحياة ثلاثة مواطنين وأدّت إلى جرح كثيرين، إلا أنه تمّ تجاهل الفعل نفسه وكيفية ارتكابه وضحاياه، لحساب التركيز على خلفية الجاني وأهدافه بما يتناسب مع التجاذبات السياسية في ألمانيا.