حارسة المجلى

 

حاول العلماء والاقتصاديون والأمهات في العالم إخفاء جملة من الحقائق عنك، من أجل تركيز اهتمامك حول غسيل أكبر كمية من الصحون في أسرع وقت ممكن، أو كيف تحافظين على المطبخ نظيفاً، وما هي الحلول البديلة لإزالة الدهون المستعصية، وكيف يمكنك أن تحولي الأعمال المنزلية إلى تمارين رياضية وتمارين استرخاء تمنحك شعوراً بالسيطرة على بيتك. لكن لم يسبق لأحد من قبل أن أخبرك بالطرق والاستراتيجيات التي تساعد في ضبط أعصابك، والتحكم بالغضب داخلك بينما تقفين وراء المجلى. 

غالباً ما نتشارك معاً همّاً وعبئاً سببه أننا نكره هذه المهمة أشد الكراهية، لكننا أفضل من يقوم بها في البيت، لأنها تدخل في التركيب الجيني الخاص بالنساء، وذلك بحسب الرواية الرسمية لأنذال الكوكب. لذلك، طَوَّرنا مجموعة من التمارين والنصائح، التي ستساعدك على تأجيل رغباتك الانتحارية ونواياك الإجرامية إلى وقت لاحق. لكن قبل أن نبدأ، يجب أن ننوه إلى جملة من التفاصيل والسلوكيات الخاطئة المتعلقة بغسيل الصحون، والتي تتوارثها النساء عبر التاريخ. 

عندما يحين موعد غسيل الصحون، تتغير وحدة قياس الوقت بينك وبين الآخرين الذين تتشاركين معهم المنزل. تظل وحدة قياس الوقت بالنسبة لهم هي الثواني والدقائق، أما بالنسبة لك فإنها تتبدل لتصبح شيئاً وفيراً لا قيمة ملموسة له، كأن تصبح مثلاً ذرات رمل أو عدد النمل؛ بدلاً من أن تستغرق عملية غسل الصحون بالنسبة لك 30 دقيقة، تستغرق 30 نملة. ثلاثون نملة رقمٌ هزيلٌ بالنسبة لعدد النمل الموجود على الكوكب. هذه ليست حقيقة علمية، وليست تعابير فلسفية، لكنها صورة توضيحية تفسر لك العديد من الإجابات عندما تطلبين من شريكك، أفراد عائلتك أو أحدٍ من إخوتك، أن يغسل الصحون.

الأمر الآخر الذي نود أن نلفت نظرك إليه، هو أن السيدة التي تقف وراء المجلى هي أنت بالفعل، لكن يمكنها أيضاً أن تكون أحداً آخرَ غيرك في آن واحد، أو أنها أنت في السنوات التي مضت، أو أنت لكن في نسخة أفضل منك وفي عالم آخر مختلف عن الذي تعيشين فيه؛ هي أنت التي أجابت المدير بالجملة التي لم تقوليها وبالشتائم التي بلعتِها، وهي أنت التي أغلقت سماعة الهاتف في وجه ابنة الخالة التي أثارت في داخلك مشاعر الغيظ والحسد.

السيدة التي تقف وراء المجلى، تقف في لحظة سحرية يراها الجميع، لكن أحداً لن يقترب منها، وأحداً لن يعرف ماذا يدور في رأسها أو ما هي الأصوات التي تسمعها، وهذه الفرصة الذهبية لأن تسرحي في أفكارك إلى ما لا نهاية، وتُمضي الوقت كاملاً فاقدة التركيز عن واقعك وراء ظهرك، بل تفكرين بكل ما كان ممكناً أن يحصل أو تمنيتِ أن يحصل.

1- أفضل الأوقات مساءً أو ليلاً

هناك جدلٌ واسعٌ بين الخبراء حول أفضل الأوقات لممارسة الجلي، صباحاً أو ظهراً أو مساءً. حتى الآن لا يوجد جوابٌ حاسمٌ على هذا السؤال، لأن الخبراء في العالم ينصحون بالمناوبة في حراسة المجلى من أجل  المحافظة عليه نظيفاً، لكن المشكلة الكبرى أن أغلب الخبراء لا يغسلون الصحون. 

لذلك نقدم لكِ جواباً حاسماً استناداً على التجربة الذاتية، وهو أن أفضل الأوقات لغسل الصحون هي مساءً أو ليلاً، ولمرة واحدة في اليوم. وذلك لعدة أسباب: أهمها ضعف احتمالية إضافة صحن جديد أو ملعقة أو سكين عندما يكون الجميع في البيت نياماً، ما يسمح بتفادي ارتفاع الضغط وهبوطه في آن واحد عندما يضيف أحدهم ملعقة واحدة على الصحون المتراكمة. أما الجانب المشرق، فهو أن غسيل الصحون قبل النوم يتيح لك بداية يومك التالي صباحاً بطاقة إيجابية وحيوية. 

من وجهة نظر أخرى، الانتظار حتى المساء يمنح الشريك أو الآخرين في البيت 7 أو 8 ساعات للتفكير بالمبادرة. اتركي الأواني المتسخة بعد الغداء، وحاولي ألّا تقطعي طريق المبادرة عن الشريك إذا نوى يوماً ما أن يقوم بهذه المهمة بنفسه. مساوئ هذا الانتظار التكتيكي هو أن نسبة فشله تتراوح بين 90 و95 بالمئة، وعندها تتيبس بقايا الطعام على حواف الصحون وتتطلب وقتاً أطول في التنظيف. 

2- الحوت الأزرق في حوض الغسيل

قبل البدء بهذه المرحلة، ننصح بتناول حبة مضادة للغثيان. وبالطبع لا غنى عن استخدام القفازات البلاستيكية الجّافة، وهنا نشدد على كلمة القفازات البلاستيكية الجافة، والتي لم يتسرب الماء إلى داخلها. إذا كانت القفازات مبللة ورطبة ونَمَت الطحالب داخلها، سيضاعف ذلك مؤشرات الغضب لديك إلى درجات متقدمة ليس بالإمكان إرجاعها لمستويات طبيعية في اللحظة التي ترتدينها. بمجرد ارتداء القفازات، لن تصبح هذه اليد يدك بعد الآن، بل ستصبح أداة تابعة لأدوات التنظيف، يمكنك إنزالها بسهولة في المستنقع وتوجيها إلى البالوعة مباشرة من أجل استئصال بقايا الطعام التي تمسكت بفوهة البالوعة. 

أهم إجراء وقائي لتفادي الوصول إلى هذه المراحل المتقدمة، هو فرز النفايات قبل وضع الصحون في حوض الغسيل؛ أعقاب السجائر تُرمى من الشباك على زوايا الحارة المليئة أساساً بأعقاب السجائر المتراكمة من سهرة الرجال البارحة ليلاً، قشور البزر والقلوبات تُزرع في حوض النبتة اليابسة، وإلخ. نرجو منك تنفيذ عملية الفرز هذه «من تم ساكت»، فلا ننصح أبداً في هذه المرحلة بفرض قواعد على أفراد العائلة أو الضيوف، لأن هذه القواعد ستجعل الآخرين يعتقدون أنك سيدة عصابية ومتوترة بالإضافة إلى التهم الجاهزة بالنكد والشؤم .

3- الشُوَك والمعالق والسكاكين جانباً

كما ذكرنا سابقاً، السيدة التي تقف وراء المجلى، تكون في لحظة درامية ساحرة تفصلها عن بقية أفراد البيت، يتفرج الجميع عليها ويثني الأب والأم على أدائها، لكن لا أحد يمكنه أن يتقاسم معها اللحظة التراجيدية التي تعيشها. فإذا غرزت السكين في يديك أثناء عمليات الغوص في المستنقع، لن يركض أحدٌ لنجدتك، كما لن يتبادل أحدٌ معك الشكوى من الجرح البسيط تحت الظفر عندما انغرست أطراف الشوكة فيه. وتفادياً لمزيد من التراجيديا، ننصح بفرز الشوك والسكاكين والمعالق جانباً في وعاء مستقلّ، والعودة إليها فيما بعد.

4- حساسية البيض 

لا تجعلي فطور البيض، مسلوقاً أو مقلياً أو نيئاً، يعكر رائحة المجلى للأبد. أكبر الأخطاء الحمقاء المرتكبة في هذا الخصوص هي وضع الأواني المستخدمة في تحضير البيض في الحوض ذاته مع الأواني الأخرى، حيث يتفاعل الماء اللزج في أنابيب المياه الوسخة مع رائحة البيض، وينتج عن التفاعل غاز ذو رائحة كريهة تحرض نوايا إجرامية. يحاول البعض استخدام القهوة أو الليمون لإزالة الرائحة الكريهة، أو حتى الماء جافيل المسؤول عن تخريش المجاري الهوائية لثلاثة أرباع النساء في هذا الكوكب. ننصحك سيدتي بتغيرات جذرية عندما يتعلق الأمر بالبيض، يمكنك مثلاً ادعاء حساسية قاتلة من البيض، أو تأليف قصص أليمة سببت لك تراوما مع البيض. 

5- المرحلة الأمثل لأحلام اليقظة

حتى لا يتكرر بعد الآن المشهد الذي يقرّب فيه الزوج أو الابن أو الابنة الكأس من فمه ليشرب الماء، ومن ثم  يرمقك بنظرة ازدراء سببها رائحة «الزنخ» التي تنسلّ من الكوب، ويضع الكوب في وسط وجهك ويقول لك «شمّي هالريحة»؛ من أجل تفادي عدم التقدير والاستهانة بقدراتك في الجلي، والحرج من فداحة الغلط، ننصح باستخدام اسفنجة أخرى لغسيل الأكواب. وقبل الاستسلام لأحلام اليقظة، ننصحك أن تصرخي صوتاً، لن يُسمع غالباً، على الأولاد والزوج أو الشريك أو الإخوة، من أجل أن يحضرو لك الأكواب المجمعة في غرف البيت، تحت الكنبة وفوق الرف وأسفل السرير، والكوب الذي انتظر صيفاً كاملاً على البلكون.

6- التفرغ للذاكرة واختبارات التحرر 

يمكنك استثمار الوقت المخصص لغسيل الصحون، وتمرير الإسفنجة عليها مرة أولى وثانية على الأطراف من الوجه العلوي والسفلي، مرة أخرى، إلى أن تبدأ الذكرى الأولى بالتسلل إلى المطبخ حيث أنت موجودة وحيدة وراء المجلى؛ لماذا انفصلت عن الحبيب السابق؟ «لأنه كان موتوراً ومغروراً». لكن هذه أسباب اكتشفتِها لاحقاً. «صحيح، فالسبب الأول هو إلحاحه المستمر لمرافقته إلى السينما الخالية من أجل بعض القُبَل». جعلكِ هذا تشعرين بالضيق أكثر من الفرح. «تماماً، شكراً لأنك تفهمين قصدي».

 لكن هل الشريك الحالي أفضل من السابق؟ «أظن ذلك». إذن لماذا لا يأتي ويغسل الصحون كما تفعلين تماماً، بالرغم من تصريحاته النسوية المستمرة، هل هو يكذب؟ «لا أعرف، ربما. هل يجب أن أشارك أسئلتي مع مختصين؟». فكرة جيدة، لكن عند طرح السؤال لا تشيري إلى أنه يخصك. «تماماً، فهمتك؛ ما رأيكم مثلاً بالرجل الذي…». تماماً.

7- البوتاغاز يناديكِ

«بست يا حلو». نعم، هذا الصوت حقيقي هذه المرة، لا ليس زوجك وليس صديقك السابق وليس رجل الأحلام وليست معاكسة من ابن الجيران، بل إنه البوتاغاز. لا يوجد نصائح خاصة بخصوص تنظيفة، أولاً لأنه لن ينظف أبداً، ثانياً لأن الفأر الذي يختبئ في بطن الفرن والصرصور تحته يمكنهما أن يفتحا جرة الغاز في وجهك.

ننصح باستخدام المحارم الورقية للتنظيف السريع لزيوت القلي والطبخ، ومن ثم خرقة رطبة. لا ننصح أبداً  باستخدام السوائل أو الماء والصابون، لأنه كما تعلمين لا يوجد بالوعة في الغاز يمكنك تصريف الماء إليها. عموماً، يؤمن لك الفرن مكاناً جيداً نسبياً لأن تخبّئي فيه كل ما يمكن من الأواني التي لا تعرفين تماماً ماذا ستفعلين فيها. أفهم جيداً الخوف الذي تتشاركه عدد قليل من النساء من الفار المختبئ في الفرن. هذا الفأر الذي لا يظهر أبداً، لا يحترق ولا يهرب ولا يتضخم، لكنه يختبيء في الفرن منذ طفولتك. من أجل تحدي هذا الفأر، يمكنك طرق باب الفرن مرتين طرقاً عنيفاً حتى يخاف، وبعدها فتح باب الفرن ورمي بقايا العمل غير المُنجَز بعد داخله. 

 والآن، يمكنك أن تتمتعي بساعات النوم الهانئة، نظرة أخيرة إلى المجلى المرتب وحوض الغسيل النظيف، الشوَك والملاعق في مكانها المخصص، الصحون مرتبة وفنجان قهوتك المفضل ينتظرك غداً؛ نعم ما ترينه ليس مناماً وليس وهماً، حدث ذلك عندما كنت تنظفين البوتاجاز، جاء أحدهم ووضع سكيناً في الحوض النظيف. في نهاية الأمر هي مجرد سكين، يمكنك أن تأخذي نفساً عميقاً، ثم تقومي بغسلها سريعاً في ثوان. لا يتطلب الأمر أكثر من ذلك. حَاولَ أحدهم عندما دخل إلى المطبخ أن يعتذر اعتذاراً مبطناً عندما قال لك «يعطيكِ العافية»، مُعبِّراً عن حرجه من قصور جيني يمنعه من أن يُنظّم ويُنظّف الصحون كما تفعلين، لكنك كنت لا تزالين تحت تأثير اللحظة السحرية للسيدة التي تقف وراء المجلى.