خرائط المعرفة للمنظومة الأسدية

تفكيك الأنظمة الشبكية للمركب الأمني-الاقتصادي-العائلي للنظام

مع انتشار الأخبار الأخيرة حول فرض الإقامة الجبرية على رامي مخلوف وعائلته من قبل النظام السوري -بصرف النظر عن مدى مصداقية ودقة هذه الأخبار-، ومن قبلها الأخبار عن تنامي نفوذ سامر فوز والأحاديث عن إعادة الإعمار في سوريا، تعود التساؤلات المتعلقة بالتأثير الفعلي الذي يلعبه المركب الثالث في بنية النظام القائم في سوريا، وهو المركب الاقتصادي بعد المركبين السياسي والأمني، ومدى تأثيره وتأثّره بالتفاعلات الحاصلة بينها. هل ما يحدث صراع داخلي بين أجنحة متنافسة؟ أم تحييد مراكز قوى؟ أم ردة فعل لظروف خارجية؟ أم أن الموضوع أبسط من ذلك؟

ربما يعيب التحليلات التي ترافق هذه الأخبار عادة هو تركيزها على أسباب ظاهرية أفرزت ردة فعل معينة، بافتراض أن الأحداث تسير بشكل خطي Linear في لحظة زمنية ما. ميزة هذا النوع أنه سهل التحضير والنشر للتأثير في الجماهير المخاطبة في هذا العالم القائم على «اقتصاد الانتباه». ولكن له أثراً ضاراً جداً علينا وهو أن طبيعته الاختزالية تفشل في تسليط الضوء على التراكمات وموجات التفاعلات اللا-خطية والبنى الشبكية داخل المنظومة، وبالتالي نجد أنفسنا دائماً في موضع المتفرج محدود التأثير في هذه اللعبة التي يلعبها الكبار ويقلّبون من خلالها مصائرنا بين أصابعهم كما النرد (ولا ننسى أهمية الدراما السورية في تكريس هذه الرسالة بالتحديد التي يتم تغليفها بجرأة الطرح والمعالجة، كما في مسلسل العراب).

لا نتحدث هنا عن محاولة فهم تفترض أن المنظومة تسير بالنموذج العقلاني Rational Actor حصراً. فهي بالتعقيد الكافي لتستوعب نماذج لاعقلانية تجعل منها مكونات أصيلة. حديثنا هو عن أهمية تطوير أدوات وتبني نماذج تفسيرية تضع المنظومة في مكانها الصحيح، فلا ننسب لها تفوقاً عقلانياً لا تستحقه، ولا نعتبرها متفلتة من عقالها لا يمكن توقع ردات فعلها. فمثلاً، بالرغم من ضخامة وتنوع الامبراطورية الاقتصادية التي راكمها رامي مخلوف، ما هو الأثر الحقيقي لتحجيمها على المشهد السوري؟

الأنظمة الشبكية مركبة التعقيد:

عندما هتفنا «الشعب يريد إسقاط النظام»، تنبهنا سريعاً إلى أن مشكلتنا ليست في رأس النظام وحسب، بل مع كامل المنظومة. ولكن ما لذي نعنيه بقولنا هذا؟

في مشروع سابق نشرتُه صحبة فريق صغير تحت اسم «جنرالات الذهب»، حاولنا رسم شبكات المشهد (Ecosystem) السياسي الاقتصادي في مصر، ليس بهدف إثبات ما هو معروف مسبقا، وهو أن مجموعات معينة -كما الحال في سوريا- تملك نفوذاً واسعاً يؤثر على غالبية المشهد، يكرس الاستبداد والفساد وتعارض المصالح؛ وإنما حاولنا تقدير حجم ودور الشبكات الاقتصادية والعسكرية وتداخلاتها عبر رصدها وتحليلها وتقديم تصورات أولية للتعامل معها. إن هذه الشبكات اللامركزية، في غالبها، منحت المنظومة مرونتها وقدرتها على تحمل الصدمات، حتى لو تم إقصاء من يمكن اعتبارهم محاور أساسية فيها. ولعل أهم الجوانب الشبكية التي رصدناها هو تأثير علاقات النسب والمصاهرة في تعزيز نفوذ الشبكات ورفع ضريبة شقّ الصف والتخلي عن الدور الذي يلعبه الكيان، فرداً أو منظمة، في الشبكة الكلية.

صورة لإحدى خرائط جنرالات الذهب التفاعلية. يمكن زيارتها بشكل مباشر عبر الرابط

 

تمثل هذه الشبكات الخطوة الأولى في فهم النظام مركب التعقيد Complex System، ويلزم إلحاقها بدراسة إضافية تستخدم مفاهيم التفكير النظمي Systems Thinking الذي يعنى بدراسة التفاعلات اللاخطية، الأنماط التي تعزز بعضها وإن ظنت أنها في حالة تنافس؛ وأنماط تهدم بعضها وإن خالت أنها متوافقة، تفاعلات تحقق مكاسب تكتيكية تجني القطوف الدانية ولكنها في الوقت ذاته تقوّض من الحلول الاستراتيجية التي تحل المشكلة من جذورها، دوائر من التفاعلات تضمن بقاء الوضع الراهن وأخرى تفرز نتائج تزايدية أو تناقصية، وغيرها من الأنماط.

لعل من أبرز التحديات التي واجهناها كان موضوع جمع البيانات لبناء هذه الشبكات المعقدة والتقنيات المناسبة لذلك. وقد استخدمنا التقنيات ذاتها التي استخدمت في أوراق بنما وبارادايس الشهيرة، لأنها تُمكّننا من بناء خرائط المعرفة وتحليلها ومشاركتها.

حول خرائط المعرفة Knowledge Graphs

في مقالها في الجمهورية، المعرفة في خمس عشرة دقيقة، انتقدت وديعة فرزلي البرامج العلمية الرائجة على يوتيوب بأنها ألغت «خاصية أساسية للمعرفة، وهي أنها عملية تراكمية مستمرة وليست عملية مرحلية» وبأن المعرفة لا تنفصل عن تجربتنا الشخصية. تحاول أدوات خرائط المعرفة الحديثة حل هذا التحدي بالضبط، عبر تعريف نموذج منطقي يصف الكيانات والعلاقات التي تدور بينها ومن ثم ربطها وتخزينها في قواعد بيانات شبكية Graph Databases (وهي مختلفة عن قواعد البيانات المنتشرة Relational Databases).

عند التفكير في الدوائر التي يتحرك فيها رامي مخلوف، وفي المنظومة الاقتصادية - السياسية - الأمنية في سوريا ككل على ضوء خرائط المعرفة، فإن النموذج المنطقي التالي يمكنه وصف أنواع الكيانات والعلاقات الممكنة:

model_ovwerview.png

النموذج المنطقي للخارطة المعرفية للمنظومة الاقتصادية - السياسية - الأمنية في سوريا

 

وبربط هذا النموذج بقواعد بيانات شبكية، فإن ذلك يتيح لنا:

1- ربط الكيانات ببعضها (الأشكال الملونة في النموذج) عبر أنواع مختلفة من العلاقات الوظيفية، ولكل من الكيانات والعلاقات خصائص تصفها (الخط الرمادي الفاتح في النموذج).

2- مراكمة التطورات والتحديثات التي تطرأ على الكيانات والعلاقات ووسمها ببيانات الزمان والمكان. 

3- خاصية البحث والاستعلام الشبكي عبر العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين الكيانات.

4- بناء خوارزميات تستكشف أنماطاً في شبكة العلاقات التي تجمع الكيانات والعلاقات، وتساعد في تحقيق ما يلي:

  • استشكاف أقصر الطرق بين الكيانات Shortest Path. على سبيل المثال، استكشاف الطرق التي تجمع رجال الأعمال والضباط والشركات، فمثلاً يرتبط رامي مخلوف برجل الأعمال فارس الشهابي عبر شركة شام القابضة، وعبر طريق غير مباشر يمر بالراحل وهيب مرعي.
  • استكشاف المجتمعات الشبكية الفرعية ذات الخصائص الفريدة Community Detection.
  • حساب مستويات التأثير والأهمية بحسب الموقع الشبكي Influence and Centrality.
  • حساب مرونة الشبكات الفرعية وصمودها وعقد التحليل المقارن بينها Connectivity Analytics.

5- إجراء مختلف أنواع التحليلات الزمنية والجغرافية؛ التحليل بالسيناريو؛ ماذا - لو؛ المحاكاة والتنبؤ.

6- القدرة على دمج النماذج المعرفية ببعضها وبمختلف مستوياتها التفصيلية (مثل نماذج أقل تفصيلاً بغرض تطبيق تحليلات التفكير النظمي وأخرى أكثر تفصيلا بغرض تضمين الشبكات الشخصية).

مشروع خرائط المعرفة للمشهد السوري السياسي الأمني الاقتصادي:

نعمل حالياً، بالتعاون مع موقع الجمهورية، على بناء خرائط معرفة للمشهد السوري المعاصر، منذ 1970 وحتى يومنا الحالي، بغرض مشاركتها مع الجمهور لمراكمة معرفة جمعية تعيننا على فهم طبيعة هذه المنظومة الحاكمة. يستعرض الفيديو التالي جانباً تفاعلياً من الخريطة التي لدينا حتى الآن، والتي تحتوي قرابة 1300 كيان (أفراد ومنظمات) و2000 علاقة، ننطلق في هذا العرض من شبكة رامي مخلوف ونتجول فيها:

 

عن البيانات

نستند في هذا المشروع على مصادر عديدة، سورية وأجنبية، بحيث يتم جمع البيانات بشكل يدوي وآلي ومن ثم اختزانها بعد المعالجة في خرائط المعرفة. من ضمن هذه المواقع: الاقتصادي؛ زمان الوصل؛ (ومشروعها «اقتصاد» المركز السوري للعدالة والمساءلة؛ مواقع رسمية للنظام السوري؛ مستندات العقوبات الأوروبية والأميركية؛ أوراق بنما وبارادايس؛ تقارير خاصة كالشبكة العلمائية الدمشقية في موقع ميدان؛ ودراسات عن الفصائل الإسلامية ومناطق نفوذها؛ ومواقع التواصل الاجتماعي. كما هو واضح فإن لكل مصدر مستوى مختلف من الموثوقية في صحة المعلومات التي يوردها، لذلك فإننا نحدد مدى موثوقية العلاقة التي نضيفها للخارطة المعرفية باستخدام خاصية «وزن العلاقة». فمثلاً، إذا ما ذكرت علاقة ملكية إحدى الشركات لرجل أعمال في الموقع الرسمي للشركة، فإننا نضيف علاقة الملكية بينهما ونحدد خاصية الوزن بـ 90٪، بينما إذا وجدنا هذه المعلومة في فيسبوك، فإننا نرصدها ونحدد وزنها بـ 20٪. وبذلك لا نفقد المعلومة ونعمل على التحقق منها باستمرار، وباستطاعة مستخدم الخارطة المعرفية الاستعلام عن العلاقات ذات الأوزان 60٪ فما فوق، وبالتالي لا تظهر لديه العلاقات الأقل موثوقية.

تشمل المصادر التي نستند عليها أيضاً النعوات وبيانات الوفاة ومحرك بحث تسريبات زمان الوصل، لرصد علاقات القرابة والمصاهرة، والصور الشخصية على إنستغرام وفيسبوك والمجلات، خاصة في المناسبات، لاستنتاج العلاقات الروحية كالصداقة. كما نستخدم تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة OSINT لجمع بيانات إضافية. ولم نتوقف عند الإطار الجغرافي داخل حدود سوريا، فقد رصدنا امتدادات العلاقات بمختلف أنواعها لتشمل المنطقة العربية والعالم. وعلى صعيد الكتب، فلم نجد سوى كتاب بسام حداد عن شبكات الأعمال في سوريا وعلاقتها بالاقتصاد السياسي، والذي على أهميته، إلا أنه يصف البنى العامة للشبكات ولا يستند إلى بيانات تفصيلية في النطاق الذي نستهدفه.

ما بعد الثورة

في العدد السابق من أسبوعية الجمهورية، نشر ياسين السويحة مقالاً هاماً طرح فيه بجرأة تساؤلات عن مرحلة ما بعد الثورة وكان مما قاله:

من الضروري اعتبار الدفاع عن الثورة السورية ومشروعيتها، وخوض كل المعارك في كل الساحات من أجل الاستحواذ على رواية ما جرى في وجه كل محاولات الخطف التي تتعرض لها قصتنا، ركناً أساسياً من أركان السنوات الطويلة المقبلة، أياً كانت مآلات الأمور في الميدان ... هناك قضية عداء جذري ولا عودة منه مع النظام الأسدي هي الأساس، وستبقى أساساً، ولن تتحول لا إلى تفصيل ولا إلى قضية ثانوية، لكن سقوط النظام كـ «لحظة الخلاص» ليس من الوارد أن يأتي قريباً، ومن الأسلم إعادة موضعة العداء الجذري للنظام في منطق مختلف عن افتراض «لحظة خلاص» واعتبار أن المرحلة المقبلة سباق تحمّل، وليس سباق سرعة؛ بالاستعارة من منطق الرياضيين.

نعتقد أن مشروع الخرائط المعرفية للمشهد السوري يصب بشكل مباشر في مرحلة سباق التحمّل، وهو أحد أدواتها العملية. ففهم الصراع ومعرفة طبيعة الخصم لا بد وأن يرتكزا على رصد وتحليل شبكات النظام ودراسة التفاعلات بين عناصرها بغرض تحديد نقاط التدخل وآليات الاشتباك التي يقدر عليها الفاعلون اللا-دولتيون. يضاف إلى ذلك توثيق تجاربنا وذاكرتنا الجمعية ضمن هذه الخرائط، ومن ثم ابتداع ممارسات وأساليب تعاون توظف ذكاءنا الجمعي Collective Intelligence. ولا يستوي هذا الأمر دون تبني منهجيات البيانات المفتوحة Open Data وشفافية العمل والمشاركة والتمويل، الذي نسعى لأن يكون تمويلاً شعبياً.

كما نعتقد أن هذا المشروع يمكنه أن يشكل نواة لمشاريع أخرى أكثر تخصصاً ولها آليات عمل مختلفة. فمثلا تنشأ مجموعات محاسبة ومراقبة شعبية تستفيد من البيانات المجمّعة في تتبّع حركات غسيل الأموال والجرائم المالية وتنشر تحقيقات حول ذلك، وأخرى تخاطب التيار الثالث وترفع وعيه وتعينه على أخذ موقف أكثر إيجابية. 

دعوة للتعاون

ربما كان محتوى هذا المقال الذي قدم شرحاً لمشروع الخرائط المعرفية للمشهد السوري تقنياً بعض الشيء. ولكن خرائط المعرفة لم تكن لتحقق ما حققته لولا تطور الأدوات التقنية، وتحديداً قواعد البيانات الشبكية وأنظمة الحوسبة التي تعالج البيانات الضخمة. كما أردنا أن يشمل المحتوى مجتمع التقنيين السوريين والعرب (من محللي بيانات ومطوري برامج وغيرهم) للفت انتباههم لكيفية توظيف هذه الأدوات للصالح العام، ونصرة القضايا المحقة للشعوب في وجه الأنظمة الاستبدادية.

لا زالت أمامنا خطوات عديدة لتنفيذ هذا المشروع، ولكننا حققنا المرحلة الأولى منه. سنستكمل قريباً المسارات والمستويات التي حددناها للمضي قدماً في تطوير المرحلة الثانية من المشروع، وهي تشمل استكمال تحديث وجمع البيانات، تطوير موقع لنشر قراءات المشهد عبر الأشكال الشبكية التفاعلية ولوحات المعلومات وحسابات الأفراد والمنظمات (هناك موقع مفتوح المصدر لغرض مشابه جداً لمشروعنا، وسنعكف على تعديله ليناسب حاجتنا). سنتمكن في هذه المرحلة من استخلاص إحصائيات وصفية ومؤشرات شبكية أساسية وبناء مخططات/خرائط نظام مبسطة System Maps. في المراحل القادمة، سنتمكن من إجراء تحليلات متقدمة مع خرائط نظام معقدة.

نحتاج مساعدتكم لتحقيق كل ذلك! نتطلع للعمل مع باحثين لجمع وتحديث البيانات وتحسين جودتها، بالإضافة لتطوير آليات فردية وجماعية للتحقق من موثوقية البيانات، ويشمل تلك التي سيشاركنا بها الجمهور. كما نبحث عن مطوري مواقع لديهم خبرة في بناء واجهات تفاعلية لعرض البيانات، ومستشارين في مجال حماية البيانات وأمن المواقع ومنصّات تسريب التفاصيل Whistleblowing.

يمكن للمهتمين\ـات بالمشاركة في استكمال بناء المشروع وبلورته التواصل معنا عبر بريد الجمهورية، مع إرفاق نبذة عن الأعمال السابقة والجوانب التي ترغبون بالإسهام فيها.