دولة في طور التشكّل

 

يتبنى الإسلاميون الحركيون طرحاً دوغمائياً ينصّ على ما بات مسلّمة انطلاقية لديهم، أن الإسلام جاء بدين ودولة، على الرغم من عدم ورود أية إشارة في النص القرآني أو الخطاب النبوي إلى مسألة الدولة أو الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه نظام الحكم، بل إن النبي في الواقع ومن خلال مكاتباته المختلفة أقرّ الأنظمة السياسية المتشكّلة في بيئة الاجتماع السياسي خارج الجزيرة العربية في حال قبولها الدخول في الإسلام. إلا أنهم يتكئون في أطروحاتهم على إحالات نصية قرآنية ليست نصاً في الباب، وهي ممعنة في العمومية بحيث لا يلزم عنها الحديث عن الدولة تحديداً، بالإضافة إلى المرويات الفقهية التاريخية المبوبة تحت مبحث الإمامة في المدونة التراثية، وكل ذلك يستخدمونه كحائط صدّ ساذج يقطعون به الطريق على أي رأي مخالف، بل يصادرون به الفكرة الديمقراطية نفسها، وهو ما يتجلى في التفاوت الكبير بين تصورات الجماعات الإسلامانية المختلفة لماهية تلك الدولة والمبنية على تأويليات لانهائية، بل حتى تفاوت تصورات الحركة الواحدة في مراحل زمنية مختلفة: حركة النهضة التونسية مثالاً. وفي الوقت ذاته، يتجاهلون تلك الإشكاليات التي يثيرها استدعاء مصطلح الدولة بالمعنى المعهود في الذهنية الحداثية عند الحديث عن نظام الحكم الإسلامي القديم. 

إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن القول بأن الإسلام جاء بدولة؟ ما هو شكل الدولة التي جاء بها النبي؟

تكمن الإجابة عن هذا السؤال برأيي في فحص الشرط التاريخي ذاته، وليس من خلال هذا التواشج المعقّد بين الدين والدولة المترسخ في مخيال الإسلاميين، أو من خلال التفتيش في أدبيات كتب الفقه والنصيحة التي ترجمت الوجود الفعلي للدولة لاحقاً بعد حروب أهلية مريرة ما كانت لتنشب – في جزء منها – لولا سكوت النص التأسيسي ذاته عن آلية تنصيب الإمام، بحسب الطرح السنّي بالطبع. بعبارة أخرى، هل ترك النبي وراءه – بعد أن كَمُل الدين – دولة بالمعنى العضوي يمكن رصدها ومعاينة أجهزتها الفاعلة كما كان الحال لدى نماذج الروم والفرس المجاورة مثلاً، بحيث يمكن القول إن النبي جاء بدين ودولة؟ فضلاً عن الوجه الآخر من السؤال الذي ينطوي على مدى إمكانات استدعاء بل تأبيد هذا النموذج – إذا ثبت كواقعة مادية في صدر الإسلام وعند تشكّل الجماعة المسلمة الأولى في حياة الرسول – في ظل مفاهيم وواقع الحداثة السياسية المعاصرة التي طوّرت فلسفة وآليات مغايرة تماماً للسياقات الوسيطة.

لا شكّ أنّ مفهوم الدولة من المفاهيم ذات الطبيعة الإشكالية التي لا يمكن مقاربتها حصراً من زاوية نظر واحدة. فهو مفهوم عابر للعلوم المعنية بالنظر في الظواهر السياسية؛ سواء في العلوم السياسية أو علم الاجتماع السياسي والقانون والأنثروبولوجيا. كما أنه مفهوم ديناميكي متطور على مرّ التاريخ، فالحديث عن الدولة لا يمكن بحال أن يحيل إلى نموذج معياري يمكن استدعاؤه في شروط تاريخية متباينة. وبالإضافة إلى ذلك، يرى البعض، مثل المنظّر جوزيف شتراير1، أن المحاولات التي تمت في اتجاه تعريف الدولة لم تكن مُرضية على الإطلاق بالأساس، وأن الدولة موجودة بصورة أساسية في قلب وروح وعقل مواطنيها؛ فإذا لم يؤمنوا بوجودها فما من ممارسة منطقية يمكن أن تعطيها حياة. فقد كانت هناك دول مزدهرة لم يكن لينطبق عليها أي من المعايير التي حددها علماء السياسة، مثل هولندا في القرن السابع عشر.

مصطلح «الدولة» بالمعنى الحديث ذو علاقة وثيقة بالحداثة، ونتاج صيرورة تاريخية طويلة، بالإضافة إلى كونه مصطلحاً تجريدياً عاماً يتشكّل في المجال الاجتماعي ومن ثمّ يصعب القطع به، خاصةً عند تناول التجربة النبوية في الحكم والحديث عن «الدولة الإسلامية» أو «المشروع الإسلامي للدولة». وهكذا، لا بد أن يكون تعريف الدولة إجرائياً، يشي بأن المجتمع يخطو في مراحل تكوّنه الأولى من حالة «اللادولة» إلى حالة وجود «دولة»، عند الحديث عن التشكّل السياسي للجماعة المسلمة الأولى في المدينة. من جانبه، وضع فْريد دونر2 في بحثه عن تشكّل الدولة الإسلامية محددات تحكمية خاصة حول مفهوم الدولة، فيفترض أولاً أن الدولة بنية سياسية، بمعنى أنها معنية بتنظيم القوة في المجتمع؛ ويفترض أيضاً أن الدولة لا بد أن تحتوي على بعض المؤسسات التي يمكن إدراكها وتحديدها، أي أنها لا بد أن تتضمن بنية مؤسسية؛ ثم يفترض أن الدولة – أي دولة – تنبني على مفهوم معين لمشروعية السلطة، ولا يقصد دونر بذلك مجرد مجموعة «القوانين» أي المراسيم والقواعد والأعراف، بل تقبّل مفهوم عام للقانون له بعض التجريد ويتضمن إحساساً شاملاً بالعدالة التي يجب أن تضبط وتوجّه كل الإجراءات والتصرفات الأخرى. وبواسطة مؤسساتها، وأيديولوجيتها القائلة باليد العليا للقانون، تسيطر الدولة على المجتمع من الناحية السياسية، بمعنى أنها تنتج بنية للقوة أو نظاماً من علاقات القوة يضم مبدئياً فئات المجتمع المختلفة. وتعمل الدولة على إدارة هذا الاختلاف، وبذلك تمسك بضمانات قوتها. ويضيف دونر أنّ المؤسسات اللازمة للدولة بشكل عام هي تلك الضرورية لتطبيق القانون وحفظ النظام السياسي، وتكون المؤسسات اللازمة بهذا المعنى هي: مجموعة حاكمة، وهيئات لحفظ الحاكمين في مواضعهم والحفاظ على الهرمية السياسية القائمة في وجه التحديات الداخلية الخارجية، وهيئات لفض النزاعات، وأدوات للإنفاق على أعمال الدولة، وهيئات لوجوه أخرى من سياسات الدولة، تقتضيها الأسس والأصول الأيديولوجية والقانونية لها.

ويمكننا اعتماداً على نموذج دونر، بالإضافة إلى عنصرَي الأرض والأمة كمقومَين أساسيَين لقيام الدولة، أن نأخذ بعين الاعتبار النماذج التاريخية للدول التي سادت في تلك الحقبة والمتاخمة للجزيرة العربية (دولة الفرس ودولة الروم) وتلك التي في أطراف الجزيرة (المناذرة والغساسنة) دون قلبها، هذا إذا ما سلمنا بأن هذه النماذج التاريخية قد توفرت على مقومات عديدة للدولة مثل الأمة والإقليم والأنظمة المؤسسية. ويمكننا بناء على ذلك سبر الشواهد التاريخية اللازمة لإثبات حضور الدولة في العهد النبوي من عدمه، والوقوف على مدى إمكانية تنزيل هذه الشواهد على المفهوم الإجرائي المتبَع لتقديم اختبار تاريخي حقيقي لنموذج الحكم الإسلامي في تلك المرحلة.

إجمالاً، إذا نظرنا مرحلياً إلى التجربة النبوية، فإن المرحلة المكية المبكرة التي اتسمت بالخطاب اللاهوتي الصِّرف تخلو من وجود أية إشارة إلى فكرة الدولة، فضلاً عن محاولة التحرك في هذا الاتجاه. بل سعى النبي في تلك المرحلة إلى تشكيل رابطة مجتمعية جديدة ذات مضامين مختلفة عن رابطة القبيلة، تقوم على مبدأ الأخوّة في الدين بدلاً من الأخوة في الدم والنسب، تنتظم فيها الجماعة المتشكّلة حديثاً. بينما اتسمت المرحلة المدنية بجَيَشان اجتماعي وسياسي هائل، وبرزت الحاجة إلى إبرام معاهدات وعقد تحالفات بين الجماعة الإسلامية المهاجرة والمجتمع المحيط – وثيقة المدينة – فجاءت العوامل السياسية في مقدمة المشهد كمحرك رئيسي لنشاط الجماعة المسلمة، وبدت وكأنها تخطو من اللادولة إلى الدولة بعد توفر عنصرَي الأرض والنواة الصلبة من المهاجرين والأنصار، التي سوف تشكّل الأمّة.

ولنا أن نلاحظ في تلك المرحلة غياب أحد أهم وظائف الدولة وتمظهراتها المؤسسية، بحسب تعريفنا الإجرائي، فعلى سبيل المثال لا يمكن الحديث عن هيئة عسكرية نشأت لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية أو الحفاظ على تراتبية سياسية، بل تشكلات عسكرية تقوم على الحشد لصالح فكرة الجهاد أو تأمين مصالح اقتصادية عن طريق مهاجمة القوافل التجارية القرشية. أيضاً نلاحظ غياب النظم المالية وعملية تدبير الإنفاق العمومي، خلافاً لدولتي الروم والفرس اللتين عرفتا نوعاً من النظام المالي البيروقراطي، وقامتا بسك العملات وقتذاك، وهي الممارسة التي تُبرز تقدماً بيروقراطياً ملحوظاً في النظام المالي للدولة. لم تكن هذه الممارسات واضحة في العهد النبوي، ولا في عهد الخليفة الأول أبي بكر، بل بدأت في عهد عمر. وفيما يتعلق بالجهاز القضائي، أشار علي عبد الرازق في الإسلام وأصول الحكم إلى أن «الباحث في تاريخ القضاء زمنَ النبي يجد أن حال القضاء في زمن النبي لا يخلو من غموض وإبهام يصعب معهما البحث ولا يكاد يتيسر معهما الوصول إلى رأي ناضج؛ لأن الذي نُقل إلينا من أحاديث القضاء النبوي لا يبلغ أن يعطيك صورة بينة لذلك القضاء ولا لما كان عليه من نظام، إن كان له نظام. كما يصعب على الباحث أن يعرف هل ولّى الرسول أحدا غيره القضاء أم لا».

لم تكن التجربة النبوية، التي مثلت دولة في طور الإنشاء حتى آخر العهد النبوي، سوى محاولة للانتقال بالمجتمع الإسلامي المتشكل حديثاً من الحالة القبلية إلى حالة الدولة، وهو ما استلزم التركيز على إرساء قاعدة المجتمع على أساس ديني لا قَبَلي، أكثر من التركيز على تكوين جهاز عضوي للسلطة. فكيف الإصرار على القول بأن الإسلام جاء بدين ودولة ولا يمكننا تعيين مقوماتها في التاريخ؟

  • 1. جوزيف شتراير (1904 – 1987) مؤرخ العصور الوسطى الأمريكي الشهير، أستاذ قسم التاريخ (1941 – 1961) بجامعة برنيستون. له مؤلفات عديدة من أهمها «في الأصول الوسيطة للدولة الحديثة» 1970.
  • 2. فرد دونر (1945 - ) باحث الدراسات الإسلامية، وأستاذ تاريخ الشرق الأدنى في جامعة شيكاغو.