رسائل إلى سميرة (14)

الرسالة الرابعة عشرة من سلسلة رسائل يكتبها ياسين الحاج صالح لزوجته سميرة الخليل، المخطوفة في دوما منذ مساء يوم 9/12/2013، يحاول فيها أن يشرح لها ما جرى في غيابها.

بخطفك وتغييبك طوال ما يقترب من ست سنوات وقع لي أسوأ ما يمكن أن يقع لرجل. ومن أندر ما يقع على كثرة ما يقع في عالمنا من جرائم ومن أفعال وحشية. لم نكن، أنت وأنا بالذات، بعيدين عن الوجه الأقسى والأندر من أوجه الحياة في بلدنا، وهو يعرض بعض أقسى وأندر أوجه الحياة في العالم كله، لكن يا سمور ما كان يمكن أن يحدث لي ما هو أسوأ من غيابك. 

حين اعتُقلنا في سنوات شبابنا الباكر، كنا، أنت وأنا، نعرف من لهم تجارب في هذا الشأن، متهيؤون له بقدر لا بأس به. كان الاعتقال من احتمالاتنا القوية، وكان ثمناً مرجحاً لقيامنا بما كنا نؤمن أنه واجبنا. كان هناك أدب وفن عن المعتقل السياسي، وكانت صورته إيجابية جداً. 

إلى اليوم لم أطلع على أدب أو فن عن التغييب، وبالتحديد عن حال من غُيّب لهم حبيب أو عزيز. الواقع أنه حتى في حالة السجن لا تجدين غير القليل مكتوباً من وجهة نظر أهالي أو أحباب السجناء. لكن شيوع حالة السجين وَضَعنا، نحن الذين كنا في «الجو»، في ألفة بحال أهالي السجناء في سنوات سجنهم. كان أهالينا منهم، وكذلك كثيرون من أصدقائنا. أما السجن نفسه فقد صار تجربة معروفة بقدر معقول بفعل ما كتبه معتقلون سابقون، ومنهم زوجك وبعض من تعرفين شخصياً. 

«التغييب القسري» في جيلنا عاد منه قليلون، إن عاد أحد. ولا أعرف إن كانت هناك شهادات في هذا الشأن، ومن غير المحتمل أن تتناول هذه الشهادات تجربة أهالي المغيبين، الأمهات والزوجات بخاصة. ذلك أنه في تاريخ بلدنا كان المغيبون رجالاً، وكانت النساء أساساً هنّ الفاقدات الملتاعات. أمي كانت واحدة منهن، أمك كذلك. رحلت أمي في سنوات غيابي الصغير، ورحلت أمك في سنوات غيابك الكبير. 

تجربة الفقد هي أساساً في تجربة نسائية، بقدر ما كان معظم المفقودين رجال. هذا هو الحال في سورية في جيل سبق، وهو لا يزال السمة الغالبة. ومن القليل الذي أعرفه من بلدان أخرى هناك نساء تركيات يحتشدن مرة كل شهر للمطالبة بمعرفة مصير أبنائهن مما غُيّبوا منذ ثمانينات القرن العشرين، وفي الأرجنتين تتجمع أمهات مفقودي الثمانينات كذلك في ساحة في العاصمة اسمها ساحة مايو. يُسمّين: أمهات ساحة مايو. وفي المغرب كان هناك حراك نشط في مطلع القرن بخصوص المغيبين في «سنوات الرصاص» (بين الستينات والثمانينات)، لكن يبدو الأهالي أقل تنظيماً، والطابع العام سعي السلطة من فوق لإغلاق الملف. حالنا أعقد يا سمور. في جيلنا، كان المُغيِّب واحداً: النظام. أما اليوم فقد تكاثر علينا المغيِّبون، من النظام وميليشياته، ومن داعش وجيش الإسلام وغيرهم، واليوم يجري الكلام على 98 ألف مُغيّب. العمل العلني للأهالي ضد المغيبين مستحيل في الداخل، وهو مشتت في الخارج.   

وبفعل ندرة ما هو متاح من أعمال مكتوية، شهادات أو روايات أو قصص أو قصائد، ما كان يمكن أن يسمى أدب الغياب مثلما نتكلم على أدب السجون، بفعل هذه الندرة لا أجد ما يُرجع إليه فيعين في التعامل مع هذه التجربة. دون مراجع مكتوبة، كان أقرب مرجع واقعي إلي هو أمي وقت كنتُ، ثم أخوين لي، في غياب صغير عنها. غياب صغير لأنها كانت تعرف أين نحن، تزورنا بين وقت وآخر. في غيابك أتماهى بأمي، وبالأمهات اللاتي غُيِّب أبناءهن. صرت أماً لإمراتي الغائبة، لك يا سمور. 

أنّثني غيابك عبر تمثل هذه التجربة الأنثوية. وفي التجربة منذ سبعين شهراً ونيف، أشعر بالذهول لقسوة وهول ما تتحمله النساء، بخاصة لأنه لا يتاح إلا لقلة منهن أن ينخرطن في نشاط إيجابي من أجل السجين أو الغائب، وقلما يتسنى لهن جعل لوعَتهن على أحباب غائبين قضية عامة. أما حين يكنّ هنّ السجينات، وفي حالات غير قليلة، المغتصبات، فإن بينهن قلة أصغر بعد من استطعن تمثيل تجاربهن، وبعضهن نبذن من أسرهن، أو حتى قُتلن غسلاً للعار. غسل العار هذا هو العار الذي لا يُغسل.  

ليس هناك ما يعادل ذلك في تجارب الرجال.  

أمكن لي أن أتابع قضيتك بمعونة صديقات وأصدقاء، مع ذلك لا أشعر أني بقوة أمي وصلابتها وشجاعتها. كيف أمكن لها ولأمهات كثيرات أن يحتملن كل ذلك الأسى ولسنوات طوال؟ أجد ذلك مدهشاً، بخاصة لأن نسبة كبيرة منهن لا يملكن الأدوات، الكلمات المكتوبة أو المنطوقة علناً، أو الصور والخطوط والنغمات...، التي كان يمكن أن تسعف في تمثيل تجاربهن الموجعة أو تقديمها في فضاءات عامة، فتنال وينلن التضامن والمشاركة. في غياب الأدوات يكون الغياب مضاعفاً أو تاماً. يفاقمه كذلك تشتت التنظيم الذي يقرب الأهالي من بعضهم ويشد أزرهم معاً.    

لعل الدموع تساعد. تساعد النساء أكثر من الرجال لأنهن يستخدمن عيونهن في شيء يتعلم الذكور كبته منذ عمر مبكر. كنت واحداً منهم. وقت رحلت أمي بالكاد دمعت عيناي، وغضبت من نفسي لذلك. كنت محتاجاً لأن أبكي، ولم أستطع. تغيرت بعد غيابك. كم تغيرتُ! 

قاومت الانكسار بأشياء متنوعة يا سمور، منها الدموع. لا أتعرف في تجربتي على ما تقوله الصديقة سعاد لعبيز من أن للدموع «وظيفة شعرية»، وظيفة «أن تنعش وجهاً مدمراً». أرى أن الدموع تعوّض غياب الكلمات أو فشلها. أنها تستدرك عجز الكلمات، أو هي تتداركها حين تعجز عن تمثيل التجربة، كأنما هي كلمات بديلة أو مكملة. ولعل النساء يبكين أكثر لأنهم محرومات من الكلام أكثر، ويبكي الرجال أقل لأنهم يمتلكون الكلام أكثر. 

ومن أوجه هذا التحول أيضاً أنه لا يكاد يكون بين أبطالي اليوم غير نساء، خلافاً لما كان الحال حتى سنوات خلت.  

منذ سنوات صار الشعار النسوي «ما هو شخصي هو سياسي» يلخص تجربتي، وهذا قبل أن أعرف أن إحدى بطلاتي الفكريات، حنه آرنت، ترى في ذلك شرطاً مُعرِّفاً لللاجئين. في حالنا كلاجئين يتكثف الشخصي والسياسي معاً. لم أجد مشكلة في كلمة لاجئ يا سمور، خلافاً لما تقول المثقفة اليهودية الألمانية التي كانت لاجئة في فرنسا لسنوات قبل أن تستقر في أميركا لبقية حياتها. الكلمة التي كنت لا أتعرف على نفسي فيها هي المنفى ومشتقاتها. أحاول اليوم إيجاد موقع لي بين الكلمات، فأجد ولا أجد. 

ولا أجد كلمات لوصف موقعك أنت، مطلقة الغياب منذ سنوات. أخمن أننا نحتاج إلى اللاهوت ولغته لتمثيل غيابك المديد المصمت. الشخصي هنا ديني سياسي، والديني السياسي شخصي. وهذا باب لسجل كبير، انفتح وأرجو أنه لن يغلق في أي وقت قريب. ليس في تجارب الدين التاريخية الكثير مما يصمد للمقارنة مع تجربتنا العامة في سنوات الثورة، وتجربتنا الشخصية منذ غيابك. وعلى هذا يمكن أن تبنى أشياء مهمة، بدايات جديدة محررة.  

غيرتني التجربة يا سمور، وتعرفين أني أردت أن أتغير طوال الوقت. فإن كانت تبقى مع ذلك من أسوأ ما يحدث لرجل من تجارب، فليس لاعتبارات رجولية من نوع حماية امرأتي أو ملاحقة أعدائي حتى النهاية، ولكن لأني أعرف أن التجربة التي لم تكن متوقعة بحال كانت مؤذية لك، وأن ما ساعدك على تحمل خمسة شهور في دوما بعد مغادرتي هو منظور انقضائها الوشيك، وأن نعيش معاً، أخيراً، «حياة كالحياة». ألمك حيال غير المتوقع، المهول فوق ذلك، هو ما يلوّعني ويُسكن الحسرة في قلبي، وما أعمل على أن أكون له بيتاً وأهلاً. وراوياً.  

ما لم أدركه في وقت أبكر هو أن التغيّر تجربة مأساوية في الغالب. لم تلزم سنوات سجن طويلة فقط كي أتغير أول مرة، بل حياة أمي كذلك. وتغيّري اليوم ثمنه العيش لاجئاً، ثم على الفور تقريباً غيابك. أعطتني امرأة حياتها، وامرأة حضورها وحريتها، كي أتغير مرتين. أفكر أحياناً يا سمور أني أدفع الثمن الرهيب لطمعي، لرغبة عميقة في داخلي لأن أتغير من جديد، لأن أعيش حياة ثالثة. حياتان لم تكفياني. جاء المأساوي مما بدا لي أنه أعمق حريتي وتجددي، من قدر حملته معي بشغف، قدر «مكتوب على الجبين» بصورة ما. 

أما وأنك غائبة فإني أعمل على أن يكون التغير الذي تدفعين ثمنه، دون أن أستطيع مد يد العون، تغيراً مُغيِّراً، يسهم في معنى وحرية يعمّان، ويكون حياة لغيرنا. لم ننجب أنت وأنا. فلعل مشاركتنا في تغير عام أن يكون ذرية نتركها لمن بعدنا.

أقول: مشاركتنا، لأنك حاضرة فيه في كل وقت، لأنك بطلته وحافزه، لأن التزامي كمتغير، وكأم لك، هو أن أعمل على أن يصير غيابك قوة عامة مُغيِّرة، تعيش وتعني. وتبقى.