رفوف المطابخ السورية في مواجهة كورونا

 

في الوقت الذي أعلنت فيه كثيرٌ من دول العالم عن تعطيل الحياة العامة جزئياً أو كلياً لتفادي الانتشار السريع لوباء كورونا، عمّت مشاهد الإقبال الكثيف على محلات بيع المواد الغذائية حول العالم، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بكثيرٍ من صور الرفوف الفارغة، حيث سارع عشرات ملايين البشر إلى تخزين الاحتياجات الضرورية للبقاء في المنزل، وفي أعلى هرم هذه الاحتياجات كانت المواد الغذائية. وقد ركّز المستهلكون في دولٍ أوروبيةٍ عديدة على المعكرونة والرز والطحين والسكر والمناديل الورقية، حتّى بدا أنّ الأسواق قد تخلو في أوقاتٍ لاحقةٍ من هذه المواد.

ليس الأمر كذلك في سوريا، وباستثناء صور التزاحم الشديد على شراء الخبز، لم تشهد الأسواق إقبالاً على شراء كمياتٍ كبيرة من المواد الغذائية. وحتى بالنسبة للخبز، فقد كان السبب وراء التزاحم والفوضى هو إغلاق الأفران واقتصار البيع على الموزعين في الأحياء، وليس الارتفاع الشديد على الطلب، إذ لا يوجد كهرباء لتخزين هذا الخبز. لا يُقبل السوريون على تخزين احتياجاتهم الأساسية، وذلك رغم أنّهم يعيشون أيضاً حظراً جزئياً للتجوال وتعطيلاً للحياة العامة بسبب فيروس كورونا، ورغم أنّ تخزين المواد الغذائية وتكديس أقدارٍ كبيرة من المونة في الأيام العادية نهجٌ تقليدي يقوم عليه المطبخ السوري. ويُلخّص ممدوح عارف (اسم مستعار) سبب ذلك بجملةٍ قصيرة: «دخل قليل وأسعار عالية... الله المُستعان».

تحدّثت الجمهورية إلى سبعة أشخاصٍ من الطبقتين الوسطى والفقيرة، ومن مدنٍ سورية مختلفة خاضعة لسيطرة النظام أو المعارضة أو وحدات الحماية الكردية، لتسألهم عن طبيعة المواد التي خزّنوها لضمان البقاء في المنزل. وكانت الإجابات متقاربة، فأولئك الذين يحسبون أنفسهم على الطبقة الوسطى اشتروا ما يكفيهم لخمسة عشر يوماً من المعكرونة والبرغل والشعيرية والرز والفول، بالإضافة إلى قليلٍ من اللحم الأحمر ولحم الدجاج والسكر والشاي والقهوة والخضروات. أما الفقراء فلم يشتروا شيئاً يُذكر، بل قلّلوا من مصروفهم باعتبارهم مياومين قد توقّف عملهم إلى أجلٍ غير معلوم.

وقد سألنا ممدوح عارف، الذي يصنّف نفسه من الطبقة المتوسطة رغم أنّ دخله لا يتجاوز 225 دولار شهرياً، عن طبيعة المواد الغذائية التي اشتراها بالتزامن مع توقّف عمله وإغلاق محله الصغير في مدينة الحسكة؛ يُجيب ممدوح: «كحال أغلب الناس، اشتريت معكرونة وفول وشعيرية، لأنّ السوق مليء بهذه المواد المُقدمة مجاناً من الأمم المتحدة، ولذا فهي تباع بأسعارٍ معقولة؛ كيس المعكرونة 175 ليرة، علبة الفول 200 ليرة، وكيس الشعيرية 200 ليرة. اشتريتُ أيضاً كيلو لحمة ودجاجتين وسكر وشاي وقهوة ورز وزيت وطبق بيض ولبن وجبنة وبندورة وبصل. يمكنني القول إن هذه المواد تكفيني لمدة عشرين يوماً مع الحاجة إلى بعض الاحتياجات اليومية من الخضروات التي لا يمكن تخزينها. من رحمة الله بنا أنّ الحجر تزامن مع موسم عددٍ من الحشائش التي تنمو في الأرض دون زراعة، وهذه أسعارها في متناول الناس».

يضيف ممدوح: «عند عودتي إلى المنزل بعد أن اشتريت هذه المواد، التي وصلت قيمتها إلى 150 ألف ليرة، كان ضرورياً التفكّر في آلية تدبير استهلاكها بالطريقة المثلى، فمن دون ذلك لن تكفي أسرتي المكوّنة من ثمانية أشخاص أكثر من أسبوعٍ واحد. حالي أفضل من غيري بما لا يُقارن، وبإمكاني تحمّل شهرين من دون عمل، لكنَّ هناك أسراً يعولها شخصٌ واحدٌ يعمل بالمياومة، وهؤلاء إن أكلوا اليوم فإنهم لا يعرفون ما سيأكلونه غداً في الأحوال العادية، فكيف في ظلّ هذه الأحوال!».

أمّا حلا السالم (اسم مستعار)، المقيمة في حيّ النيال بحلب، فتقول إنّ عائلتها تعتمد اليوم فقط على راتب زوجها التقاعدي الذي يصل إلى خمسين ألف ليرة سورية، لأنّ ولديها اللَذين يعملان كأجيرين مياومين قد توقّفا عن العمل. تحمد حلا ربّها لأنّ فرض إجراءات الحجر الحالية جاء بعد أيامٍ قليلة من حصول زوجها على 500 ألف ليرة سورية ورثها بعد موت أحد أقربائه. تقول حلا: «فوراً ذهبت إلى السوق واشتريت مواداً تموينية بنصف المبلغ، وآمل أن تكفي عائلتي المكونة من سبعة أشخاص حتى نهاية الحجر، حتى لا أُضطرّ لصرف باقي المبلغ في حال طال هذا الأمر».

لا يختلف الوضع كثيراً عند الانتقال للحديث مع الساكنين في دمشق، «فحال السوريين من بعضو» كما تشرح للجمهورية زينة شاكر (اسم مستعار)، وتضيف بأنّ «الحجر تزامن أيضاً مع انخفاضٍ جديدٍ في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار (1290 ليرة صباح اليوم الإثنين)، ولذا ارتفعت الأسعار للسببين معاً؛ إغلاق المحلات بسبب الحجر وانخفاض الليرة. تنتهي جلّ أحاديث كورونا في دمشق هذه الأيام بالجملة السورية المقرونة بكلّ أزمة: التجار ما بيخافوا الله. ولا ندري حقيقةً إذا كان هناك دور حقيقي لجشع التجار في ارتفاع الأسعار في ظلّ هذه الأزمة التي تحتاج قدراً هائلاً من التكاتف بين الناس، ولكن ما نعرفه جيداً هو أننا نتنقل بين أكثر من محل بحثاً عن السعر الأرخص قبل أن نشتري أيّ غرض، وفي الحقيقة هناك تفاوت كبير في الأسعار، لا سيّما بعد تعطيل الجهات التموينية والرقابية».

في سياق حديثنا مع ممدوح عارف، يروي لنا أنّه يعرف أسرةً تعيش في حارته، يعولها أربعينيٌّ مياوم كان يعمل في ورشات البناء. يقول ممدوح: «هذه الأسرة تفطر وتتغدى وتتعشى فلافل، فهم يشترون الحمص المُخصص كمساعدات إنسانية بسعرٍ رخيص، ويطحنونه مجاناً لدى أحد المطاعم لتحضير خلطة الفلافل، ويبقى لهم أن يشتروا ربطة خبز (13 رغيف) بسعر 150 ليرة. ذهبتُ لتقديم مساعدة متواضعة لربّ الأسرة، فأخبرني أنّه لا يلتزم بالحجر المنزلي، وينزل يومياً إلى السوق بحثاً عن أيّ عمل، لكن جميع الأعمال متعطّلة. بدوري اعتذرتُ منه سلفاً عن عدم قدرتي على مساعدته خلال أيام الحجر اللاحقة، فأنا مثله لا أعمل هذه الأيام، كما يقولون: أظهر عذرك ولا تُظهِر بخلك».

يعيش العالم كله أزمةً عصيبةً هذه الأيام، ولكنّ ما يزيد من قساوة هذه الأيام العصيبة على السوريين، فضلاً عن فقر أكثر من ثُلثيهم، هو أنّ شطراً منهم يعتمد على المساعدات التي يرسلها أفراد أسرهم المقيمين خارج البلاد، بيد أنّ وصول هذه المساعدات متعذّرٌ اليوم بسبب إغلاق أغلب محلات التحويل النظامية وغير المُرخّصة على حدٍّ سواء، وبسبب توقفّ أشغال كثير من السوريين الذين يعملون في الخارج نتيجة الإجراءات المتنوعة التي تم اتخذاها في البلدان التي يقيمون فيها. هنالك أزمة رفوفٍ فارغة أحدثها وباء كورونا في سوريا أيضاً، ولكن ليس في المحلات، إنّما في المطابخ.