روسيا تدفع حزب الله خارج القلمون

 

لطالما اعتبر حزب الله اللبناني أن منطقة القلمون واحدة من أكثر المناطق أهمية بالنسبة له في سوريا، وحتى قبل الإعلان الرسمي عن مشاركة ميليشيا الحزب في الأعمال العسكرية في سوريا ربيع العام 2013، كان عناصر الحزب يُشاهدون بشكل متواتر في منطقة القلمون الغربي قرب الحدود اللبنانية. ولأن هذه المنطقة، من بين مناطق أخرى، تُعدّ حيوية لعمليات تنقل عناصر الحزب وعتاده بين سوريا ومنطقة البقاع اللبنانية، فإن التغوّل فيها، والعمل الدائم على إحكام السيطرة عليها، كان أحد معالم استراتيجية الحزب طوال السنوات الماضية في سوريا، لكن دخول موسكو على خط النفوذ في المنطقة عبر وسائل متعددة منها المشاريع الاقتصادية، يؤذن بتراجع النفوذ الكبير الذي كان حزب الله يملكه في المنطقة.

تقول مصادر محلية للجمهورية إن هناك تسريبات مصدرها ميليشيا «الدفاع الوطني»، تفيد بأن «عملية انسحاب ميلشيا حزب الله من بلدة قارة قد أصبحت مسألة وقت». وتأتي هذه التسريبات بعد شهرين فقط من انسحاب حزب الله من مدينة يبرود، وتسليمهم لحي القاعة، الذي كان قد بقي تحت سيطرة الحزب، دون أن يستطيع السكان دخوله، منذ احتلال الحزب للمدينة عام 2014.

تؤكد تلك المصادر أن هذه الانسحابات مرتبطة بالنفوذ الروسي المتصاعد في المنطقة، وكانت معالم المطامع الروسية الاقتصادية في القلمون الغربي قد بدأت تطفو على السطح منذ عامين، عندما بدأ الروس بالتركيز على آبار الغاز في المنطقة، إذ تم الإعلان عن أربعة مشاريع للتنقيب عن الغاز دفعة واحدة في شهر تشرين الثاني عام 2017، وتوزعت الآبار على بئرين في قارة، وبئرين آخرين في كل من بلدتي البريج ودير عطية. كما تم إنشاء محطتين للتجميع والمعالجة والتخزين في كلّ من قارة والبريج خلال مدة قياسية، إذ جرى افتتاح هذا المشروع في شهر أيار عام 2018، بقيمة تصل إلى أربع مليارات ليرة سورية، وبقدرة إنتاجية تجاوزت المليون متر مكعب يومياً.

ولا تزال هذه المشاريع في مراحلها الأولى، إذ من المتوقع أن يتضاعف عدد الآبار خلال العام القادم. وكان إعلام النظام قد احتفى بهذه المشاريع، مؤكداً أنها جهد سوري خالص لم تتم الاستعانة فيه بأي فنيين أجانب، وهو ما نفاه مصدر مطلع على المشروع للجمهورية، مؤكداً أن الفنيين الروس هم من أشرفوا على العمل بالشكل الكامل، وهم من وضعوا المخططات لأماكن تواجد المحطات وخطوط التمديد، وأنهم كانوا السبب الرئيس في تنفيذ المشروع خلال هذه المدة القصيرة.

لكن التدخل الروسي في منطقة القلمون الغربي لم يبدأ مع تلك المشاريع الاقتصادية، بل كانت بداية الصدام غير المباشر بين حزب الله وموسكو على أطراف منطقة وادي بردى التي كان يحاصرها الحزب، حين دخل الروس بقوة على خط المفاوضات، عندما وصل وفد روسي إلى أطراف المنطقة للقاء بالمعنيين من أهالي بلدة عين الفيجة، ومفاوضتهم على الخروج من بلدتهم. حاول حزب الله وقتها عرقلة تلك الاجتماعات عدة مرات، وبعد تهديدات روسية متكررة للأهالي هناك، استطاعت موسكو فرض سيطرة نظام الأسد على بلدة عين الفيجة، ما أثر على الموقف التفاوضي لميليشيا الحزب في بلدات مضايا وبقين والزبداني المجاورة.

هذه الخطى الواثقة من قبل الجانب الروسي، كانت في غاية الاستفزاز بالنسبة للحزب، الذي اتبع بعدها سياسة واضحة، وهي إفشال أي مسعى للتوصل إلى حلول لا تمر عبره، لتنتهي عملية التفاوض بفرض الشروط الإيرانية كما يريد الحزب، من خلال تطبيق ما عرف باتفاق المدن الأربعة في شهر نيسان عام 2017، بعد قرابة العامين من الحصار الخانق الذي فرضه الحزب على بلدات مضايا والزبداني وبقين منذ عام 2015.

قبل تلك الأحداث، كان نفوذ حزب الله يمتد تدريجياً باتجاه السيطرة المطلقة على بلدات ومدن القلمون الغربي، حيث استباحت ميليشيات الحزب المنطقة بعد أيام من سيطرتها على مساحات واسعة من القلمون الغربي، شملت قارة ودير عطية ويبرود ورنكوس وعسال الورد عام 2014، لينتشر عناصر الحزب في مواقع هامة منها حي «الكُرب» في قارة، وحي «القاعة» في يبرود، محيطين أنفسهم بسواتر ترابية وإسمنتية، منعت أي شخص من محاولة التفكير بالذهاب نحو منزله الواقع في تلك الأحياء، بل ومنعت عناصر وضباط النظام أنفسهم من دخولها حسب شهود عيان.

كان حزب الله خلال تلك الفترة هو الآمر الناهي في تلك المناطق، التي أعطته طريقاً مختصراً لإمداداته من وإلى عمق الجغرافيا السورية، بخط عسكري يصل لبنان بسوريا، ويُمنع الاقتراب منه، حتى أنه في إحدى المراحل، هجّر أهالي بلدة الطفيل اللبنانية «السنية»  الواقعة على الخط نفسه منذ العام 2014 حتى أواخر 2017، وذلك درءاً لأي خطر محتمل.

تحدثنا إلى رجل خمسيني يعيش في مدينة قارة مع زوجته وأولاده الثلاثة، هجّرته ميليشيا حزب الله مرتين، الأولى إلى بلدة عرسال اللبنانية حين دخلت قارة عام 2014، والثانية حين عاد بعد ثلاثة أشهر من التهجير ووجد منزله محرّماً عليه؛ يقول للجمهورية: «بعد أن هُجِّرنا، عشنا ظروفاً صعبة للغاية، من تأمين السكن والغذاء وحتى الدواء، وكان كل ما يُعزّيني آنذاك، أن لي منزلاً تركته خلفي، سأعود إليه ما أن تسنح لي الفرصة. وبالفعل، بعد أقل من ثلاثة أشهر، عدتُ إلى المدينة لكن ليس إلى منزلي، عُدت لأجد نفسي مضطراً لاستئجار منزلٍ لا يبعد سوى أمتار قليلة عن بيتي، بعد أن منعني عناصر الحزب من دخول الحي، حتى بغرض أخذ بعض الأمتعة، وقالوا لي: من الأفضل أن تنسى هذا المنزل، كان ملكاً لك، وأصبح اليوم ملكاً لنا إلى أجل غير معلوم».

يقول هذا الرجل إن منطقة الكُرب التي استباحها حزب الله وتقاسم عناصره منازلها، تضم غالبية فيلات وقصور المدينة، ما دفع بكثيرين من عناصر الحزب لاستقدام عائلاتهم من لبنان، ليكونوا على مقربة منهم، حيث لا خطر عليهم، «أما أنا فأعدّ الليالي منذ خمس سنين، عليّ استيقظ يوماً ولا أجد لهم أثراً».

بعد التسريبات التي تتحدث عن قرب انسحاب ميليشيا حزب الله من قارة، وبعد انسحابها فعلاً من أهم أحياء مدينة يبرود، تبرز التساؤلات حول مستقبل حزب الله في المنطقة، وحول مستقبل طرق إمداده عبرها، خاصةً أن موسكو لم تدخل على خط المنطقة فقط عبر سيطرتها على مشاريع الغاز، ولكن أيضاً عبر استحواذها على مواقع عسكرية قريبة أهمها الفرقة الثالثة في القطيفة؛ هل سيقود هذا التمدد الروسي إلى صدام جدي مع ميليشيا حزب الله في المنطقة، أم أن هناك ما يمكن للحزب فعله للحفاظ على سيطرته المباشرة على طرق إمداده على الأقل؟