زمان عبد الباسط

 

تلتقي في الحِداد على عبد الباسط الساروت ثلاثة أطوار من الفجيعة، قد تظهر سويّة أو بشكل منفرد تبعاً للموقف. من جهة، نجد الحزن المباشر على شاب في السابعة والعشرين من عمره، استشهد خلال معارك صدّ تقدّم النظام في ريف حماة الشمالي بعد ثمان سنوات من الانخراط الكامل في الثورة، حزنٌ تتضاعف معالمه عند من عرفه بشكل شخصي؛ ومن جهة ثانية، نجد، عند جمهور أعرض، حزناً محمولاً على عودة صادمة وحزينة للحظات التأسيسية للثورة السورية وأطوارها الأكثر جماهيرية عامي 2011 و2012، وهي مرحلة صُبغت بصوت الساروت منشداً في مظاهرات أحياء حمص. الكثير من هؤلاء لم يكن لديه أي فكرةٍ عن مآل الساروت بعد حمص، وبعضهم لم يعد قادراً على متابعة الأخبار بشكل عام، لكنّ سنة 2011 مؤسِّسة بالنسبة لهم بقدر ما هي مؤلمة، وبقدر ما هي ضرورية؛ ومن جهة ثالثة، نرى تفجّعاً غاضباً على الحرب التي أُعلنت على الساروت منذ اللحظات الأولى لإعلان استشهاده من قِبل سرديّة أسديّة مهووسة بتحطيم أي معنى وذاكرة وتفكير خارج اتهامات «الإرهاب» المسعورة، حربٌ تعزّزت بحرب إلكترونية منسّقة بإحكام، أدّت إلى حذف كثير من الصور والمنشورات الناعية للساروت على فيسبوك، وحظر كثير من حسابات الذين تمسّكوا بالنشر عن الساروت على الشبكة الاجتماعية. لم تكن هذه الحرب نقاشاً حول رمزية ومعنى الساروت، ولا تفحّصاً لموقف إشكالي له هنا، أو تصريح مُدان بدر عنه هناك، بل كانت حرباً على كلّ سردية أُخرى تخالف رواية النظام عن «إرهاب» و«إجرام» كلّ، كُلّ من قام ضدّه.

أمام هذا الواقع، رأينا أن أفضل ما يُمكن لنا تقديمه، في هذا الفصل المتجدد من حِدادنا المديد، هو أن نحاول تجميع فصول قصّة الساروت بأكمل صورة استطعنا الوصول إليها خلال الأيام الماضية، دون ادّعاء أنها تشمل كلّ الحكاية، بل على العكس، نودّ لو تكون أي نواقص ممكنة فيها دافعاً لكي يروي الآخرون هذه الأجزاء، فتُحفَظَ خارج هشاشة بوستات الفيسبوك المؤقتة، أو أحاديث الشفاهة الزائلة. إن أفضل إنصاف للساروت هو السعي لرواية حكايته وتفحّصها دون تبجيلٍ فائض ولا تحامل غير موضوعي ومع ضمان امتلاكنا نحن، أهل الثورة لها، لنسترجعها ونفككها وننقدها ونُراجعها، ونحميها ونحمي أنفسنا من العداء الإبادي المسكوب عليها وعلينا.

وعدا الجانب الشخصي، المباشر، الخاص بحياة الساروت وخياراته وقراراته -اتفقنا مع كلّها أو بعضها، أو اختلفنا- ففي قصّته ملامح من قصّتنا جميعاً: هذا نحنُ، هذه سيرتنا، وهذه مساحات قلقنا وحيرتنا وتخبّطنا، وهذا حِصارنا، وهذه فجيعتنا. وأيضاً، ما تلقّاه الساروت من هجوم أسديّ مسعور، وصل إلى حد ملاحقة منشورات فيسبوكية لحذفها وحظر أصحابها، هو فصل من فصول الحرب علينا جميعاً -بما في ذلك أولئك الذين لهم آراء سلبية بالساروت، أو مواقف متوجسة من أيقَنة غير نقدية له-، على حاضرنا، وعلى ذاكرتنا وقصّتنا، أي على مستقبلنا.  

******

ولد عبد الباسط الساروت عام 1992 في حي البياضة الحمصي، واحدٌ من أحياء العشوائيات الفقيرة الكثيرة التي راحت تنتشر في مدن سوريا الرئيسية وعلى أطرافها، حتى وصل الأمر إلى حد أن نحو نصف سكان مدينتي حلب ودمشق كانوا يعيشون قبيل العام 2011 في أحياء سيئة التنظيم أو عشوائية بالكامل، جعلت من حياتهم اليومية كابوساً متكرراً على مدى أعمارهم.

وقد كان لمدينة حمص نصيبٌ كبيرٌ من سوء الإدارة والفشل الحكومي خلال سنوات حكم الأسد الأب، إذ راح حزام الفقر العشوائي المحيط بها يتضخم منذ أواسط الثمانينات، وصارت الأحياء الصغيرة التي بناها الوافدون الجدد دون تخطيط حكومي تكبر تدريجياً، ومنها حي البياضة إلى الشرق من أحياء المدينة القديمة، الذي بناه أبناء عشائر حمص الشرقية أول الأمر، ثم راح يتوسّع تدريجياً في ظل غياب التنظيم والإهمال الحكومي وسياسات الإفقار التي تزايدت بعد وراثة الأسد الابن للحكم مطلع القرن.

تعرّض حيّ البياضة لإهمال مضاعف في السنوات الأخيرة التي سبقت بداية الثورة، إذ حاول محافظ حمص منع توسّع الحي من خلال وقف منح تراخيص لتركيب ساعات الكهرباء والمياه؛ عن هذا يقول مازن غريبة، ناشط مجتمع مدني من أبناء حمص: «كان يمكنك أن تشاهد أبنية كاملة في حي البياضة يسكنها الناس من دون كهرباء، كانوا يضعون الطعام على الشرفات كي لا يفسد».

في ظروف كهذه عاش الساروت سنوات طفولته وشبابه الأولى، لم يتمكن من متابعة تعليمه، واضطر بدلاً من ذلك للعمل مبكراً في نقل أحجار البناء والحديد، بالتزامن مع انضمامه إلى نادي الكرامة الحمصي، ثم بروزه بعدها كحارس مرمى مميز، حتى تم اختياره ليكون حارس فريق شباب الكرامة، وحارس منتخب سوريا للشباب. ولكن هذا لم يكن كافياً في سوريا كي يعيش المرء حياة كريمة ومضمونة من الناحية الاقتصادية، إذ لم يكن راتب الساروت الشهري من نادي الكرامة يتجاوز الألف وخمسمئة ليرة سورية، أي ما يعادل 30 دولاراً في ذلك الوقت، كما يقول مازن غريبة، الذي يتذكر جيداً أن أبناء البياضة ومن بينهم عبد الباسط، كانوا محركاً رئيسياً للتظاهرات التي بدأت تخرج منذ أواخر آذار/مارس 2011 في أحياء عديدة بالمدينة مثل الخالدية ودير بعلبة والبياضة نفسها.

ربما يكون أول فيديو انتشر على نطاق واسع للساروت هو ذاك الذي تم تصويره في حي البياضة مطلع حزيران/يونيو 2011، يظهر فيه واقفاً على الأكتاف يهتف لمدن سوريا واحدة واحدة مبشراً بامتداد الثورة. وقد كان الخيار وقتها أن يتم تمويه وجه الساروت حماية له من بطش المخابرات السورية، لكن الأمر لم يطل حتى بات الجميع يعرفون أن صاحب الصوت الحنون والقوي في آن معاً هو عبد الباسط، حارس مرمى منتخب سوريا للشباب.

تتالت بعدها الفيديوهات التي يظهر فيها الساروت، دون تمويه وجهه، يهتف بالجموع في شوارع حمص ضد النظام؛ وفي الوقت الذي كان فيه معظم المتظاهرين لا يزالون يتجنبون الكشف عن وجوههم أمام الكاميرات كي لا يصبحوا هدفاً لحملات الاعتقال التي تنفذها أجهزة الأمن، أصبح وجه الساروت وجهاً لكل المتظاهرين، وأصبح صوته تكثيفاً لأصواتهم جميعاً.

«عندما كان المتظاهرون يعرفون أن الساروت سيهتف في أحد المظاهرات، كانوا يذهبون مباشرةً إليها، كانت الأعداد تتضاعف بمجرد وجوده»، هكذا يصف مازن غريبة تأثير عبد الباسط على مظاهرات المدينة. ولا يمكن فصل الشعبية الواسعة التي حاز عليها مبكراً عن كونه واحداً من لاعبي فريق الكرامة الحمصي، مع ما يعنيه ذلك في مدينة تتمتع كرة القدم، وفريق الكرامة على وجه الخصوص، بحضور واسع فيها. وائل عبد الحميد هو واحد من أبناء حمص، وأيضاً من مشجعي فريق الكرامة وجمهوره العريض في المدينة، وهو يقول إن «طريق عبد الباسط الساروت الكروي كان واضحاً، فهو كان أبرز حراس سوريا الشباب، وكان يستعد ليكون حارس فريق الكرامة الأول، وعلى الأرجح حارس المنتخب السوري الأول، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ فريق الكرامة، الذي قدّم للكرة السورية عدداً من أبرز حراس المرمى. وقد كانت مشاركة عبد الباسط في الثورة بالنسبة لي كواحد من جمهور النادي أمراً بالغ الأهمية، لأن الانتماء لنادي الكرامة كان جزءاً من تعريفنا لأنفسنا، وكان حضور لاعبين منه في ميادين الثورة أمراً حيوياً بالنسبة لنا».

كذلك لا يمكن فصل شعبية الساروت عن صوته المؤثر والأهازيج والهتافات التي كان يبتكرها، وعن تصديه الشجاع لمهمة الصعود على الأكتاف، التي تعني جعله هدفاً للنظام وأجهزته الأمنية. وبالفعل راحت وسائل إعلام النظام السوري والصفحات الموالية له على فيسبوك تتداول اسم الساروت بوصفه إرهابياً سلفياً، وهو ما دفعه للظهور في فيديو أواسط تموز 2011 ينفي فيه هذه التهم، ويؤكد على رفضه للطائفية وعلى أنه واحد من المتظاهرين السلميين في البلاد، ومنذ تلك اللحظة راح اسمه يتكرس بوصفه واحداً من قادة الثورة في المدينة، ومن أبرز المطلوبين لأجهزة النظام الأمنية فيها.

وجد عبد الباسط الساروت نفسه خريف 2011 في قلب أحياء شبه محاصرة، بدأت تظهر فيها مجموعات مسلحة بشكل متواضع تحت مسمى الجيش الحر، تحمي الأزقة التي تخرج فيها المظاهرات من هجمات النظام الدموية، الذي كان قد بدأ بتقطيع أوصال المدينة ونشر الحواجز العسكرية على الطرقات ومداخل الأحياء. كما وجد نفسه أيضاً في قلب استقطاب طائفي حاد، تنقسم فيه المدينة إلى أحياء ذات غالبية علوية مؤيدة للنظام، وأحياء ذات غالبية سنية مناهضة له، وبالتوازي مع مسار الثورة التي راحت تتسلح رويداً رويداً للدفاع عن نفسها ضد آلة دموية لا ترحم، وترتفع فيها رويداً رويداً شعارات دينية ذات صبغة طائفية، كان هناك مسار من النزاع الطائفي المتصاعد وأعمال القتل والخطف المتبادل.

تكتسب سيرة الساروت واحداً من أبرز وجوه استثنائيتها من تلك الأيام، التي راح يظهر فيها منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 إلى جانب الممثلة السورية الراحلة فدوى سليمان، التي تنحدر من أصول علوية، يهتفان معاً ضد النظام، وهو ما كان رسالة مناهضة للاستقطاب الطائفي، وفي الوقت نفسه بداية لمسار سيصبح فيه الساروت تحت المجهر، في كل أقواله وأفعاله وأناشيده.

في أواخر العام 2011، كان الساروت قد شهد دفن عدد كبير من رفاقه وأبناء حارته البياضة، وفقد أيضاً أول إخوته وأكبرهم، وعدداً من أقربائه وأصدقائه، في أحد الاقتحامات التي نفذها عناصر أمن النظام في الحيّ. ثم كانت الأشهر الأولى من العام 2012 أشهر التحول الحاسم نحو العسكرة، وشهدت مزيجاً من المواجهات المسلحة التي قادت إلى تحرير أحياء عديدة في حمص من قبضة النظام، ومن المظاهرات الحاشدة التي باتت أشبه بكرنفالات ضخمة، يتوسط الساروت كثيراً منها بأغنيات وأناشيد باتت معلماً أساسياً من معالم الثورة، من بينها جنة يا وطنا وحانن للحرية حانن، اللتين اقترنتا باسمه.

تحولت حمص تدريجياً إذن إلى ساحة حرب مفتوحة، وارتكبت ميليشيات تابعة للنظام مذابح قتل طائفي مروعة في عدة أحياء منها، استخدمت فيها السلاح الأبيض في تصفية المدنيين، كما نفذ جيش النظام عشرات الهجمات والاقتحامات على الأحياء المتمردة، مستخدماً الصواريخ والمدفعية والدبابات، ولاحقاً الطائرات، ونجح في السيطرة على عدد منها تباعاً، بما فيها حي البياضة الذي تم تدمير أجزاء واسعة منه وتشريد معظم أهله، بالتزامن مع فرض حصار تدريجي على بقية الأحياء، عبر قطع الطرقات والمنافذ بشكل مباشر أو برصاص القناصة.

كان واضحاً في ربيع 2012 أن النظام يسعى عبر العنف المعمم إلى قتل وتشريد أكبر قدر ممكن من سكان الأحياء الثائرة، وإلى عزل وحصار المناطق التي لا يستطيع السيطرة عليها عسكرياً، وفي وقتٍ ما من تلك الأيام الدامية، وإلى جانب مواصلته الغناء والهتاف في التظاهرات، كان الساروت قد تحوّل إلى حمل السلاح في صفوف مجموعة عسكرية ستحمل اسم كتيبة شهداء البياضة، وشارك في محاولة لاستعادة الحيّ من قبضة النظام، وأصيب فيها برصاصة في قدمه.

في أواسط حزيران/يونيو 2012 كان النظام قد نجح تقريباً في تطويق أحياء المدينة القديمة، التي لم يعد يربطها بالعالم الخارجي سوى طرقات قليلة مرصودة برصاص القناصة، لا تصلح لتأمين كميات معتبرة من الغذاء والدواء والذخيرة، ليبدأ بهذا ما سيعرف لاحقاً بحصار حمص القديمة. كانت المدينة قد فقدت المئات من أبنائها وبناتها في أعمال القمع العنيف والمعارك، وكان عشرات الآلاف من سكان أحياء قلب المدينة قد نزحوا منها إلى مناطق أخرى في حمص وأنحاء سوريا والعالم تحت وطأة القصف، ليبقى في قلب الحصار بضعة آلاف من المدنيين وبضعة مئات من المقاتلين.

حاول عبد الباسط ورفاقه كسر الحصار مراراً دون فائدة، ثم اتخذَ القرار بالخروج من مدينة حمص مع عدد من رفاقه عبر أنفاق وقنوات الصرف الصحي إلى ريفها الشمالي، آملاً بالحصول على مساعدة لمواجهة الحصار الذي كان يزداد إحكاماً. يقول الناشط السياسي خالد أبو صلاح، وهو من أبناء مدينة حمص، إن الساروت «كان يريد تأمين مساعدة عسكرية تؤدي إلى كسر الحصار في أحسن الأحوال، أو تأمين ما يلزم من غذاء وذخيرة لمواجهة الحصار على أقلها، لكن محاولاته تلك لم تسر على ما يرام، لم يحصل على المساعدة اللازمة، ولم يبدُ أن هناك ما يمكن له القيام به من الخارج من أجل كسر الحصار».

في خريف 2012، اتخذ الساروت مع عدد من رفاقه قرارهم بضرورة كسر الحصار بأي وسيلة كانت، أو العودة إلى داخل حمص للمشاركة في مقاومة الحصار على الأقل، في وقت كان النظام قد كشف الأنفاق كلها ونجح في إغلاقها. مضى عبد الباسط مع بضعة عشرات من رفاقه، وخاضوا معركة انتحارية لم يتمكنوا بنتيجتها من كسر الطوق. استشهد عدد من المقاتلين، وفُجع الساروت بفقدان الأخ الثاني له، وأصيب هو نفسه برصاصة في قدمه مجدداً.  وقد وثّقَ فيلم العودة إلى حمص لطلال ديركي تلك الأيام، وفي آخره يظهر الساروت ممداً على سرير، وهو يستفيق من أثر المخدر بعد عملية جراحية. وفي تلك المسافة الفاصلة بين الصحو والنوم نتيجة تأثير المخدر، كان يصرخ على نحو فجائعي طالباً من المحيطين به عدم تضييع دماء الشهداء، ومردداً أنه لا يريد شيئاً في الدنيا سوى كسر الحصار: «دبحوني بس افتحوا طريق للعالم».

for_web_7_720.jpg

تصميم تمّام العمر
تصميم تمّام العمر

بعد مرور فصل الشتاء، وبعد أن تعافت قدمه من إصابتها، أعاد الساروت ورفاقه المحاولة، ونجحوا ربيع 2013 في كسر الطوق والعودة إلى قلب الحصار، دون أن ينجحوا في فتح طريق يمكن استخدامه لتنقل الأفراد والغذاء والذخيرة. بعدها راح الحصار يصبح أكثر إحكاماً وقسوة، حتى وصل الحال بالمحاصرين إلى أكل أوراق الشجر ولحم القطط.

لم يتوقف الساروت عن الغناء والقتال معاً في أي وقت، ومن داخل حمص المحاصرة كان هناك فيديوهات عديدة يظهر فيها مغنياً في سهرات مع رفاق السلاح، ربما يكون أشهرها أغنية لاجل عيونك يا حمص. وفي تلك الفترة أيضاً راحت تظهر أكثر فأكثر في أغنياته وأحاديثه عبارات ذات ارتباط بعالم السلفية الجهادية الرمزي، وعبارات ذات أبعاد طائفية بالغة الوضوح، فيما يبدو اقتراباً من عوالم الجهادية التي كانت تشهد صعوداً في عموم البلاد، بعد الخذلان الذي تلا مذبحة السلاح الكيماوي في الغوطة على وجه الخصوص، وانهيار الإطار الوطني للصراع في سوريا.

منذ أواخر 2013، راحت تتردد أحاديث عن عملية تفاوضية تفضي إلى إخراج المقاتلين والمدنيين المحاصرين من حمص عبر اتفاق مع النظام، وقد كان الساروت ورفاقه في كتيبة شهداء البياضة من الأطراف الرافضة لفكرة الخروج، ولكن هذا الرفض لم يكن لفظياً فقط، لكنه تجسّد واضحاً في المعركة المعروفة بمعركة المطاحن أوائل كانون الثاني/يناير من العام 2014، عندما حفر المقاتلون نفقاً باتجاه منطقة المطاحن بهدف كسر الحصار، أو نقل أكياس الطحين على أقل تقدير إلى قلب الأحياء المحاصرة.

انتهت تلك المحاولة الانتحارية بفاجعة كبيرة، فشلت العملية، وفارق أكثر من ستين شاباً من مقاتلي كتيبة شهداء البياضة حياتهم، من بينهم اثنان آخران من أشقاء الساروت، ليكون قد فقد بذلك أربعة من إخوته على يد النظام السوري. هكذا فشلت آخر محاولات كسر الحصار إذن، وترافقت مع أحاديث كثيرة عن خيانات وتخاذل من داخل أحياء حمص المحاصرة، ومن الفصائل المتواجدة في ريف حمص الشمالي، التي كان يُنظر لها على أنها لم تبذل جهداً لكسر الحصار. وقد خرج الساروت في فيديو بعد ذلك، رافضاً توجيه الاتهامات لأحد، وداعياً إلى تجاوز الأخطاء التي لم يحددها، وإلى توحيد الصفوف.

ظهر عبد الباسط بعدها في فيديوهات عديدة يعلن رفضه لفكرة الخروج من حمص، معتبراً أن هذا الأمر ناتجٌ عن تخاذل العالم كله بما فيه الجهات المعارضة التي كانت تفاوض على شروط الخروج. وفي أواسط شباط/فبراير 2014، ظهر في فيديو يهتف فيه في حشد صغير من الناس ضد فكرة التفاوض أو الخروج من حمص أو عقد مصالحة مع النظام، ويصلح هذا الفيديو علامة على التحولات الكبرى التي أصابت الشاب المفجوع بمدينته وإخوته ورفاقه. لا تظهر في الفيديو سوى الرايات السلفية البيضاء والسوداء، ومعها الرهان على قوة السماء وحدها في إنقاذ حمص من مصير السقوط والتهجير، وتأكيدات على أن حمص لا ينبغي أن تسير على طريق مناطق أخرى عقدت اتفاقات هدنة مع النظام مثل برزة والمعضمية قرب دمشق.

في أيار/مايو 2014، بعد أقل من ثلاثة أشهر على ذاك الفيديو، كانت باصات النظام الخضراء تنفذ أول عملية تهجير قسري في سوريا، وتخلي أحياء حمص من المقاتلين والمدنيين الباقين فيها نحو ريف حمص الشمالي. لم يظهر الساروت في أي صورة أو فيديو من الفيديوهات الكثيرة التي صورت المقاتلين والمدنيين أثناء خروجهم، وكان واضحاً أنه وافق في النهاية مرغماً على الخروج، بعد أن وافقت أغلبية المحاصرين عليه إذ لم يعد ثمة بديل عنه سوى الموت جوعاً أو بالرصاص والقذائف.

قبل ساعات من الخروج، كان الساروت قد تحدّثَ في فيديو تم نشره لاحقاً بحزن وانكسار غير معهود في فيديوهات سابقة له، قائلاً إن لديه عتباً على جبهة النصرة وداعش، لأنه كان يعتقد أن لهما أهداف المحاصرين نفسها، موجهاً اللوم إلى قطاعات في التنظيمين على اتهامها لثوار حمص المحاصرين بأنه «حشاشون وكفرة»، مستخدماً عبارات تقول إن حمص ينبغي أن لا تُترك كي يسكنها «العلويون والنصارى والشيعة واللبنانيون والعراقيون».

يقول هذا الفيديو أشياء كثيرة ينبغي الوقوف عندها، أولها أن اتهام النصرة وداعش للساروت ورفاقه بأنهم كفرة يعني أنهم لم يقبلوا الانضمام إلى أي من هذين التنظيمين قبلاً، وأن الساروت لديه هدفٌ مركزي هو إسقاط النظام بالقوة، وهو ما عبّر عنه في هذا الفيديو وغيره بالقول إنه يرفض «التسيّس»، قاصداً رفضه الانضمام إلى أي جهة تحمل أي مشروع سوى قتال النظام. لكن بالمقابل، يبدو واضحاً أن الساروت كان غارقاً في خطاب القوى الإسلامية والسلفية، بما فيه العمل على تحكيم شرع الله في الأرض وفق تعبيره في الفيديو نفسه، وأنه بات يرى في الصراع مع النظام صراعاً دينياً وطائفياً، ينبغي أن يتحالف فيه «المسلمون» جميعاً ويتكاتفوا، بمن فيهم النصرة وداعش، أيضاً على حد قوله في الفيديو نفسه.

تنقّل الساروت خلال وجوده في ريف حمص الشمالي بين عدة مواقع وجبهات منها الدار الكبيرة والرستن وغيرها من بلدات المنطقة، ولأن الريف الشمالي كان محاصراً بدوره، كانت أوضاع الفصائل داخله صعبة للغاية. يقول سامر الحمصي، وهو ناشط إعلامي من منطقة الحولة في ريف حمص الشمالي، للجمهورية: «كان المقاتلون يعانون نقصاً كبيراً في التسليح، لم يكن لديهم سلاح ثقيل كافٍ لمواجهة عدة وعديد النظام، الذي كان يحاصرنا من أغلب الاتجاهات. وقد أدت سيطرة تنظيم داعش على منطقة عقيربات في البادية شرق ريف حمص الشمالي إلى قدرته على إدخال المال وبعض السلاح لعناصره القليلين في المنطقة».

كان عبد الباسط قبيل تلك الفترة قد اشترك في تأسيس فيلق حمص، وهو فصيل رفع علم الثورة، ولم يكن له أي توجهات إيديولوجية كما يقول خالد أبو صلاح، الناشط السياسي من مدينة حمص وصديق الساروت، الذي يضيف أن هدف الساروت وقتها «كان العودة لتحرير مدينة حمص، إلا أن الظروف الصعبة وعدم فاعلية الفصائل في الريف تجاه هذا الهدف، دفعته للعمل هو ومجموعته منفردين، وتنفيذ عمليات خاطفة ضد قوات النظام على تخوم المنطقة للاستيلاء على أسلحة ومواصلة القتال».

في تلك الفترة، يقول أبو صلاح، قام أحد الأشخاص بالتواصل مع الساروت، واعداً إياه بتقديم السلاح مقابل مبايعة تنظيم الدولة، وقد أعلن الساروت أمام هذا الشخص عن استعداده لمبايعة التنظيم، كما أقرّ هو نفسه لاحقاً في أكثر من مناسبة، على أن يكون ذاك من أجل محاربة النظام فقط، وهو ما كان يعرف بـ «بيعة القتال»، المصطلح الذي شاع في أوساط الفصائل السورية، والذي يعني أن البيعة تشمل التعاون في قتال النظام فقط، دون الإنضواء في الجسم التنظيمي والمشروع السياسي.

لم تدم العلاقة بين الطرفين سوى بضعة أسابيع، قام بعدها الساروت بقطع علاقته تماماً مع ذلك الشخص وكل الجهات التي كانت قد أعلنت استعدادها لمبايعة التنظيم في الريف الشمالي، ويضيف أبو صلاح أنه «عندما دخل شرعيون من تنظيم الدولة لاحقاً إلى منطقة الريف الشمالي، وطالبوا الساروت ببيعة التنظيم، رفض ذلك واتخذ موقفاً شديداً تجاههم»، ليقوم بعدها بالإعلان عن استقلال كتيبة شهداء البياضة عن أي تنظيم أو جهة في تسجيل مصور في شهر آب/أغسطس من العام 2015. لاحقاً، وخلال وجود الساروت في اسطنبول بعد خروجه من الريف الشمالي وسوريا، سجّلَ خالد أبو صلاح لقاءً مطولاً معه يشرح فيه ملابسات القصة كاملة، قال فيه إنه تراجع عن فكرة المبايعة عندما تبين له أن مشروع التنظيم هو حكم سكان المنطقة وليس قتال النظام، وعندما شاهد تجاوزات وأخطاء، لم يحددها، يرتكبها أشخاص مقربون من التنظيم أو محسوبون عليه. كما قال في لقاء لاحق مع تلفزيون أورينت مطلع 2018 إنه تراجع عن فكرة مبايعة التنظيم، بعد أن عرف أن الأخير قادم «لقتال الثوار والمسلمين والناس الذين كانوا معي في الحصار».

رغم نفيه مبايعة التنظيم، تعرّض الساروت لمضايقات من الفصائل في المنطقة، وعلى رأسها جبهة النصرة، وقادت تلك المضايقات في النهاية إلى حملة ضد كتيبته راح ضحيتها تسعة من رفاقه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، وانتهت بأن غادر الساروت ريف حمص الشمالي، ثم غادر سوريا كلها إلى تركيا أوائل العام 2016.

في تركيا تنقل الساروت بين غازي عنتاب واسطنبول، وشارك هناك في مظاهرات مناصرة لمدينة حلب التي كان النظام قد حاصر أحياءها الشرقية وباشر اقتحامها وتهجير أهلها أواخر 2016. يقول خالد أبو صلاح إن عبد الباسط لم يكن يريد البقاء في تركيا، إلا أن تهديدات جبهة النصرة باعتقاله منعته من العودة، متابعاً أنه «بعد سقوط حلب بيد النظام بدأت التظاهرات تعود للشمال، وقمنا عبد الباسط وأنا بالدخول إلى سوريا والمشاركة فيها. ورغم أنني قمتُ بالعديد من الوساطات بمساهمة شخصيات حمصية معروفة لدى الفصائل، إلا أن أحرار الشام وجبهة النصرة كانوا مصرين على اعتقاله». وبالفعل، بعد بضعة أشهر من عودته إلى سوريا، قامت دورية تابعة لهيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) باعتقاله، وحبسه في السجن الانفرادي لمدة 37 يوماً، ليتم إطلاق سراحه بعدها نتيجة وساطات أهلية بحسب أبو صلاح.

بعد خروجه من معتقلات النصرة، قرر عبد الباسط الذهاب مع عدد من رفاق مجموعته الأولى، كتيبة شهداء البياضة، إلى ريف حماة الشمالي، وذلك لإقامة مقرات على الجبهات، التي كانت أقرب مكان إلى حمص يمكنه الوصول إليه. وقد شارك باسط ورفاقه في معارك عديدة هناك إلى جانب مختلف الفصائل، ولكن بشكل مستقلّ، إلى أن انضموا في الأيام الأخيرة من العام 2017 إلى جيش العزة، أحد فصائل الجيش الحر العاملة في ريف حماة الشمالي. يقول أبو صلاح للجمهورية: «كان عبد الباسط يقول إن هذا فصيلٌ لا يملك أمنيات وسجوناً (...) نحنا ما منحكم المدنيين، نحنا مندافع عنهم».

يبدو اختيار الساروت لجيش العزة استمراراً لمجمل مسيرته التي كان أبرز معالمها هو التركيز على هدف إسقاط النظام السوري، ويُعرَف فصيل جيش العزة بأنه رفض المشاركة في أي قتال ضد فصائل أخرى مناهضة للنظام، بما فيها تنظيم الدولة وجبهة النصرة، وبأنه لم يعمل على السيطرة على السكان وحكمهم بنفسه في مناطق انتشاره في أي وقت، وبأن لديه ميولاً وخطاباً إسلامياً واضحاً، لكنه بقي ملتزماً علم وتسمية الجيش الحر حتى اللحظة، وأخيراً بأنه كان من الفصائل التي أعلنت مراراً رفضها لتفاهمات أستانا وسوتشي الروسية التركية، وإن كان قد التزم بها ضمنياً.

بقي الغناء والهتاف حاضراً في حياة الساروت دوماً، يظهر حيناً منشداً شعراً حماسياً على رفاق السلاح في الجبهات، وحيناً آخر مغنياً أو هاتفاً في جموع المتظاهرين في معرة النعمان وغيرها، وحتى لحظات حياته الأخيرة، لم يكفّ يوماً عن القيام بكل ما يمكنه القيام به في سبيل مواجهة النظام.

خلال المعارك الأخيرة التي دارت في ريف حماة الشمالي والغربي، كان الساروت مشاركاً على الجبهات مع جيش العزة، وقد ظهر في فيديو يتحدث فيه عن تقدم فصائل المعارضة في منطقة تل مَلَح. يقول خالد أبو صلاح إنه «بعد تحرير المنطقة الممتدة بين تل مَلَح والجبيّن، وصل خبر للساروت وهو على الجبهة عن إصابة مجموعة نتيجة قصف في الخطوط الخلفية، فقرر الذهاب بسيارته لإسعافهم. عند تشغيل السيارة تعرض المكان لقذيفة، إلا أن أحداً لم يُصَب بإذى، لكن في المرة الثانية عندما تحركت السيارة أصيبت بقذيفة مجدداً، وأصيبَ الساروت بجراح في البطن والساق والذراع، أُسعف على إثرها إلى نقطة طبية في خان شيخون».

بعدها أراد المسعفون أن ينقلوه إلى المستشفى الوطني في مدينة إدلب، لكنه تعرّض لنزيف حاد أجبر المسعفين على التوقف في معرة مصرين لنقل الدم له، ومن ثم نقله مجدداً إلى إدلب. يقول أبو صلاح إنه تمت السيطرة على الإصابة في مستشفى إدلب ومال وضعه للاستقرار، إلا أن رفاقه فضلوا نقله إلى مستشفى يمتلك معدات أفضل في الدانا، لاحقاً أصبح من الممكن نقله إلى تركيا، وفي يوم الجمعة السابع من حزيران/ يونيو خرج عن طريق معبر باب الهوى إلى مشفى في مدينة الريحانية ومن ثم أنطاكيا، لكن وضعه عاد للتدهور بعد ذلك، ويعزو أبو صلاح هذا إلى نقله المتكرر ونزفه الشديد للدماء.

صبيحة يوم السبت الثامن من حزيران 2019، استشهد عبد الباسط الساروت متأثراً بجراحه، ليختم بموته حياة قصيرة وملحمية عامرة بالتحولات والمعارك والدماء، ويُنقَل جثمانه بعدها إلى داخل سوريا ليدفن في مدينة الدانا بريف إدلب. وقد حملت أكتاف المشيعين جسد الساروت الشهيد، بعد أن اعتادت أن تحمل جسده الحيّ ليقود هتافات المتظاهرين وأغانيهم؛ وبدل أن يهتفوا معه كما جرت العادة، هتفوا له وهو يُدفن بعيداً عن حمص التي قضى سنواته الأخيرة مقاتلاً في سبيل فك الحصار عنها، ثم العودة إليها بعد التهجير.

*****

رغم ما يظهر في سيرة الساروت من اندفاع شديد واستعداد دائم لاقتحام الموت دون تردد، إلا أن السيرة نفسها تقول أيضاً إن سنوات حياته الأخيرة لم تكن انجراراً أهوج نحو الموت، بل كان ذلك كله مبنياً على قرار واعٍ بخوض التحديّ حتى النهاية؛ كانت ثورته مواجهةً، لا مجرد انفجار طارئ، وبهذا المعنى فإن الساروت قد امتلك مصيره، وسار في الدروب التي سلكها بناءً على مزيج من التفكير والانفعال، ودليلُ ذلك الأشهر الطويلة التي قضاها مصاباً مثلاً في ريف حمص الشمالي، ليعود بعدها إلى تكرار الأمر نفسه الذي كان قد أدى إلى إصابته.

القصد من هذا القول هو الإشارة إلى أن كثيراً من الدفاع عن الساروت وسيرته، جاء مستنداً إلى «بساطته»، وإلى القول إن الظروف قادته مجبراً لا مختاراً إلى كل الدروب التي سلكها. وفي هذا القول اتجاهٌ إلى نزع الأهلية عنه، على نحو لا تُصادِق عليه أقوال الرجل وأفعاله وحكايته. لم يكن الساروت بسيطاً، إذا كان المقصود بالبساطة هنا أنه لم يكن يدرك معنى وأبعاد ما يقوم به أو ما يقوله، وليس صحيحاً أنه لم يختر طريقه بإرادته، لأنه مهما كانت الظروف الموضوعية بالغة القسوة والقهر، يبقى أن الإرادة تتفاعل معها وتختار طريقها في المساحات المتاحة، قلّـت أم كثرت. الظروف التي عاشها الساروت لم تكن ظروفه وحده، لكن مصيره وطريقه لم يكن مصير وطريق جميع من عاشوا معه الظروف نفسها.

لكن الصحيح أيضاً أن الساروت لم يكن يملك العدة الفكرية والنظرية الكافية التي تساعده على التعبير عن كل أفكاره، أو على التفكير المنهجي في ظروفه واتخاذ قراراته على أساس ذلك، فحتى عند اقترابه من الخطاب السلفي بقيت نواة كلامه متمحورة حول أفكار «النخوة» و«الشرف» و«الدفاع عن النفس والعرض والدم». ويظهر نقص العدّة الفكرية أيضاً في تكراره عبارة «رفض التسيّس»، أو عبارات من قبيل «نحنا ما حدا قادر يسيّسنا». تشير مجمل سيرة الشهيد وأقواله إلى أن ما كان يقصده هو رفض الخيارات التفاوضية مع النظام، ورفض الانضواء في أي مشروع للحكم وإدارة حياة الناس قبل إسقاط النظام، لكنَّ في قلب موقفه هذا سياسة واضحة، تذهب في نهاية المطاف إلى أن تكون عكس «رفض التسيّس»، عندما تظهر على شكل استعداد للتماهي مع أي جهة تناصب النظام العداء، مهما كان مشروعها السياسي فاقع الوضوح مثل داعش والنصرة. «التسيّس» عند الساروت كان اعتبار كلّ  ما عدا الهدف الوحيد، تحطيم النظام الأسدي، إنما هو «دروب ملتوية»، في جذرية أحاديّة الوجهة، أمامها معركة واحدة واضحة التعريف ومستقيمة الطريق، وعدو واحد مُعرّف بالكامل وبشكل نهائي، وكل ما تبقّى هو «إلهاء» مرفوض، في طريقة تفكير تشبه تنظيرات غالبية الحركات الراديكالية المعاصرة بمختلف تلويناتها، رأت أمامها أميركا أو إسرائيل أو الرأسمالية العالمية أو «الطاغوت».

هل يعني هذا الكلام تبريراً أو تسويغاً أو مغمغة لخطاب ومظاهر ومواقف اتخذها عبد الباسط الساروت أو تبنّاها، ويرفضها كثيرون من أهل الثورة السورية -وكتّاب هذه الأسطر بينهم-، من خطاب مهادن أو إيجابي تجاه داعش وجبهة النصرة في مرحلةٍ ما، ومن تعبيرات منفعلة طائفياً؟ قطعاً لا. كما أنه لا يعني تجريماً لمن يرى أن هذه أمورٌ لا يمكن تخطّيها، أو لمن يرى أن شرح الساروت لملابساتها في تصريحات لاحقة ليس كافياً. هذه «مشكلتنا» نحن معه، ويا ليتنا كنا أحراراً من الإجرام الأسدي، وكان باسط على قيد الحياة بيننا، كي نتشاجر معه عليها يوماً ما، فإما تراجعٌ واعتذار، وإما فراق. حُرمنا، وحُرم باسط من هذا أيضاً.

إنصافاً أمام التاريخ والبلد، وأمام الموت والدمار والألم، ينبغي رفض التركيز على هذه المراحل منزوعةً من ظرفها والأجواء المحيطه به، ورفض تكرارها بشكل محموم بوصفها كلَّ حكاية الساروت، وحتى كلَّ حكاية الثورة السورية حسب تصوير الأسد واعتذارييه. هل مشكلة الأسديين، أو جريدة الأخبار، أو الإعلام البوتيني، أو مدبري الحملة الإلكترونية لمسح المحتوى الإيجابي بحقّ الساروت من على فيسبوك، أن الساروت قد قال هذا التصريح المتشدد في لحظة ما، أو رفع تلك الراية، أو شتم تلك الشتيمة الطائفية؟ قطعاً لا. مشكلتهم معه أنه قام ضد بشار الأسد، وهي نفسها مشكلتهم معنا جميعاً، سلميين وقتاليين، طائفيين ووطنيين ديمقراطيين، وهذه مشكلتهم مع الثورة السورية ككل، بكل ما فيها، وبكل من معها.

يبدو استشهاد الساروت اليوم وكأنه قد فتح نافذةً لنا جميعاً على ذاكرتنا عن 2011، عن أنفسنا وتصوراتنا في تلك اللحظة التي غيرتنا جميعاً، تلك اللحظة التي شعرنا فيها أننا نمتلك قرار تحديد مصيرنا، ونمتلك أصواتنا العالية والمبحوحة. ومن أجل هذا بالضبط، لأن الساروت هو رمز تلك اللحظات، يحاول الأسديون وحُماتهم أن يحرمونا منه ومنها. وقد كانت حملة النظام وحلفائه لمحو سيرة الساروت والكتابات عنه، علامة على ذعرهم من سيرة الثورة كلها، وعلى إدراكهم العميق لأهمية خوض معركة الحكاية، ولا نملك أمام هذا سوى أن نواصل إصرارنا على خوض هذه المعركة، والوقوف على توثيق تفاصيلها بكل ما يسعنا من حبّ وإنصاف، دفاعاً عن ذاكرتنا، عنا، عن 2011، وعن الثورة السورية ضد النظام الأسدي، وعن سوريا.