زمن المعلم

 

كنّا طلاباً في الصف السابع سنة 1982 عندما دخل مدرّب الفتوة لأول مرة إلى صفّنا!

كم كنّا توّاقين لرؤيته! فهو الحد الفاصل ما بين المرحلة الابتدائية والمرحلة الإعدادية! ودرسه هو العتبة التي تنقلنا من عالم الطفولة إلى عالم الشباب.

وقف العريف في منتصف الصف، على المصطبة، أمام السبورة، مبتسماً مبتهجاً يفرك يداً بيد بانتظار قدوم المدرّب في حصة الفتوة الأولى! كانت لهفتنا المشرئبّة المتطلّعة لا تقل عن لهفة العريف. أخيراً نزعنا صدرية الطفولة، وفولار الطلائع، ولبسنا البدلة العسكرية الزيتية، واعتمرنا السيدارة، وصرنا رجالاً نحضر حصة الفتوة.

دخل مدرب الفتوة لأول مرة، فقمنا له قومة رجل واحد بإيعاز من العريف:

ــ قياااااااام!!

وبادر العريف، الذي غدا للتو رجلاً، يلبس بدلة الفتوة العسكرية مرحّباً بالمدرب العسكري، وقال له وقد ارتسمت الابتسامة الجذلى على جبينه وحواجبه ورموشه وعينيه ومنخريه وشفتيه وأسنانه ولسانه وذقنه: أهلين أستاذ.

وفي عشر أعشار من الثانية تلقى العريف، من حيث لا يحتسب، صفعة على صفحة خده. جفلنا من هول انفجارها في وجوهنا، وصعقنا لدويّها في آذاننا، صفعة أطاحت به من المصطبة ورمته بين صفَّي مقاعد التلاميذ.

قال المدرب: ولاك حيوان! لا تقل أستاذ. الأستاذ تعني «الجحش»! نقول في العسكرية: سيدي أو معلمي.

وبصوت يشبه صوت الجرو الصغير الذي عفسته سيارة قال العريف الذي رجع، في أقل من نانو ثانية، طفلاً ينشج ويمسح مخاطه بكمّه: حاضر سيدي!

أما نحن فتضاءلنا وانكمشنا وتقوقعنا وتمنينا أن ندسّ أنفسنا، تحت المقعد، على هون ورعب وامّحاق.

ومنذ تلك اللحظة دخلنا زمن المعلم.

فذلكة تاريخية

كان أرسطو المعلم الأول، المعلم هنا كان المؤصّل والمقعّد لمجمل المعارف الإنسانية في عصره: مناهج التفكير والمنطق والفلسفة والعلوم الطبيعة والنقد الأدبي إلخ، وربما سُمّي بذلك لأنه كان معلم الإسكندر، أعظم قائد حتى ذلك الحين، فمعلم القائد قائد المعلمين وأول المعلمين. وفي حضارتنا الإسلامية كان الفارابي (ت: 339) هو المعلم الثاني، تشبيهاً له بالمعلم الأول في الأهمية والمكانة، وتجاوزاً دُعي المير داماد الأسترابادي (ت:1041 هـ) المعلم الثالث، على اعتبار أنه استأنف المنقطع وعاود إحياء المندثر من البحث الفلسفي. ولكن ما بين المعلم الثاني والمعلم الثالث انخسف مصطلح المعلم إلى أدنى درك، لأنّه اختص بمدرّسي الأولاد، الذين لزمتهم وسوم تحقيرية في الأجواء الثقافية العامة، على اعتبار أنهم مختصون بتعليم الأدنى رتبة ومنزلة ومكانة، أعني الصبيان. 1 وقد ذخر تراث الجاحظ والتوحيدي وابن الجوزي والآبي وسواهم بقصصهم ونوادرهم التي تجعلهم في مرتبة جحا تارة، وفي مرتبة أشعب مرة أخرى.

لكن في نهاية القرن التاسع عشر عاود مصطلح المعلم الظهور مكتسياً الهيبة والجلال فجأة بدون مقدمات، فرأيناه محط اعتبار ومصدر افتخار، ورأينا على صدر أغلفة الكتب عناوين من قبيل المعلم بطرس البستاني، والمعلم نقولا الترك، والمعلم جبر ضومط، والمعلم سعيد أفندي الخوري الشرتوني. وحتى رؤساء الأحزاب السياسية اختار لهم أصحابهم لقب المعلم إلى جانب لقب الزعيم، فرأينا المعلم أنطون سعادة والمعلم كمال جنبلاط، إلخ.

المعلم عسكرياً وأمنياً

ما زالت فترة تشكّل سوريا المعاصرة من أشد المراحل غموضاً، رغم عدم بعدنا الزمني عنها. لا نستطيع تحديد نشأة المفاهيم والمصطلحات فيها بدقة، ولا كيفية تدرّجها وانتقالها. لا تسعفنا المصادر بتفصيلات كافية عن تشكّل مؤسسات الدولة على اختلاف صنوفها! وعلى سبيل المثال: ما رتب الجيش العربي؟ وما تسلسل القادة فيه إبّان تشكله؟ هل كان في تلك الفترة مؤسسة أمنية؟ وما الحدود الفاصلة بينها وبين الجيش؟ حتى على مستوى المؤسسات الأكاديمية لا نملك معلومات كافية عن الجامعة السورية التي غدت فيما بعد جامعة دمشق. لا نعرف مدرسيها، سواء من العرب أو المستشرقين؛ لا نعرف أسماء المتخرجين منها، ولا نقع عليهم إلا بمحض المصادفة والاعتباط. لذلك لا ندري بالتحديد متى استُعمل مصطلح المعلم في الجيش العربي السوري. لكن سوف يتاح لنا أن نقرأ القانون الذي أطّر الجيش سنة 1949، وقسّم ضباطه إلى ثلاثة مراتب: الأمراء والقادة والأعوان، وسوف نرى أنّ سلسلة الرتب هي نفسها التي نستخدمها اليوم، ما خلا رتبة الزعيم التي حلّ محلها رتبة عميد، ورتبة الرئيس التي حل محلها رتبة نقيب.

والسؤال الذي نسأله هنا: لماذا غدت كلمة أستاذ مثار استهزاء وسخرية واستنكار في العسكرية السورية، وكلمة معلم محببة معتبرة محترمة؟ هل مصطلح المعلم الذي غزا المؤسسة العسكرية والأمنية هو مصطلح بعثي؟ على اعتبار أنّ فئة كبيرة من أوائل المنتسبين إلى البعث كانوا من المعلمين، وسيختص ميشيل عفلق بينهم بلقب الأستاذ، وسيغدو علامة عليه. وهنا نتساءل أيضاً: هل كانت معاداة هذا اللقب في الجيش من ابتداع حافظ الأسد ومجموعته ممن عادوا ميشيل عفلق وحاربوه، وسخروا من لقبه الذي غدا يعني الجحش؟

كلمة «المعلّم» بوصفها التفافاً

وُجدت كلمة المعلم في الجيش لتلتفَّ وتراوغ، فمن خلالها التفَّ الضباط الأقل رتبة على الضباط الأعلى، فتشاركوها معهم، وسوّوا أنفسهم بهم!

كانت كلمةً عابرة لسلسلة الرتب، فالملازم معلم، والرائد معلم، والنقيب معلم، والعقيد معلم، والعميد معلم إلخ، لذلك كانت كلمة التفافية على الرتب الأكثر تقدماً والأعلى مكانة. وهذا يقتضي أن يحرص عليها الأدنى رتبة ما دامت تطلق على الأعلى رتبة. إنها كلمة مراوغة من جهة، ومستعجِلة لحيازة السلطة وامتلاك المكانة جنباً إلى جنب مع الأقدم والأرسخ، وغالباً الأكفأ من جهة أخرى.

مع بزوغ الديكتاتورية في بداية السبعينات، تحوّلت كلمة المعلم من مجرد لقب إلى كينونة، وتخلّقت خلقاً جديداً غير معهود ولا مسبوق، وتضخّم فيها معنى الالتفاف، وغدا القوة المودعة فيها، كما أُودعت قوة الإحراق في النار، فـ المعلم يلتفُّ على كل ما يعنّ على باله الالتفاف عليه. يلتف على القانون. يلتف على الاطراد الطبيعي للأشياء. يلتف على الماضي فينكره أو يخفيه، وعلى الحاضر فيجمّده ويصلّبه، وعلى المستقبل فيوقف تقدمه.

وانتقلت كلمة معلم من المجال العسكري إلى المجال الأمني، بعد أن غدت المؤسسات الأمنية أكثر عدداً وحضوراً وبروزاً. فانتشرت فروعها في كل مدينة كالفطر، وانتقل المعلمون من القطع العسكرية خارج المدن، إلى الفروع الأمنية داخلها، وأقيمت على مداخل هذه الفروع، مقابل بنايات الناس وبيوتهم الحواجز والمتاريس وعناصر الحماية والمراقبة والحرس. وكان الحاجز يُفتح يومياً لسيارة المعلم وسيارات مرافقته، في الدخول والخروج مع قطع الطريق، وصراخ الحرس بالمارة، ورفع الكلاشينكوف عالياً إيذاناً بوجوب التوقف والتنحي، وتمهيداً لمرور المعلم. وعندئذ تخبط أقدام الحرس خبطاً مزلزلاً، فترجّ الأرض رجاً، وهي تقدّم التحية له في منظر يملأ النفس مهابة وخشية. فمن متمّات صورة المعلم أن يحاط بالمرافقة يفتحون له الأبواب، ويثيرون الجلبة لإعلام الحضور بحضوره، يحملون له حقيبته، بل وحتى المغلف أو المصنّف الرقيق من أجل أن يعرف الجميع أهميته ومركزيته. والمعلم لا يرافقه الأفراد فقط، ولكن السيارات أيضاً، فكلما زاد عدد السيارات زادت أهميته.

فرض المعلم زمنه الوجودي الخاص على وجود البلد والوطن بأسره، وفرض إيقاعه بالوتيرة التي اختارها بلا معقّب، 2 ، وكان زمنه زمن الإمكانات اللانهائية المشروطة:

اصرخ. انبح. لكن بدون صوت.

اعترض كما تشاء لكن بقلبك.

اصنع مشاريعك، لكن شاركنا فيها.

ابنِ سجنك بنفسك، وستقدّم لك المواد مجاناً. عليك أن تكون فقط مجدِّاً ومثابراً، غير متلكِّئ ولا متريث.

احلم وارتفع، ولكن في عالمك الجواني. ألست ذا خيال رحب فسيح؟

كان زمن المعلم زمن التهديد والإهانة. المعلم فقط لا يطوله التهديد ولا الإهانة، ومن لا يطوله التهديد يغدو هو من يهدد ويهين. يهدد بالمرافقة، والنظارة السوداء، وسيارة البيجو 504، وبلور سيارته المفيَّم المعتم الذي يحجبه عن البشر. يجب أن يكون المعلم محتجباً غير متاح، وأن يكون له حاجب. الحاجب ضرورة كالإطار للصورة. المعلم كتوم وكتيم. كتوم لا يتكلم ولا يبين، وكتيم لا يمكن النفاذ إليه. المعلم غامض. والغموض بناءٌ وتوقّع وخيال. ذهولٌ وترقب وتوجس، وإرهاص للفاجعة التي ستأتيك. يجب أن تكون على قيد التأهب ومستعداً دائماً للأسوأ والأكثر فداحة! فغموض المعلم هو جماع غموضين: غموض الطبيعة الشرسة وغموض الحيوان الفتّاك. غموض المأسدة في الأجمة وغموض المستنقع في الدغل. غموض قوامه المفاجأة والاختطاف، فلا تعرف متى تأتيك العضّة المردية أو اللسعة المؤذية أو النهشة الممزِّقة.

زمن المعلم هو زمن سيادة الرعب التي يفرضها على كل ذرة في الوطن، وزمن سيادة الحيلة التي يلجأ إليها المواطن من كل بدّ، فالرعب قيد وإسار وتكبيل وشلّ وإحكام، وعلى المواطن أن يخترع كل صنوف الحيل ليضمن لنفسه الحدّ الأدنى من فكّ هذا الإسار والتكبيل. وأهم صنوف هذه الحيل الانغماس في اللاجدوى والارتماس في اللامعنى، والهروب إلى العماء، أو الانغلاق على النفس كمحارة، حين يمتد المعلم إلى كل شيء كأخطبوط.

أما الحيلة الأشد فظاعة فالارتماء في حضن الرعب نفسه فراراً منه، حيث يحرص هذا المرتمي بكل ذراته وملكاته وإمكاناته على أن يغدو هو بذاته معلماً في جملة المعلمين: الأستاذ والموجه والمدير في المدرسة، التاجر والصناعي في المتجر والمعمل، القاضي في المحكمة، الموظف في المكتب، وحتى الشيخ في دائرة الأوقاف والإفتاء. جميعهم يجهدون ويجاهدون ليغدوا معلمين، ويركبهم الحبور والسرور إذا ما خُوطبوا بكلمة معلم التي تعني أنهم صاروا ذوي حصانة وتميز، وأنهم دخلوا جنة المعلم الموعودة لكل زلمة من الأزلام. ورغم أنّ كلّ صنف منهم له سماته التي تميّزه عن بقية الأصناف فإنّهم يتزركشون في نسيج واحد، ويتداخلون في لحمته وسداه، ويتشكلون في بعد رابع، هو زمن المعلم الذي لا يشاركهم فيه باقي أفراد الشعب من نفس فئاتهم وأصنافهم.

المعلم ميتافيزيقياً

في لقاء تلفزيوني مع الممثل رشيد عساف حدثنا كيف أضحك السيد الرئيس عندما قصَّ عليه النكتة التالية، وهذا يعني أن هذه النكتة أجيزت وأريد لها أن تعمم وتشاع وتنشر:

شعر الرئيس المعلم في إحدى الليالي بضيق، فطلب من سائقه تجهيز السيارة لقضاء مشوار يروّح فيه عن نفسه. خرج المعلم مع سائقه وجال به في أنحاء المدينة، ثم امتدّ بهم المشوار إلى خارجها، وفي طريق العودة انتبه المعلم إلى نعس سائقه، وإلى رأسه الذي يخفق، فسأله:

ـ هل أنت نعسان يا ابني؟

ــ جداً يا سيدي.

ــ أوقف السيارة.

أوقف السائق السيارة، فأمره المعلم بالترجل والاضطجاع والنوم في المقعد الخلفي، واستلم قيادة السيارة، بينما غطّ السائق خلال ثوان في نوم عميق.

عندما وصل إلى القصر ذُهل الحارس وهو يرى المعلم يقود السيارة، وقال للحارس الآخر: افتح بسرعة بسرعة! المعلم وصل. المعلم وصل. ولدى دخول السيارة من البوابة سأل الحارس زميله: يا إلهي! إذا كان المعلم هو من يقود السيارة فمن هذا المضطجع في الخلف؟

أجاب الحارس: إذا كان المعلم هو السائق فلا يمكن أن يكون المضطجع إلّا الإمام علي!

وهنا ضحك الرئيس وسرَّ لهذه النكتة التي قالت بمنطوقها ومفهومها إنّ المعلم قد بلغ السدة، ولم يعد أمامه أحد سوى الإمام علي برمزيته الهائلة المتراوحة ما بين كونه إلهاً وكونه الإمام الأول أبا الأئمة، وعلى هذا الأساس يغدو المعلم ذا بعد ميتافيزيقي أيضاً.

وكما أنّه يُشار إلى الصادر الأول عن الألوهة في عالم الإشراق بــ: العماد، الجامع، حقيقة الحقائق، وجود الأحدية، العقل الأول، الروح الكلي، الروح الأعلى، الفيض المقدس، الفيض الكلي؛ فإنه أُشير إلى الصادر الأول عن الديكتاتورية بــ: المعلم الأول، العامل الأول، الأب القائد، القائد الخالد، الرفيق المناضل، الأمين العام، إلخ.

فالصادر الأول عن الديكتاتورية هو المعلم الأول المنزّه عن كل قيد في إمكانه، والمقيّد فقط بقيد الإطلاق، يشكّل مراتب عالم الإمكان كما يريد، ويسيطر عليه كما يشاء. فوجوده لا بشرط، كما يقول أرباب المنطق.

وعلى خلاف المشائين الذين رأوا أنه لا يصدر عن العقل الأول سوى تسعة عقول يطابق عددها عدد الأفلاك، فإنه فاض عن المعلم الأول معلمون لا حصر لهم وفق معادلة صارمة بين المعلم الأدنى والأعلى. فكل معلم أعلى هو قاهر للمعلم الأدنى، وكل معلم أدنى هو عاشق محب للمعلم الأعلى. أما أهم الفروق بينهما فهي أن المعلم الأدنى يتوق للسلطة بغية التنعم بثمارها وتحصينها بحسب موقعه ومكانته وإمكاناته، أما السلطة بالقياس إلى المعلم الأعلى فهي الغاية بحد ذاتها، وهي الهدف بتمامه وكماله، فلا بغية وراءها، ولا أمنية فوقها، وليست وسيلة لما وراءها.

من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة الأسدية

الكلمة حقيقة ومجاز. مجاز لخيال، أو وهم، أو استحالة، أو فنتازيا، أو ربما لحقيقة أعلى.

تتلاطم الحقائق في الكلمة، فتأخذها يمنة ويسرة ما بين حقيقة لغوية، وحقيقة عرفية، وحقيقة اصطلاحية، ولكن هنالك حقيقة لا تكتفي بلطم بقية الحقائق، بل تصفعها وتركلها وتسلح عليها، وهي الحقيقة الأسدية. الحقيقة العليا التي لا يضاهيها في علوّها مضاهٍ. فإذا كانت الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، فإن الأسدية هي أعلى مراحل الدكتاتورية، بل إنها روح الديكتاتورية المركّزة المصفاة القوية، تماماً مثل روح الخل الحارق الوخّاز. إنّها الديكتاتورية مرفوعة إلى أسٍّ، ومضروبة بنفسها مرات ومرات.

لقد وضعت الأسدية مفرداتها بكامل الوعي، واستعملتها بكامل التيقّظ، وحملتها على حقائقها المرادة بكامل الانتباه، وقدّمتها للشعب كحبات الزرنيخ المغلّفة ليبتلعها في غفلة ولا مبالاة، أو بإكراه وإجبار، ثم ظهرت آثارها عليه حروقاً وتشوهات، وصَرَعاً واختلاجات.

الحقيقة الأسدية حارقة، وكل ما فيها حارق: كلماتها ومصطلحاتها وتشبيهاتها وأوصافها واستعمالاتها، وكلهّا مركّبة تركيباً كيماوياً لتكون كذلك. المعلم يحرق حساً. يحرق البشر والشجر والحجر، وكلمة المعلم نفسها تحرق معنىً. تحرق الأعصاب. تحرق النفوس، والخواطر، والآمال، والأمنيات! تحرق الاستقرار. تحرق الحاضر والمستقبل!

لقد علّم المعلّم علينا وفينا بسكينه ومسدسه وتحقيقه وتعذيبه ومعتقله ومشنقته، وبمفرداته ومصطلحاته ولغته، وكان الكريّة البيضاء التي أخضعت الجميع لنظامه، ومن أبى غدا فيروساً توجب القضاء عليه بلا رحمة ولا شفقة، وما كانت تكتفي هذه الكريّة بمجرد الخضوع، بل أرادته خضوعاً مذِلاً، فبدون الإذلال هو مجرد استكانة ليست مستكينة بما يكفي. فالإذلال هو الضمان الوحيد لإنهاك الذات، وتجريدها من مركزها وتدويخها وتشتيتها والسيطرة على مقاليدها.

من أجل ماذا؟

من أجل أن يكون المعلم سقفاً يظلِّل الجميع، وبوطاً يعفس على الجميع.