ساعة ذهبية ووردة

 

ربيع 2012، في حديقة مشفى البيروني، على أحد أطراف مدينة حرستا التابعة لريف دمشق والمطلة على أوتوستراد دمشق- حلب، كنتُ أدفعُ والدتي، التي أجلسها ضعف قدرتها على المشي في كرسي مدولب، بين أزهار الحديقة، علّها تستشعر جمالها وحسن ألوانها، وتستنشق هواء الحياة، وتنسى آلام السرطان الذي كان قد بدأ منذ خمس سنوات بالتهام جسدها ببطء، وفي غفلة منها.

تشبه والدتي الزهور البيضاء، اسمها وردة، وهي ناعمة نقية مثلها؛ حتى أن غصّتي ودمعتي الواقفة في أحداقي لم تمنعني من إخبارها: «كم لك من اسمك نصيب يا أمي». ورغم من أن اسمها لم يكن مخصصاً لها عندما ولدت، إلا أنه ناسبها وكأنه خُلق لها. هكذا كنت أؤمن.

الطفلة البديلة

تنحدر جدتي، والدة أمي، من قرية العال في هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ أكثر من ستين سنة. ومثل أي امرأة قروية، كانت جدتي تقوم بكل أعمال الأرض، من حرث وزرع، وأيضاً أعمال الدار من تنظيف وطهي ورعاية للأولاد. بينما يجلس زوجها، جدي، مع رجال القرية الآخرين، يشربون الشاي، وتضج محافلهم بالأحاديث عن السياسة والحركات الثورية والانقلابية الحاصلة في العالم، وعن الناصري القادم من مصر في مطلع خمسينيات القرن الماضي. وأحياناً كانت أحاديثهم تعرّج على محاصيل السنة ووفرتها، وامتلاء سنابل القمح بالحبوب حتى التخمة. وكثيراً ما أخبرتني والدتي عن خير أراضٍ زراعية لا يوصف: «صغيرةٌ كنتُ بعمر سبعة سنوات، ألعب مع أقراني بين سنابل قمح تطاولنا، ونختبئ بينها من والدتي وخالاتي وجاراتنا وكل نساء القرية، اللواتي تشوي حرارة الصيف جلودهنّ ووجوههنّ في أشهر الحصاد». ومن حكايات حصاد القمح المطبوعة في ذاكرة والدتي، حكاية جارتهم أم عارف، التي باغتها المخاض وهي تحصد القمح، وكيف عاونتها جدتي والنساء الأخريات لتضع مولودها، فقطعنَ حبل السرة ولففنَ المولود الجديد بثوب قديم، ثم عادت أم عارف معهنَّ إلى العمل وكأن شيء لم يكن.

ولوالدتي وجهة نظر واعتقاد غريب عن سبب احتلال إسرائيل لقريتها، لطالما جاهرت به أمام الجميع، وهو أنه بسبب حجم التعب الذي عانته نساء قريتها من شغلهنّ في المنزل والأرض، فإن دعواتهنّ النابعة من قلوبهنّ لإراحتهنّ من كل هذا الشقاء قد شقّت عباب السماء وجاءت بحلّة عقاب إلهي، حكم على أهل قريتها بالنزوح والتهجير إلى أجل غير مسمى.

استيقظت جدتي، الحبلى في شهرها التاسع، كعادتها فجراً، في يوم شتائي بارد من مطلع خمسينيات القرن الماضي، لتخبز على التنور. واستيقظ معها طفلاها، رضوان ووردة، يجريان ويلعبان حولها. دقيقة أو دقيقتان هي الفترة الزمنية التي غابتها جدتي عن طفليها، لتجد رضوان قد دفع بأخته وردة نحو التنور، لتسقط فيه وتشتعل نيرانه في جسدها. ماتت الطفلة الصغيرة بجسد مشوه بالكامل، وانكسرت يد جدتي اليسرى جراء ضربها بعنف من قبل جدي، الذي حمّلها المسؤولية وحدها عن وفاة الطفلة. وفي اليوم التالي بعد دفن الطفلة مباشرة، وضعت جدتي مولودة شقراء. رفض جدي تسجيل يوم وتاريخ ولادتها أو اختيار اسم لها، وقرر أنها ستحمل اسم وتاريخ الطفلة المتوفاة. فكانت أمي، وردةً رضيعةً في مهدها، وطفلة بعمر ثلاث سنوات من مواليد 1949 في السجلات المدنية. تكبر والدتي في أراض تشقها وديان سحيقة، ولا يعنيها إن كان اسمها وردة أم فرحة أم فاطمة... برأيها جميع نساء قريتها يحملن اسماً واحداً وهو «طرايف».

«طرايف» وحافة الوادي

يبدأ البرد بوخز أطراف والدتي عندما تقترب الساعة من الخامسة عصراً، فتسألني إعادتها إلى غرفتها. وعند باب المصعد نلتقي أم مروان وابنتها ذات الستة عشر عاماً، التي أصابها سرطان نقي العظام. تقول والدتي لابنة أم مروان أن تتماسك، ثم تنظرُ طويلاً في عينيها وتقول: «سبحان الله كم تشبهين طرايف»، وتباشر في سرد قصة طرايف على أسماعهنّ.

أحفظ  قصة «طرايف» عن ظهر قلب لكثرة ما روتها والدتي في مناسبات وجلسات نسائية عدة. وطرايف، كما تصفها والدتي، سمراء معجونة بدمها، واسعة العيون زيتونيٌ لونها، ولها قامةٌ متينةٌ صلبة و«بختٌ مايل». فطرايف تزوجت كأغلب فتيات القرية في سن الرابعة عشرة، وأسعفها أهلها عشرات المرات إلى مستوصف القرية نتيجة للكدمات وللكسور التي كان يُحدثها ضرب زوجها لها بسبب أو بدون سبب، لتصرّ على طلاقه واستحالة العودة إليه إثر عنف جسدي كاد يودي بحياتها، مارسه عليها ذات مساء لأنها، ولأول مرة، ترفع صوتها في وجهه وترفض مضاجعته، فقد كانت مرهقة. 

مشروع «تلقيط العكّوب» أو «السلبين» من السهول والهضاب في بدايات الربيع هو مشروعٌ تتحمس له كل نساء القرية، ينهضن باكراً، يحملن زواداتهنّ، ويمضينَ مع أطفالهنّ وبناتهنّ اليافعات إلى «مهرجان العكّوب» كما تطلق عليه والدتي وتقول: «أن تكوني فتاة في السادسة عشرة من عمرك ونحيلة (كالعصاية) كما كنتُ أنا، فلا تتأملي بأن تتزوجي قريباً! لأن عملك في الزراعة والحصاد والخبز، ووظيفتك في إنجاب (دزينات) من الأولاد، أمورٌ تتطلب امرأة ممتلئة الجسد متينة قوية كطرايف مثلاً، تحتمل الضرب والقسوة ولاحقاً الطلاق، وفوقه هَمُّ ثلاثة أطفال كانت تحضرهم طرايف معها إلى 'مهرجان العكّوب'، وتتركهم يسرحون في خضرة الأرض، وتجلس هي على حافة الوادي، ترحل شاردة بعيداً عنها وعنا كلنا. ثم ترجع معنا إلى القرية خالية الوفاض دون إي قطعة عكّوب واحدة».  

أوفدت وزارة التربية ، في أواسط ستينيات القرن الماضي، أستاذ مدرسة من حمص إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة في القرية، تقول عنه والدتي: «أمو بتعشقو من كثر مو حلو»، وتتابع: «أمَّنَ له مختار القرية داراً بجانب دار أهل طرايف، وانتشرت في طول القرية وعرضها إشاعات وإشاعات عن علاقة مخفية بين طرايف وأستاذ المدرسة. وعلى ذمة أبو حسين جار أهل طرايف، أنه شاهد طرايف أكثر من مرة تدخل ليلاً إلى دار الأستاذ، وقال ابن المختار إنه شاهدهما مرات ومرات وحيدين عند حافة الوادي بعيداً عن القرية. وصارت حكايتهما حديثاً متداولاً في الأمسيات الذكورية، والصباحات النسائية. حتى ذلك اليوم الذي لن يتمكن الزمن من محوه من ذاكرتي أبداً، عندما أفاقت القرية على نبأ إخراج طرايف من الوادي جثة هامدة. قال أهلها إنها رمت نفسها من حافة الوادي، وأخرجها والدها من الوادي مدمية مشوهة أمام كل القرية، ولم يعلم أيٌّ من أهل القرية القصة الحقيقة لموت طرايف». 

تقول: «آخر مرة شاهدتُ فيها طرايف قبل قصة انتحارها، كانت في عرس فطومة ابنة عمي، بدت ابتسامتها حينها أكثر إشراقاً، وعلى غير عادتها لم تكن شاردة أو بعيدة عن مشاركتنا في الدبكات والرقصات وغمزنا ولمزنا عن الرجال، وعن ليلة فطومة الحمراء». تقول والدتي، وتكمل بقية الحكاية: «اختفى أستاذ المدرسة فجأة بعد حادثة الانتحار المزعومة، غالباً غادر القرية، وأصاب والدَ طرايف مرضُ الصمت والخرس، وتلبّسه حزنٌ لا ينتهي، وتناقل أهالي القرية روايات عن ميتة طرايف البشعة، منها أن والدها هو من رماها من حافة الوادي، وثانية اتُّهم فيها أستاذ المدرسة بقتلها. وكي يرتاح الجميع من إثم اتهام الآخرين، قالوا إن طرايف مسّها الجنون وانتحرت». 

تطلق والدتي 'أوف' طويلة على حكاية طرايف التي بدأتها في المصعد وأنهتها أمام غرفة أم مروان وابنتها، ثم تعاود وتصرّ على وجهة نظرها  الغريبة، التي تُرجِعُ سبب نزوح أهل الجولان إلى إمعانهم في ظلم النساء والتسبب في شقائهنّ، هذا الشقاء الذي استمر وازداد بعد النزوح.

الاستلاب الأول

بصعوبة وبمساعدة مني، تعتلي والدتي سريرها، تجاري النوم الذي بدأ يطرق جفونها، وقبل أن تغط في نوم هادئ، يقضّ مضجعها صوت انفجار قوي. نحتار في مصدره ونخمّن أنه قادم من الغوطة الشرقية، ولكننا لا نستغربه، إذ صار من الطبيعي أن تُسمع هكذا أصوات على إثر تحول ما بدأ في سوريا ربيع 2011 من مظاهرات سلمية إلى صراع مسلح مع بدايات 2012.

«الله يتلطف بالعباد، ويرد الناس لعقلها، وبلا منو هالجنان»، تعلّق والدتي، فأردّ عليها: «ثورة يا أمي وليس جنان»، فتنفعل والدتي: «والله الخراب والنزوح مو كلمات سهلة يا بنتي». 

في صيف 1967، حملت والدتي أخاها الرضيع على خاصرتها، وانضمت مع عائلتها المؤلفة من تسعة أشخاص إلى أرتال من أهالي الجولان، الفارين من قراهم وبلداتهم. كانت وجهة غالبيتهم دمشق وأريافها. وإلى مدرسة تقع في ضواحي دمشق تصل والدتي وعائلتها مع عشرات النازحين من قريتها ومن القرى القريبة منها، بعد مسيرة مرهقة تقول عنها والدتي: «أشبه بيوم الحشر، نمشي أرتالاً، لا نعرف كيف تم الأمر، قال لنا الجيش السوري اخرجوا، فخرجنا». ولا تنسى والدتي صفعة والدها لها التي أردتها أرضاً، عندما كانت تلتفّ مع عائلتها حول الراديو الصغير في إحدى غرف المدرسة الصفية، ووالدها يفرض على الجميع التزام الصمت ليسمع خبر معارك القنيطرة التي كانت مستمرة منذ ستة أيام. يسود الصمت ويخبر الراديو: «سقطت القنيطرة بيد العدو المحتل»، فتقول والدتي : «خالصة، لن نرجع أبداً إلى القرية»، قبل أن تسقط مغشياً عليها من صفعة والدها تلك.

سقطت القنيطرة، وسقط أهل والدتي في دوامة من التشتت والبحث عن جدران تأويهم، فكانت وردة، والدتي، ذات الثمانية عشر عاماً، هي الحل والمنقذ من الشتات وانعدام الاستقرار، لأن الشاب الحوراني القصير جداً، الذي حكى عنه كثيرون من معارفه ومعارف أهل والدتي بأنه فقير الحال و طيب وآدمي وأقرب إلى الدرويش، سيدفع مهراً قيمته 200 ليرة سورية لوردة إذا ما وافق جدي على تزويجها له.

كان مبلغ مئتي ليرة في ستينيات القرن الماضي يُعدّ ثروة، مكّنت جدي من ابتياع قطعة أرض في منطقة ركن الدين في دمشق، ليبني عليها منزلاً يستره وعائلته من التشرد، متناسياً توسلات والدتي بأن لا يزوجها  للشاب الدرويش. وتحكي والدتي كيف تجرأت قبل يومين من زفافها على سؤال والدها: «الله يخليك ، أمانة لا تجوزني إلو يا يابا ما بحبو»، فجاء رد والدها بأن أمسكها من شعرها وأبرحها ضرباً يباغتها من كل أجزاء جسدها وهو يردد: «ما بتحبيه يا بنت الكلب، هاد يلي ناقص».

تعبّرُ والدتي دائماً عن حبّها الشديد لوالدها، ولطالما غفرت له زواجها القسري؛ كانت تقول: «مسكين والدي، كان مجبراً، بعد أن قصم ظهره النزوح والفقر والفاقة». وهي تؤمن بأن الدمعة التي ذرفها والدها على كتفها حين عانقها يوم زفافها، كانت دمعة يسألها فيها الصفح والمغفرة. 

أما الدار التي بناها جدي، فقد تشاجر على ملكيتها وتقسيمها أخوة أمي الذكور بعد وفاة جدي. ولم تحصل والدتي وأخواتها البنات ولو على غرفة صغيرة فيها. فإحدى واجبات المرأة في عرف قريتها، التنازل عن حصتها وميراثها لأخوتها الذكور، حتى وإن كانت كوالدتي تقبع تحت خط الفقر، وتنتظر الفرصة لتطلّق زوجها.

الاستلاب الثاني

تأتي خالتي لزيارة أمي في المشفى، تبكي حالة أمي بحرقة. وخالتي هذي تصغر أمي بثلاث سنوات، كانت صديقتها في طفولتها وصباها، وكثيراً ما حكت خالتي وأمي عن مغامراتهنّ الطفولية في وديان القرية، وعن المطربتين صباح وسميرة توفيق حين أحيتا حفلاً غنائياً في أواخر خمسينيات القرن الماضي في قريتهما، وقال رجال القرية وقت رؤيتهم للمطربتين، بأن زوجاتهم لا تمتّ للنساء والأنوثة بصلة!

تعتقد خالتي أنها شاركت بطريقة غير مقصودة في زيادة بؤس والدتي، فخالتي كان عمرها سبعة عشر عاماً عندما تزوجت ابن خالها الذي كان من عمرها نفسه، لتعيش معه سنة واحدة فقط، ملؤها الشجار والزعل والخصام وقدرٌ كبيرٌ من عدم الوفاق بين «الولدين» -كما كانت تطلق عليهما جدتي- لترجع خالتي إلى أهلها مُطلّقة مع طفل رضيع. وهكذا نسفت والدتي بعد طلاق أختها خطتها وفكرتها في الانفصال عن زوجها، تلك الفكرة التي كانت تراودها قبل طلاق خالتي بفترة، لأن الأمر سيكون عاراً وطامة اجتماعية عظيمة، أن تحوي دار أهل أمي مطلقتين.

وللمرة الثانية يُسلَب من والدتي حق القرار والاختيار، من أجل سلام الآخرين، ويتوجب عليها أن تقنع نفسها بأن الرجل الدرويش قدرها ونصيبها، ولا فكاك منه إطلاقاً سوى بالموت.

الرجل الدرويش

تغادر والدتي مشفى البيروني في بدايات نيسان 2012، بعد خمسة عشر يوماً من اجتراع الكيماوي، وحالة صحية أفضل قليلاً من ذي قبل. وينتظرها في المنزل والدي الذي قارب الخامسة والسبعين من عمره، مبتهجاً كان عندما دخلت المنزل، وأخبرها فرحاً: «البيت بلاكي ما بيسوا نكلة». 

ذات مرة حكت أمي لي ولأخواتي عن بعض من جوانب جميلة في زواجها من والدي: «دعاني والدكنَّ إحدى عشر مرة إلى السينما في بداية زواجنا، وعزمني أربعة مرات لتناول 'البوظة' في محل بكداش في سوق الحميدية في دمشق، ويسجل له وقوفه إلى صفي ضد أخته، وتهديده بكسر يدها إذا ما حاولت مرة ثانية رفعها في وجهي لتصفعني لأنني لم أسمعها وهي تناديني لأعاونها في حمل  طنجرة البرغل الكبيرة. أعلم أن والدكنَّ يحبني، هو طيب القلب، ودرويش، ولكن دروشته تلك دفعتني لأترجى أحد أقارب أمي المسؤولين في الدولة، حتى يجد لوالدكنّ وظيفة حكومية ثابتة، بعد أن تعرض للطرد والفصل من كل الأعمال الحرة التي امتهنها تحت ذريعة أنه درويش. ليست 'درويش' الكلمة المناسبة، بل هي 'أخوث'، 'أهبل'». 

انتظرت أمي سبع سنوات بعد زواجها لتنجبني أنا، مولودها الأول، بعد زيارات كثيرة لعيادات الأطباء، وتعيير حماتها لها بأنها عاقر، ليكتشف الأطباء لاحقاً أن سبب تأخرها في الإنجاب هو ضعفٌ في نطاف والدي. وانتظرت أيضاً ست عشرة سنة لتستقر في منزل تملكه، بعد تنقلها بين عشرات منازل التي سكنتها بالآجار. 

تم توظيف والدي كمُستخدم في شركة الغزل والنسيج، وكان راتبه القليل مصدر أكلنا وشربنا وعلمنا نحن أبناؤه وبناته السبعة. وفي أيام الفاقة الشديدة، كانت والدتي تخلط الكعك بالماء، بدل خلطه بالشاي الذي لا نجد المال لشرائه. 

وفي بدايات 1990 أصابت والدي جلطةٌ في ساقه أقعدته عن العمل فترة طويلة، وأخذت حاجاتنا تزداد يوماً بعد يوم بحيث لا يقدر راتب والدي على تغطيها، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يعمل في وظيفة إضافية بسبب مرضه، مما اضطُر أمي للبحث عن عمل يقيها ويقينا العوز.

مختصر مفيد

تزور جارتنا في الحارة، نجاح، والدتي لتطمئن عليها. هي نازحة أيضاً من إحدى قرى الجولان التي احتلتها إسرائيل. وهي من أمّنت لوالدتي العمل كمُستخدمة في واحدة من المشافي الخاصة في دمشق، عن طريق إحدى النساء اللواتي كُنَّ يأتينَ إليها لنتف شعرهنّ الزائد. فنجاح امتهنت منذ عشرين سنة مهنة إزالة شعر النساء الزائد بالشمع، وخصصت في منزلها غرفة لعملها هذا، الذي أدرَّ عليها مالاً لا بأس فيه، صرفت القسم الأكبر منه على تعليم بناتها الخمسة ليحصلنَ على شهادات جامعية عليا، وفتحت من المال ذاته صيدلية لابنتها الكبرى. 

تبدأ أمي ونجاح بالندب على حظهما التعيس في الزواج، وتتسابقان في إظهار حجم التراجيديا في حياتيهما. في الحقيقة، لنجاح حكاية زواج طريفة وحزينة في آن واحد، فنجاح كانت قد نشأت طفلة يتيمة الأم بلا إخوة أو أخوات، ربّتها جدتها لأبيها، وعندما أصبح عمر نجاح اثنا عشر عاماً زوجتها لابن عمها الذي يكبرها بعشرين سنة. تروي نجاح: «كنت أعجن الطحين في 'الحوش' مع أختي غير الشقيقة من أبي، عندما سحبتني جدتي من يدي، وحممتني حماماً سلخت فيه جلدي عن عظمي، ثم أمرتني أن لا أخرج ثانية للشغل، فعُرسي بعد أسبوع واحد. في يوم زفافي تحشي جدتي وحماتي صدري بقطع خرق وقماش كثيرة، كي يأخذ ثوب الزفاف شكلاً أجمل على جسدي الصغير. بعد انتهاء حفلة الزفاف، لم يأخذني أحدٌ إلى غرفة زوجي، بل أخذتني حماتي إلى غرفة ابنتيها القريبتين من عمري، لأمكث فيها عدة شهور لا أعلم عددها بالضبط، ثم يأتي ذلك اليوم الذي تبشرني فيه حماتي وجدتي بأنني أصبحت جاهزة لدخول غرفة زوجي، بعد أن علمتا بأن بضعاً من قطرات الدماء قد نزلت على ملابسي الداخلية». 

تسبّ نجاح تلك الساعة التي شاهدت فيها قطرات الدماء على ملابسها الداخلية وتقول: «حوّلتني تلك القطرات إلى خادمة في بيت أهل زوجي من الفجر وحتى المغيب، تنهال عليَّ كل أعمال الدار، وبعد المغيب يأتي زوجي ليمتص من جسدي رمقه الأخير. لكن كل هذا لم ينفع مع زوجي، ولم يثنه عن الزواج بأخرى لأنني انجبت خمس بنات، ولم أنجب ولداً ذكراً».

أفضلُ ما حدث لنجاح في حياتها، باعتقادها، هو النزوح! فقد حررها من سلطة حماتها، وأبعد من ذلك، مكّنها هي وبناتها من ترك بيت زوجها الذي كان مكتظاً بضرّتها وبناتها الستة وحماتها، عندما وجدت عملاً ومَسكناً عند أم ميشيل، السيدة الأرمنية التي علّمتها طريقة استخدام الشمع لإزالة الشعر. وقطعت نجاح عهداً أمام الله وبناتها بأن تُعلمهنّ، وأن لا تزوجهنَّ حتى يَعفن حياة العزوبية. 

يقطع حديث والدتي ونجاح، بين الفينة والفينة، شخير الطائرات الحربية التي كانت تقصف الغوطة الشرقية بعنف، فتحوقلان وتدعوان بالرحمة واللطف الإلهي لأولئك النساء اللواتي ينزحنَ الآن مع أطفالهنّ الصغار لمواجهة حيوات صعبة وقاسية. وأقطع أنا أيضاً استرسالهنَّ في ندبهنَّ على حياتهنّ الظالمة، وأقول «لم تعد الأمور كما كانت سابقاً في عهد جدتيكما، اليوم المرأة أكثر تحرراً وصاحبة قرار». 

ترد والدتي عليّ: «سأخرج أنا وأنتِ الآن إلى المدرسة الثانوية الموجودة في حينا، التي استقبلت مئات من نازحات الغوطة الشرقية، وسنحصي فيها عدد النساء اللواتي تزوجنَّ دون سن الثامنة عشرة، وعدد النساء اللواتي تزوجنَّ دون موافقتهنّ، وعدد النساء المتعلمات تعليماً جامعياً، وعدد النساء اللواتي هنَّ زوجات ثانيات. ماذا تعتقدين أننا سنجد؟ سنجد أرقاماً لا تدل على أن المرأة اليوم أفضل حالاً من أيام جداتنا. انسي هذا كله، سأذهب أنا وأنتِ إلى الأرياف والمدن والبلدات الزراعية، ونقترب من حال النساء فيها الآن في هذا العصر والزمن، وسنرى أن كمية شقائهنّ ذاتها وربما أكثر. وإلى أبعد من ذلك، سندخل المحاكم ودور العدل، وسنسمع أحكاماً مجحفة بحق النساء. وما رأيك بالمرور على النساء الموظفات والعاملات؟ أجزم أننا سنلتمّس شقاءً مضاعفاً لديهنّ، فلم يحرر العملُ المرأة بقدر ما كبّلها وأرهقها. بالمختصر المفيد يا ابنتي الحال هو الحال، ولم يختلف كثيراً». 

ساعة ذهبية

لم تصل والدتي إلى «ملخصها المفيد» عن عدم تغير الحال، إلا بسبب خروجها إلى العمل ومخالطتها لأصناف البشر المختلفة، واقترابها  جداً من واقع الحياة، كما قالت لي عندما استفسرتُ منها عمّا أوصلها إلى مُلخّصها إياه عن النساء.

كان عمر والدتي أربعين سنة عندما خرجت للعمل، وانفصلت جنسياً عن والدي بعد عملها مباشرة، لماذا؟ لا نعرف، وهي لم تفصح يوماً عن هذا. وتعتبر والدتي أنه، وعلى الرغم من أنها كانت تترك سبعة أولاد خلفها في المنزل، أكبرهم أنا التي كنتُ أبلغ ثلاثة عشر عاماً، لأعتني بأخوتي وخاصة أصغرنا وهو طفل رضيع يبلغ السنة، إلا أنها كانت تشعر بأن العمل كان متنفساً لها، تقضي فيه بعض من لحظات فرح مع نساء أخريات أوصلتهنّ حكاياتهنّ وظروفهنّ المتشابهة للعمل كمُستخدمات في المشفى.

المرض وحده هو من استطاع إقعاد والدتي عن العمل، بعد عشرين سنة من دأبها على تأمين مصاريف المنزل ومصاريف دخولنا إلى الجامعات، وهو من أبكاها بشدّة صباح 12 آب 2013، وهي تشير إلى ساقيها المتورمتين حتى الركبة، وتقول لي: «وصل المرض إلى ركبتيّ يا ابنتي. أصبح موتي وشيكاً». أنهرها وأرجوها أن لا تكرر هذا الكلام ثانية، وكي أُبعدها عن هواجس الموت، أسألها: «ماذا أشتري لزوجي هدية في عيد ميلاده؟» فتردّ ودون تفكير: «ساعة ذهبية تلمع». ساعةٌ ذهبيةٌ لماعة، تطوق معصمها بلطف وتنحني غافية على يدها، كانت هي الغرض التي تشتهي والدتي ارتداءه منذ أن كانت طفلة صغيرة. لقد كانت الساعة الوحيدة التي ارتدتها والدتي هي ساعةٌ قَدَّمها والدي لها يوم زفافها، ولكنها ربما ضاعت أو انكسرت أو... في الحقيقة لا تعلم والدتي ما كان مصير تلك الساعة بِدقة.  

أغادر المنزل إلى عملي وفي نيتي شراء ساعة ذهبية لوالدتي في أقرب وقت، إذ ربما يجلب هذا الأمر قليلاً من السعادة إلى قلبها. ولكن والدتي تستسلم في ظهيرة ذلك اليوم للموت، وترحل معه بسلام.