سوتشي مُعدّلاً بدماء سكّان إدلب

 

ليس واضحاً إلى أي مدى يمكن الاستمرار في تطبيق الاتفاق التركي الروسي الجديد، الذي جاء ملحقاً باتفاق سوتشي، والذي أعلن عنه رئيسا البلدين يوم الخميس الفائت في موسكو. وقد قرأ وزير الخارجية الروسي نصّ الاتفاق، الذي انتهى عملياً إلى تثبيت خطوط التماس الحالية، على الرغم من التهديدات السابقة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول وجوب تراجع النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، الذي تمّ توقيعه في خريف عام  2018، والتي تضم، بالإضافة إلى معظم محافظة إدلب، كلّاً من ريف حماة الشمالي الذي استولى النظام على غالبيته العظمى خلال المعارك منذ العام الماضي، وريفَي حلب الجنوبي والغربي.

وتنصّ بنود الاتفاق على إقامة منطقة أمنية مشتركة على طول طريق حلب-اللاذقية (M4)، بعمق ستة كيلومترات جنوب الطريق ومثلها شماله، وتسيير دوريات مشتركة بين موسكو وأنقرة على الطريق. وقامت صحيفة روسية مقربة من الكرملين بنشر خريطة لإدلب بعد الاتفاق، تُظهر أن المناطق الواقعة جنوبه ينبغي أن تشهد انسحاب من أسمتهم «المسلحين»، وهو ما يتطابق مع تحركات قوات النظام التي حاولت التقدم باتجاه قرية فليفل في جبل الزاوية، في حين استمرّ القصف على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار على قرى ريف إدلب الجنوبي الغربي، إذ قصفت قوات النظام أمس قرى كفر عويد وسفوهن وكنصفرة بالمدفعية والصواريخ، وهو ما يؤشر إلى أنّ وقف اطلاق النار عملياً لم يشمل تماماً حتى اللحظة المناطق التي تقع جنوب طريق حلب-اللاذقية، على الرغم من انسحاب قوات النظام من مناطق في محيط بلدة كفرنبل كانت قد استولت عليها بعد دخول وقف النار حيّز التنفيذ.

كان مشهد انتظار الوفد التركي أمام باب القاعة التي ستجمعه بالمسؤولين الروس، والذي أعادت بثّه مراراً قنوات روسية، مشهداً غريباً للغاية، ويبدو أن بوتين يستمتع بمثل تلك التسريبات التي تظهر تفوقه على نظيره التركي، الذي تراجع في العاصمة الروسية عن كل مطالباته التي أطلقها خلال الشهر الماضي، على الرغم من إعلان أنقرة عن عملية عسكرية في إدلب بغية تنفيذها بالقوة. في مثل هذه الظروف، لا يبدو أنّ هناك اسماً آخر غير الهزيمة يمكن يصف ما جرى في موسكو يوم الخميس، إلا إذا أردنا استحضار روح الراحل محمد حسنين هيكل، لنصوغ مصطلحات مواربة لما جرى باعتباره مجّرد «نكسة».

كانت التحركات التركية العسكرية الجديّة ضد النظام قد بدأت بُعيد اقتراب النظام من الحدود التركية مع إدلب، في أعقاب سيطرته على مساحات واسعة من محافظتي إدلب وحلب، شملت مدناً رئيسية مثل سراقب ومعرة النعمان وحريتان وعندان وقبتان الجبل وعينجارة. لكن التحركات، التي شملت إدخال أعداد كبيرة من الجنود دون غطاء جوي يحميهم، بدت تحركات مرتجلة تماماً، وأعطت انبطاعاً أن القوات التركية لم تكن تضع التحرك العسكري في إدلب على أجندتها، بحيث تحرّكت دون أي خطط عسكرية معدة مسبقاً نحو مناطق الجبهات، لتتعرض لخسائر في الأرواح، ما كانت لتمرّ بأي شكل في الداخل التركي الذي فتحت معارضته النار على الرئيس نتيجة تلك القرارات.

هكذا يبدو أن أن أنقرة وقعت في مصيدة المواجهة المباشرة مع قوات النظام، الذي تتمّثل نقطة قوته الرئيسية في أن خسارة المئات من جنوده، وهو ما حصل فعلاً نتيجة الهجمات التركية وهجمات الفصائل المدعومة من أنقرة، لا تتسبب بأي ضغط داخلي عليه على نحو يدفعه إلى إعادة حساباته، في حين أن خسارة تركيا للعشرات من جنودها فقط ستضع حكومتها تحت ضغوطات داخلية كبيرة يصعب احتمالها. ولكن على الرغم من هذا، فإن أنقرة تواصل إدخال أرتال عسكرية تابعة لها إلى إدلب حتى بعد توقيع اتفاق اطلاق النار، بهدف تثبيت الوضع الراهن، والحيلولة دون عودة العمليات العسكرية التي ستفضي إلى مزيد من إضعاف موقفها، وإلى احتشاد مزيد من النازحين السوريين على حدودها.

على الرغم من موافقة تركيا على الحدود الحالية لخطوط التماس في إدلب، إلا أنه ليس واضحاً بعد كم سيستمر هذا الاتفاق، الذي لا يتضمن نصّه أي إجراءات دائمة، ولا يتجاوز كونه اتفاقاً مؤقتاً لوقف إطلاق النار، تم توقيعه بُعيد ساعات من مجزرة ارتكبتها طائرات روسيا في معرة مصرين، راح ضحيتها ستة عشر شهيداً وأكثر من 28 جريحاً بين المدنيين.

إلا أنّ الواضح هو أنّ هذا الاتفاق عنوان لمرحلة جديدة من العلاقة بين روسيا وتركيا، بعد تراجع الأخيرة عن مطالبها سياسياً وعسكرياً، وهو ما سيلقي بالتأكيد بظلاله على دور أنقرة في العملية السياسية مستقبلاً، وعلى قدرتها على فرض شروطها سواءً على موسكو أو واشنطن، التي رفضت يوم الجمعة الفائت تمرير بيان في مجلس الأمن يؤيد الاتفاق الموقع بين الطرفين حول إدلب.

ليس الرفض الأميركي دون معنى بالطبع، الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر، أو أن هذا ما يجب لتخفيف كارثة إنسانية تطال 3.7 مليون إنسان يعيشون في إدلب. لكن قبل كل هذا، ينبغي القول إن «نكسة» تركيا في إدلب ليست هزيمة لقوى الثورة والمعارضة في تركيا، ذلك أن هذه الهزيمة كانت قد وقعت قبل ذلك بكثير، حين تمّ شحن ممثلين عن هذه القوى بالطائرة إلى أستانا للانخراط في المسار الروسي التركي للحلّ في سوريا.

لم يكن مُنتظراً من أنقرة أن تنتصر على نظام الأسد، لكن الآمال كانت معقودة على أن تفضي تناقضات المصالح التركية الروسية إلى نجاة أهالي إدلب من موت مستمرّ تفرضه طائرات موسكو وبراميل الأسد، ونجاة مئات آلاف النازحين من العيش في العراء والموت من البرد، وهو ما لا يبدو أن أنقرة قادرة على فرضه بشكل جديّ. بالمقابل، قد تعني هزيمة أنقرة أمام موسكو في إدلب مزيداً من التضييق على اللاجئين السوريين في تركيا، وتصاعداً في إجراءات الترحيل القسري والتغيير الديموغرافي في الجزيرة السورية وعفرين.