سوريا المُثقلة بديون الحرب والسلم

 

أعلنت الحكومة السورية في نيسان (أبريل) 2010 عن إغلاق ملف الديون الخارجية1 المُترتبة عليها، التي كانت تعادل في فترةٍ ما من تسعينات القرن الماضي حجم الناتج المحلي السوري الإجمالي أو تزيد عنه؛ إذ بلغت نحو 23 مليار دولار في إحدى المراحل، وظلّ قسمٌ منها متراكماً حتى موت حافظ الأسد وخلال العقد الأول من حكم ابنه، الذي شرعت حكومته بإجراء عددٍ من اتفاقات التسوية لهذه الديون، كان آخرها حلُّ  مسألة الديون البلغارية البالغة 71 مليون دولار، عبر دفع مبلغ تسوية قيمته 17 مليون دولار. وسبق هذه الاتفاقية مجموعة مشابهة من الاتفاقيات لمعالجة ديون عددٍ من الدول، كان أغلبها من الكتلة الاشتراكية؛ مثل رومانيا والتشيك (ديون تشيكوسلوفاكيا السابقة) وبولندا وألمانيا الشرقية وغيرها.

وكانت سوريا قد أعلنت أيضاً في العام 2005 أنّ نسبة الدين الخارجي لم تعد تشكّل أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بعد أن وافقت روسيا، إثر زيارة بشار الأسد إلى موسكو وتوقيعه ستّ اتفاقيات معها، على شطب 73% من إجمالي الدين السوري الذي يعود إلى الحقبة السوفييتية، والبالغ قيمته 13.4 مليار دولار. وبالفعل، تُظهِر البيانات المفتوحة للبنك الدولي انخفاض حجم الدين الخارجي السوري المستحق من 19.04 مليار دولار في العام 2004 إلى 5.59 مليار دولار في العام 2005. ولكنه، بخلاف ما ادّعته الحكومة حينها، كان يشكّل 20% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2005، البالغ 28.86 مليار دولار. وقد انخفض هذا الدين في العام 2007 إلى ما نسبته 14.34% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، علماً أنّ أعلى نسبةٍ له كانت في العام 1994، حيث بلغت نسبة الدين 203% من قيمة الناتج المحلي.

تُظهِر الوقائع السابقة أمرين رئيسيين؛ الأول أنّ سوريا لم تكن دولةً ذات تصنيفٍ ائتمانيٍّ جيد، نتيجة عدم التزامها بسداد ديونها؛ والأمر الثاني هو أنها لم تكن تلجأ إلى مؤسسات دولية بحيث تكون مضطرةً لإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية من أجل الحصول على قروضٍ منها، وأن تكون شفّافةً أمامها في ما يتعلق ببياناتها المالية، بل توجّهت إلى دولٍ تربطها معها تحالفات سياسية وعسكرية، وإيديولوجية إلى حدٍّ ما بحسب البروباغاندا التي كانت سوريا تُصدّرها عن نفسها، وهذا ما يُفسّر أنّ القسم الأكبر من الدين كان للاتحاد السوفييتي السابق ودول الكتلة الشرقية.

وقد حدثت تغييرات سياسية كبيرة في معظم الدول الدائنة لسوريا أفضت إلى تقسيمها، ولم يكن ممكناً للدول الوريثة لهذه الديون في أوروبا الشرقية تحصيل ديونها لولا التخلي عن القسم الأعظم منها، كما لم يكن السداد دوماً من خلال تسوية مالية تدفع بموجبها سوريا قسماً من الأموال النقدية على أن يتم شطب باقي الدين، بل أيضاً من خلال حصول الدولة الدائنة على تسهيلات استثمارية داخل سوريا، كما هو الحال بالنسبة لروسيا في تسوية العام 2005، التي دفع النظام بموجبها 2.2 مليار دولار، وأُعيدت جدولة 1.5 مليار على شكل قروضٍ تستحق الدفع بعد 10 سنوات، أي في العام 20152. وفي مقابل شطب الديون المُتبقية، وقَّعَ بشار الأسد حينها 6 اتفاقيات مع الجانب الروسي، شملت النفط والغاز وتوسعة في الموانئ السورية لتستقبل السفن الروسية.

ولكن، هل كانت الديون الخارجية هي وحدها المترتبة على الحكومة السورية؟ تُظهر الإحصائيات أنّ الحكومات السورية المتعاقبة كانت تلجأ، وبشكلٍ مطرد، إلى الاستدانة من مصادر محلية، وهو ما يفسر ازدياد نسبة الدين العام3. وهذه الاستراتيجية أفضل بالمعنى الاقتصادي من اللجوء إلى الدين الخارجي، وكانت قد بدأت منذ تسلّم بشار الأسد للسلطة وظهور نسق اقتصادي جديد يُقلّل من الاعتماد على الديون الخارجية؛ لذا نلحظ أنّ حجم الدين العام في العام 2004 بلغ 32% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفضَ في العام 2008 إلى 26.7%، وظلّ يواصل ارتفاعه بعدها حتى اليوم، حتى بلغت نسبته في العام 2017 نسبة 58.4%. وليست هذه الديون وحدها ما يثقل كاهل الحكومة السورية، بل كذلك خدمتها أيضاً؛ أي فوائدها وأقساطها واجبة الدفع. وهنا يمكن العودة إلى حقبة حافظ الأسد، التي كانت تصل فيها خدمة الديون في بعض الأحيان إلى ربع مليار دولار سنوياً، ففي العام 1990 بلغت نسبة خدمة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي قرابة 10%، وكان الدين العام وقتها خارجياً في معظمه.

إنّ الأرقام الواردة أعلاه صادرة عن البنك الدولي، ولا نملك تقريباً غيرها، وهي ليست دقيقة بالتأكيد، بل تعتمد على الديون والإحصائيات المُصرّح عنها، سواءً من الحكومة السورية أو من حكومات الدول الدائنة، ومن نافل القول إنّ حكومات الأسدَين، الأب والابن، لم تكن تتمتّع بأدنى قدر من الشفافية حيال مديونيتها، كما أن جانباً وازناً من الديون لم يكن يدخل في الاحصائيات دون شك، والأرجح أن لا أحد يعرف حجم الديون الفعلي خارج الحلقة الضيقة المحيطة برأس النظام. ويكفي هنا أن نورد كمثال ما ذكره مصطفى طلاس في كتاب ثلاثة أشهر هزّت سورية، عن استدانة حافظ الأسد مبلغ ملياري دولار من معمر القذافي، وذلك لتسوية الخلاف بينه وبين شقيقه رفعت في ثمانينات القرن الماضي. كذلك لا تأخذ هذه الأرقام في الحسبان الأموال التي كانت تُقدَّم على شكل هبات ومساعدات، من دول خليجية على وجه الخصوص، ومن أمثلة ذلك الأموال التي حصل عليها النظام أثناء وبعد مشاركته في حرب الخليج الثانية إثر احتلال نظام صدام حسين للكويت.

ديون الحرب على السوريين

أخذ الاقتصاد السوري بالتدهور مع اعتماد النظام السوري على آلة الحرب بشكلٍ واسع النطاق خلال أعوام الثورة السورية، ووصلت قيمة الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها، ما دفع بالنظام إلى تمويل موازناته عن طريق العجز4، كما طَرَح كتلةً نقدية كبيرة من العملة المحلية يتجاوز حجمها اليوم 650 مليار ليرة سورية، واعتمد في استيراد السلاح على سحب الاحتياطيات الموجودة في مصرف سوريا المركزي من القطع الأجنبي، لتبلغ أدنى معدلاتها عند 700 مليون دولار. وعلى الرغم من ذلك فإنّ النظام يعيش في إعلاناته الرسمية انفصالاً عن الواقع، دفعه لإقرار موازنة العام 2019 بمبلغ 9 مليار دولار مدعياً أنها دون أي عجز، والأمر نفسه ينطبق على موازنة العام 2020 الصادرة مؤخراً، والتي تبلغ 6.2 مليار دولار، وسيجري تمويلها بالعجز أيضاً.

ولكن هذه الإجراءات التي تعتمد على التفريط بالمدخرات وإغراق الأسواق بكتلة نقدية هائلة لتمويل العجز، لم تكن كافية لتمويل احتياجات النظام، لذا ترافق معها اللجوءُ مجدداً إلى الاستدانة من الخارج؛ من إيران وروسيا بشكلٍ رئيسي، وكانت أولى الديون المُصرَّح عنها متمثّلةً بأول خط ائتماني إيراني مُنِحَ للنظام عام 2013 بقيمة مليار دولار، وتم تجديد هذا الخط بمليار دولار آخر عام 2015، وصارت مؤسسات النظام معتمدةً في تمويل أنشطتها واستيراداتها على هذه الأموال المُقدمة للمصرف المركزي السوري عن طريق بنك صادرات إيران. ويتألف هذا الخط الائتماني من قسمين؛ الأول للتمويل قصير الأجل، ويشمل المواد الغذائية والاستهلاكية، والثاني للتمويل متوسط الأجل، ويشمل المشاريع والتجهيزات اللازمة لمؤسسات النظام. ومن المؤكّد أن النظام واصل طلب تجديد الخطوط الائتمانية من حليفته إيران على مرّ السنوات الماضية، وهذا الخط الائتماني الذي يجري تجديده بشكلٍ مستمر ليس الوحيد الذي تقدمه إيران للنظام، بل هنالك خط ائتماني آخر تُورِّدُ من خلاله إيران النفط والمحروقات للنظام، قيمته المُعلنة 3.6 مليار دولار، وشروطه مُجحفة إلى درجة أن الجانب الإيراني لم يعد مسؤولاً، بعد إعادة صياغة بنوده، عن شحنات النفط التي يتم احتجازها أو مصادرتها نتيجة العقوبات الدولية المفروضة على البلدين.

ولا تشكل هذه الخطوط الائتمانية سوى جانب من الديون المُستحقة لإيران، فهنالك الديون المباشرة المُتمثلة بالأموال النقدية وتلك المترتبة عن توريدات السلاح، ولأنَّ إيران تعي جيداً أنّه ليس بوسع نظام الأسد سداد هذه الديون، فهي تسعى للاستحواذ على مُقدرات سوريا مقابلها، وسبق لمستشار وزارة الاقتصاد الإيرانية ميثم صادقي القول إن خط الائتمان النفطي ينصّ صراحةً على «تسديد الديون على شكل استثمارات إيرانية في الأراضي السورية».

أما الديون الروسية على النظام السوري، فكثيرةٌ الأرقام حولها ومتضاربة، وليس هنالك أرقام رسمية صادرة حيالها من أيٍّ من الجانبين، ورغم أنّ آخر النشرات الروسية عن الدول المدينة لها لم تُورِد اسم سوريا، إلا أن الدين السوري المستحق لروسيا يبلغ مليارات الدولارات من دون شك. ومن دون شكّ أيضاً، فإن الاستراتيجية الروسية شبيهة باستراتيجية إيران في تحصيل الدين، وهي الاستيلاء على مصادر الثروة السورية لقاء هذه الديون ولقاء حماية نظام الأسد، غير أنها آنية لا تقبل الانتظار. ومن خلال إلقاء نظرة على الاتفاقات، المُجحفة والممتدة لأعوام طويلة، التي وقعتها روسيا مع نظام الأسد، يتبيّن أنّ روسيا تتحصّل على أموالها بيدها، ودون انتظار سدادها من النظام، بل هي تسبق إيران على الاستثمارات وتعطل استحواذها على كثير من المُقدرات السورية لهذا الغرض، وهو ما توضحه قائمة الاستثمارات الروسية الطويلة في سوريا، والتي تشمل الفوسفات والنفط والغاز والموانئ، ولاحقاً إعادة الإعمار كما هو مُخطّط.

لا يمكن ردّ أسباب الدين السوري قبل وبعد الثورة إلى كون سوريا دولةً فقيرة وقليلة الموارد، أو إلى حاجتها لهذه الأموال بهدف تمويل مشاريع تنموية عملاقة أو هادفة لتحسين مستوى الرفاه. هذه الأموال التي عجزت عن استيراد الموز وحليب الأطفال خلال بعض المراحل، صُرِفَت على الفساد الهائل والمنظم الذي تتزعمه عائلتا الأسد ومخلوف، وعلى السلاح الذي يُقتل به السوريون اليوم. وقد كان يسيراً جداً سداد الديون دون تسوّل التسويات من الدول الدائنة بعد الامتناع عن السداد كما يفعل البلطجية، إذ أنّ حفنة أثرياء من محاسيب آل الأسد يمكن أن تحوز مبالغ أضخم من هذه الديون، وجميعها آتية من السرقة والنهب المنظمين لأموال الشعب، الذي ستبقى الديون معلقةً في رقبته حتى بعد زوال الدولة الأسدية.

  • 1. يُعرِّفُ البنك الدولي الدين الخارجي على أنه مبلغ الديون المستحقة لغير المقيمين، والقابلة للسداد بالعملة الصعبة، أو من خلال سلع أو خدمات.
  • 2. لا نعرف إذا ما كان النظام قد سدّد شيئاً منها كما كان متفقاً عليه، لا سيما أنّ الديون الروسية ستعود للتضخّم من جديد كما سنبين لاحقاً.
  • 3. یُمثّل الدین العام القائم في فترة معینة حجم الاقتراض السابق لتلك الفترة، والذي لم یسدّد بعد. وینشأ الدین العام نتیجة تمویل عجز الموازنة العامة للدولة بالاقتراض، وتقترض الحكومات محلیاً من المصارف التجاریة أو المصرف المركزي أو المؤسسات المالیة وغیر المالیة، بالإضافة إلى الجمهور. كما تقترض الحكومات من الخارج من خلال الأسواق الدولیة، من المؤسسات الخاصة أو العامة أو الاقلیمیة أو الدولیة.
  • 4. التمويل بالعجز هو الزيادة المتعمدة في الإنفاق عند وضع الموازنة بحيث تتجاوز حجم الإيراد المتوقع، على أن يتم تمويل هذه الزيادة من خلال الاقتراض.