سوق الملابس السوري: الجميع خاسرون

 

ثلاثة تعبيرات بوجه ضاحك تنفر منه الدموع كانت جواب السيدة نوال الحسين، عند سؤالنا لها عبر واتس آب، عن الألبسة التي اشترتها لأطفالها تحضيراً للعيد. تقطن نوال في ريف حلب الشمالي، وهي من أصحاب الدخل المتوسط قياساً بمستويات الدخل العامة في سوريا، إذ أنها تعمل مُدرَّسة وتتقاضى راتباً شهرياً بالليرة التركية يصل إلى 750 ليرة، أي ما يقارب نحو 200 ألف ليرة سوريّة حسب سعر الصرف الآن.

تقول نوال إنه «ليس بالإمكان اليوم شراء ملابس جديدة، ومن أسعفهم الحظ بوجود بعض الملابس القديمة الصالحة، فهُم في وضع جيد». لا يمكن الاقتراب من محالّ بيع الألبسة بالنسبة لغالبية السوريين، وتراجعَ وجود البسطات الشعبية، أما البالة فباتت عصية حتى على أصحاب الدخل المعقول نسبياً مثل نوال. ومع انهيار الليرة السورية الأخير، زادت حدة المشكلة لتطال كافة الفئات، بما فيها تجار الجملة وورشات التصنيع مروراً ببائعي المفرق.

ثلاثة مشاهد مكررة في مختلف المناطق السورية

تواصلنا مع سوريين يقطنون في مختلف مناطق البلاد، وتكرر الحديث عن مشاهد متشابهة في كلام أغلبهم.

محلات شبه فارغة من الزبائن خلال موسم الأعياد، الذي يعتبر الأهم بالنسبة لبائعي الملابس، إذ يشكل فرصة لتعويض ضعف الحركة الشرائية خلال بقية أيام السنة، ولبيع البضائع المتكدسة بجميع أنواعها. وتحضر في هذا المشهد فراغات على رفوف المحلات، ونقص في تعدد المقاسات، وغياب التنوع في التصاميم والتفصيلات، خاصة الماركات التي اعتاد الزبائن على وجودها في محلات معينة.

في مشهد آخر آباءٌ وأمهات يحاولون تمرير الوقت لتنتهي مناسبة العيد، في ظل غياب القدرة الشرائية مع ارتفاع الأسعار الكبير، إذ غدت الملابس في أسفل سلم الأولويات هذا العام، بعد تصدرها مواسم الأعياد خلال السنوات الكثيرة الماضية. يهرب الجميع من أسئلة أطفالهم. يقول محمد إدريس، وهو رب أسرة يسكن في مدينة الدانا بريف إدلب، إنه يخرج من منزله صباح كل يوم رغم عدم التزامه بعمل معين، يحاول تمضية الوقت في الشارع أو عند أحد الأصدقاء تجنباً لرؤية الحزن في وجه أطفاله الأربعة، يخبرنا أنه يحاول جاهداً البحث عن إجابة لسؤال لا بدّ أنه سيواجهه: «بابا بدك تشتريلنا تياب عالعيد؟»، لكن دون جدوى.

أطفال محرومون من أبسط حقوقهم في الحصول على ملابس جديدة في مناسبة العيد، التي كانت مخرج العائلات السورية للتحايل على الواقع الاقتصادي السيء الذي يعيشونه، عبر تأجيل شرائها: «منشتريلكون عالعيد». تقول نوال: «ما الذي سنخبرهم به هذا العام؟».

الملابس بالدولار وما في دولار

يقول عددٌ من تجار الجملة الذين تحدّثنا إليهم، ومنهم راجح الخطيب، إن الأسعار في هذا العام رخيصة نسبياً مقارنة بالأعوام الماضية. يأتي هذا الكلام متناقضاً مع الأسعار الموضوعة على واجهة المحلات، التي تُبيّنُ تضاعف سعر الملابس مرة واحدة على الأقل عن العام الماضي، ومتناقضاً مع حديث السكان عن ارتفاع غير مسبوق في أسعار الملابس هذا العام.

لحلّ هذا التناقض كان لا بد من العودة إلى أسعار الفترة ذاتها من العام الماضي، ليتبين لنا أن التجار كانوا على حق في قولهم، وكذلك المستهلكون أيضاً، فتجمع الأسواق النقيضين في هذا العام، ويغدو الكل خاسراً.

يربط التجار سعر الملابس بسعر الدولار. يقول الخطيب إنه لا يمكن إجراء مقارنة بمعزل عن سعر الصرف، ويضرب مثالاً سعر بنطال الجينز الولادي الذي كانت جملته في العام 2019 تبلغ نحو ثلاثة دولارات، في حين يباع اليوم للمستهلكين بما يعادل نحو دولارين وخمسة وسبعين سنتاً. بالمقارنة، نجد أن سعر صرف الدولار في بداية أيار (مايو) 2019 كان يبلغ نحو 575 ليرة سورية، بينما يزيد سعر الصرف الحالي عن 1800 ليرة، وهو ما شكل فارقاً سعرياً كبيراً، طال كلاً من التاجر والمستهلك، إذ انخفض ربح القطعة على تجار الجملة وارتفع ثمنها على المستهلك.

مصطفى طبشو صاحب أحد أكبر محلات بيع الألبسة في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، وهو يبيع بالجملة والمفرق، ويقول إن ربط السلعة بالدولار ليس اختيارياً: «الجميع يفرضون علينا هذا التعامل، سواء في البضائع المستوردة أو حتى المحلية، وهو ما يدفعنا لتقليل نسبة الربح، وأحياناً البيع بالكلفة لتجنب الخسارة نتيجة كساد البضاعة». يتساءل طبشو: «كيف يمكن أن نخبر المواطن أن كسوة طفل أو شاب واحد تبلغ نحو عشرين ألف ليرة؟ كيف ستستقبل العائلات هذا الخبر؟».

البضائع المستوردة غائبة عن الأسواق

تعتمد سوق الألبسة، في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، على المنتجات القادمة من مناطق سيطرة النظام بنسبة تصل إلى 70%، بينما تغطي الورشات المحلية نحو 20% من المستلزمات، إضافة للاستيراد من تركيا الذي يغطي نحو 10%. وهذه طبعاً نسب تقريبية تعتمد على كلام من تحدثنا إليهم من التجار.

يقول طبشو إن إغلاق المعابر مع مناطق النظام منذ بداية كورونا ساهم في فقدان كثير من البضائع في الأسواق، وهذه البضائع لا يمكن تعويضها من السوق التركية، لعدة أسباب أجملها في «ارتفاع سعر القطعة في تركيا بشكل لا يتناسب مع قدرة السوريين، واختلاف الذوق العام في اللباس بين البلدين، إضافة إلى تذبذب سعر صرف الليرة التركية التي شهدت هي الأخرى انخفاضاً في سعر الصرف، وإغلاق كثير من المنشآت والورش العاملة في تركيا بسبب إجراءات الحظر المفروضة هناك».

«عبر طرق التهريب، تمرّ بعض طرود الألبسة من مناطق سيطرة النظام»، يقول الخطيب، الذي أوضح أنها لا تغطي احتياجات السوق، فيما يخبرنا طبشو أن كلفة مرور الطرد الواحد تصل إلى مئة ألف ليرة، وهو ما يزيد من الكلفة على المستهلك عبر تحميل الإتاوة المفروضة على سعر قطعة الملابس.

وبالتواصل مع عائلات تعيش في كل من دمشق وحلب واللاذقية، وجدنا أن أسعار الملابس متقاربة مع أسعارها في مناطق سيطرة المعارضة. يفند طبشو أسباب ذلك في أن سعر صرف الدولار هو السبب الرئيسي لهذا الغلاء، معتقداً أن فوارق سعرية كبيرة كانت ستحصل نتيجة إغلاق المعابر لو أن سعر الصرف كان مستقراً. يضيف أن الأمر مرتبط أيضاً بأسعار المواد الأولية التي يتم استيرادها غالباً عبر مناطق سيطرة النظام، وبارتفاع أجور النقل، وضعف القدرة الشرائية، التي فرضت إنتاج كميات أقل بأسعار مرتفعة، بعكس ما كان يحصل سابقاً، إذ كانت المعامل والورشات تنتج كميات كبيرة لتحقيق ربح متوازن يسهم في تخفيض سعر القطعة.

يرى طبشو أن فتح المعابر سيزيد من حالة التنوع في الأسواق، إلا أن إسهامه في تخفيض السعر سيكون ضئيلاً، لكنه وفي الوقت ذاته قد يؤدي إلى وجود بعض الأنواع الشعبية بأسعار مقبولة، وهي الأصناف لا يقوم التجار اليوم في مناطق سيطرة فصائل المعارضة بالحصول عليها وتكلّف أجور تهريبها، خوفاً من كسادها.

الورشات المحلية حلّ مُكلف

تنتشر ورشات الخياطة بأنواعها الصغيرة والمتوسطة، وحتى الكبيرة، من مناطق سيطرة فصائل المعارضة، وتُنتج بحسب من التقيناهم مختلف أنواع الألبسة، إلا أن عدداً كبيراً منها واجه الإغلاق مؤخراً، وبعضها في الطريق إليه.

مهند السعيد هو صاحب ورشة خياطة متوسطة في ريف حلب الشمالي، وهو يقول إن الأمر ناتجٌ عن غياب الشروط اللازمة لاستمرار عمل هذه الورشات، وأهمها توافر الأقمشة والكلَف والخيط. يخبرنا أن الأقمشة كانت تأتي من مصدرين أساسيين هما مناطق سيطرة النظام والصين، أما الكلَف فمعظمها يأتي عبر مناطق سيطرة النظام.

المعابر المغلقة، بحسب مهند، كانت سبباً في توقف عدد كبير من الورش بعد أن بات الحصول على الأقمشة أمراً صعباً ومكلفاً. أما البضائع المستوردة، وبسبب الحجر المفروض في العالم نتيجة انتشار فيروس كورونا، فقد باتت عرضة للتأخير، إذ تضاعفت مدة وصولها من شهر إلى نحو شهرين ونصف الشهر، وهو ما يزيد من الكلفة المالية، هذا إن استثنينا الأسعار المرتفعة لهذه البضائع المرتبطة بسعر صرف الدولار.

يقول مهند إن معظم الورشات الصغيرة أغلقت أبوابها، وذلك لعدم قدرة أصحابها على تخزين المواد الأولية، إذ كانوا يعتمدون على «التواصي» من قبل تجار الجملة لصنف محدد، وهناك بعض الورش الكبيرة التي ما تزال تعمل، إذ يمتلك أصحابها مخزونا كبيراً من الأقمشة.

بالعودة إلى تاجر الجملة راجح الخطيب، يقول إن «البضائع المُصنَّعَة من قبل الورشات المحلية تختص بأنواع معينة مثل الألبسة الداخلية والبيجامات القطنية والعباءات النسائية، والجينزات في عفرين. بعض هذه الأصناف ما تزال متوافرة في الأسواق، إلا أن هناك أصنافاً أخرى كثيرة غير متوافرة». يعتقد الخطيب أن هذه الورش تمتلك القدرة على تغطية النقص، إلا أنها لم تكن مستعدة، خاصة في ظل المنافسة السابقة مع البضائع القادمة من معامل وورشات مناطق سيطرة النظام، التي تفوقها جودة وتنقص عنها في السعر.

من جهته، يخبرنا مصطفى طبشو أن بعض الأصناف التي تنتجها هذه الورشات تفوق جودة البضائع التركية، خاصة الجينزات والبيجامات: «الأشهر الماضية فتحت أعين تجار الجملة المحليين على هذه البضائع، وهي كانت لتباع بأسعار مضاعفة لو فُتح الباب أمامها لدخول السوق التركي».

يضيف طبشو أن ورش التصنيع المحلية ساهمت في التخفيف من الأسعار الحالية، وفي حال غيابها سيتضاعف السعر مرة أخرى، إلا أن عدم تنوعها أغرق السوق بمنتجات متشابهة، وهو ما يضعف المنافسة بين المحلات. وقد أدى هذا إلى لجوء عدد من أصحاب المحلات إلى استيراد بضائع تركية وصفها بـ«المحروفة» بهدف التميز والمنافسة، وكذلك من مناطق سيطرة النظام، وهو ما حال دون تطور هذه الورشات والاعتماد عليها.

يشرح مهند السعيد أن السبب في ذلك يعود إلى ضعف التقنيات واليد العاملة الخبيرة، مضيفاً أن إنتاج كثير من الورشات كان يذهب إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومنها إلى العراق، وهو ما بات متعذراً الآن مع إغلاق نقاط العبور التجارية. يقول: «المركب كانت ماشية... والكل عبيشتغل»، أما اليوم فصار لزاماً على من يريد البقاء التنويع والتغيير.

تراجع البسطات في الأسواق

تشكّل البسطات مصدراً مهماً من مصادر تأمين احتياجات السوريين من الملابس، وتعتمد عليها فئة كبيرة من أصحاب الدخل المحدود، وهي الفئة التي تتسع كل يوم. يباع على هذه البسطات ما يعرف بـ «الملابس الشعبية» وكذلك «البالة» أي الألبسة المستعملة، وغالباً ما تكون أسعارها مناسبة لأصحاب الدخل المتواضع، إذ تنقص أحياناً بخمسة أضعاف عن سعر الملابس في المحلات.

يقول أحد أصحاب بسطات الملابس منذ ما يزيد عن عشرين عاماً في مدينة إعزاز، إن أصحاب هذه البسطات كانوا يعتمدون على بضائع الورشات الصغيرة التي لم تُصرِّف إنتاجها، أو على «الشروات»، وهي مزادات في المعامل والورشات لبضائع بموضة قديمة أو ألوان لم تلق رواجاً في السوق، وكذلك البضائع الـ«معذورة» التي فيها خلل في التفصيل أو الخياطة أو تسلسل المقاسات، وأيضاً على بضائع بقماش أقل جودة.

نقص البضائع وعطش السوق لم يترك بضائع لأصحاب هذه البسطات، وبات معظم الإنتاج في المحلات، يقول: «لا يمكن لأصحاب البسطات المنافسة، لأنهم لا يستطيعون بيع الملابس بأسعار المحلات نفسها. الناس اعتادت على فوارق سعرية كبيرة بين المكانين، سيقولون: ما الذي سيجبرنا على الشراء من بسطة؟».

الحوالات و«يوم بيوم»

زاد من ضعف الحركة الشرائية في سوق الألبسة غياب الحوالات المالية التي تعتمد عليها العائلات السورية. يقول من التقيناهم إن ما يحدث في لبنان، وفرض الحجر بسبب كورونا على العمال، وتوقف المصالح وانهيار العملة اللبنانية، كلّها أمورٌ زادت من مأساة السكان في إدلب، إذ تكاد لا تخلو عائلة من عامل في لبنان كان يرسل مبالغ مالية شهرية شبه منتظمة لأهله. تقول سيدة من ريف إدلب الجنوبي إن أولادها الثلاثة الآن بلا عمل في لبنان: «هم يبحثون عن حل لمتابعة حياتهم في ظل موجة الغلاء هناك». مثلها، يخبرنا محمد شعبان أن ولده كان يتقاضى ما يقارب 800 دولار شهرياً بالليرة اللبنانية، ومع انخفاض سعر الصرف غدت نحو 300 دولار، وهي لا تكفي كأجرة منزل واشتراك للكهرباء وطعام من الخضار فقط!

الحال نفسها طالت اللاجئين في تركيا، من توقف العمل بسبب الحجر وارتفاع سعر الصرف وغلاء الأسعار، وكذلك في أوروبا، الأمر الذي تُضاف إليه صعوبة التحويل المالي في ظل الحجر.

يخبرنا كلّ من راجح الخطيب ومصطفى طبشو أن تجار الجملة والمفرق يصرفون أسعار مبيعاتهم إلى الدولار بشكل يومي، وإن كل بائع بات مُسلّحاً بآلة حاسبة لـ «تقريش» بضاعته، بينما بات تطبيق سعر الصرف ملازماً لهواتفهم المحمولة.

يقول طبشو إن صاحب المحل يشعر اليوم بالحرج من كل زبون يدخل للتسوق: «لا يمكننا فرض مرابح كبيرة. سابقاً كانت الأرباح تتراوح بين 50 و100%، لكننا نبيع حالياً بربح لا يتجاوز 20%، وإذا قارنا ذلك مع سعر الصرف، فغالباً ما ينقص الربح عن دولار واحد للقطعة، وهو ما سيؤثر على حركة التبضع في الأسواق». يقول في النهاية إن كثيراً من أصحاب المحلات لم يعد يعنيهم دخول زبون إلى دكّانهم، فالبضائع باتت أكثر قيمة من النقود بالنسبة لكثيرين.