شدّ الصانع إلى الحرفة

 

شكّلت الطوائف الحرفية في مدينة دمشق أحد أهم مكونات المدينة، التي اعتمد اقتصادها خلال فترات طويلة على إنتاج هذه الفئة من المجتمع الدمشقي؛ ورغم أن ظهور الحرف اليدوية والصناعات قديم جداً في دمشق، إلا أن الباحثين يُرجعون تنظيم هذه الحرف في «طوائف» إلى فترة الحكم الفاطمي، لتكون طوائفُ الحرف تلك أحد قنوات الدعوة الدينية. ومع نهاية الحكم الفاطمي لبلاد الشام، قام السلاطين منذ نور الدين زنكي بالإبقاء على هذه التقسيمات، مع فرض المذهب السنّي عليها، وبالتوازي مع ذلك قام نور الدين زنكي ومن بعده السلاطين الأيوبيون بإنشاء «الخانقاه»، وهي دورٌ أوقفت لأهل التصوف، وكانت هذه الرعاية الرسمية للتصوف أحد أدوات التحويل الديني للسكان المحليين الذين كانوا تحت النفوذ أو الحكم الفاطمي لفترات طويلة.

تحوَّلَ المذهب الرسمي للحكم في بلاد الشام من الإسماعيلية إلى السنّية، وأعقبَ ذلك فرض تدريجيٌ لنفوذ الطرق الصوفية الديني والطقوسي في مدينة دمشق، استمرَّ خلال العهد المملوكي، وتحوَّلَ بشكل تدريجي إلى توجه شبه رسمي للدولة خلال العهد العثماني، الذي كان سلاطينه وجيشه «الإنكشاري» موضع تأثير ونفوذ كبير من مشايخ المتصوفة لفترات طويلة، وبالذات شيوخ الطريقة البكتاشية. وقد تم تفريغ مركز رسمي للتعليم الديني في دمشق للعلماء من مشايخ الصوفية في السليمية، إلى جوار قبر محي الدين بن عربي في حي الصالحية.

تنظر هذه المقالة في أحد طقوس الحرفيين الدمشقيين بداية القرن التاسع عشر، باعتباره تعبيراً عن الحالة التنظيمية لفئة رئيسية في مجتمع المدينة خلال فترات طويلة من تاريخها، إضافة إلى أن تلك الطقوس تضم بين طياتها تأثيرات فكرية وعقائدية حلّت في المدينة وزال الأثر السياسي المباشر لبعضها، فيما استقرّ بعضها الآخر لفترات أطول، إلا أن لجميعها تأثيرات يمكن معاينتها في طقوس أهل المدينة وطرق معيشتهم. والطقس المقصود هنا، هو «شدّ» المبتدئ أو المتعلم في الحرف الدمشقية، الذي هو احتفالٌ بانتقاله إلى مرتبة الصانع بعد إتمام تعلم مهنته، وهو الطقس الذي يتكرر عند انتقال الصانع إلى رتبة المعلم في الحرفة، والذي كان يعتبر شرطاً لكي يفتتح الصانع دكّانه الخاص، ويعمل بشكل مستقل.

نعتمد في هذه المقالة على الرواية التي كتبها المؤرخ والأديب الدمشقي الياس عبده قدسي، والتي كانت جزءاً من دراسة عن الحرف الدمشقية قدمها قدسي إلى مؤتمر المستشرقين في لندن عام 1883، وطُبعت لاحقاً لأهميتها في كتاب باسم نبذة تاريخية في الحرف الدمشقية. وقد اعتمدنا طبعة دار الحمراء عام 1992، التي جاءت في ستين صفحة. وتُعدُّ هذه الوثيقة التي كتبها المؤرخ الياس قدسي واحدة من أهم الدراسات عن أحوال أهل مدينة دمشق، وبالتحديد فئة الحرفيين، لتركيزها على طرق تنظيم طوائف الحرفيين، ولكونها صادرة عن مؤرخ وكاتب من أهم كتاب مدينة دمشق في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الذي أتم تعليمه العالي في اليونان مختصاً في الفلسفة الحديثة، وعاد إلى مدينة دمشق ليعمل قنصلاً لليونان ومن ثم للنمسا فيها، خلال فترة غاية في الأهمية هي الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وقد ولد القدسي في حي القيمرية في دمشق عام 1850، من عائلة تضم حرفيين وتجّاراً، وكان والده عبده قدسي أحد وجهاء الحي والمدينة. وقد كان للثروة التي أورثها لابنه دور كبير في تفرغ كاتبنا للدراسة، إذ انتقل إلى مدرسة عينطورة الثانوية للآباء العازريين في لبنان لدراسة اللغة الفرنسية والإنكليزية، بعد أن أتم تأهيله العلمي في المدرسة الأرثوذكسية في دمشق المعروفة باسم (الآسية)، وهي مدرسة قائمة حتى هذا اليوم. سافر قدسي بعدها إلى اليونان وهو في عمر صغير، وعاد إلى دمشق عام 1872 بعد حصوله على إجازة في الفلسفة.

وللقدسي عدد من المؤلفات الأدبية والأبحاث، من بينها بحثه هذا الذي نستند عليه في بناء تصوّرنا عن طقس كان ضرورياً للانتساب إلى مجتمع الحرفيين في مدينة دمشق. ويعتمد القدسي في سرده التاريخي على روايات جمعها من مشايخ الحرف والصنّاعيين في مدينة دمشق بداية ثمانينات القرن التاسع عشر، إلا أنه يشير في كتابه إلى أن تلك الطقوس كانت قد بدأت تفقد قوتها الرمزية منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وأنها عند وقت كتابة البحث لم تعد شرطاً يمنع الصانع أو المتعلم من فتح دكّانٍ خاصٍ به، إذ أفقدت التنظيمات العثمانية التي أقرها السلطان عبد المجيد (حكم بين عامي 1839-1861)، مناصب شيخ الكار وشيخ المشايخ قوتها القانونية على ممتهني الحرف في المدينة، الذين لم يكن عليهم في القانون إلا الحصول على إذن البلدية المسمى «البيولوردي» لافتتاح عمل تجاري أو حرفي.

وقبل شرح تفاصيل «شدّ الصانع إلى الحرفة»، من المفيد الاطّلاع سريعاً على مراتب الحرف الدمشقية خلال القرن التاسع عشر، خاصةً في النصف الأول من ذاك القرن، أي قبل إقرار التنظيمات.

على رأس هرم التنظيم الحرفي في دمشق، كان يوجد منصب يسمى «شيخ المشايخ»، وكان لشيخ المشايخ، قبل التنظيمات المجيدية، سلطة سجن وجلد المعلمين والصناع إن خالفوا القوانين المعمول بها ضمن الحرفة، ما منح المنصب قوة قانونية بالإضافة إلى مكانته الرمزية، إذ اقتصر هذا المنصب على عائلات الأشراف، وكان العديد منهم يجمع بين مشيخة الحرف ومشيخة الطرق الصوفية. ويذكر القدسي في بحثه عن الحِرف الدمشقية آل العجلاني باعتبارها العائلة التي كانت تتوارث هذا المنصب، وهم من الأشراف الحسينية. ولم يكن مطلوباً أن يكون شيخ مشايخ الحِرف في دمشق صاحب حرفة أو صنعة، إلا أنه وحسب القدسي قلّما باشر إقامة تقاليد وطقوس الحرف بنفسه، بل كان يرسل بدلاً منه «النقيب»، الذي هو مركز رمزي يقوم بمثابة الرسول بين شيخ المشايخ وشيوخ الحرف، ويحضر بدلاً عنه طقوس «شدّ الصنّاع» إلى الحرف.

أما الحرف الدمشقية، فلكل منها «شيخ كار» أو شيخ حرفة، يجب أن يتصف بعدة صفات أهمها الاتقان الشديد لمهنته، وقدرته على حل المشاكل والخلافات ضمن أبناء الكار الواحد. وكان اختيار شيخ الكار يتمّ بالتوافق بين أهل حرفته، ويجب أن يصادق شيخ المشايخ على الرجل الذي يبقى شيخ الكار حتى وفاته، إذا لم يرتكب ما يوجب عزله من هذا المنصب.

ويسعى بين شيخ الكار والمعلمين والصناع في الحرفة نائبٌ يسمى «الشاويش» أو «الجاويش»، تكون مهمته إيصال رسائل الشيخ إلى المعلمين، وإبلاغ الصنعة والمعلمين بالاجتماعات التي يُقام في بعضها طقس «شدّ الصانع». أما المعلمون فهم الحرفيون المهرة، الذين أتموا مهنتهم وعملوا كصناع فيها، وتم شدّهم من قبل شيخ الحرفة ونقيب شيخ المشايخ ليصبحوا معلمين. وقد كانت غالبية أهل الحرف الدمشقية من الصنّاع، وهؤلاء هم العمال المهرة الذين أتموا تعلم المهنة، ويتقاضون أجراً ثابتاً على عملهم. أما المرتبة الدنيا في التنظيم الحرفي، فقد كانت للأجير أو المبتدئ، وهو الذي دخل حديثاً لتعلم الحرفة، ولم يتقنها بعد.

يتم إعداد طقس «الشدّ» بعد مباركة معلم الصانع، ويُطلب من شيخ الحرفة تحديد وقت لعملية الشدّ هذه، وقد يكون الاجتماع لشدّ عدد من الصناع، أو لشدّ صانعٍ واحد. وتتم الدعوة لهذا الطقس بشكلٍ رمزي بعد موافقة شيخ الكار، من خلال إعطاء شاويش الحرفة «عِرقاً أخضر» للصانع، وهو ما يعني أن عليه إعداد الوليمة، ويتم هذا الطقس خارج دمشق في بساتين الغوطة خلال النهار، أو في أحد بيوت أهل الحرفة، نهاراً أو ليلاً.

ويبدأ الطقس مع وصول جميع المدعوين وعلى رأسهم نقيب شيخ المشايخ وشيخ الحرفة، فيأخذ شيخ الحرفة الصانع برفقة الشاويش إلى مكان منعزل، ليبدأ الطقس من خلال قراءات دينية ووعظ من شيخ الكار، «ثم يأتي الطالب مكتوف اليدين على صدره بكلّ حشمة ومشدوداً بالمحزم، فيوقفه الشاويش في الوسط على بساط أخضر، ويجعل إبهام رجله اليمنى تعلو إبهام رجله اليسرى. وفيما هو على هذه الحالة، يطلب النقيب من الشاويش أنْ يقول الفاتحة، فيتلوها الأخير بصوتٍ عالٍ، ويكون الجميع راكعين على ركبهم وطارقين رؤوسهم بالأرض». ثم تبدأ قراءة الفاتحة لثلاث مرات بطلب من شيخ الحرفة، ويتبعها قراءة أبيات من الشعر المستوحى من الأشعار الصوفية، ويلي ذلك مجلس ذكرٍ على إحدى الطرق الصوفية.

بانتهاء هذه الطقوس، يقوم النقيب بفك عقدة من الحزام أو الشال على خصر الصانع، ويفك شيخ المشايخ عقدة ثانية، ويفك معلم الصانع عقدة ثالثة، كرمزٍ على انتقاله إلى مرتبة معلم في الحرفة.

ويشبّه القدسي، في أحد مواضع الكتاب/البحث، هذه الطقوس بطقوس الدخول في جمعية «البنّائين الأحرار» (الماسونيين)، وهو محقٌّ في الواقع، إذ أن الجمعية تلك نشأت على أنقاض نقابة محترفي البناء في أوروبا خلال العصور الوسطى؛ ومثلها تماماً، فإن نقابات الحرفيين الدمشقيين التي كانت تسمى «طوائف» خضعت لقوانين صارمة، ومراتب محددة، وطقوس واجبة الاتباع للدخول إليها، حتى في حالة الاتقان التام للحرفة.

إلا أن هذه الطقوس في الحقيقة كانت شديدة الالتصاق في ظاهرها ورموزها بتيارين أساسيين؛ التيار الصوفي، والتيار الإسماعيلي الذي كان الدين الرسمي للدولة الفاطمية، إذ تظهر فيها مكانة طبقة الأشراف، وهي العائلات التي تنسب نفسها إلى سلالة النبي محمد، كما تظهر فيها القراءات والأشعار الصوفية المليئة بالمدائح النبوية. كما أن رموز «الأداء الطقسي» خلال إتمام الشدّ، من ركوع ووقوف على سجادة خضراء، متأثرةٌ بشكل واضح برموز الانتساب إلى الطرق الصوفية. وفي الحقيقة، يحتاج التعمّق في تفاصيل هذا الربط إلى بحث أوسع بكثير من هذا المقال، كما أنه يجب أن يستند إلى أدلة أركيولوجية. لكن في الوقت نفسه، فإن هذا الربط المباشر بين تقاليد الحرفيين الدمشقيين والطرق الصوفية يمكن أن يكون أحد مفاتيح البحث في الحياة الاجتماعية لدمشق خلال العهد العثماني، وملاحظة التأثيرات المختلفة عليها.

إذا كان الحرفيون هم أغلب سكان مدينة دمشق من حيث العدد، فإن طقوسهم تلك هي مؤشرٌ على مدى التصاق السكان بالطرق الصوفية وتأثرهم بها، ما قد يكون دافعاً لإعادة النظر في السردية التاريخية التي أصبحت رائجة في الفترة الأخيرة، والتي تعتبر أن الشريعة لعبت دور الوسيط بين الحكام والمحكومين في المنطقة، ما يجعلها الرابطة الاجتماعية الرئيسية لفترات طويلة من التاريخ، خاصةً خلال العهد العثماني. إذا كانت الشريعة هي الدين الرسمي المرعي من السلطة، التي هيأت له المناصب الرسمية مثل المفتي والقاضي والمدرّس، فإن الطرق الصوفية، وعلى الرغم من تأثيرها الكبير، بقيت إلى حد بعيد على مسافة من تلك السلطة، خاصةً في مدينة دمشق. وبناءً على قراءتنا لطقس شدّ الصانع، وعلى كثير من الأدلة الأخرى، يمكننا أن نقول إن الصوفية لعبت دوراً محورياً في الحياة الاجتماعية للسكان، وهي مقولة يجب أن تأخذ مكانها مجدداً في دراسة المجتمعات المحلية للمدن الشامية خلال العهد العثماني.

 

المصادر:

  • الياس عبده قدسي، نبذة تاريخية في الحرف الدمشقية، طبعة ثانية، دار الحمراء، دمشق، 1992.

  • ليندا شيلشر، دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترجمة عمر الملاح ودينا الملاح، دار الجمهورية، دمشق، 1998.

  • نايف صياغة، الحياة الاقتصادية في دمشق في منتصف القرن التاسع عشر، وزارة الثقافة، 1995.