طاقية الإخفاء

 

لم أكن أعي ما الذي يعنيه مدرّس اللغة العربية الفلسطيني في مدرستي التابعة للأونروا في حلب، وهو يحدثنا عن التمسك بالحلم. كنت وقتها أصغر من أن أفهم أن «اللاجئين يقتاتون على أحلامهم»، قبل أن يصبحوا في عمر لا تنفع معه الأحلام، فيتحولون إلى يائسين ومكتئبين، وفي أحسن الأحوال، رجالاً يحاولون زرع ما فشلوا بتحقيقه في أطفالهم، وتقريعَهم عليه إن فشلوا بذلك.

يترافق انفجار هذه الأحلام، في الغالب، مع مرحلة المراهقة التي تبدأ في الرابعة عشرة، وقد تمتد حتى الرابعة والعشرين، وفي أحيان أخرى تلازم صاحبها حتى سنوات متأخرة. كما ترتبط جذرياً بحالات من الإبداع، خاصة تلك التي تحتاج إلى انفعالات شديدة ويوصف أصحابها بـ«الجنون» و«الانفصال عن الواقع»، كالرسم والموسيقى والكتابة بأنواعها. وليس من الصدفة أن العرب طالما ربطوا الشعراء بوجود «جانّ» يُملي عليهم ما ينظموه، ووصفوا المبدعين بـ«المجانين» لمزاجهم المتغير، سواء على الصعيد الشكلي أو النفسي الحياتي.

تلك كلها أشياء تلتصق بالمراهقة والأنا العظمى التي ترافقها، والتي تتحوّل – إن توفر المناخ الملائم كالحرب والثورات – إلى تغير في المفاهيم العامة التي تنتجها المراهقة في البيئات الهادئة حول «الحب والجنس والتمرد»، إلى الذهاب بعيداً نحو أقصى درجات التطرف من تلك الأشياء، كالمغامرة والتضحية والفداء، واستلهام الشخصيات في كل منها وتمثّل أقوالها وأشكالها ومحاكاتها.

قصص المراهقين

تروي لنا ميس (23 عاماً) قصتها مع المراهقة خلال السنوات الماضية:

كانت أمي قبل الثورة تعيب عليّ بعض تصرفاتي، تُخيفني أحياناً وتهددني بإخبار والدي إن كان الخطأ متعلقاً بوضع «الزينة» أو ارتداء ما تراه لباساً غير مناسب للحياة في قريتي الريفية. دعاؤها الذي لا تكاد تمر ساعة دون أن تلهج به كان «الله يستر عليكون»، وكنتُ دائمة الامتعاض منه. ما الذي يوحي لها بغياب «السترة» عنا؟ ثمّ ما الذي علينا أن نفعله لنقنع أهالينا بأن هناك أشياء جديدة تحدث في نفوسنا؟

أشدّ حالات التمرّد التي كنت أعيشها كانت ضد الأعمال المنزلية. لماذا عليّ أن «أرتّب فراشي وأَجلي الصحون وأرتب ملابسي وملابس أخوتي وغرفهم، وأصنع لهم طعامهم، وأخفض صوتي بحضور والدي»؟ ثم لماذا عليّ أيضاً أن أحضّر فحم النارجيلة لأخي وضيوفه أيضاً، ولماذا سأجلب حتى كأس الماء لأخي الجالس هناك، دون أن يمدّ يده لأخذه؟

كنت أحب الاستماع للأغاني الجديدة. نانسي عجرم كانت رفيقة معظم ساعات قبل النوم. كثيراً ما حاولت تقليدها؛ رأيتني بعيون زرقاء وشعر أشقر طويل، أغني في المسارح، أرقص، أرتدي الثياب اللامعة وأقود السيارات الفخمة. دائماً ما كنت أصل إلى نقطة أقف فيها عن الحلم، ليس بسبب خلودي للنوم، ولكن ما الذي سيقوله الناس عني؟ في قريتي ليس هناك نساء «مطربات»، ثم إن أخي الكبير سيقتلني حتماً.

مع بداية الحرب، وما حملته من القصف والدمار، نسيَتْ أمي دعاءها. أما إخوتي فباتوا كثيري الغياب عن المنزل بعد أن التحقوا بإحدى الفصائل العسكرية. كنت قد وجدت مساحة من الحرية لفعل ما أريد في المنزل الخاوي، إلّا أني لم أفعل.

الموت هو ما كان يشغل فكري، أكثر من الحياة. أنام على هاجس آخر وحلم وحيد، ألا أموت. مرات كثيرة كنت أشهد عزائي في الحلم. بكت أمي كثيراً. الجيران اجتمعوا لمواساتها. أما أبي فقبلني من رأسي؛ كانت المرة الأولى التي شعرت فيها بحنانه.

صديقتي أيام المدرسة، والتي ماتت بقصف على منزلها، تهامست عليها نسوة الحي بعد موتها. قالوا إنهم وجدوها وهي تضع أحمر الشفاه؛ لمن تضعه وهي غير متزوجة؟ ثم إن الزمن زمن موت، فما الداعي لهذا «العلاك»!

منذ سمعتهم يقولون ذلك وأنا أنام بكامل ثيابي. لا أريد لأحد أن «يأكل جثتي بعد الموت». لم أضع أي زينة، وغالباً ما وضعت غطاء الرأس حتى تعودت على النوم به. حين رأتني خالتي منذ أيام قالت إني «خمّيت»؛ شعرتُ برائحة الكلمة تصل إلى أنفي، وانتبهت أني لم أحب أحداً حتى اللحظة، ولم أفكر برجل سوى راغب علامة. ضحكتُ على تلك الفتاة التي كنتُها في الرابعة عشرة من العمر. أي غباء أن تعشق مطرباً على التلفاز!

*****

أحمد (16 عاماً) لم يمارس الاستمناء منذ بلوغه «سوى مرات ثلاث». قال إنه يخشى «الموت كافراً»: كيف سألاقي الله وأنا جُنُب؟

بعد أن سمع خطبة من الشيخ عن مضارّ العادة السرية وكيف تودي بالإنسان إلى الكفر والهلاك، يقول إن القصف الليلي وغياب الماء الساخن في تلك الليلة التي قرر بها الإقلاع عن العادة السرية دفعتْه للوم نفسه على ما اقترفه. «شعرت بجسدي يأكلني من الداخل، ورأيت مقعدي في النار، فالله لا ينظر لنا نحن عند موتنا».

يُطلِق أحمد على نفسه لقب «أبو الليث»، ويسعى للانضمام إلى صفوف المقاتلين. يقول إن طريق الجنة يمر عبر بوابة الجهاد، هناك حيث الحورُ العينُ وما لذّ من الطعام والشراب. يراوده حلم الموت في ساحة المعركة. قبل أن يضع رأسه على الوسادة يفكر بارتدائه «طاقية الإخفاء»، وبوصوله إلى دمشق التي لا يعرف طريقها، حيث سيقتل بشار الأسد ويريح الدنيا من شروره. لا ضرر إن مات هو، المهم أن يقتله.

أفكار كالجهاد والفداء، وأسماء مقاتلين يحفظهم عن ظهر قلب ويخزّن صورهم، وأغاني هي الأخرى توصف بـ«الجهادية»، هي كل ما يملأ به أحمد هاتفه المحمول. يضع أغنية غرباء كنغمة له، وعلى خلفيته صورة لأحد مقاتلي أحرار الشام. قال لنا «إنه لا يعرفه ولا يعرف اسمه، لكنه يشعر بالحب كلما نظر إليه».

الأغاني الجهادية والثورية المنتشرة في كافة المناطق، تسمعها كنغمات للهواتف أو في الحافلات، ويتعلمها الأطفال الصغار، إضافة إلى هتافات مليئة بكلمات كـ«الذبح والقتل والموت والقصف والأشلاء»، تشكل أولى الكلمات التي ينطقونها، ويُدَندِن بلحنها الشبان في الطرقات، وكلها باتت تشكل حالة من «تكوين الشخصية» لهذه الفئات العمرية. فبتنا نرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي أطفالاً ومراهقين يصدحون بها خلال المظاهرات، كطفل بنش الذي اشتُهر بأنشودة «بالذبح جيناكم»، وشبان داريا الثلاثة الذين غنَّوا للثورة وقُتلوا على يد قوات النظام، وغيرهم الكثير من الشبان الذين انتشرت أغانيهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

*****

تحوّلت الثورة السورية إلى معنى خلاصي لكثير من المراهقين، وشكلت حالة إلهام لتمرّد فئات منهم أغراهم صوت السلاح ودَخَل في تكوينهم الحياتي اليومي، وطغت على مصطلحاتهم وأحاديثهم وباتت جزء من أحلامهم أيضاً، إن لم نقل كل أحلامهم.

سمر، الطالبة في الثانوية، تُخفي وجهها حرجاً حين تخبرنا بأن «الكثير من أحلام فتيات صفها تأخذ شكلاً واحداً، هم يحلمون بالزواج من مقاتل». تقول إنّ الأحاديث التي تدور في جلسات الصف النسائية المغلقة غالباً ما تكون متعلقة بـ«كاريزما المقاتل وسلاحه، هو من سيحقق أحلامهن بالأمن والحماية والمال أيضاً». لم يعد هناك ذكر لـ«فارس الأحلام الجميل القادم على فرس بيضاء»، أو لذلك «المغني أو العازف الذي سينحني أمام نافذتهن، يعزف لهن ويغني للحب ويطلب أيديهن للزواج». تلك ترهات مضت، كنا نراها في التلفاز سابقاً، تعقّب سمر.

حين قرأَتْ لنا إحدى صديقاتنا رسالة عن «الحب»، كانت مثار سخرية في الصف. لا أعرف كيف وصل الخبر لوالديها؛ هي الآن تعيش ما يشبه العزلة، رغم أن كلّاً منا تعيش قصتها عن الحب وحدها، خوفاً من الإفصاح عنها. ما حدث لها كان «ثمناً لجرأتها في التصريح».

بات من الصعب جدّاً أن نحب أو نخبر أحداً بذلك. في السابق كان الأمر صعباً بدرجة أقل، إلّا أننا اليوم خائفات، نشعر بالرعب عند التطرق لمثل هذه القضايا. في الصف هناك نساء أسمَتْهم سمر «الكئيبات»، ينقلن خوفهن للجميع، ومن الصعب أن تقاومهنّ. لديهن من الحجة والإقناع الديني ما يخيفنا، أيضاً لا يترددن في نقل أخبارنا إلى الناس.

«لكل جيل أشياؤه ومتعه إلا جيلنا». تقول سمر إن والدتها لا تزال حتى اللحظة تتذكر أغاني عبد الحليم حافظ وتُدَندِن بها، أما والدها فكان من أنصار أم كلثوم ومريديها. لم تعد تُسمع أغانٍ في بيتها، وفي الساعات القليلة التي تتواجد بها الكهرباء تحتل الأخبار غرف المنزل. «إن حاولتُ سماع أغنية جديدة، دائماً ما أُتَّهَم بالتفاهة والسفَه!».

*****

لا يتردد أبو علي في الحديث لنا عن حبه. يقول إن كل الظروف لن تمنعه من خطبة الفتاة التي يحبها. الأمر الآن أسهل بوجهة نظره، فالواتسآپ حلّ معظم المشاكل القديمة التي كان يعاني منها العشاق، وهو غير مضطر للوقوف لساعات في الطرقات كي تمرّ ويعطيها رسالة أو ورقة معطرة، يشرح فيها ما يعانيه. في كل يوم يحادثها، وأحياناً عن طريق الفيديو لكي يراها بالصوت والصورة.

لا يأبه الشاب ذو التسعة عشر عاماً لما يمكن أن يحدث في حال وقع هاتف حبيبته في يد أهلها. يقول إنهم يتخذون كافة الاحتياطات للتمويه على ما يعتبرونه حقاً لهم يحرمهم منه المجتمع.

يعيش أبو علي حياة مليئة بـ«الإثارة». يقول إنه دخل عن طريق التهريب إلى تركيا، وحين لم يعجبه العمل عاد إلى قريته. انقطع عن الدراسة؛ يقول إن الحرب ساعدته في إقناع أهله بعدم جدوى التعليم، وهو ما كان يريده فهو يكره المدرسة منذ الصغر. كما لم يفلح في اكتساب «صنعة تصليح السيارات» كوالده. حياته تنقسم بين السهر والنوم والدخان، والحب.

*****

عشرات المشاكل النفسية يعاني منها المراهقون اليوم في سوريا، فاقمت بعضَها الظروف الاقتصادية والعسكرية والنزوح وانعدام الأمن والاستقرار. يقول الطالب الجامعي سعيد الذي يدرس في كلية الحقوق بإدلب: «لا مكان لشهاداتنا؛ في الواقع نحن ندرس لأنفسنا، والأمل ضعيف في ممارسة مهنتي التي اخترتها، وحتى في الاعتراف بنيلنا للشهادة أصلاً». ترافق سعيد حالة من الكآبة واليأس، يسعى للهرب منها من خلال لعب ورق الشدة. يقول إنه ومجموعة من أصدقائه، معظمهم من طلاب الجامعة، يسهرون حتى ساعات الصباح على ورق الشدة. «نادراً ما نتحدث عن مستقبلنا القادم، وإن حاول أحدنا ذلك يسعى الجميع لإسكاته. كلنا نعرف حجم ما ينتظرنا وليس بيدنا حيلة، سوى أن نترك الأمر للظروف».

يربي أحمد طيور الحمام على سطح منزله الذي نزح إليه في ريف حلب الغربي. يقضي معظم وقته وهو ينظر إليهم بعد أن يلفّ سيگارة الحشيش الذي اعتاده. منذ سنة تقريباً بدأ بتعاطي عقار الترامادول. يقول إن في رأسه آلاف الهواجس التي تطرقه بإزميل، لا يرتاح إلا بعد تناول العقار الذي يبقيه هادئاً. شارك أحمد في عشرات المعارك، وخسر عشرات الأصدقاء و«رفاق السلاح» كما أسماهم. صورهم تزوره في كل يوم، خاصة الطُرَف التي حصلت معهم والتي يعيد يرويها في كل مرة.

«خسرنا المعركة ببلاش»، يقول أحمد مشيراً إلى ما حدث في السنتين الأخيرتين من الثورة، شاتماً الفصائل وقياداتها والداعمين والدول الخارجية والعربية. باختصار كان أحمد يشتم كل شيء يمر أمامه عدا طيور الحمام، أنيسه الوحيد.

يشير من منزله نحو عفرين وهو يخبرنا أن المعركة تحوّلت إلى غنائم منذ زمن طويل، وأن معظم الشبان شعروا بعدم الجدوى بعد فترة من الزمن. يلومنا لأننا تركنا البلد، يقول إن «المثقفين قتلوا الثورة وسلموها لأبو فلان وأبو علتان»، ويحكي لنا كيف كانت تفيض مشاعره عند كل معركة برفقة أصدقائه؛ كيف واجهوا الموت والخطر والحياة؛ كيف ودع أصدقائه الشهداء؛ وأخيراً كيف تركوه وحيداً ومضوا إلى هناك. يشير إلى السماء.

وقْعُ ما أسماه «الهزيمة» كان له أكبر الأثر على تكوينه الشخصي. يرفض أحمد الزواج والعمل، ولولا كرهه لتنظيم الدولة، التي قتلت واحداً من أخوته، لسمح لذقنه أن تطول حتى ركبته، يقول وهو يمسح ذقنه الحليقة التي تشكل حلاقتها عملَه اليومي الوحيد.

*****

سعاد، التي اعتقلتها قوات النظام في السابعة عشر من عمرها، تحاول أن تبقى على قيد الحياة رغم ضعف جسدها وروحها. تقول إنها كانت تحلم بإكمال تعليمها وأن تبني عائلة، وكل ما يخطر في بالها اليوم أن تتخلص من «شفقة المجتمع ونفاقه». «كل من يراني يود أن أروي له ما حصل هناك في السجن! لا أقوى على ذلك، ولن أتكلم يوماً. أخاف من استعادة التفاصيل ووجوه المحققين والمعتقلات».

سلوكيات المراهقة 

يقول الكاتب الفلسطيني أحمد برقاوي في مقال منشور على موقع العرب أنه «صباح كل عيد تُحمل أطنان من أغصان الآس إلى مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك لتوضع على قبور، أغلبُ أعمار ساكنيها بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين». ويعزو ذلك بأن «الأيديولوجيا مصيدة المراهقين»، فروح المراهقة «روح وجدانية حدسية عاطفية تسحرها الأهداف العظيمة بكل ما يكتنف هذه الأهداف من غموض ولاعقلانية، ويزداد سحر الأيدلوجيات تأثيرا أكثر كلما كانت الآمال المستحيلة فيها أكثر، وصورة المستقبل زاهية أكثر»، وذلك لأن «الموت في سبيل فكرة أثمنُ من الذات، والقتل لكائن آخر لا قيمة له بالقياس إلى الفكرة».

لم تقتصر القضية الفلسطينية يوماً على الفلسطينيين أنفسهم، بل شكلت قضية جاذبة لآلاف الشباب العربي والمسلم، إضافة إلى عدد ليس بقليل من مناصري حقوق الإنسان. والمراهقون السوريون كان لهم حظوة أوسع في التفكير بمعنى «التضحية والفداء» تجاه القضية الفلسطينية، نظراً للقرب الجغرافي والتواصل مع الوافدين الفلسطينيين في المخيمات السورية، ونشاط بعض الحركات المسلحة الفلسطينية والكتائب، والتي انتمى لها أعداد من السوريين حاربوا إلى جانبها في لبنان، حتى أن بعضهم انتقل مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس. وعاش الشباب السوري، المراهق على وجه الخصوص، حالة من الأحلام بالنضال والكفاح ارتبط جذرياً بالقضية الفلسطينية وانتفاضاتها.

كذلك الأمر في حرب العراق، وما شكلته من «مصيدة أيديولوجية أخرى» استطاعت السيطرة على عقول الشباب وأحلامهم، مع بداية التغيرات الهرمونية التي تفرضها هذه المرحلة والنمو الجسدي، وحالة التمرد والأنوات التي تبدأ بالتشكل، ابتداء من الرابعة عشر من العمر، وتشهد حالة من الاستقرار في منتصف العشرينات، إلا أنها ترافق الإنسان في بنيته التكوينية حتى النهاية.

تقول المرشدة النفسية إيمان المحمد من مدينة إدلب، وهي خريجة علم اجتماع من جامعة دمشق وحاصلة على درجة الماجستير: «إن الحرب التهمت جزء من صور المراهقة وسلوكياتها»، فالشخصية المراهقة السورية لا يمكن اعتبارها وتوصيفها ضمن السمات الأساسية المدروسة التي أجملتها بـ«شدة الحياء – أحلام اليقظة – الاهتمام بمسائل الجنس – مقاومة السلطة – العناد والرفض – الملل – النفور من العمل – الرغبة في الانعزال»، وغالباً ما تطغى صفات كالرفض والعناد على غيرها من الصفات.

ومن خلال عملها الذي تقوم به في المخيمات، ترى إيمان أن سمات أخرى بدأت بالتشكل في الشخصية السورية المراهقة، أهمها اليأس والرغبة بإنهاء الحياة والانتحار، «خاصة عند الوافدين من مناطق أخرى خلال التهجير القسري، أو الذين عانوا ظروف الاعتقال، واصطدموا بواقع اجتماعي يخالف ما حلموا به، إذ لم يُصدَّروا كونهم أبطالاً، بل أناس عاديون، خسروا جزءاً من سنوات حياتهم دون جدوى».

وتعتبر المرشدة النفسية أن هناك «هزيمة في داخل المراهق، سببتها ظروف الحياة القاسية الاقتصادية والحياتية التي يعيشونها، رافقها ضغط عصبي وتغيرات هرمونية دفعتهم إلى حالة من اليأس الشديد، من الصعب علاجه أو تفادي آثاره وفق المعطيات الحالية».

ومن خلال مشاهداتها تروي إيمان «أن هناك غياباً للغة الرومانسية والأدبية في معظم الأحاديث التي خاضتها مع المراهقين، خاصة عند النساء، بعضهن فقدنَ الهدف من الوجود والرغبة في تحقيق الذات»، خاصة وأن المنظمات التي تُعنى بالمشاكل النفسية قليلة ويقتصر عملها على أساليب بدائية ومجموعة من النصائح يرفضها المراهق ببنيته التكوينية أصلاً القائمة على التمرد على السلطة.

كما لاحظت المرشدة النفسية أن «الخوف بشقَّيه الاجتماعي والديني سمة طاغية على الشباب المراهق، ومن هنا استغلت القوى العسكرية الخطاب الديني الساحر والرغبة في المغامرة لاستقطاب جيل من الشباب، وتجنيدهم في المعارك، والاعتماد عليهم في المهمات الخطرة».

من جهته يرى الطبيب النفسي أحمد حسين أن «أعداد المدمنين والمتعاطين للعقاقير الطبية المخدرة ازداد بوضوح خلال السنوات الأخيرة بين المراهقين»، مرجعاً السبب إلى «حالة الاضطراب النفسي التي يعيشونها، وظروف الحرب التي سهّلتها، حتى أن بعض قادة الفصائل كانوا يقدمونها لعناصرهم لضمان الولاء وزيادة القدرة القتالية والاندفاع».

ويرى الطبيب أن «عادات سلوكية كثيرة كانت ملحوظة لدى المراهقين بدأت بالتناقص تدريجياً، منها الاهتمام بالموضة واللباس وتسريحات الشعر والكتابة على الجدران والاستماع إلى الموسيقى، ومحاولة لفت النظر، وحتى التنمّر في المدارس والأحياء». ويضيف «إن تسريحات الشعر والذقون بدت شبه متشابهة، وبات من النادر أن ترى اسماً أو حرفاً أولاً لحبيبَين على شكل قلب حب على أحد الجدران، وبات اللباس العسكري أو ما يقاربه باللون والشكل هو الأوسع انتشاراً، أما التنمّر فبات منظماً من خلال الالتحاق بأحد الفصائل والوقوف على الحواجز، وممارسة السلطة كتنفيس عن حالة الغضب التي يعيشها الشبان».

وقد أوضحت دراسة من تموز 2015 بعنوان «حول أوضاع المراهقين السوريين في ظل الحرب»، شملت 120 مراهقاً وحوالي 200 أب وأم وشخصية مجتمعية وأُنجزت في نطاق مبادرة الأمم المتحدة من خلال مؤسسة الرحمة الخيرية، أن 8% فقط من المراهقين يشاركون في النقاشات السياسية، وأن 74% لا يقومون بأي نشاطات خارج المدرسة، وأن 22% منهم تركوا التحصيل العلمي لإعالة أسرهم، و76% منهم يشعرون أن دراستهم مهددة بالانقطاع، في حين قال حوالي 30% ممن قابلهم معدّو الدراسة (بما في ذلك البالغين) أنهم يلجؤون إلى خرق القانون (أي السرقة عادة)، وإلى التمرد والكآبة، في حين ذكر 20% المجموعات المسلحة، و10% ذكروا المخدرات.

وبحسب تحليل المرشدة النفسية إيمان لتلك النسب فإن «الوضع العام للمراهقين يوحي بكارثة»، وعلى الأهالي والمؤسسات المدنية «تفهّم حالة أبنائهم ومساعدتهم في توجيه سلوكهم لتجنب الآثار الخطرة، كما يجب على المنظمات القيام بتأهيل مراكز مختصة بالإرشاد النفسي، سواء في المجالس المحلية أو المدارس والمستشفيات لتقديم العلاج والنصح لأولئك المراهقين، خاصة فيما يخص الإدمان».

صبحي السعيد، مدير مدرسة لأكثر من عشرين عاماً بريف إدلب، قال «إن دَور الإرشاد النفسي مهم جدّاً في هذه المرحلة، إضافة للنشاطات الرياضية والثقافية التي فقدت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما شكل عبئاً إضافياً في التعامل مع فئة المراهقين». يحاول السعيد البدء بنقاشات مع الطلبة، إلّا أن هناك خطوطاً حمراء يصعب تخطيها في الحديث معهم فَرَضَها الأمر الواقع اليوم، خاصة فيما يتعلق ببعض الأمور الدينية أو الجنسية، بحسب قوله، وهو ما أدى إلى غياب الدور الإرشادي الذي يعتمد اليوم على «التنظير وتمييع القضايا العامة دون الدخول في الخصوصيات، خوفاً من الاصطدام مع القوى المسيطرة والأهالي، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالمراهقات».

ورأى الباحث الديني وخريج كلية الشريعة محمد عبد المجيد أن مسألة المراهقة وما ينتج عنها كانت محطّ دراسات دينية كثيرة، فالأصل في معناها اللغوي «مقاربة سن الرشد»، وأنها ذُكرت في القرآن والسنة باصطلاحات كثيرة أهمها التعب والكسل والتكليف والتحميل، مشيراً إلى أن «الاقتراب من النضج الجسمي والعقلي وبلوغ الشبان عمراً معيناً لا يعني محاسبته كرجل، فلا يمكن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى بشكل مفاجئ، وإنما يحتاج الأمر للمرور بمجموعة من التغيرات والوقت». ويكمل عبد المجيد: «إن كثيراً من الفتاوى الخاطئة والأمور التي أشيعت وحُمّلت على أساس ديني تحتاج إلى مراجعة وتثبيت، وإن هناك دوراً لا بدّ أن يقوم به العلماء وخطباء المساجد لتصحيح هذه الأمور، خاصة فيما يتعلق ببعض سلوكيات المراهقة وسن التكليف، إذ لا يقوم الدين على الخوف، بل على الاطمئنان». 

كان للثورة السورية مفعول السحر في عقول ونفوس المراهقين، وانزاحت أشكال صور المراهقة من الحالة التقليدية كالرومانسية والحب والجنس، لتأخذ مكانها صور جديدة من المغامرة والتحرر من السلطة بكافة أشكالها، سواء التمرد على السلطة الأسرية أو المجتمعية وصولاً إلى التحرر من سلطة الدولة القمعية، وكان لهذه الصور أكبر الأثر في تشكل مفاهيم جديدة، إن صح القول، أو تغيرات في صور وسلوكيات المراهق، في سوريا، باستثناء واحد، هو أن «أغصان الآس لم تزر سكان المقابر من المراهقين» الذين تقدر أعدادهم بعشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف منهم، ناهيك عن أعداد مماثلة من المعتقلين والمعتقلات.