طوبى للمحدَّدين

 

حمل يوم أمس الجمعة خبراً سعيداً للاجئين السوريين الذين تم ترحيلهم من تركيا إلى سوريا خلال الحملة الأخيرة لأجهزة الأمن التركيّة في اسطنبول، التي شملت احتجاز وترحيل السوريين من حاملي بطاقة الحماية المؤقتة من ولايات غير اسطنبول، أو من غير حاملي بطاقة الحماية المؤقتة؛ إذ صدر بيانٌ عن الائتلاف الوطني إثر تواصلات مع «الجانب التركي» ليخبرهم أنهم، ببساطة، غير موجودين، وأنهم، أي المُرحّلون، ليسوا إلا «إدّعاءات (...) لا تعكس الحقيقة». أصبح بإمكان المُرحّلين وأهاليهم أن يناموا قريري العين وبأمان تام، فهم غير موجودين في الوجود الائتلافي، هم، «إذا شي»، مؤامرة إعلامية إماراتية.

الحمد لله.. 

يتراءى لقارئ البيان أنه لا وقت لدى الائتلاف الوطني ليضيّعه في التواصل مع الأشقاء السوريين لتبيان الواقع، إذ أن مصادره ومعلوماته مستقاة بالكامل من «الجانب التركي»، وإذا تمكّن القارئ من الوصول إلى السطر الأخير من البيان دون أن تتأثر سلامته الجسدية والنفسية فسيفهم السبب، فالجانب التركي «دولة»، لها «سقف». ضعوا أنفسكم محل فناجين أنس العبدة: من تصدّقون؟ «دولة» (مع كل ما تسببه هذه الكلمة من دغدغة لمشاعر عُشّاق السلطوية) ذات «سقف» تقول إنها ملتزمة «بدقّة» بمبدأ عدم الترحيل؟ (والنبي، مكتوب «بدقّة» في البيان)؛ أم تصدّق سوريين (نعتذر عن جرح المشاعر) يحملون روايات هائلة الحجم عن ترحيلات تحصل فعلاً منذ سنوات، من اسطنبول ومن غير اسطنبول -هذا عدا مسلسلات القنص على الحدود- وزادت وطأة خلال الأسابيع القليلة الأخيرة؟ 

الحال أن بعضنا كثيراً ما قاوم الرغبة العارمة في القسوة على الائتلاف الوطني وغيره من الكُتل والبُنى السياسية المُعارضة، وذلك خشية من التواطؤ مع نزعات عدمية ومُعادية للسياسة، وشتّامة بالمجّان، وظالمة في كثير من الأوقات في اتهاماتها الفيسبوكية وغير الفيسبوكية للمعارضة السورية، فضلاً عن توقّع قدرات وصلاحيات غير متاحة أبداً، لا للائتلاف ولا لغيره. ثمة استسهال لاتهام أيّ منتمٍ للبُنى المُعارضة السورية باللصوصية، أو بالاسترزاق، أو بالخيانة.. اتهامات تتغذى من شعور الناس بالإحباط وبعدم جدوى هذه البُنى والجماعات في حمايتهم من الإبادة والدمار والاستباحة. ليس بإمكان الائتلاف ولا الحكومة المؤقتة ولا الهيئة العُليا للمفاوضات أن يفعلوا الكثير لإنقاذ السوريين من طبقات الاستباحة التي يتعرّضون لها من القاصي والداني، هذا صحيح، بقدر ما هو صحيح أن بإمكانهم، بل أضعف إيمان واجبهم، ألا يكونوا شهود زور على هذه الاستباحة متعددة الأطراف، وألا يكونوا شركاء فيها، وألا يكذبوا، وألا يتواطؤوا في تمييع إلحاق الأذية بالسوريين. 

بإمكان السلطات التركية، ومن خلفها الائتلاف الوطني وغير الائتلاف الوطني من البُنى والجماعات والفصائل العسكرية التي قررت أن خطاب المصالح القومية التركية أولى بالنسبة لها من كرامة وحياة السوريين، أن يُناوروا في تقاريرهم وبياناتهم ليُسمّوا الترحيل «عودةً طوعية»، بحجة توقيع جزء من الناس على أوراق تشير إلى أنهم يعودون إلى سوريا بشكل إرادي، لكن عنف وإهانة وسوء معاملة عناصر الأمن للمُحتجزين في كثير من الحالات الموثّقة، وأحياناً بحماسٍ و«تطوّع» من قِبل العناصر مثير للأسى فعلاً، يجعل كلّ هذه الورقيات غير ذات معنى. كما أنّ الائتلاف الوطني، وغير الائتلاف الوطني، يشهد زوراً عبر الحديث عن  اللاجئين إلى اسطنبول (ومدن رئيسية أخرى يقصدها السوريون بدل الولايات الأبعد والأصغر) وكأنهم متمسّكون بها لأسباب جمالية وكمالية بحتة، للتسلية والمرح، أو كأن طردهم منها هو مجرد إجراء إداري روتيني واعتيادي، وهم المسؤولون عنه. الواقع أن اسطنبول مقصد لأنها تحتوي فرصاً أكبر لإيجاد عمل وتدبير لقمة العيش للاجئين مُحطّمين ومُستنزفين، قادمين من بلد محطّم ومُستنزف. لم يكن الائتلاف الوطني، ولا غير الائتلاف الوطني من كيانات وشخصيات تطوّعت بحماس لكي تفسّر لنا حيثيات وأولويات المصالح العُليا لسقف الدولة التركية، مجبرين على إبداء هذا الازدراء وهذه الاستقالة التامة عن أدنى شعور بمصاب لاجئين مًستضعفين. أكيد أن «الجانب التركي» لا ينقل لهم، في اللقاءات والاجتماعات، المشاهد المؤلمة والمبكية لآلاف العائلات السورية وهم يعرضون أثاث شققهم وبضاعات محلاّتهم بأبخس الأثمان لأنهم مضطرون لمغادرة اسطنبول بأسرع ما يمكن، أثاث وإيجارات وبضائع اشتروها بعرق جبينهم، حبّةً حبّة، غالباً بشروط عمل مجحفة ومُستنزِفة، ودون ضمانات من أيّ نوع؛ في مشوار مؤلم وصعب لإعادة بناء شيء بسيط يمكن تشبيهه بالبيت بعد أن خسروا كل شيء في التحطيم الشنيع الذي عاشوه وعاشه بلدهم على يد نظام البراميل (التحطيم الأسدي الذي يُسمّيه بيان الائتلاف الوطني، ثلاث مرّات في النص نفسه،«حرب»، حاف. كثرة التخفيق بين اسطنبول وأستانة تتغلغل في اللغة، فقيرة الخيال ومعدومة الكرامة أصلاً).

«إجراءات»، «استراتيجية»، «نظام عام»، هي عبارات ومصطلحات واردة في بيان الائتلاف الوطني الأخير، تضاف لأمثال «مقتضيات أمنية»، «مصالح عُليا للدولة» و«دواعي أمنية» من كلمات يُقبل الطيف العمشاتي من المعارضة السورية على استخدامها لتبرير أي شيء تقوم به السلطات التركية بخصوص سوريا والسوريين، أكان في ما يخص شؤون اللاجئين السوريين في تركيا، أو «استراتيجيات» الأمن القومي التركي في مناطق السيطرة العسكرية التركية في الداخل السوري، حيث يظهر أشقاء الائتلاف الوطني من حكومة مؤقتة وجيش وطني وغيرها من البُنى بمظهر مثير للأسى كمُلتحق ثانوي ضعيف وبلا كرامة ولا شخصية، سعيد بإغراق نفسه بكل الرموز الوطنية والقومية التركية والعثمانية (حتى لو كان بعضها متناقضاً فيما بينها.. لما-بعد الحداثة العمشاتيّة مقتضياتها)، وسعيد أكثر باستباحة حقوق وكرامات وأملاك وحيوات سكان تلك المناطق الأكراد. منذ زمن طويل جداً لم يعد هناك أناس وبشر في منطق وكلام المعارضة السياسية السورية، فقط كلام «في العلالي» عن «مقتضيات» و«مصالح» عُليا.. إيكاروس الذي طار فوق شواهق المجالس الدولية وأروقة الوزراء ونواب الوزراء والسفراء، ثم ذابت أجنحته ووقع -يا لسوء الحظ- في مطار سوتشي. 

تُزيّن الأرقام والإحصائيات مقاطع عديدة من بيان الائتلاف الوطني، وكأن من صاغه أراد أن يُثبت للجماهير أنه يأتي بـ«الكلام الصح». من ضمن هذه الإحصائيات رقم يقول إنه في اسطنبول «تم لغاية اليوم تحديد 12474 أجنبياً، أغلبيتهم يحملون الجنسية الأفغانية والباكستانية». من المثير للأسى أن يُستخدم لفظ «تحديد» كتورية عن «اعتقال»، بطريقة مشابهة للغة «مكافحة الإرهاب»، التي تُسمّي الاغتيال «تحييد»، وتسمّي آلاف المدنيين الأبرياء الشهداء «خسائر جانبية». هذا النوع من التوريات دارجٌ بكثرة للتغطية على الاستباحات متعددة المستويات التي يُعانيها السوريون، ومن المُعيب أن تستخدمها جهة مُعارضة سورية. وفي «تحديد المُحدّد»، يُبشّرنا البيان أن غالبية المُحدّدين هم أفغان وباكستانيون، وكأنه يتوقّع أن هكذا معلومة يجب أن تُطفئ القلق وتزرع الطمأنينة.. آه أفغان وباكستانيين، بسيطة؛ اعتقدنا أن المُحدَّدين بشر! 

الواقع أن سيلاً متواصلاً لا ينضب من البيانات والتقارير الحقوقية يُدين، كل شهر تقريباً، ترحيل أفغان إلى بلادهم، لأنها غير آمنة. بالضبط، بالحرف، بالكلمة، الكلام نفسه الذي يُقال في أوروبا لمواجهة مُطالبات اليمين البوتيني بترحيل السوريين إلى ما تحت «سقف الدولة الأسدية». وعدا ذلك، الأفغان والباكستانيون مُعتّرون مثلنا، شركاؤنا في دروب التعتير والهمّ والترحال والاستباحة، ومواجهة العنصرية والتمييز والعنف البنيوي ضدنا كلاجئين، اقتصاديين أم سياسيين أم إنسانيين. باسم حصّتي وحصّة كثيرين ممن أعرف من المعارضة السورية أعتذر من كلّ قلبي لأشقائنا الباكستانيين والأفغان على قلة الأدب هذه... هذا الائتلاف أخفّ ما جُني علينا به (بكل معاني الخفّة الممكنة)، وواللهِ لا نودّ أن نجني على أحد...