عقوبات مؤلمة للجميع

 

تبدو الإدارة الأميركية عازمة على المضي في سياسة العقوبات الاقتصادية على طهران، ولا تزال هذه العقوبات تأخذ منحىً تصاعدياً رغم الأضرار الاقتصادية الفعلية والمحتملة التي تلحق أطرافاً كثيرة جرّاءها، إذ تمتدّ تبعاتها وآثارها تباعاً لتشمل دولاً ومؤسسات عديدة حول العالم، دون أن يبدو واضحاً ما إذا كان سلاح العقوبات سيُخضع إيران فعلاً.

وقد انعكست هذه العقوبات على أداء الاقتصاد الإيراني الكلي وزادت من مشاكله، إذ ارتفعت معدّلات التضخم وعادت العملة للانهيار، كما تراجعت معدلات النمو بشدّة، وانكمش الناتج المحلي وتراجع ميزان الصادرات، ما أوقع البلاد في موجة جديدة من التعسّر الاقتصادي، لا سيّما في أعقاب القرار الأميركي بإلغاء الإعفاءات الممنوحة لثماني دول مستوردة للنفط الإيراني مطلع أيار/مايو الحالي، بغية تضييق الخناق على طهران بشكلٍ أكبر وصولاً إلى تصفير صادراتها النفطية، وسوقها إلى طاولة المفاوضات مجدداً.

وكانت العقوبات الأكثر إضراراً بالاقتصاد الإيراني هي المتعلقة بقطاع النفط، إذ انخفضت الصادرات في مارس/آذار الماضي إلى 1.1 مليون برميل يومياً، أي إلى أقل من ثلث الصادرات النفطية قبل إعادة فرض العقوبات، التي كانت تجني منها إيران 52.7 مليار دولار في عام 2018 وحده بحسب أوبك، أي ما يعادل نصف حجم عائد الصادرات الإيرانية الكلي.

في مواجهة ذلك، لا تملك طهران أوراقاً اقتصادية مؤثّرة، والتصعيد الوحيد الممكن من قبلها سيأخذ شكل الابتزاز الأمني والعسكري عبر أذرعها في المنطقة، مع السعي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج. أمّا الخطوات المتعلّقة بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم فهي لن تجدي نفعاً، وقد تسببت بالفعل بخسائر سياسية لإيران، نتيجة تراجع موقف الأوروبيين الداعم لها في وجه العقوبات الأميركية.

كذلك فإنّ جميع التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز غير واقعية، ولا تجرؤ طهران على تنفيذها تحت أيّ ظرف، لأنّ ذلك يُهدّد اقتصادات جميع الدول المستوردة والمصدّرة للنفط، وهو في حال حدوثه سيمكّن الولايات المتّحدة من حشد توافق دولي على عمل عسكري تسعى طهران لتجنبه، ويكفي هنا أن نعلم أنّ 40 بالمئة من الإنتاج العالمي للنفط يمرّ عبر المضيق، كما أنّ الاقتصاد الإيراني نفسه سيتضرّر من إغلاق المضيق الذي سيؤدي إلى حرمانها من عوائد تدفّق التجارة عبره.

ولكن بالمقابل، ليست إيران وحدها من يتضرّر أو سيتضرر من العقوبات الأمريكية على أرض الواقع، إذ يبدو اليوم أنّ الحفاظ على ثبات سعر النفط العالمي، كما تعهّد ترامب، غير ممكن، وذلك بسبب حتمية تراجع المعروض النفطي وتذبذب الأسواق، وعدم قدرة فنزويلا وليبيا ونيجيريا على مواصلة التصدير بشكلٍ مستقر نتيجة الظروف السياسية والعسكرية في هذه البلدان. وبالفعل، فقد ارتفع سعر خام برنت إلى 74.34 دولاراً للبرميل بعد يومٍ واحد فقط من إلغاء الإعفاءات الأميركية، كما أنّ القدرة على تعويض غياب إيران عن سوق النفط العالمي ليست مضمونة رغم إبداء السعودية والإمارات استعدادهما للتكفّل بذلك بموجب طلب أمريكي، خاصة أن النفط الأميركي من النوع الصخري، ويتطلب امتلاك الدول المستوردة محطات تكرير وبنى تحتية باستطاعتها التعامل معه، ما يعني أن العبء الأكبر سيترتب على السعودية والإمارات.

كذلك، تضررت وستتضرر الدول والشركات الأوروبية، لا سيّما في ألمانيا وفرنسا اللتين انفتحتا على السوق الإيرانية واستثمرتا فيها المليارات بعد توقيع الاتفاق النووي، في قطاعات النقل والتسويق وتطوير وتشييد الموانئ والمطارات ومدّ السكك الحديدية وصناعة السيارات، كما أنّ ارتفاعاً محتملاً في أسعار النفط سيتسبّب بأزمة للدول الصناعية الغربية.

بالنسبة للعراق، وعلى الرغم من الاستفادة المتوقعة من زيادة مبيعات النفط، لا سيّما بعد بدء محادثات تركية عراقية جدية في هذا الشأن، فإنّ العقوبات على طهران ستحرم العراق من توريدات الغاز الإيرانية، ما يعني خلق أزمة حقيقية في قطاع الكهرباء العراقي، المعتمد إلى حدٍّ كبير على الغاز الإيراني. كما أنّ السوق العراقية تعتمد بشكل رئيسي على المنتجات الإيرانية في مختلف القطاعات المعيشية والخدمية، ويربط البلدين ميزان تجاري قيمته 13 مليار دولار، وكان مُرشّحاً للوصول إلى 20 مليار دولار، كما يعوّل العراق على الجانب الإيراني في مشاريع إعادة الإعمار المزمع تنفيذها.

تأثيرات غياب الغاز الإيراني ستمتدّ أيضاً لتشمل دولاً مثل تركيا وأذربيجان وأرمينيا، التي ترتبط بعقود طويلة الأمد لتوريد الغاز من طهران، ومن الصعب تكييف قطاع الكهرباء التركي مع غياب الغاز الإيراني الذي يعتمد عليه إلى حد كبير نسبياً، لا سيّما أنّ الاستيراد من دول أخرى مثل الجزائر وروسيا سيكون أكثر كلفة. ولكن يبقى أنه على الرغم من الرفض التركي للعقوبات، إلا أن أنقرة لا تبدو قادرة على تجاهل القرار الأميركي، حتى أنها أوقفت استقبال شحنات نفط إيرانية في موانئها.

أمّا بالنسبة للصين، ورغم أنّ تحوّلها عن النفط الإيراني نحو السعودية والإمارات سيعزّز من فرصها الاستثمارية في هذه الدول، إلا أنها قد تضررت فعلاً. وقد تستطيع الصين مواصلة شراء النفط الإيراني خارج السوق النظامية بأسعار متدنية، إلا أنّ العقوبات أدت إلى تراجع حجم ما كانت تستورده من النفط الإيراني، والذي كان يبلغ قبل العقوبات نحو مليون برميل يومياً بأسعار تنافسية ومزايا شحن وتأمين مريحة. كذلك فإن إخضاع إيران سيشجع ترامب على المضي قدماً في استخدام سلاح العقوبات في حربه الاقتصادية مع الصين، بعد أن يؤتي ثماره مع الدولة الأكثر تشدّداً وتحمّلاً للضغوط الأمريكية.

روسيا بدورها متضرّرة من التصعيد الأمريكي الحالي، فعلى الرغم من كونها دولة مصدّرة للنفط، وستكون بالتالي من الدول المستفيدة اقتصادياً من هذه العقوبات وما تسببه من ارتفاع أسعار النفط، إلا أنها ستكون قد خسرت سياسياً إذا ما بدا أنها الطرف الذي يحلّ مشكلةً تتسبّب بها الولايات المتحدة، لأن هذا سيعني أنها ستكون واحداً من الأطراف التي تخدم السياسة الأميركية حيال طهران، وهو ما سيضعف موقفها بالمعنى الجيوسياسي.

إضافةً إلى ذلك، سينعكس التعثّر الإيراني الاقتصادي على الوضع في سوريا، بسبب تهديد مصادر تمويل الميليشيات المقاتلة على الأرض، وقد تضطر إيران لسحب بعضها في حال العجز المالي، حتى أن مسؤولاً في حزب الله قد كشف فعلاً عن اضطرار الميليشيا لسحب بعض مقاتليها من سوريا بسبب نقص التمويل القادم من طهران بفعل العقوبات. ولن يكون هذا في صالح روسيا رغم عدم رضاها الكامل عن شراكة إيران في سوريا، فهي غير قادرة مالياً على صرف مزيد من المال في الحرب السورية بسبب أزماتها الاقتصادية الداخلية والعقوبات الأميركية التي تطالها هي الأخرى، وأيضاً لأنها لا تريد زجّ جنود لها على الأرض بدلاً من إيران.

ويمكن القول إنّ الولايات المتّحدة نفسها ستكون قد تكون متضرّرة من استخدام سلاح العقوبات بهذه الطريقة، لأن هذا السلاح الذي يستخدمه ترامب بشكلٍ غير مسبوق، وضدّ أكثر من دولة، لا سيما الصين وروسيا وفنزويلا، يمسّ بمكانة الولايات المتّحدة بوصفها الدولة الضابطة لإيقاع الاقتصاد العالمي، وسيدفع لإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية لدول العالم، خصوصاً الغربية، مع الولايات المتحدة، والاتجاه أكثر نحو بناء أُطر وتكتّلات اقتصادية قادرة على الانفلات من القبضة الأميركية الممسكة بتلابيب الاقتصاد العالمي.

كما أنّ الولايات المتحدة تعدّ بين أبرز مستوردي النفط في العالم، وارتفاع أسعاره ليس في مصلحتها، وهي تدرك تماماً أنّ العقوبات قد تفشل، لأن إيران باتت دولة مختصة في التجارة الموازية والأسواق السوداء، وقد يجنّبها ذلك بعضاً من أثر العقوبات، كما أنّ ارتفاع أسعار النفط بسبب غياب إيران ستستفيد منه إيران نفسها من خلالها تجارتها النفطية في الأسواق الموازية.

صحيحٌ أن طهران تواجه أوضاعاً بالغة السوء جراء الإجراءات الأميركية، وأن سياساتها العدوانية في المنطقة تواجه احتمالات تراجع وفشل متزايدة، إلا أنها بموقعها الاستراتيجي ومواردها الوفيرة ونفوذها الإقليمي وشبكة علاقاتها الاقتصادية، ليست اللقمة السائغة التي تخيّلها ترامب، وهي لن تنقاد بسهولة إلى التفاوض قبل تنازلات أمريكية مقابلة، طالما أنّها قادرة على الصمود في معركة اقتصادية تتمرّن على خوضها منذ أكثر من ثلاثة عقود. أما احتمالات الحرب، فإن لها حسابات أخرى يشكل الاقتصاد تفصيلاً واحداً فقط من تفاصيلها المعقدة.