عن العراق كجغرافيا عاطفية

 

تفحّصتُ بعناية ملامح الثائر العراقي «صفاء السراي»، وتمعّنتُ في تلك السكينة والثقة اللتين تغمران وجهه باعتدال، ولم أمنع نفسي من رسم سيناريو مختزلٍ أضبط به زمن انغراز القنبلة الغازية في رأسه وتحطيمها لجمجمته. ربما كان يصرخ قبل أن يتفشّى غاز الدموع في رأسه: عاش العراق، وربما ترك جسده لإيقاع «الهوسة العراقية»، ورفعته حماستها أعلى بقليل من رفاقه، فاختارته القنبلة في سقوطها الموجه. ربما كان شارداً يغمره لحن أغنيةٍ قديمة لـ«ياس خضر» يصف فيها زهر البنفسج، ويحاول في شروده ذاك أن يستبدل الحبيبة بالعراق، ويقول: «ترخص وأغلّيك وأحبك»، وقبل أن يكتشف سهولة استبدال العراق المُذكّر بالحبيبة الأنثى، ويلاحظ غياب التأنيث في الأغنية العراقية، عاجلته القنبلة الغازية وقطعت شروده واللحن.

لكن، وبينما كنت أرتب هذه المشهديات العزائية لهذا الشاب، خجلت من فيض الحزن الذي انتابني، وكأنني أدّخره عمداً لأبناء شعبي وأصدقائي المطاردين حول العالم، وأسأل: كيف يطفح مني هذا الكم من الحزن كما لو كان حزناً مهدوراً، إلى أين وصلت بنا هذه الجريمة المعلنة! حتى بتنا نفاضل على مشاعرنا ونشعر بالذنب إن نحن اقتسمنا حزننا مع شأنٍ آخر غير الشأن السوري؛ هل أصبحنا رهبان كارثتنا؟ هل استحالت المقتلة السورية إلى ديانةٍ تُملي علينا شكل الحزن ووجهته، وكأنه عبادة! على هذه الحال قد نحتاج في المستقبل الى توزيع مشاعرنا في مخصصاتٍ وتبويبها: باب للحبيبة، باب العائلة، باب للشأن العام، وباب لطوارئ علم النفس!

بالعودة الى الشاب الثائر صفاء، وقبل الدخول في متاهات توصيف ما يحدث في العراق؛ أهو حراك أم انتفاضة أم ثورة، وهل من فرق جوهري حقاً في إطلاق وصف «الثائر» عليه إن كان ما يحدث في العراق، على سبيل المثال، «حراكاً» لا يختلف بطابعه ونتائجه عن «الحراك» في لبنان، وجدت أن الثائر استعمالٌ للعاطفي، يمثّل في معناه أقسى درجات المواجهة مع الظلم والطغيان، وهو ما يختلف كلياً عن استخدام عبارة الناشط، رغم أنّ هذا الثائر هو ناشط بالفعل، ولكنّ هذا الاستخدام يظهر التمايز بين الحراكين أو الثورتين؛ بين لبنان والعراق، وهو الطبيعة العراقية البارعة في تحفيز مكامن الحزن، وفي دفعنا للغوص في حالة من التطهير الذاتي؛ على شكل استعادة خيباتنا وشهدائنا وتخضيبهم بمفردات حزن عراقية، وكأن أحزاننا تظل دوماً ناقصة، ولا يمكن أن تكتمل إلا بالشجن العراقي.

أنا كسوري من شرق سوريا يمكنني أن أتفهّم تلك الاستعادة جيداً، وآلف هذا الاتكال على تراجيديا أكثر خبرة بالحزن لأتمثل بها ما يعنيني، فاتصالنا الجغرافي بالعراق بمعناه الحدودي قد لا يمثل إلا جزءاً بسيطاً من الحكاية، وقد لا يشكل أهميةً قصوى إذا ما قورن بالامتداد الجغرافي العاطفي للعراق فينا. ثمة توأمة سيكولوجية لطقوس الحزن الجماعي، وإذا كان العراق بأكمله يمثل صورة تراجيدية تستعيد بها المنطقة العربية انكساراتها وآلامها في موجة الربيع العربي الأولى، فنحن في دير الزور كنا نعيش ذلك التمثل في يومياتنا: أذكر أن أمي لم تكن تفوت مجلس عزاءٍ حتى وإن لم تكن تعرف الميت أو ذويه، كانت تذهب لتبكي موتاها هي، ومثلها كثيرات كنّ يقتطعن من مصاب الثكالى حزنهنّ الخاص بهنّ. لم نكن ندرك تلك الدلالات الحسينية في قدرة أم الميت أو أخته أو زوجته على جعل الساعات والدقائق التي تسبق الموت مؤلمة الى هذه الدرجة، وزاخرة بأدق التفاصيل، ولكن بعد احتلال العراق عام 2003 وانتشار برامج التشييع في المنطقة الشرقية، بدأنا نلحظ تلك المشتركات التوأمية، والنبرة الكربلائية في أحزاننا.

لم تذهب بي صور وأخبار الاحتجاجات العراقية فقط نحو خلق تقاطعات دموية مع بدايات الثورة السورية، بل أخذتني إلى ما هو سابق للثورة السورية بسنوات، ومنحتني الفرصة لأعيد ترتيب ذاكرتي كسوري تجاه العراق، فكأيّ بلدٍ جار ثمة تداخلات اجتماعية محكومة بالاتصال بالجغرافي، وأيضاً نتيجة الطبيعة القبائلية والعشائرية التي فرضها نمط العيش في هذا الامتداد المناخي شبه الصحراوي، غير أنّ العراق بالنسبة لمدينتي لم يكن يمثل هذا الاتصال القدري فقط، فقد كنا كمدينةٍ مهملة وهامشية بالنسبة لحكام سوريا نتصل بجغرافيا عاطفية مع العراق. في النبذ تكون المدن كالناس، تحاول تركيب معادلات عاطفية تجعلها مقبولة، وتمنحها توازناً داخلياً، وفي عصر الشموليات العسكرية كنا نقع في الوسط وكان علينا انتقاء الشمولية الأقرب إلى تكويننا الوجداني، فكنا بالوجدان أقرب الى شمولية «صدام حسين»، رغم أنّ المفاضلة كانت بين ديكتاتورين، فإنّ الغلبة كانت للديكتاتور الأكثر سُمرة؛ صاحب الشارب العريض، والسلوك الذكوري المفرط الشبيه بآبائنا وأعمامنا، وليس من المستغرب وقتذاك ملاحظة أنّ المدينة وريفها يعجان بصبيةٍ يحملون اسم صدام، بينما لم تفلح ديكتاتورية حافظ الأسد وتأثيراتها الموازية بالنفاد إلى وجداننا مثلما فعلت ديكتاتورية صدام حسين.

وأقصد هنا بالتأثير الموازي ما تنطوي عليه المرحلة السياسية من تأثير ثقافي وفني؛ إذ لم تفلح سلطة الأسد في جرنا عبر الثقافي والفني إلى مساحته الإيديولوجية. أما عن صرح صدام الشمولي، فقد كانت ديكتاتورية نحب أغانيها ونعلق صور مطربيها في غرف نومنا، ويعرف حتى غير المختص فينا الفرق بين الأغنية الريفية وبين الأغنية المدينية.

كانت دير الزور أشبه باشتقاق عاطفي عن العراق، يعيش سكانها داخل مناخ وجداني لكنته عراقية، بل يمكنني القول إنه اتكال شبه كامل على اللغة التعبيرية والفنية، يبدأ من ملصقات الخواطر الشعرية على زجاج حافلاتها ودراجاتها النارية ولا ينتهي عند «چراديق» النهر وبكائيات مخموريها (الچرداق لفظة محلية في دير الزور تُطلق على المطاعم التي تحاذي النهر وتقدم الكحول لزبائنها). هذه المدينة المنسية في سوريا كانت تعج صباحاتها بـ«نخل السماوة» وتقاس المسافات بين عشاقها بصيحات «الريل وحمد». وعلى الرغم من إصرار حافظ الأسد على الحضور الديكتاتوري في أصغر صفٍّ دراسيٍّ في أبعد مدرسة في أقصى ناحية من المنطقة الشرقية، إلا أننا كنا نبدو لسلطة المركز ومدنه الرئيسية كبعث عراقي في سوريا.

اليوم أعادتني الأغنيات والأهازيج العراقية في ساحة التحرير وعلى جسر الجمهورية لأطلع على تكويني الوجداني والعاطفي. أعادتني المظاهرات الى أول شريط «كاسيت» أهديته لأول محبوبة، ولا أدري إن كنت أعي حقاً ما ضمّنته من أغانٍ لتلك المراهقة المسكينة ذات الستة عشر عاماً، وكيف لها أن تحتمل كل تلك الصور العزائية وذلك الحب الاضطهادي ليقول لها مراهقٌ مثلها: «بحشاشتي سهمك مضى، وعُگبك علي ضاگ الفضا»، أو أن يقول لها: «مثل فزّة طفل روحي تفز لو سمعت بطرواك» أو: «يا مدلولة شبقى بعمري، غير الألم والحسرة، جسمي عايش ببغداد، وروحي ساكنة البصرة».

ومع أن هذه الذكريات هي انتقاءٌ عشوائي، إلا أنه يدلّل بقوة على تركيبة العالم الوجداني للسوريين في المنطقة الشرقية، والذين هم على اتصال عاطفي مع لغة العراق وأهله؛ عالمٌ يُمجّد الألم ويحتفي بالجرح ويقيس الحب على مقياس شدة المعاناة، وبه يُدلل على مدى ولهه بأي شي، ولذلك أتفهّم جيداً لماذا نشر أصدقاء صفاء السراي بعد قتله صوره مع والدته حياً ومفعماً بالنضال وبالحياة. هذه الصور هي الخلفية التحفيزية لينال حقه من خلاصة الألم، ولنجد عبر صوره الحية الطرق الأمثل لاستعادة آلامنا الخاصة، ليس كعراقيين فقط، وإنما كأشخاص شكّلَ فنُّ العراق وإرثه وجدانياتهم وسماتهم العاطفية.

لكن، وعلى صعيدٍ شخصي، ليس كل شيءٍ شكلته امتدادات الجغرافيا العاطفية للعراق في عوالمي العاطفية هو إيجابي بالمطلق، فقد حجبتْ عني طقوس الحزن الجماعي وسيكولوجيا العاشق المضطهد واللغة الكربلائية التعبيرية، مساحاتِ التجريب في عوالم عاطفية مختلفة، فجيلنا لم يكن يجرؤ على إشهار إعجابه بمحمد منير على سبيل المثال، ولا بعمرو دياب، ولا حتى بكاظم الساهر؛ فلكي تدخل نادي «السمّيعة» عليك أن تُبعد عنك شبهة الاستماع لأيٍّ من هؤلاء، وأن تبقى مخلصاً للعمق المتجسد في لغة المعاناة وتمجيد الألم المتمثلة بالأغنية العراقية الكلاسيكية بمعناها الحضري والريفي، أو أن تنضم لطائفة «السذّج» السطحيّين سمّعية «الطقطوقات»، ولقد كان الحِمل مضاعفاً عليّ بما أنني اغني؛ إذ كان عليَّ أن أثبت ولائي لتلك «المازوشية» العاطفية في كل سهرة، وأن أغنّي على مسامع «السمعية» مقام «المحِمِّداوي»، وشيئاً من مقام «الدشت العراقي». لا أنكر مدى الروحانية وحجم التجلي الذي ينتابني خلال غناء هذين المقامين، لكن كان عليّ يوماً مغادرة هذه الجغرافيا، ومع مغادرتها دخلتُ مساحاتٍ تعبيرية مختلفة، محتفظاً باتصال عاطفي تكويني معها.

وهناك، في العاصمة دمشق التي انتقلتُ إليها، لازمني ذلك الإحساس بتقييم المزاج الفني والعاطفي لدمشق، ربما أصبحت بعد سنة أو سنتين أكثر انفتاحاً على مساحات تعبيرية عاطفية، وأقلّ تشدداً لناحية العمق وتمجيد الألم في الأغاني، غير أنه مع تزايد أعداد اللاجئين العراقيين في دمشق عقب الاحتلال الأميركي والحرب الأهلية الطاحنة التي عصفت بالبلاد وقتذاك، عادت خبرتي الوجدانية التي اكتسبتُها على مدى سنوات في مدينتي لتفرض نفسها بشكلٍ مختلفٍ كلياً هذه المرة، وأصبحت هذه الخبرة العاطفية التي مدّني العراق بها على مدى سنوات، شكلاً من أشكال التواصل مع جموع اللاجئين العراقيين في سوريا، وخاصةً في دمشق.

كان جيراني اللاجئون تلتمع عيونهم فرحاً عندما أخبرهم بأنني أعرف مجمل مواويل «حضيري أبو عزيز» و «محمد الگبنچي»، وكنت أشعر بقلوبهم تنتفخ عندما أخبرهم أنني لست الوحيد الذي يعرف ذلك، إنّما هناك مدينة على ضفاف الفرات معظم سكانها يحفظون مواويل «الگبنچي» و«يوسف عمر»، ويعرفون كم تتقن «زهور حسين» مقام «الدشت» العراقي.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ «صعاليك دمشق» بدعوة وجوهٍ من النخب العراقية المثقفة إلى سهراتهم، وهنا أخذت هذه الجغرافيا العاطفية بالتمدّد في دمشق، لتتجاوز تلك المعرفة المحدودة باتساع وجدانية العراق، وأن العراق العاطفي هو أكثر بكثير من «الطيور الطايرة» لسعدون جابر، ومن «عار الشيب» الذي يلازم ناظم الغزالي، وتمنيات و«سلامات» حميد منصور. أصبحوا يعرفون أن هناك في العراق رياض أحمد وفاضل عواد وحسين نعمة وقحطان العطار والگبنچي وحضيري أبو عزيز وزهور حسين ووحيدة خليل ويوسف عمر، بينما كنت أنا بينهم بكامل الاسترخاء، وكأنني عراقي الأصل سوري الجنسية، ولم أعد مضطراً لتبرير قوة الفرات ومدى الامتداد العاطفي للعراق فينا.

أذكر أن أحد أصدقائي من مخيم اليرموك عندما سمعني أغني «يا نجوى» لسعدون جاير، قال لي: «المشاعر بهي الغنية هي مشاعر آلهة مو مشاعر بشر». أحالتني كلمات صديقي الفلسطيني اليوم إلى القدرية الميثولوجية العراقية، والتي تعيد بعث الحسين منذ الأزل؛ في كل مرةٍ تغيب فيها العدالة وتنعدم الحلول السياسية. وحتى لو اختلفنا حول ما يحدث الآن في العراق، أهو انتفاضة أم احتجاج أم ثورة، إلا أنّ الوجدانية العالية التي تلفّ الحراك تشي باستعادة جديدة لمظلومية الحسين. وحسين هذه الانتفاضة يبدو كصورة عزائية عن العروبة المغدورة، وحتى لو اكتفى الحراك بإشاراته البكائية على العروبة فهو يدلل على وضع أسس وطنية جديدة للمواطنة العراقية، غير أن تاريخ العراق قد لا يسمح لنا بإجراء اختزال للوجدانية السياسية العراقية بشخص الإمام الحسين لأن مَواكب النواح على الحرية والعدالة سبقت قتل الحسين بأزمان طويلة تعود إلى مواكب النواح التي كانت تخترق بوابة عشتار حزناً على الإله تموز المسحوب قسراً الى العالم السفلي؛ عالم قوى الشر والظلام ولا معين له فيه إلا نواح وندب عشتار وشعبها لكي تمده بالقوى اللازمة للانتصار على الظلام والشر. ولا يهم هنا إن أسمينا الحسين تموزاً آخراً أو أسمينا تموز حسيناً أولاً: المهم أن العراق يُجري استعاداتٍ عديدة.

وإن كان غياب العدل ومغادرة البركة والوفرة سبباً بتسيير مواكب النواح لتحرير تموز، فالبراعة التراجيدية العراقية أحالت تموز إلى مظلومية الحسين، وسيرت مواكبها الحزينة نحو ذكراه كرمز للعدالة الغائبة، وحتى لو كانت العروبة تمثل استعادة لرمزية الحسين في هذه الانتفاضة فلا فرق؛ فكلهم في المقام العراقي حسين وكلهم تموز، لكن العروبة كرمزية حسينية تأخذ هنا موضعاً حساساً، خلال تماسها مع التغول الإيراني ورموز سطوته على العراق. وهنا تبدو العروبة كحسين شهيد؛ تشيّعه مواكب الحرية والعدالة في ساحة التحرير؛ الحسين العروبة الذي يصدره العراق كامتداد جغرافي عاطفي يتجاوز حدود الجوار، ليمتد كجغرافيا عاطفية داخل مساحات الربيع العربي بوصفه تجاوزاً وتفوقاً على الخطاب الطائفي الذي غذى صراعات المنطقة الإقليمية لسنوات طوال؛ عروبة الشيعة العراقيين التي تدوس صور خامنئي وقاسم سليماني، وكأن العروبة هي مظلومية العراق الجديدة. وساحتها ليست محدودة بميادين كربلاء، بل إنّ ساحتها كل الميادين العربية، وعلى هذا فإن الحب أن أقول للعراق «أحبك»، أما العاطفة فأن أقول له «أحبّنّك».