عن الوطن

برونو لاتور فيلسوف فرنسي ومفكر تمتد كتاباته عبر نطاق واسع من الاهتمامات والتخصصات، كالأنثروبولوجيا وعلوم البيئة وعلم اجتماع العلم، ويتمثل منجزه بالأساس في تقديم ما يُعرف بنظرية الفاعل والشبكة في علم الاجتماع، وكذلك في تقديمه للتاريخ البيئي ركيزةً أساسية للتحليل الاجتماعي، وهو ما يتكامل مع موقفه المناهض لمذهب البنائيين الاجتماعيين في دراسات العلوم، بسبب اعتقاده أن النقد الجذري للمعرفة العلمية أدى إلى دعم منكري تغير المناخ، وهو موقف عبر عنه في مقال شهير أثار بعض الجدل عنوانه «لماذا فقد النقد كل فعاليته؟». أشهر كتب لاتور «حياة المعمل: بناء الحقائق العلمية» و«لم نعرف الحداثة قط»، والأول دراسة أنثروبولوجية لمجتمع العلماء داخل أحد مختبرات المخ والأعصاب، أما الثاني فمقالة تتناول بالتحليل مسائل العلم والأيديولوجيا والتغير المناخي.

في المقال الحالي يضع لاتور أمام قرائه سؤالًا طموحًا: هل يمكن استعادة مفهوم «الوطن» دون حمولته القومية الكلاسيكية التي تستدعي حفيظة الليبراليين، ودون رفض الآخر الذي يؤسسه في عقيدة القوميين الجدد، وفي الوقت نفسه دون الارتداد إلى موقف «لودي»1 (Luddite)؟ وبالأحرى هل يمكن أن يكون مفهومًا ما للوطن ذا أهمية لعصرنا الحالي إلى حد أن استعادته يجب أن تكون في القلب من برنامج سياسي؟ في محاولته لإجابة هذا السؤال يمر لاتور مرورًا سريعًا وإن تميز بجدة المنظور على قضايا متنوعة كأزمة المهاجرين وعثرات الديمقراطية واضطراب النظام الرأسمالي وصعود اليمين المتطرف وتدهور الوضع البيئي للكوكب، ويدمجها جميعًا لتؤشر إلى مقصده: لم يعد الإنسان يجد مكانًا ثابتًا للوقوف لأن الأرض تتضاءل وتهزل، ماديًا ومعنويًا، ولذا ينتفض الكوكب.

عنوان المقال بالألمانية:

„Der Planet rebelliert. Der Boden unter unseren Füßen schwindet‟

وهو في الأصل مكتوب بالفرنسية وترجمه للألمانية مايكل أدريان.

بتاريخ 13 مارس/ آذار 2019، على موقع تسايت أونلاين (Zeit Online).

  • 1. تعود التسمية إلى عامل انكليزي يدعى "جون لود" ، يقال أنه حطم نولي نسيج عام 1780، ولم يتم التحقق إن كان شخصية حقيقة أم لا، فقد وقعت رسائل باسمه عام 1811 تهدد أرباب الصناعة النسيجية بتدمير صناعاتهم، فأصبح جون لود بذلك قائداً متخيلاً لحركة كبيرة، في سياق كان ليسقط فيه قائد معلن بسرعة، ضحية للقمع. وتستخدم كلمة لودية للدلالة على من يعارضون التقانات الحديثة أو ينتقدوها، حتى أنه يتم حالياً الحديث على":نيولودية". في ذلك السياق، كانت الثورة الصناعية قد قلبت انكلترا في بداية القرن التاسع عشر، وبدأ بعض حرفيي الصناعة النسيجية المهرة والأهم تقنياً من العمال في مصانع أخرى بالانتفاض ضد مكننة الصناعة والأنوال التي أضحت تهدد أرزاقهم.

*****

لا تعرف اللغة الفرنسية مقابلًا دقيقًا لكلمة «وطن» (Heimat) التي لا تكف عن إثارة النقاش في ألمانيا، وتذكرني هذه الملحوظة بسلسلة أفلام بنفس الاسم للمخرج الألماني إدجار رايتس. كانت هذه الأفلام مبهرة لأنها جسدت لي ألمانيا وبثت فيها الحياة، بينما لم أكن أعرف عنها إلا بعض الأفكار المجردة والكليشيهات، مثلي في ذلك مثل أي مواطن فرنسي صالح بعد الحرب.

لكن أفلام «الوطن» كانت علاجًا فعالًا لجهلي، وأستطيع تلخيص هذه الفعالية في قدرة الأفلام على إشعاري بالانتماء لبلد أجنبي بوساطة عمل فني، وقدرتها على الزج بمشاهدها في عوالم هذا البلد، إلى حد أن يرى في مواطنيه جيرانًا ومعارف. لطالما تخيلت نفسي جالسًا في قطار بألمانيا ومنهمكًا في الحديث مع ماريا عن حياتنا في شاباخ، أو تصورتني جالسًا للتندر على ذكريات طفولتي في هانسروك مع بول أو إدوارد.1

لا أعتقد أن كلمة «وطن» تفترض أو تتطلب نوعًا من الهوية أو قرابة الدم، لكنها تشير إلى نوع من الوساطة يسمح للمرء بأن يقبض مجددًا على المعنى الوجودي للانتماء إلى مكان متعين.

عاد السؤال عن الوطن الآن ملحًا في كل مكان، لا في ألمانيا وحدها، ويعنى هذا أننا نعيش على اختلاف بلداننا في أزمة ويخيم علينا الشعور بفقد الهوية والأرض والوطن. يسمي جلين ألبريخت هذا الشعور بالفقد «سولاستالجيا»2، على غرار «النوستالجيا» التي يعرفها الجميع، وهي الشعور الإنساني والكوني الذي يدفع المرء للضحك أو البكاء بإزاء ذكرى من ماضٍ قد ولّى. لكني سأورد هنا التعبير الذكي الذي استخدمه سيمون سينيوريه عنوانًا لسيرته الذاتية: «حتى النوستالجيا لم تعد كما كانت»، فلم نعد اليوم ننتحب على ماضٍ ضائع، وإنما على أرض تتضاءل تحت أقدامنا، ومعاش يُقتلع تدريجيًا من جذوره. السولاستالجيا إذًا هي شعور المرء بحنين لوطنه الذي لم يتركه، إنها حنين للوطن في الوطن، وهذا هو التأثير العنيف للظرف البيئي الراهن: أزمة المناخ واضمحلال التنوع الحيوي والتبور التدريجي للكوكب، كلها أشياء تدفعنا للجنون.

لا أظن مثلًا أننا نفهم الدلالة الكاملة لأزمة المهاجرين لو لم نضع باعتبارنا هذا الشعور العام بالفقد. يشهد تاريخ الهجرات في أوروبا على قدرة الناس، في حال كانوا يشعرون برسوخ الأرض تحت أقدامهم، على استيعاب آخرين سيقوا إلى خارج بلادهم بسبب الحروب أو المجاعات أو الكوارث البيئية. اليوم يسعى أناس سُلبت أراضيهم للاستقرار بجانب أناس يشعرون أن أراضيهم مسلوبة دون أن يغادروها، وهكذا يبدو كما لو أن الجميع مهاجرون، وتبدأ الأزمة بصدام مهاجري الخارج مع مهاجري الداخل، أو صدام المجتثين من أوطانهم مع من تركوا أوطانهم دون أن يرحلوا عنها.

تزداد صعوبة الأزمة باتفاق الجميع أن حليها التقليديين قد أخفقا. يمكن أن نسمي الحل الأول من هاذين «الحل العولمي»، وهو الذي يلح علينا للسعي حثيثًا نحو الأفق الألِق للعولمة، ووضعه نصب أعيننا، وتناسي قيودنا البالية والانسلاخ عن روحنا المحلية، من أجل الانضمام إلى المسيرة الهائلة لائتلاف العالم. لكن كيف نصبح مواطنين لعالم نشك في وجوده؟ تقوض أزمة كوكبنا اليوم أي إيمان بعالم يضمن الرخاء لكل مواطنيه ويوفر الموارد اللازمة لوعود العولمة، فينتفض العالم، بدلًا من تقديم الرفاه الكافي لجماهير مدعوة إلى مزيد من الانفتاح، ويثور الكوكب، ويسائل في ثورته هذه الشروط اللازمة لوجود «مواطني العالم» المزعومين، أما هؤلاء فيجدون أنفسهم وقد نُزعوا عن عالمهم ليعانوا حالة حادة من السولاستالجيا.

هذا عن الحل الأول، أما الحل الثاني فيعرفه الجميع، إذ بدأ تطبيقه الآن في كل مكان من البرازيل إلى المجر، ومن الولايات المتحدة إلى بولندا، ومن بريطانيا (بخروجها من الاتحاد الأوروبي) إلى ألمانيا. يفتش الحراك القومي الجديد عن أرض تضمن المأوى والهوية والرخاء، لكن لا يبدو كافيًا أن تنسحب من مسيرة العولمة كي تضمن رسوخ قدميك على أرض قارة ليست عرضة للانتهاك.

يتوقع القوميون الجدد منا أن نهاجر إلى عالمهم المتخيل بعد أن فقد حلم العولمة بريقه، لكن عالمهم هذا أفقر وأقل واقعية وأتفه شأنًا من العالم القائم الذي يطمح إلى حل محله، ولهذا يدافع أنصار الفكرة القومية الجديدة عن سعيهم بهياج مخيف. الهوية هي جوهر هذا المشروع الجديد، وهي تتأسس على العداء الشديد للآخر أيًا كان اسمه، هذا المهاجر الذي يهدد بنسف فقاعة الأوهام الحامية لهوية متخيلة.

وبصراحة تامة، لا يوجد حاليًا أي برنامج سياسي يكفل للناس الذي يشعرون بالخيانة والضياع «أرضًا» للوقوف عليها، بعيدًا عن إخفاقات العولمة والقومية الجديدة وعدم صلاحيتهما. لقد ثبت فشل الأنماط القديمة لليبرالية، بمعناها في التقليدين الفرنسي والإنجليزي، وكذا الأنماط القديمة للاشتراكية الديمقراطية، وكل الأحزاب المجسدة لهذه الأفكار. وحيثما وجدت هذه الأحزاب، فلا يبدو أنها قادرة على استخدام لغة صادقة أو طرح حلول واقعية لأسئلة الناس الوجودية عن علاقتهم بالأرض، وهذا أساسًا بسبب خشيتها من الوصم بالرجعية في حال تناولت هذا السؤال.

الوطن لا يساوي المنشأ

هذا هو سر الارتباك في استخدام كلمة «وطن» (Heimat) بكل معانيها، الجيدة والسيئة. لا يحب معظم دعاة العولمة هذه الكلمة بسبب محليتها، فيما تبدو بالنسبة للقوميين الجدد أكثر مادية من اللازم، وأكثر تجسدًا وتنوعًا وكونية من قدرتهم على الفهم، فيحاولون اختزالها إلى التصور القومي الأقدم عن «الأرض والدم». وأخيرًا، يخفق علماء السياسة في إدراك أن كل الأسئلة السياسية المعاصرة تدور في فلك الأزمة البيئية بطريقة أو أخرى.

تدفعنا الأزمة البيئية بعنف لإعادة التفكير في «الأمة» و«الأرض» بطرق تهبهما معان واقعية، فيما يتقلص الوقت المتاح لنا سريعًا ونسيء تقدير حساسيته. ربما يجب على منظري السياسة أن ينظروا تحت أقدامهم حرفيًّا، على الأرض التي تقف عليها الجماهير ويعتمد عليها معاشها وتأمل فيها رخاءها، بدلًا من مجرد التذمر جراء «صعود الشعبوية» وانتظار أي نصر ضئيل لليبراليين.

في الجزء الأول من فيلم رايتس، تتخلل بعض اللقطات الملونة جسم الفيلم الأبيض والأسود، ولا تأتي هذه اللقطات بالضرورة في لحظات درامية، بل أظنها تأتي في اللحظات التي تتناغم فيها كل طبقات الفيلم لتكوين صورة للوطن كعالم للعيش: إحساس بالاكتمال لا يستند إلى خارق الشعور أو الكشف الصوفي، وإنما إلى الامتلاء البسيط للحياة اليومية وكل ما يرمز إلى هذا الامتلاء. تتفتح دلالات كلمة «وطن» بكامل ثقلها في هذه اللقطات، وتحيلنا إلى تصور عن الوطن يقابل ما نسميه في الفرنسية «عالمًا معاشاً» (monde vécu)، وهذا العالم المعاش (der gelebten Welt) أو عالم المعيشة (der Lebenswelt) لا يعدو كونه «العالم الذي يعيش المرء فيه».

ثمة شعور بالحرية والسعادة يرتبط وثيقًا بالأرض، وهو الشعور النابع من التطابق بين مكان المرء ومعاشه وبين ما يقدر على رؤيته عيانًا، وهذا التطابق هو واحد من معاني الكلمة الفرنسية «إقليم»، إذا جُردت من دلالاتها القانونية والجغرافية3 «إقليمي هو الوعاء الشامل للكائنات الإنسانية وغير الإنسانية، على تباعدها وتنوعها، والذي يؤمِّن لي معاشًا مستمرًا»، ويعني هذا أنني أفقد إقليمي وأرضي ووطني لو فقدت أساس معاشي أو عجزت عن رؤيته عيانًا، حتى لو لم أهجره بالمعنى الجغرافي.

الآن تتلاشى الأرض تحت أقدام الناس إذ نخبرهم أنه لم يعد هناك حشرات أو طيور أو ماء أو هواء، كعندما نخبرهم أن المصانع التي يعملون بها ستنتقل إلى فيتنام، أو أن مناجم الفحم المجاورة تملأ أجساد بناتهم الصغيرات بالملوثات وتهدد صحة أطفالهم. كل أزمات المعاش الإنسانية تحيل إلى مفهوم الإقليم إذا صيغت بالوضوح الكافي، سواء كانت أسبابها اقتصادية أو بيئية، وهنا يصبح مفهوم «الوطن» (Heimat) مفيدًا بوضوح.

ليس الوطن إذًا مساويًا للمنشأ، كموضوع للنوستالجيا، ولا هو الريف الذي هجرناه من أجل عالم الحداثة الكوني المحموم، وليست العودة إلى الوطن عودة إلى القرى، على طريقة سائمي العولمة الذين ينسحبون إلى الأرياف ليرتدوا السراويل الجلدية ويغنوا أناشيد الفولكلور. «الوطن» هو إمكان اللأم بين ظروف معيشتنا وبين ما ندركه عيانًا، وعند التئامهما تظهر الحياة اليومية بالألوان، لا بالأبيض والأسود.

لكن الأمل ضئيل في استعادة هذه الحالة الملونة، وهذا درس مستفاد من التاريخ البيئي والاقتصادي للعالم. تعتاش الشعوب الأوروبية من أراضٍ غير أراضيها منذ القرن السابع عشر على الأقل، وقد تبعتها في ذلك كل الشعوب الأخرى، أو القسم الأغنى منها على الأقل، وهذا بصورة غير متكافئة ما طفقت تتعاظم حتى بلغت اليوم درجة هائلة من غياب المساواة. هكذا يتضاءل الأمل في إعادة اكتشاف سعادة الوطن عندما نفكر بأن ثراء المرء لم يعد مرتبطًا بالأرض التي «ينتمي» إليها ويمارس عليها حقوقه السياسية، وإنما بأراضٍ أجنبية بعيدة يمتص الناس مواردها دون أي شعور بانتماء أو مسؤولية.

تصبح أسئلة الأرض والانتماء مثيرة للارتباك والعنف بسبب هذا التناقض الجوهري: يعتاش المرء من أرض ليست أرضه، أو بالعكس، يزداد المرء ثراءً ويشعر بالحرية في أرضه لأن غيره من البشر وغير البشر يفقدون حرياتهم.

عدم تطابق الأرضين الحقيقية والمتخيلة: كيف يتخذ الناس مواقف سياسية دون فهم أماكنهم؟

إن كان ما أدعوه «نظامًا مناخيًا جديدًا»4 هو نظام جديد فعلًا، فهذا لأن جميع الأسئلة المتعلقة بالحرية والملكية الخاصة واستيطان أراضي الآخرين تترابط في هذا النظام، ولأنه باختصار يعيد مجددًا طرح كل أسئلة السياسة الطبيعية (Geopolitik) والقانون. لا تستطيع مثلنا العليا الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية والقومية النهوض بتحديات هذا النظام، وهذا ليس غريبًا، لأن هذه المثل وليدة لحظة تاريخية تعاظم فيها التناقض بين نمو الدول الديمقراطية الدستورية الحديثة في الغرب، وبين الأراضي التي استعملها الغربيون لبناء هذه الدول.

يطلعنا التاريخ الاقتصادي والبيئي للثلاثمائة سنة الأخيرة بصورة لا مراء فيها على استحالة العودة إلى الوطن عن طريق فكرة كـ«الحياة الطيبة»5 في التقليد الإيبيروأمريكي، وليس في مقدورنا اليوم إلا الانتقال من نظام مناخي قديم إلى آخر جديد. في هذا السياق أجد في «كراسات الشكوى» (cahiers de doléance)، التي طلبها لويس السادس عشر من حكومته المفلسة في يناير 1789، نموذجًا مهمًا على إمكان إعادة بناء النظام بإعادة كتابة العالم المعاش.

لم يكن الفرنسيون في هذا الوقت يدركون أنفسهم باعتبارهم «أمة» بعد أو «شعبًا»، لكنهم ملؤوا 60,000 كراسة بطلبات لممثليهم، وتستخدم هذه الكراسات مفاهيم «البلدة» و«الجماعة» و«الغيط» بتوازن دقيق، وهي المفاهيم التي تمثل في ترابطها معاشًا ملموسًا، وكذلك تسجل المظالم المفسدة لهذا المعاش، والتي يوقعها على الفرنسيين نبلاء أو إكليروس. أمر شديد الأهمية أن تشير الوثيقة نفسها إلى شروط الوجود الإنساني جنبًا إلى جنب مع المظالم التي يتعرض لها هذا الوجود في إقليم بعينه، إذا كان للعلاقة بين شعب وأرضه أن تُطرح للسؤال مجددًا.

يظن القوميون الجدد أنهم يعرفون الشعب الذي يمثلونه دون السؤال المبدئي عن طبيعة الأرض التي يعدها هذا الشعب سكنًا له، أما كراسات الشكوى فتطلعنا على مسار عكسي لتطور القومية، ينبثق فيه الشعب من فهم معين للأرض التي يقطنها والمظالم التي يعانيها. لهذا أضع الفرضية التالية: لا توجد اليوم أي علاقة تربط الهوية القومية بالمعاش الفعلي، وأبرز دليل أن المناطق البريطانية الأكثر استفادة من العلاقة مع أوروبا هي كذلك الأكثر تصويتًا لصالح الانفصال. كيف يمكن إذًا لشخص لا يفهم «مكانه» أن يتخذ موقفًا سياسيًا سائغًا؟ يجب على المرء كي يتمكن من تطوير موقف سياسي أن يوجد أولًا في عالم واقعي يستطيع وصفه، ويرى فيه أصدقاءه وأعداءه، ويصوغ فيه مصالحه ومظالمه.

لكن لن يفيدنا كذلك أن ننتظر أي فهم لعالمنا المعاش من دعاة العولمة، لأن عالمهم الكوني (der Globus) الذي يدعوننا لسكناه ليس موجودًا على الأرض بأي معنًى واقعي. تعتبر ألمانيا مثلًا الثاني من مايو يومًا لبدء عمل الآلة الاقتصادية الدولية واستنفادها لرأسمالها دون القدرة على تعويضه، فيما تعتبر الولايات المتحدة 15 مارس تاريخًا لبدء العملية نفسها6 ويطلعنا هذا على حجم الفجوة بين العالمين الكوني والقومي، إذ يصعب تصور أي تناقض أكبر من هذا بين الواقع العالمي وواقع الدول القومية الدستورية. وهو أمر مثير للسخرية بالطبع أننا نسمي النظام الاقتصادي الذي يلتهم رأسماله القيم دون مبالاة أو حدود «نظامًا رأسماليًا».

أخيرًا، لن يستطيع دعاة العولمة أبدًا تقديم دروس للشعبويين أو حثهم على مزيد من «الواقعية» أو «المسؤولية» بينما يفر هؤلاء إلى هوياتهم القومية بحثًا عن ملجأ، لأن التناقض بين الأرض الواقعية والأرض المتخيلة من قبل العولميين واسع جدًا. مثلًا، بمقارنة الأجزاء المختلفة لسلسلة أفلام رايتس نرى بسهولة أن «العالم المعاش» أصبح أعصى كثيرًا على الوصف منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من الألفية الحالية، وأنا هنا لا أدعو إلى استعادة مفهوم للوطن يختزله في قطعة أرض أو مساحة جغرافية، وإنما أشير فقط إلى أن مفهوم «الوطن» (Heimat) يحمل احتمالات ثرية لإعادة وصف العالم ربما يجدر تطويرها في العلوم والفنون، من أجل إعادة الوفاق بين مستويين هما اليوم في شقاق تام: هذا الذي يجعل معاشنا ممكنًا، وهذا الذي ينتمي إلينا بالقانون.

اليوم يبدو أن الفجوة بين الاثنين قد اكتملت، ودورنا هو إعادة وصلها.

  • 1. ماريا وبول وإدوارد من شخصيات سلسلة الأفلام المذكورة، وشاباخ هي القرية التي تدور فيه أحداث الأجزاء الأولى للسلسلة، أما هانسروك فسلسلة جبال خفيضة في ولاية راينلاند بفالتس، ومسقط رأس إدجار رايتس حيث صور معظم أجزاء السلسلة. (المترجم
  • 2. مصطلح اجترحه الفيلسوف الاسترالي غلينت ألبريشت في مقال نُشر له عام 2005، يصف فيه الكمد النفسي والوجودي الذي تسببه التغيرات البيئية
  • 3. المقابل الفرنسي الذي يقصده لاتور لكلمة إقليم هو «le territoire»، من الجذر اللاتيني «terra»، أي قطعة أرض، لكن الدلالات الفرنسية الرهيفة للكلمة، والمرتبطة بالتجسد والارتباط المباشر بالمعاش، يصعب ترجمتها إلى العربية، على أن «إقليم» العربية تشترك في الجذر مع «القَلْم» و«التقليم»، بمعنى البري والتهذيب، و«المِقلمة» أي وعاء الأقلام، ومن هنا يكتسب فعلا «أقلم» و«تأقلم» دلالاتيهما كانسجام للكائن مع مكانه، وتصبح «إقليم» أقرب تعبير ممكن لمقصد الكاتب، إذا جردت هي الأخرى من دلالاتها الجغرافية والقانونية. (المترجم)
  • 4. يستخدم لاتور اصطلاح «النظام المناخي الجديد»، خصوصًا في كتابه «العودة إلى الأرض»، للدلالة على نسق عالمي يتمفصل فيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المناخي، بطريقة تجعل فهم التحولات المناخية، أي نظامها الجديد، مدخلًا لفهم ما عداها من تحولات في مجالات أخرى، ومن ثمَّ مجمل «النظام العالمي».
  • 5. الحياة الطيبة (buen vivir) مقاربة للتعامل مع شؤون السياسة والاقتصاد وفق نهج يراعي الاستدامة والتوازن البيئي والثقافة المحلية، وهو مستوحى من ثقافة شعوب الكيتشوا في أمريكا اللاتينية. (المترجم)
  • 6. كذا في الأصل. ليس واضحًا بالضبط ما يقصده لاتور من التاريخين المذكورين، لكن إيرادهما يروم البرهنة على أن الدول القومية تبدو كما لو كانت أجزاءً من عوالم كونية مختلفة، رغم افتراض دعاة العولمة فيها جميعًا أن تصورها للعالم هو ذاته العالم الذي ينبغي أن يضم الجميع