عودة إلى السنة الشنيعة

 

عندما اجتمعنا للقيام بثالث أعمال تنسيقيتنا، التي كان أولها بياناً في ذكرى ثورة 2011 وثانيها نصاً في مديح التفاجؤ وهجاء أصحاب الحتمية التاريخية، كنا نريد أن نكتب بياناً حول العام 2013، عام الاختناق واكتمال الانقلاب على تطلعات وآمال العام 2011. وقد اخترنا أن يكون نشر البيان في ذكرى المذبحة الكيماوية، لأن هذه المذبحة وما تلاها من صفقة العار الأميركية الروسية، تمثّل تكثيفاً للكيفية التي كانت فيها مجمل السياسات الدولية رافعةً للقوى التي لا تزال تسحق الأمل في بلادنا بشكل حثيث.

ولكن خلافاً للذاكرة القوية التي كنا نحملها بخصوص العام 2011، كانت ذاكرتنا حيال العام 2013 مشوشةً إلى حد بعيد؛ تذكرنا فوراً اتساع نفوذ الجماعات الجهادية وظهور داعش، واختطاف عدد من أبرز نشطاء ومناضلي ثورتنا على يد داعش وجيش الإسلام وغيرهما، وتذكرنا المذبحة الكيماوية والصفقة التي أعقبتها، وتذكرنا انقلاب السيسي في مصر ثم بدء مسيرة التراجع عن كل إرث ثورة يناير العظيم فيها، وتذكرنا التعثر في مسارات الديمقراطية الوليدة في ليبيا واليمن، التعثر الذي كان تمهيداً للحروب المتتالية التي بدأت في البلدين عام 2014 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

لكن ما كان عسيراً فعلاً هو ربط هذه الأحداث ببعضها بعضاً وتركيب صورة واضحة عنها، وبعدها الانتقال إلى استخلاص نتائج منها لتكون بمثابة نقطة انطلاق لبرنامج عمل التنسيقية خلال السنوات القادمة. غير أن الأكثر صعوبة كان الخروج بشعور مشترك، لأنه إذا كان الشعور الغامر عند تذكر أحداث العام 2011 هو ذاك المزيج من الفخر والحنين، فإن تذكر العام 2013 يأتي بمشاعر الفخر والحنين والغضب والرثاء والحسرة والاختناق والضياع، يأتي بها كلها معاً على نحو لا يمكن التعامل معه بسهولة. على أي حال، كان ثمة شعورٌ مشتركٌ واحدٌ بالغ الوضوح، لقد دخلنا ذلك العام بآمال كبيرة، وخرجنا منه بآمال محطمة.

لن نكتب بياناً إذن، بل سيكون هذا النص محاولةً لاستذكار وقائع من ذلك العام الرهيب، ومحاولةً لقول شيء بشأنها بعد نحو ست سنوات.

*****

لنتصور من باب تمرين المخيلة أن الحكم الأسدي أطلق في صيف 2013 حملة علاقات عامة منسقة دولياً، خصص لها ميزانية بمئات ملايين الدولارات، بغرض إقناع النخب المؤثرة عالمياً بأنه الحكم الشرعي في سورية، وأنه ليس إلا محارباً لما يستهدفه من إرهاب محلي مدعوم من قوى إقليمية محافظة ومتعصبة. تتطلب حملة كهذه متكلمين، وأفضل متكلمات، يتقنَّ ويتقنون لغات أجنبية، يظهرون ويظهرنَ على أهم الأقنية الفضائية في العالم، ويكتبنَ ويكتبون المقالات في أكبر الصحف، وينتجون أعمالاً فنية متقنة عن تاريخ سورية ومجتمعها قبل «الأزمة»، وهذا طوال شهور صيف 2103 في نيويورك وواشنطن ولندن وباريس وروما وبرلين من العواصم الكبرى في الغرب، وربما في اليابان وأستراليا وكندا وغيرها. 

تُرى هل كان يمكن لحملة كهذه أن تثمر شيئاً أفضل من مجرزة كيماوية كبيرة، أُعطي النظام بعدها مباشرة تقريباً رخصة في قتل محكوميه بكل الأسلحة الأخرى، عدا السلاح الكمياوي، بل وبالسلاح الكمياوي ذاته، على ما سيثبت لاحقاً؟ وهذا بعد أن كان الأميركيون والروس قد تسابقوا في الثناء على تعاون النظام في نزع سلاحه المميت (هل نتذكر نزع أسلحة نظام صدام حسين؟ وكم حرص رتشارد بتلر وفريق مفتشيه على إذلاله؟)، ويعد أن كانت اللجنة الدولية لنزع السلاح الكيماوي مُنحت جائزة نوبل للسلام، بعد نحو شهرين فقط من الصفقة المشينة بين الأميركيين والروس في 13 أيلول 2013. 

عَنَت الصفقة الكيماوية ثلاثة أشياء: 

أولها، إخراج الثائرين السوريين، بيئات اجتماعية وتعبيرات سياسية ومقاتلين، من السياسة ومن كل حساب سياسي، وإباحتهم للقتل دون أصوات إدانة دولية. لقد فهم النظام من الصفقة الكيماوية بحق أن قتله للسوريين ليس المشكلة، بل عدم انضباطه التام بقواعد دولية قررها الأقوياء. فإذا استطاع أن يقتل ويدمر محكوميه دون ضجيج كبير، فعليه الأمان. أنتج ذلك مقداراً كبيراً من اليأس في البيئات الاجتماعية للثورة السورية، وكان هدية ثمينة للعدمية الإسلامية التي لطالما كان اليأس وسحب الثقة من العالم حليفها الموثوق. وبينما كان اللجوء السوري حتى ذلك الوقت بحثاً عن أقرب ملاذ آمن في لبنان والأردن وتركيا، فقد دشنت الصفقة طوراً من اللجوء أبعد مسافة من حيث الملاذ، وأطول مدى من حيث التخطيط.    

وثانيها أن النظام الذي كان حتى ذلك الوقت منبوذاً من القوى الغربية والأمم المتحدة والدول العربية، «أصدقاء الشعب السوري»، أُدخل بعد المذبحة في السياسة، وصار الطرف السوري الأساسي الذي يجري التحادث والتواصل معه في شأن مستقبل سورية. وبما أنه نال تفويضاً متجدداً في إخراج محكوميه من السياسة بالعنف غير المقيّد، فإنه سيصير يوماً بعد يوم أقوى ومعارضوه أضعف، أي أن عملية إعادة تأهليه واقعياً بدأت منذ تلك الصفقة المشؤومة. ولم يكن التدخل الأميركي في أيلول 2014، والتدخل الروسي في أيلول 2015، غير استمرار للصفقة ذاتها، لكن لأغراض أخرى ليس بينها إشراف عن قرب على نزع السلاح المحرم نفسه. الأميركيون ضد العدمية الإسلامية، والروس لمصلحة العدمية الأسدية.     

وعنت الصفقة، في المقام الثالث، قفزة في تدويل الصراع السوري، على نحو يتضمن أن استمرار الصراع واستمرار النظام في القتل صار مندرجاً في تراكيب وتفاهمات وأوضاع دولية لا تنزع الشرعية عن القاتل العام، بل هي أقرب إلى تطبيعه. اللجوء السوري الذي حقق قفزة طرقت أسماع سكان الكوكب كلهم عامي 2014 و2015، بفعل وصول نحو مليون لاجئ إلى أوروبا فيما صار يعرف بأزمة اللاجئين، هو نتاج الكفالة الدولية لبقاء الحكم الأسدي، وانسداد أفق الأمل الذي كان قد انفتح بالثورة.

ومثلما لم يكن قتل السوريين بالسلاح الكيماوي هو المشكلة، بل انتهاك خط أوباما الأحمر، كذلك لم تكن أزمة اللاجئين هي اضطرار ملايين السوريين للفرار من بلدهم بفعل استهداف بيئاتهم وما يتعرضون له من مخاطر مميتة، الأزمة بالأحرى هي وصول اللاجئين إلى أوروبا. لدينا هنا انزعاج دولي واسع من «أزمة اللاجئين»، مع تجاهل تام لتدويل الأوضاع السورية التي لم تكن أزمة اللاجئين غير نتاج لها. وكان حل الأزمة اتفاقاً بين أوروبا وتركيا في شباط 2016 تحرس بموجبه الأخيرة الحدود الأوروبية، وتعوق حركة السوريين ليس باتجاه أوروبا الغربية الميسورة فقط، بل حتى داخل تركيا ذاتها. ويقع هذا في خلفية استخدام اللاجئين السوريين كبش فداء من قبل حكم حزب العدالة والتنمية إثر خسارته الانتخابات البلدية في اسطنبول، كما أنه يفسر صمت الحكومات الأوروبية على تهجير لاجئين سوريين إلى أراض سورية غير آمنة، وهي الحكومات التي لطالما وجدت من الأسباب ما يكفي لانتقاد الحكم التركي بالحق وبالباطل في السنوات الأخيرة.

والخلاصة أن عائد مذبحة بسلاح دمار شامل كان أفضل بكثير من العائد المحتمل لحملة علاقات عامة مكلفة، كان يرجح أن ترتفع ضدها أصوات ناقدة، من غربيين وسوريين وأصدقائهم، فتبطل أثرها أو بعضها. ما حصل هو العكس، ارتفعت الأصوات الناقدة ضد ما بدا أنه تدخل محتمل حينها، وكان ذلك مناسبا جداً للحكومتين الأميركية والبريطانية. في تصريح عجيب في لندن في الأسبوع الأول من أيلول 2013، صرح جون كيري، وزير الخارجية الأميركي بأن الضربة إن وقعت فستكون صغيرة بقدر لا يُصدّق! أيها السيد المجرم بشار، قد نضطر إلى ضربك، لكن لا تقلق، ستكون الضربة صغيرة، ولن تؤثر على بقائك ولا على قدرتك على قتل محكوميك! كان هذا بعد أسبوع واحد من اهتداء الأميركيين بإلهام إسرائيلي إلى أن نزع سلاح النظام الكيماوي أصوبُ حتى من ضربة صغيرة بقدر لا يُصدّق! المشكلة التي عالجتها القوى النافذة في العالم هي ما قد ينالها منه الحد الأدنى من الأذى، ومنها في هذا الشأن إسرائيل التي يتسابق طرفا الصفقة على إيلاء أمنها أولوية عليا، وليس حد الأذى الأعلى الذي أصاب ويصيب محكومين شرق أوسطيين لا شأن لهم. ومسلمون فوق ذلك. 

لقد صارت سورية فضاء استثناء عالمي، ضرباً من معسكرِ اعتقال وساحةِ مذبحة، يُباح السكان فيها للتعذيب والقتل والتجويع والاغتصاب والتهجير، مع يقين القتلة بأن لا عواقب محتملة على جرائمهم. إبادةٌ على الهواء. هذا يتجاوز في تقديرنا ما حلم به الحكم الأسدي ذاته في أي وقت. وإذ هو تحقَّقَ علانية وعبر تفاعلات دولية كثيفة معلومة، فإنه يُرسي نموذجاً عالمياً لا بد أن يكرر نفسه هنا أو هناك. الاستثناء السوري يتحول إلى معيار تستند إليه سلفاً حكومات مصر والأردن وإيران وغيرها لتطبيع نفسها. هناك رفض عالمي للرؤية يبلغ حدَّ التباهي بالعمى، لكن لعله لن يمضي وقت طويل قبل أن يضطر كثيرون لفتح أعينهم ورؤية أن نُذُر الكارثة كانت تتجمع «شرق المتوسط»، وهم بين غافلين عمّا يجري وبين سعداء به، ومنهم بخاصة جار السوء النووي في الجنوب.

*****

ولكن قبل أن تأتي الصفقة الكيماوية لتضع الخطوط العريضة الناظمة للتدخل الدولي في المسألة السورية، كان الصراع السوري يفقد سوريته على نحو متسارع منذ أواخر العام 2012 ومطلع العام 2013. وليس فقدان السوريّة الذي نتحدث عنه هنا متعلقاً بالخطاب والشعارات والتحالفات، فهذا كان يحصل تباعاً منذ مطلع العام 2012، بل نتحدث هنا عن انهيار فعلي للإطار الوطني للصراع على الأرض، وتحوله إلى مواجهات عسكرية مفتوحة ومتتالية تبدو المواجهة بين قوى المعارضة والنظام جزءاً منها ومفصلاً من مفاصلها فقط.

دخلنا عام 2013 مع معركة لم تنَل قسطاً كافياً من التحليل والتغطية وقتها، لكن سياقها لا يزال مستمراً حتى اليوم، ويُرخي بظلاله على المسألة السورية كلها. كانت تلك معركة رأس العين بمحافظة الحسكة، بين مسلحين من حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ومسلحين من جماعات مناوئة لنظام الأسد، منها إسلامية وجهادية.

وفي خلفية تلك المعركة، أن النظام السوري كان قد انسحب من مناطق عديدة ذات غالبية كردية في شمال شرق البلاد منذ صيف 2012، تاركاً إياها تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه العسكري. وقد ضرب  نظام الأسد من خلال تحركه هذا طيوراً كثيرة بحجر واحد، فهو خفّف عن نفسه عبء السيطرة الأمنية على تلك المنطقة القصيّة لصالح تدعيم سيطرته في وسط سوريا وجنوبها، وأوكل مهمة قمع قوى الثورة في المنطقة، وعلى وجه الخصوص قوى الثورة في المجتمع الكردي نفسه،  للقوة الكردية الأفضل تنظيماً وتسليحاً، والتي أعلنت منذ البداية أن عدوها الوحيد هو الحكومة التركية، وأنها على الرغم من خلافاتها مع نظام الأسد، فإنها لا تناصبه العداء ولا تنوي الدخول في الصراع ضده. وفوق هذا كانت خطوة النظام تلك فخاً ذهبت إليه بعض القوى المسلحة المناوئة للنظام بأرجلها، رافعةً مزيجاً من الشعارات الإسلامية والقومية العربية، دون أي ممانعة جدية من بقية قوى الثورة المدنية والعسكرية التي لم تشاركها معركتها؛ ذهبت إليها أساساً بدفع ودعم من تركيا، التي أصبحت المسألة السورية بالنسبة لها منذ ذلك الوقت متعلقة بكيفية منع حزب العمال الكردستاني من تحويل الأراضي السورية المحاذية لها إلى قواعد له.

كانت معركة رأس العين معركة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في الواقع، خاضها مقاتلون سوريون على الأراضي السورية، وتركت جروحاً غائرة في العلاقة بين المكونين العربي والكردي في شمال شرق البلاد، ولا يزال المسار الذي كانت هذه المعركة افتتاحاً فعلياً له مستمراً حتى اليوم، نرى آثاره في سلوك حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يقود اليوم تحالف قوات سوريا الديمقراطية، تجاه معارضيه من الأكراد وتجاه المكون العربي في مناطق سيطرته، كما نرى آثاره في سلوك القوى الحليفة لتركيا في عفرين، وفي التبعية المطلقة لتركيا لدى فصائل كثيرة مناوئة للنظام السوري.

وفي ربيع العام 2013، حدث تطوران متزامنان تقريباً، أولهما الإعلان الرسمي عن مشاركة حزب الله في الحرب إلى جانب النظام انطلاقاً مع معركة القصير قريباً من الحدود اللبنانية السورية في شهر نيسان، وثانيهما إعلان أبي بكر البغدادي عن قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام، وضم فرع القاعدة في سوريا إلى فرعها العراقي في شهر أيار. وصحيحٌ أن جماعات قاعدية أبرزها جبهة النصرة كانت تشارك بشكل فعال في الحرب منذ ربيع 2012، وأن حزب الله ومقاتلين عراقيين مدعومين من إيران كانوا يشاركون في الحرب بشكل فعّال أيضاً منذ ربيع 2012، إلا أن الإعلانين كانا يحملان معنى تحطيم الحدود الوطنية السورية بشكل رسمي ودون أي مواربة، وأطلقا مسارات صارت سوريا بنتيجتها ساحة لحروب وصراعات متداخلة ومتنوعة، من بينها الحرب الدولية على تنظيم القاعدة ومشتقاته، والصراع الإيراني الإسرائيلي، والصراع الأميركي الروسي على النفوذ في المنطقة، وصراعات التيارات الجهادية بتنويعاتها.

هكذا تم دفن صراع السوريين مع السلالة الأسدية تحت طبقات وطبقات من الصراعات والحروب، ولم تنجح القوى والتيارات الثائرة على النظام في مقاومة هذه العملية، ولا في صياغة خطاب ثوري مضادٍ لها، بل كان بعض هذه القوى والتيارات مندرجاً تماماً في عملية الدفن تلك، عبر تبني بعض تلك الصراعات واستبطانها وخوضها بحماس، بدءاً من أولئك الذين ذهبوا لقتال حزب العمال الكردستاني في رأس العين تحت شعار «القضاء على القوى الانفصالية» أو شعار «القضاء على الملاحدة»، وصولاً إلى أولئك الذين اعتبروا الخلاف مع داعش أو النصرة خلافاً بين أهل البيت الواحد، مروراً بأولئك الذين راحوا يتمرغون بالخطاب الطائفي وشعارات الصراع مع الشيعة والرافضة، وفي مقابلهم أولئك الذين راحوا ينخرطون في خطاب الحرب على الإرهاب والذعر من قوى الإسلام السياسي، حتى بات الصراع مع السلالة الأسدية بالنسبة لهم صراعاً هامشياً.

نراجع اليوم أنفسنا، تُرى هل دافعنا عن أولوية الصراع مع السلالة الأسدية كما ينبغي؟ هل قاومنا كفاية تمريغ قضيتنا في الخطاب الطائفي والتطبيع مع خطاب القاعدة وأفعالها؟ وليس الغرض من أسئلة كهذه تقريع النفس ولومها، ولا التماهي مع خطاب أولئك الذين ينسبون كارثة البلاد كلها إلى ضعف في خطاب قوى وأفراد من المعارضة ذات التوجهات الديمقراطية. لكننا نسأل هذه الأسئلة كي ننجح في الوقوف أمام أنفسنا بصدق، وكي ننجح في تقديم استعادة منصفة لأحداث ووقائع العام الرهيب، عام 2013.

*****

يقول بعضنا إنهم قاوموا بكل قوتهم تلك الطبقات التي كانت تتراكم فوق صراعنا مع السلالة الأسدية، وإن هذه المقاومة لم تكن مجرد مقاومة هامشية أو فردية، بل كانت جزءاً من مقاومة واسعة النطاق، خاضها مناضلون سوريون متنوعون في طول البلاد وعرضها، ويحمل العام 2013 على وجه الخصوص علامات تلك المقاومة التي يريد كثيرون لها أن تُنسى.

لقد كان عام 2013 عام التغييب القسري بلا منازع، فيه اختطف النظام ومعه قوى إسلامية متنوعة عشرات المناضلين والثوار السوريين، أسماؤهم أكثر من أن تعد أو تحصى، وتنوعت مصائرهم بين من عرفنا باستشهاده لاحقاً وبين ما لا يزال مصيره مجهولاً؛ نذكر منهم  جهاد أسعد محمد وأبو علي فايق المير اللذين اختطفتهما أجهزة النظام الأمنية، ورزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادة ووائل حمادي الذين اختطفهم جيش الإسلام، والأب باولو دالوليو وفراس الحاج صالح واسماعيل الحامض وعبد الوهاب الملا وأبو مريم الذين اختطفهم تنظيم داعش، ولو أردنا ذكر الأسماء كلها لما اتسع المكان هنا.

نذكر هذه الأسماء على وجه الخصوص لأن ثمة شيئاً يجمع أصحابها، وهو الدفاع المستميت عن أولوية صراع السوريين مع السلالة الأسدية، وعن معنى هذا الصراع التحرري، وأيضاً لأن اختطافهم الذي جاء في العام 2013 نفسه على يد جهات متنوعة كان علامة على الاستعصاء الرهيب الذي ستدخله القضية السورية، ولأن سيرة كل واحد منهم علامة على كفاح تحرري بالغ الشجاعة، خاضه أولئك الأبطال وغيرهم ضد طبقات وطبقات من الانحطاط والمذابح. قبل هؤلاء وبعدهم، اعتقل وعذب وقتل النظام عشرات آلاف السوريين، وقبل هؤلاء وبعدهم، بعدهم على وجه الخصوص، اعتقلت وعذبت وقتلت جماعات إسلامية وجهادية مئات السوريين أيضاً، لكن يبقى أن العام 2013 كان العام النوعي في الاستهداف متعدد المصادر للمناضلين المدافعين عن القيم التحررية.

بالمقابل، يعترف بعض أعضاء تنسيقيتنا أنه كان عليهم ألّا يتعففوا عن مُعاركة الخطاب الطائفي وخطاب السلفية الجهادية، فبعضنا تغاضى عنه في لحظات كثيرة، أو على وجه الدقة، أدار وجهه في أحيان كثيرة عن هذا النوع من الخطاب مشمئزاً منه، فبدا وكأنه لا يراه. يدافع رفاقنا هؤلاء عن أنفسهم بالقول إن الأمر بدا لهم معاكساً وقتها، أي أنهم كانوا يفكرون في أن خوض صراع مفتوح فوراً مع الخطاب الطائفي والخطاب الجهادي وأصحابه هو ما يحرف الاتجاه عن الصراع الأساسي مع الأسدية. ولم يكن هذا الاستعصاء مجرد تمرين ذهني أو رياضة نفسية تأملية، بل كان استعصاءً من لحم ودم، يذكره جيداً أولئك الذين شهدوا انتفاضة الثورة السورية ضد داعش أواخر 2013 وأوائل 2014، الانتفاضة التي سرعان ما غرقت هي الأخرى ودُفنت تحت طبقات وطبقات من صراعات الفصائل مع بعضها بعضاً، ثم من الحرب الدولية على الإرهاب ومتطلباتها. لكن يبقى أن اللحظات التي خرجت فيها مظاهرات في حلب وإدلب والرقة ضد داعش والأسد معاً، في وقت كانت فيه آلة الحرب الأسدية تطحن الأخضر واليابس في تلك المناطق، من أكثر اللحظات أسطورية وشجاعةً في تاريخ الثورة السورية المدفونة.

وقد كان للصفح الدولي عن بشار الأسد ونظامه بعد المذبحة الكيماوية، وللمذابح الطائفية التي ارتكبتها ميليشيات موالية للنظام، ومنها المذبحة الرهيبة في البيضا وراس النبع في بانياس التي وقعت في أيار من العام 2013 نفسه، دورٌ بارزٌ في إضعاف القدرة على مقاومة الخطاب الطائفي وخطاب السلفية الجهادية العدمي؛ في إضعاف الديمقراطيين وشلّ قدراتهم، الضعيفة أصلاً، على المواجهة على عدّة جبهات في اللحظة ذاتها.

يعتقد رفاقنا هؤلاء بأثر راجع اليوم أنه كان ينبغي مواجهة الخطاب الطائفي وخطاب السلفية الجهادية بحزم وثبات أكبر، ليس لأن هذا كان يمكن أو لا يمكن أن يغير شيئاً في مسار الأحداث، بل لأن هذه الخطابات مضادةٌ للعدالة والكرامة الإنسانية، وما كان يجب السكوت عنها لحظةً واحدة، وفاءً وقبل أي شيء آخر للحظات 2011 العظيمة، التي كان يجري دفنها على قدم وساق عام 2013.

*****

ولم يكن العام 2013 عام الشروع الفعلي في دفن تطلعات 2011 في سوريا فقط، بل كان ذلك يحدث في العالم العربي كله تقريباً. وكانت مصر في قلب عملية الدفن الحثيثة تلك، بعد أن خرج الملايين إلى الشوارع في حزيران من عام 2013 مطالبين بتنحي الرئيس المصري محمد مرسي عن الحكم، رداً على سياسات أخونة مؤسسات الدولة التي كان ينتهجها، وعلى تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد في فترة حكمه.

وقد تدخل الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي لتنحية مرسي بالقوة، في مشهد بدا أول الأمر مشابهاً لتدخل الجيش وإجباره مبارك على التنحي قبلها بأكثر من عامين بقليل. لكن سرعان ما تبيَّنَ أن الشبه لم يكن إلا ظاهرياً، وأن سياسات أخونة الدولة والتدهور الاقتصادي لم تكن إلّا رأساً لجبل من الجليد، يخفي مخططاً من تحالف العسكر مع ضباع رأس المال المصري، هدفه إعادة العجلة إلى الوراء، وإحكام القبضة على حياة المصريين وآمالهم عبر انقلاب عسكري مُدبّر، وبدعم غير محدود من السعودية والإمارات العربية المتحدة.

ثم جاءت مذبحة رابعة لتكون المفصل الرئيسي في هذا المخطط، عندما استباحت قوات الأمن والجيش المصرية دماء آلاف المعتصمين في يوم الرابع عشر من آب (أغسطس) 2013، وكان هؤلاء قد اعتصموا في ميداني رابعة والنهضة في القاهرة رفضاً للانقلاب العسكري، مطالبين بعودة محمد مرسي إلى الحكم بوصفه الرئيس الشرعي المنتخب. وقد كان معظم هؤلاء المعتصمين من تيار الإخوان المسلمين وأنصاره، تم قتل نحو ألف منهم وجرح الآلاف، واعتقال المئات ثم سوقهم إلى محاكمات باعتبارهم  مسؤولين عن سفك الدماء، دماء شركائهم في الاعتصام.

كانت تلك واقعة خارقة في وحشيتها ونذالتها، وكانت تدشيناً لحقبة جديدة من الإفلات من العقاب وتحكّم العسكر بكل مفاصل الحياة في مصر، قادت إلى ما نراه اليوم من تنصيب السيسي لنفسه كحاكم أبدي، ومن إعدامات انتقامية وقتل تحت التعذيب في السجون، وخنق لكل أشكال الحياة السياسية والمدنية والإعلامية، وتراجع عن كل ما حققته ثورة يناير وإرثها الكفاحي العظيم.

عندما نعاود التفكير اليوم في وقائع تلك الأيام، نجد أنه من الضروري إعلان موقف واضح من مجمل سلوك الإخوان المسلمين في مصر، الذين لم تكن الديمقراطية بالنسبة لهم شيئاً أكثر من وسيلة للقفز إلى الحكم، على ما تشرح أحداث شارع محمد محمود في القاهرة خريف 2011، عندما وقف الإخوان المسلمون إلى جانب المجلس العسكري في إجراءاته لإدارة المرحلة الانتقالية والإشراف بنفسه على الانتخابات، واتهموا المتظاهرين الذين كانت الداخلية المصرية تقتلهم في الشوارع بأنهم مجموعة من البلطجية والعملاء.

نقول هذا اليوم لأنه من الضروري التفكير مجدداً ودائماً في الاستعصاء الذي قاد إلى مذبحة رابعة وما تلاها، الاستعصاء الذي تولدت عنه استحالة موضوعية في بناء جبهة موحدة بالحد الأدنى تتصدى للاستبداد والحكم العسكري في مصر، على نحو لا نزال نشهد نتائجه الكارثية حتى اليوم.

ولدينا نسخٌ أخرى من هذا الاستعصاء في ليبيا واليمن، مع اختلاف الظروف والخلفيات والجهات الدولية والإقليمية الفاعلة. كانت حرب اليمن، التي بدأت مع اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء خريف 2014، ثمرة الفشل الذريع للدولة التي حاول مجلس التعاون الخليجي إقامتها على أنقاض نظام علي عبد الله صالح، الفشل الذي بدأت معالمه تظهر منذ أواخر العام 2013 على شكل استعصاء في الحوار السياسي بين القوى المتنوعة التي تحظى كل واحدة منها بدعم إقليمي، من إيران والسعودية وقطر والإمارات، والذي قاد اليمن إلى أن يكون بلداً ممزقاً يجتاحه الفقر وتفتك بأبنائه الكوليرا. أما حرب ليبيا التي بدأها اللواء خليفة حفتر مدعوماً من مصر والسعودية والإمارات مطلع 2014، فقد كانت ثمرة تمسّك الميليشيات والفصائل التي أسقطت القذافي بسلاحها وسلطتها، ورفضها الانصياع لنتائج الانتخابات، ولجوء كل طرف في ليبيا إلى البحث عن دعم حلفاء خارج الحدود، من بينهم إيطاليا وفرنسا وروسيا وقطر والسعودية والإمارات.

في كلا البلدين، تحضر الآثار الكارثية للصراع الخليجي بين محور السعودية ومحور قطر؛ وفي كلا البلدين تحضر جماعات قاعدية وجهادية وإسلامية متنوعة خرجت أساساً من عباءة الثورات على الأنظمة، ثم أظهرت استعداداً كلبياً للانقضاض على المجتمع والاستيلاء على السلطة؛ وفي كلا البلدين نجد ملامح من شكل الحكم الذي تقترحه السعودية والإمارات وتدعمه في كل بلد عربي تستطيع العبث فيه، حكم السلطة العسكرية التي تستخدم القوة العارية، ولا تقدم خطاباً من أي نوع سوى خطاب الاستقرار المحروس بالجماجم والدماء. والأهم، أننا نشهد في كلا البلدين تشتتاً وضعفاً رهيباً في جبهة القوى المناهضة للاستبداد، وتدخلاً إقليمياً ودولياً مهووساً بمقولات دعم الاستقرار والحرب على الإرهاب.

*****

لو أردنا أن نختزل إرث العام 2013، لقلنا إنه عام استعادة الأنظمة العربية لتماسكها بعد أن كادت ثورات وانتفاضات 2011 تطيح بها، والعام الذي صارت بعده سوريا أمثولة يتم استخدامها صراحة ودون مواربة لتحذير الشعوب العربية من نتائج أي انتفاضات أو ثورات تقوم بها، والعام الذي غرقنا فيه في بحر الإفلات من العقاب وتعميم المذبحة بوصفها أداة رئيسية تكاد تكون وحيدة للحكم في سوريا، وبدرجة أقلّ في مصر.

واليوم إذ نكتب عن إرث هذا العام الرهيب، نرى من خلف أكوام الجثث وبحار الدماء وغبار المعارك كيف أن استراتيجية التهديد بالمذبحة والإبادة لم تنفع في إغلاق أبواب التاريخ التي انفتحت عام 2011 على مصراعيها، وتشهد على ذلك أحداث العام 2019 في الجزائر والسودان، التي سجلت عودة مهيبة إلى ساحات الاحتجاج والثورة، وأنجبت مسارات أقل استعصاءً، تحضر في القلب منها فكرة أن استخدام سوريا كوسيلة للترهيب والتأديب لم ينجح تماماً، وأن هناك ما تستطيع شعوب البلاد العربية فعله لامتلاك مصائرها والسير خطوات على طريق صنع حياة أفضل، وعلى طريق بناء أنظمة سياسية أقل وحشية وأكثر عدالة.

لا تزال المعركة طويلة، ولا نهاية أو آجال زمنية معلومة لها، ولا ضمانات في أنها ستؤول بنا إلى حياة أفضل، خاصة أن مثال سوريا على وجه التحديد يشرح كيف أن المسألة هي مسألة فساد نظام عالمي كامل، وأن المواجهة مع الأنظمة الحاكمة في بلادنا مواجهة ذات طبيعة عالمية، لا يمكن خوضها والانتصار فيها دون الضغط لإحداث تغيير جذري في بنية النظام السياسي الدولي، الذي يقوم على تقديس الدولة وعبادتها، وعلى الإعلاء من شأن مفهوم السيادة الدولتي على حساب حقوق البشر في العيش والحرية.

وبعد، لقد سُحقنا في سوريا، وتم تدمير بلادنا ورهن حياة أهلها لتوازنات وصراعات دولية لا يملكون أي تأثير فيها، لكن كفاح السوريين الشجاع من أجل الحرية والعدالة لا يزال حياً يرزق، وأياً تكن النهايات التي ترسمها القوى النافذة في العالم للحرب السورية، فإنها لن تستطيع أن ترسم مصائرنا بإرادتها المنفردة، ولن تستطيع أن تغير من أصل صراعنا، الذي هو صراع مع حكم السلالة الأسدية الضارية، ولا مجال لإنهائه بغير تفكيك هذا الحكم وفتح صفحة جديدة من تاريخ البلاد.

*****

ما في للأبد! عاشت سوريا، ويسقط بشار الأسد!