عودة سعودية إلى الملف السوري

 

لم تكن زيارة وزير الدولة السعودي ثامر السبهان إلى منطقة الجزيرة السورية أواخر الأسبوع الماضي هي الأولى، بل كانت له زيارات سابقة مماثلة خلال الأعوام الماضية، وكذلك فإن الحضور السعودي في مناطق سيطرة قسد ليس جديداً، فهي حاضرة أصلاً إلى جانب قوات التحالف الدولي، لكن هذه الزيارة تكتسب أهميتها من الظرف السياسي المحلي والإقليمي المرافق لها، ومن أنها تأتي في سياق رغبة سعودية بالعودة إلى الملف السوري سياسياً، بعد نحو عامين من الابتعاد الظاهري عنه، والغوص أكثر في الملف اليمني والانقسام الخليجي.

وكان ثامر السبهان، الذي يشغل موقع وزير دولة للشؤون الخارجية في السعودية، قد اتجه إلى كردستان العراق، ومنها إلى الأراضي السورية، ليظهر يوم الخميس 13 حزيران الجاري برفقة نائب وزير الخارجية الأميركي جويل رابيون والمبعوث الأميركي لشرق سوريا ويليام روباك في حقل العمر النفطي بريف دير الزور الشرقي، ويلتقي هناك عدداً من وجهاء العشائر العربية، من بينهم جميل الهفل وحاجم البشير من شيوخ قبيلتي العكيدات والبقارة، بالإضافة إلى قياديين في قوات سوريا الديمقراطية.

الهدف المعلن لهذه الزيارة، التي جاءت بطلب أميركي، هو تنفيذ المرحلة الثانية من الحرب ضد تنظيم داعش، التي تتمثل في العمل على منع عودة التنظيم من خلال تقديم دعم مادي للمنطقة بهدف إعادة بناء ما خلفته الحرب من دمار في البنية التحتية والاقتصادية، وتقديم الدعم الاقتصادي اللازم من أجل ضمان الاستقرار في المنطقة، التي شهدت قبل أشهر حركة احتجاجات مطلبية ناتجة عن تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية فيها.

لكن هذه الزيارة جاءت في سياق تصاعد التوتر بين طهران والولايات المتحدة، وفي سياق استمرار المباحثات حول مصير منطقة شرق الفرات بهدف الوصول إلى تفاهمات تحول دون عملية عسكرية تركية فيها، وأيضاً بالتزامن مع حراك دبلوماسي قام به مساعد وزير الخارجية الأميركي جويل رابيون والمبعوث الأميركي لسوريا جيمس جيفري إلى القاهرة، وزيارة السبهان نفسه لكردستان العراق قبل توجهه إلى سوريا، وهو ما يوحي بأن السعودية جاءت باحثة عن دور لها وسط هذه الظروف المعقدة.

وتفيد التسريبات بأن المشروع الذي تحمله السعودية هو إنشاء ودعم قوة عسكرية من أبناء العشائر العربية في المنطقة، تسيطر أمنياً وعسكرياً على مناطق دير الزور الخاضعة لإدارة قسد، بهدف حمايتها من خلايا تنظيم داعش، وتكون جاهزة، في حال تطور الصراع الأميركي الإيراني، لخوض معركة مع ميليشيات إيران المتواجدة في دير الزور على ضفة الفرات الأخرى، والمساهمة في حماية القوات الأميركية الموجودة غرب العراق في الأنبار بالتعاون مع العشائر السنية العراقية هناك.

وتلعب الخلفية العشائرية للسبهان دوراً في اختياره لهذه المهمة، فهو ينتمي لقبيلة شمر التي لها امتداد في العراق وسوريا، وتجمعها علاقات جيدة مع عشائر دير الزور، وبالتالي فإن وجوده يساهم في تذويب الجليد وإزالة حاجز عدم الثقة الموجود بين العشائر والأميركيين نتيجة التجربة العراقية السيئة على هذا الصعيد، ويساهم أيضاً في تقديم تطمينات للمكون العربي من خلال تأمين الدعم الاقتصادي للمنطقة، وفي الوقت نفسه تقديم تطمينات للقيادة الكردية في قسد، وهي التطمينات التي تجلت في التسريبات التي تحدثت عن قبول سعودي بإشراك قسد في الهيئة العليا للمفاوضات، بعد لقاء الرياض 3 الذي يفترض أن يعقد قريباً.

هكذا إذن يبدو أن الجهد السعودي ينصب على تقديم مكاسب سياسية لقسد، في مقابل أن تقوم الأخيرة بتسليم إدارة المناطق ذات الغالبية العربية التي تسيطر عليها لقادة وشخصيات من أبناء تلك المناطق، مع مواصلتها الإشراف عليها سياسياً وتمثيلها في مؤسسات المعارضة، وهو ما ستستفيد منه القيادة الكردية لقسد أيضاً في حال تطور الصراع الأميركي الإيراني إلى مواجهة مسلحة، إذ أنه سيسمح لها بتجنب الانخراط المباشر في المعركة.

كذلك حملت زيارة السبهان رسائل أخرى تتعلق بمواجهة احتمالات عمل عسكري تركي في شرق الفرات، وهو ما يبدو واضحاً من خلال التسريبات التي تحدثت عن اشتراط السبهان على وجهاء العشائر العربية عدم التواصل مع الجانب التركي في مقابل تقديم الدعم لهم. وعلى الرغم من استمرار المباحثات حول إنشاء قوة عسكرية مشتركة من قوات تيار الغد العربي التابع لأحمد الجربا ومقاتلي بيشمركة روج آفا الأكراد، بهدف إنشاء منطقة عازلة الحدود السورية التركية ترضي جميع الأطراف، إلا أن زيارة السبهان وما تحتويه من تعزيز للحضور السعودي، ربما تكون جزءاً من الاستعدادات لمواجهة احتمالات فشل هذه المباحثات، من خلال خلق توازن مع تركيا وحرمانها جزءاً من نفوذها الذي يعتمد على أبناء العشائر العربية.

لكن بالمقابل، فإن هذه الخطوات، وعلى رأسها احتمال إشراك قسد في الهيئة العليا للمفاوضات، ربما تدفع الجانب التركي إلى خلط الأوراق مجدداً، سواء عبر رفض مقترح المنطقة العازلة والإصرار على تنفيذ عملية عسكرية في شرق الفرات، أو عبر تعطيل العملية السياسية بالاستفادة من النفوذ التركي الواسع في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وفي الهيئة العليا للمفاوضات، وخاصة عبر كتلة الإخوان المسلمين.

لكن يبقى أن ثمة سؤالاً مفتوحاً بخصوص الحراك السعودي، وهو مدى قدرة السعودية على تشكيل قوة عسكرية عربية وازنة، في ظل الانقسام الحاصل لأبناء المنطقة، وتوزع المقاتلين منهم بين قوى سياسية إقليمية ودولية مختلفة ومتنافرة، حيث يتوزعون على قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية المرتبطة بالتحالف الدولي، وعلى قوات درع الفرات وغصن الزيتون الموالية لتركيا، وعلى ميليشيات تابعة لنظام الأسد، وعلى فصائل مرتبطة بالولايات المتحدة وبريطانيا في التنف أقصى شرق البادية السورية.

تحاول السعودية إذن العودة إلى الملف السياسي السوري، لكن عودتها هذه المرة لا تتعلق بالصراع مع نظام الأسد أو بالموقف منه، بل تتعلق بالصراع على النفوذ الإقليمي مع تركيا، وباحتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتستخدم في عودتها هذه أوراق الدعم المالي والعلاقات العشائرية، دون أن يكون واضحاً ما إذا كانت هذه الأوراق كافية فعلاً لتغيير شيء على الأرض.