عيد حلب

 

دفعني حنين ساعات العيد الأولى إلى حلب. جاهداً حاولت تذكر تفاصيل اليوم الأول التي اعتدنا ممارستها، لتُفلت كلها من بين أصابعي إلّا تلك المتعلقة برائحة تبغ والدي. على فراشه كان يشرب قهوته بكأس زجاجية – لم أره يوماً يشرب قهوة في فنجان – ويعلن قدوم العيد بإشعال لفافة من تبغ «الغازي» موضوعة في كيس «كابتن بلاك» كان يغيره في كل عيد، ويضيف لدخانه شيئاً من رائحة تبغ الغليون. على الباب كنا نتسابق لدخول الغرفة والانحناء على يده لتقبيلها، فيما تجلس والدتي على أريكة مقابلة وهي تبتسم لنا.

كل ما أردته اليوم الحصول على «الأمزك» الخشبي الذي تركته على رف الخزانة قبل نزوحي الأخير عن المدينة. حين وصلت إلى والدتي سألتني إن كنت قد أحضرته، لعلها أرادت منا أن نعايده وهي تستنشق الرائحة وتجلس على أريكة مشابهة لتعيد استحضار ذاكرته من جديد.

لم أشاهد مرةً ومنذ نزوح أمي من حلب مكحلة الحجر خاصتها، والتي لم تكن تفارق صباحاتها. مازحاً سألتها منذ أيام عنها في يوم العيد. أخبرتني أنها تركتها في المدينة، وأن أحداً لم يعد يلاحظ صغر عينيها، وحين ضحكت قالت «لا لون للكحل خارج المدينة».

العيد في المدينة القديمة

يقول أحد جيراني من الحارة القديمة، والذين ما زالوا يسكنون في حي طريق الباب، إن العيد هذا العام على قدم وساق، مضيفاً مقولة لربما اختار مفرداتها بعناية: «هذا العيد الأول منذ سنوات الذي شعرنا فيه بطعم وتفاصيل العيد القديم». لعلّه أراد إغاظتي أو إخفاء ما يحدث في المدينة والدفاع عن خياره بالبقاء فيها. سألته عن منزله بالحي والذي شهدتُ دماره ببرميل متفجر في عام 2014. قال إنه استأجر منزلاً آخر، وأنهى حديثه معي.

لا أنكر أنه استطاع إغاظتي وإثارة حقدي بآن. هم الآن ينعمون بعيد المدينة شوارعها وأحيائها، ونحن لاجئون نعيش عيدنا وحيدين وغرباء من خلال التسجيلات الصوتية، وإن سمحت شبكة الإنترنت ببعض مقاطع الفيديو، وهو ما دفعني لمشاهدة عشرات الصور ومقاطع الفيديو عن أجواء العيد في حلب.

من خلال التقارير الصحفية الموالية لنظام الأسد وبعض الصفحات المخصصة لأحيائنا، خاصة الشرقية منها، اكتست أسواق المدينة حلّة من العيد، بضائع كثيرة على واجهات المحلات. سوق سد اللوز أعيد افتتاح وترميم معظم محلّاته، الميسّر أيضاً والفردوس والكلّاسة والزبدية… إلّا أن الغائب الوحيد عن تلك الأسواق هي «البشر». فالمقاطع التي صُوّرت خلال وقفة العيد، والتي كانت أكثر أوقات السنة ازدحاماً في السابق، لعادة حلبية قديمة بتأجيل شراء كل شيء إلى يوم الوقفة، أظهرت أعداداً قليلة من المارّة، مقابل بضائع مرتبة لم تنقص.

الطريق بين دوار الحلوانية والشعّار، والذي كان يصعب على الإنسان المشي فيه خلال وقفة الأعياد، كان شبه فارغ، وتتصدر المشهد بيوتٌ مدمرة خالية من السكان، فلا غسيل على الشرفات ولا أضواء من خلف النوافذ التي غابت عنها الستائر، والشرفات العارية من الشوادر (سِمَة المدينة) خلت من أصص الزرع وأكياس البصل وقلادات الثوم والمونة. لم يكن هناك من أحد، قلت في نفسي وأنا أقلب باقي الصور.

في الهلك، كان سوق بعيدين يضم عدداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من عربات الخضار، أما السوق المسقوف في مدينة هنانو فلم يفتح أبوابه بعد، وبدت البيوت المسكونة أشبه بـ«رقعة في ثوب».

يقول أبو جميل، صاحب محل حلويات عربية في حي طريق الباب: «قضيت الأيام السابقة للعيد في التحضير، كنت آمل بموسم جيد، إلّا أن معظم بضاعتي ما زالت على حالها». صرتَ ترى أشخاصاً يشترون الحلويات بـ«مئات الغرامات». تلك حالة لم نكن نعرفها سابقاً، ولكن معظم الناس تجاهلوا العيد لأسباب كثيرة، أهمها الظروف الاقتصادية السيئة، مكتفين بـ«الفرجة والتحسّر».
ليس الحال أفضل في محلّات الألبسة، يقول أبو بكري، صاحب محل في سوق الشعار. فكلفة ثياب العيد من النوع المتوسط للأطفال تزيد عن خمسة وعشرين ألف ليرة، ولذلك لجأ الناس إلى محلّات «البالة» المنتشرة بكثرة، والتي كان اللجوء إليها سابقاً «عاراً في المدينة، فقد كان يخجل السكان دخولها، أما اليوم فباتت أكثر الأماكن ازدحاماً، وتحوّلت إلى مفاخرة في حال الحصول على قطعة جيدة».

لا رائحة للكعك في حي مساكن هنانو، تقول أم يوسف، المدرّسة في الحي. «كانت صناعة الكعك أولى علامات العيد، ولأهل حلب قصة مع صناعته بأنواعه من المعمول إلى الكعك بعجوة والبرازق والناطف، كنتَ تشم رائحة اليانسون والسمن العربي والشمرا والمحلب من كافة البيوت، أما اليوم فتغيب الرائحة ويغيب معها كل تلك المنتجات». تتحسر أم يوسف، التي بقيت في منزلها عند سيطرة قوات الأسد على المدينة، وهي تَعُدُّ أربعة منازل فقط، في البناء الذي تسكنه، لا يزال يقطنها سكانها، وتضيف أن وجوهاً جديدة غزت المكان، فبات من الصعب تبادل التهاني في العيد أيضاً.

في إدلب المدينة، والتي نزحت إليها السيدة عائشة عبد العظيم بعد تهجيرها القسري في نهاية عام 2016، لتعيش مع ذكرياتها عن حلب، تتذكر أسواق المدينة وتقسمها إلى مراتب، فسوق سد اللوز وباب الحديد لأصحاب الدخل المحدود، والتلل وسيف الدولة لأصحاب الدخل المتوسط، أما العزيزية وشارع النيل والموكامبو والأشرفية فلم نكن نستطيع شراء احتياجاتنا منها، كانت عصية علينا نحن «الموظفين والعمال».

يشبه ما قسمته عائشة واقع الحال اليوم، وكأن حلب ما زالت شرقية وغربية كما كانت، مع فارق وحيد أن الأحياء الشرقية فقدت ساكنيها الذين كانوا يملؤون المكان ليلة العيد.

لا مراجيح في مساكن هنانو ودوار الحلوانية وساحة مدرسة الكفاح وسوق الصاخور وساحة الحيدرية. تقول أم يوسف إن كل شيء بات مرتبطاً بالأحياء الغربية، بما في ذلك فرح الصغار. «تلك المدينة لن تعود للالتئام من جديد».

لا يعرف أحمد أبو جاسم السبب في تأجيل كل شيء إلى وقفة العيد قديماً. يربط القصة بحسابات كثيرة، وبيد كانت قصيرة عن الوصول إلى كل الاحتياجات، إلا أن قراراً مفاجئاً كان ينتزع من أهالي الأحياء الشرقية حساباتهم الاقتصادية من أجل إفراح أطفالهم، حتى لو كان الثمن ديوناً ستتراكم لأشهر كثيرة بناء على قاعدة متداولة بين السكان مفادها «مكسورة ومكسورة» وتعني أن ديناً آخر لن يزيد من هموم الحياة المتعبة في الأصل.

يحاول أبو محمد أن يخفي غَصّته بعد خروجه من المدينة. صوته اختنق ببكاء رفض إظهاره وهو يتمنى العودة إلى أزقتها. بدا حلم العودة بعيداً: «خمسة أعياد مرّت على اقتلاعنا من مدينتنا، ولا أعرف كم عيداً سيمضي دون أن أمرّ في شوارع العبّارة، أشتري حفنة من الفستق الساخن الذي يبيعه الرجل الذي عرفتُه طوال سنواتي الأربعين التي قضيتها في المدينة بأنه من السودان، لم يخطر في بالي أن أسأله عن هويته، ثم أجلس في الساحة لأراقب طوفان البشر على محلّات الأحذية، أسرق قليلاً من الوقت لأشتري صندويشة شاورما أو كبّة صاجيّة من عند الزمّار أو فلافل الفيحاء لأسكّت جوعي، قبل أن أنضم إلى الطابور الطويل على محل حلويات حلب، ثم أمشي على الأقدام إلى كرم البيك، فالشوارع مقطوعة حتى حديقة ميسلون، حيث الحصول على مقعد في السرفيس ضرب من المستحيل».

ينتظرني صديقاي الأحمدان لأنهي عملي في صيدليتي. وقفة العيد يوم موسم لي أنا الآخر، حيث أبقي فيه صيدليتي مفتوحة حتى منتصف الليل. نركن السيارة قريباً من حي الجابرية ونكمل طريقناً مشياً إلى شارع التلل. نراقب النساء الجميلات، حيث «العيد يحوّل فتيات المدينة إلى دمى جميلة»، ثم نقف عند بائع «الجبنة»، والتي كان يطلق عليها صديقي بلهجته البدوية «الطبوغات». نصيع في شوارع حلب ونتوه فيها ونحن نحمل أكياساً كثيرة. قال لي أحد هؤلاء الأصدقاء، وهو الآن في تركيا، أنه بات ليلة الوقفة ينتظر اتصالي للذهاب إلى هناك، أما الآخر الذي في ألمانيا فاكتفى بإرسال معايدة على الواتسآپ، وأنا في فرنسا أعاني من اضطراري للاستيقاظ باكراً والوقوف على الدور الطويل لاستخراج «الإقامة».

تغيّرت ملامح حلب. لم يكن احتلالها من قبل قوات الأسد وميليشياته حدثاً عادياً في حياة المدينة، بل شيئاً أشبه باقتلاع الذاكرة وتحوير وجهها وتفاصيلها. علينا اليوم أن نحفر جيداً لتذكّر تلك المعالم الغائبة، أن نبحث طويلاً عن الطريق المؤدي للمقابر والأسواق وعربات الضيافة، لاسترجاع طعم «الكبة السَّفَرْجَلية والسّمّاقية»، رفيقتَي درب الحلبيين في أول أيام العيد، أن نحاول ولو خيالاً لم شمل الأسر في بيت واحد، فالخنادق اختلفت، ولم تخلُ عائلة من شهيد أو مهجّر أو نازح أو لاجئ. أما الأمهات فقد سئمن صناعة الكعك وانتظار من يأكله، واكتفين بمطاردة غيّابهم على وسائل التواصل الاجتماعي، والأطفال أيضاً غابت عنهم أغاني «يا حج محمد» و«يا ولاد العيد» و»سكر مكر».

جحش العيد

يقول الغزي في كتابه نهر الذهب: «كان يخرج قبل العيد بيومين رجل في رأسه قلنسوة طويلة، في أعلاها ذنب ثعلب، وفي يده دفّ يضرب فيه، وأمامه بغل مدرع بالخرز والودع، ويقف على كل ذي دكان ويمدحه ويرقص له، فيعطيه شيئاً من النقود وينصرف، ويقال لهذا الرجل جحش العيد»، واصطلح الحلبيون إطلاق التسمية لاحقاً على اليوم الذي يلي العيد، إلّا أن صور القائد ووجوه الشبيحة الذين فُرضوا على المدينة، يحكمونها ويسرقون خيراتها ويفرضون ضرائبهم على سكانها ومحلاتها، أعادت لجحش العيد صفته القديمة. هذه المرّة كان على السكان الرقص بالقلنسوات ومديح القائد ودفع النقود لجحش العيد.