فراغات الرجولة

 

صوتٌ أول

هرعتْ طالبتي إليَّ حين رأتني في الطريق، تشكو شبه باكية خوفها من الشاب الذي يلاحقها يومياً من باب بيتها حتى باب المدرسة؛ أشارت بيدها إليه، وقالت لي «هو»، ثم تركت الباقي عليّ. لم أحتمل أن أرى منظر الفتاة المسكينة وهي تُلاحَق من شاب «أزعر» يكبرها بسنوات، ذهبتُ باتجاهه، ثم صرختُ عليه وطردته من قُرب باب المدرسة، بعد أن قمعتُ رغبة عارمة في صدري بضربه وشتمه. شعرتُ لوهلة أنه نبتت في وجهي لحية، وتبرعمت في زنديَّ عضلتان مفتولتان، وفي حنجرتي هتفَ صوتٌ رجوليٌ خشنٌ بدلاً من الصوت الأنثوي المعتاد. يبدو أنني أزدادُ غضباً وعنفاً مع الأيام، وأتقمّصُ أدواراً ما عهدتها من قبل، وباختصار، صار الدم يغلي في عروقي أكثر من العادة منذ عدتُ مُجبرة للعيش في مناطق سيطرة النظام.

كتبتُ مرة عن كوكب زمردة، كتبتُ مرة أخرى عن شبّان يتحدثون أمامي أنهم لن ينقذوا فتاة تتعرض للاعتداء لأنهم لا يعلمون من قد يكون المعتدي، ولأنه «ياروح ما بعدك روح»،  وكتبت مرة أيضاً عن الناس الذين قاطعوا أخبار الثورة منذ سنوات ولم يعودوا يبالون بها، واليوم أكتب عن تفاعل الناس مع الأحداث التي تدور حولهم في مناطق سيطرة النظام، عن موت حواسّهم تجاهها. ولا يتعلق الأمر هنا بإطلاق الأحكام على أحد، بقدر ما هو حسرات على مشاهد كثيرة أربأ عن ذكرها هنا، مع أنني أغضب ممن يمكن أن يوجهوا لنا، نحن الموجودون في هذه المناطق تهمة التخاذل والضعف والتناسي، رغم بعض صحة ذلك؛ ألم يصبح كثيرون منا كذلك فعلاً؟ سواء في الداخل أو الخارج؟ إذن لا يحق لأحد توجيه إصبع الاتهام إلى أحد. أكتب هذا وأنا أَنظرُ إلى الشبان المتبقين في مناطق سيطرة النظام، الذين تتنازع في صدري تجاههم مشاعر مشوشة، أولها الشفقة، وأشقاها الحنان، لكنه ليس الحنان الأنثوي المعروف، بل هو حنان الأخ على إخوته الفتيات، الذي يعلم أنه يمكن أن يدفع حياته ثمناً لحمايتهنّ في لحظة خطر. أنظرُ إليهم بغصّة شديدة وغيرة حارقة، ليس سهلاً أن ترى شبان مدينتك وقد أصابتهم البلادة والخوف والحذر المبالغ فيه، وتجاهل كل ما يجري حولهم، والالتصاق بالحيطان طلباً لأمانهم وأمان وجودهم في هذا المكان.

لأول مرة في حياتي بدأتُ أشعر كما لو أن هرمونات الذكورة تصرخ فيَّ، تدوي في جسدي وتُحرق حلقي. لم أنتبه إلى أمر كهذا في السابق، عندما كنتُ أسكن في منطقة خارجة عن سيطرة النظام، لكن يبدو أن قلّة الرجال هنا عاثت في فكري، وربما في جسدي، تخريباً. تلك الملاحظة التي قالها لي أحد أصدقائي المقيمين في الخارج مازحاً، بأن عليَّ الذهاب إلى طبيب نفسي، حين وصفتُ له عادتي الجديدة في الجلوس خلف ظهر سائق السرفيس آخذةً مكان «الرجل الغائب»، الذي يجلس عادة في هذا المكان ليحمي الإناث من جلسة مربكة، وليجمع الأجرة من الراكبين. لأول مرة أشعر أن الجانب الذكوري فيَّ ينتصر على الجانب الأنثوي، لأن فقدانه هنا أليمٌ وجارح، وطغيان الأنوثة بمعناها السائد المرتبط بالضعف والعار والهزيمة يجعلني أكثر تمرداً على طبيعتي المفروضة عليّ كأنثى. ازديادُ عدد النساء على حساب عدد الرجال دليلٌ على خسارتهم وتقهقرهم، وأنا أرفض ذلك، أرفضه، أرفض عار الهزيمة وضعف «الأنوثة» المكسورة تحت وقع الاستبداد والموت والنزوح. لا شيء يمنع أن أحمل أنا، الأنثى الساخطة، في داخلي تمرّدَ الرجال وغضبهم وعنفوانهم؛ لا أحد سيبالي إن كنت أنا الأنثى، التي تملك طبقة صوت منخفضة وتخاف من قول «لا» في كثير من الأحيان، قد تلبّسها جنيٌّ رجوليّ، يسعى لأن ينسخ دورها المفترض كامرأة ويملأ بدلاً عنه فراغ غياب «الرجولة» بمعناها المتشابك، في مكان قُتلت روح الناس فيه، وهُشّمت كراماتهم.

يصعبُ أن أشرح كيف أن الحاجة للشعور بالرجولة المفقودة أصبحت مثل عبء يطاردني منذ سكنتُ هنا، وباتت تفرض عليَّ أن أقوم بواجباتها نظراً لغيابها عند كثيرين، رغم أني نصيرة المرأة كما أتبجح أمام من حولي، ونصيرة حصولها على كامل حقوقها ورفع الظلم عنها ومساواتها مع الرجل، لكنّي أيضاً، أنا المرأة التي يشقّ عليها رؤية بلدها وقد بات معظم سكانه من النساء والأطفال وكبار السن والشبيحة، وشبان صغار مذعورين من الخدمة العسكرية، يخططون للسفر منذ سنتهم الثانية أو الثالثة في الجامعة، بالإضافة إلى اليافعين من مواليد أواخر التسعينات وما بعد العام 2000، وما أكثرهم، لا سيما من يحاولون التشبه بجماعة «نحن الدولة ولاك»، الذين يتكاثرون مثل النمل على مدرجات ملعب حمص البلدي وعلى رصيف مقاهي شارع الحمراء، وفي ممرات الجامعة والحدائق والمقاهي ومحلات الـ «بلاي ستيشن». أنا لا أصادر حقهم في عيش كل ذلك، لا أصادره،  أقول، يشقُّ عليَّ رؤية مدينتي وقد أصبحت بهذا الخنوع، والخنوع ليس حكراً على الرجال ولا النساء، كما أن «الرجولة» التي أثبتها أهل المدينة الخاسرة في ذروة ثورتهم لم تكن حكراً على الرجال.

الرجولة كما أعنيها هنا هي حاملٌ لمعاني الشجاعة ورفض الظلم، واتخاذ المواقف الحاسمة، والتصرف بمهابة أمام دماء سُكبت وأرواح أُزهقت وأحياءَ دُمِّرَت. دعونا من فكرة الذكورة والأنوثة المرتبطة بالرغبة بالتحول الجنسي نظراً لظروف بيولوجية أو نفسية ما، ودعونا أيضاً من مسلسل باب الحارة وعنتريات رجاله السمجة وهوان نسائه؛ الأمر مختلفٌ هنا، ولربما بات على اللغويين أن ينحتوا كلمة توازي في معناها محمولات مفهوم «الرجولة» بحيث تنطبق على الجنسين معاً، فأنا امرأة بكامل أنوثتها، تحمل في داخلها توقاً لملء فراغ الرجولة المفقودة، رجولة من وقفوا في وجه الظلم وحاربوا بطش الطرف الآخر، الذي يدّعي «الرجولة» أيضاً، لكنه يمارسها تعذيباً وتنكيلاً بحق خصومه.

نون النسوة الخاصة بي تصبح ميماً وتنهزم أمام الظلم، تاء التأنيث تمتد خطاً واهياً في الفراغ وتختفي نقاطها أمام أي حدث جلل يمرّ مرور الكرام على رجال ونساء محسوبين على مدينة كانت تُدعى في ما مضى عاصمة الثورة، وصوتها، كانت ابنتها وهيبتها أيضاً، وأنا: «تعرفون أنَّ أنا هو أنتم» كما يقول رياض الصالح حسين، أو بعض أنتم. أنا أريد أن أكون رجلاً، أريد أن أمتلك صوتاً جهورياً خشناً يصدح في الطرقات وفي البيوت، وأمام عناصر النظام الذين يبدون أمامي، ببدلاتهم العسكرية الخضراء وبنادقهم الملقمة على ظهورهم المحنية وعيونهم التي تكاد تخرج من محاجرها، مثل ضفادع دبقة بلسان طويل لزج؛ أريد أن أصرخ في وجوههم، أريد أن أصرخ في وجوه الجميع، الجمييييع، بصوتي الخشن، بدلاً من البكاء الصامت، بدلاً من آلام النفس المتكررة والشكوى من العجز وقلّة الحيلة، والرضوخ لليأس الذي جعلني أشبه بالشبح اليائس غير المرئي، الشبح الواهي الذي نُزعتْ منه سِمة المهابة لتبقى سِمة الغياب فقط.

صوتٌ ثانٍ

كيف يمكن أن أشرح لمن حولي أن هذا اليوم سيمرُّ من دون وجود صوت مدينتنا الحقيقي وبحّتها وضميرها؟ أنظر إلى من حولي، في العمل والبيت والطرقات، وفي المقهى المليء بالإناث، الذي أجلس فيه على طاولتي وحيدة وأكتب منه الآن وأنا أستمع سراً عبر سمّاعة هاتفي إلى أناشيد الساروت، ودروبٌ من الدموع تسيح بصمت على وجهي.

يبدو المشهد، بما فيه أنا، بغيضاً أشد البغض، تمتزج الأغاني في رأسي، أسمع في إحدى أذنيَّ أغنية يضعها أصحاب المقهى تقول «شبّت بقليبي نارة يمّا الحب يمّا»، وأسمع في الأذن الثانية أنشودة للساروت تقول «ويا وطن يا حبيّب... يا بو تراب طيب... حتى نارك جنة... حتى نارك جنة»، وأنا أسكن نار الوطن، جهنمه، هل تكون هذه جهنم التي يتحدثون عنها؟ هل تكون؟

يسألني أشخاص مهجّرون ومسافرون عبر الإنترنت عن وضع المدينة في هذا اليوم، عن «حزن» المدينة المُفترض في هذا اليوم، يوم وفاة الساروت، عن «آثار ذلك» عليها. أتجاهلُ الردَّ على الرسائل، وأخجل أن أكتب، ربما ينفع لو آخذُ صورة للمدينة وأرسلها لهم، لأني أخجل أن أكتب، أخجل. لكنّي بالفعل أُمسكُ هاتفي، وأفتح على تطبيق سناب شات، وأحوّلُ نفسي في إحدى خياراته إلى رجل، ألتقط صورة لنفسي وأنا بهيئة رجل، وأنظر إلى وجهي الذي أصبح يبدو أقرب للذكور منه للإناث، مع حنكٍ عريض ولحية باهتة وحواجب كثيفة، أحتفظ بالصورة، وأحلم لو أنه بإمكاني أن أطير بالزمان والمكان كي أستطيع الخروج في جنازته. أعرفُ أن هذا كله محض خيال في رأسي، فالواقع هنا أبعد ما يكون عن أي جوّ جنائزي، ولا هو أيضاً جوّ فرح طبعاً؛ كيف أصفُ جوّ الحظيرة؟ قد يكون وقع الكلمة قاسياً، ولكن ماذا أسمي مكاناً يُجبَرُ سكّانه على العيش بلا وعي ولا إرادة ولا حتى قدرة على التفكير بما يجري خارجه؟ ونعم أريد أن أكون رجلاً، أريد الخروج من هنا، ضقتُ ذرعاً بجسدي وضعفي وقوانين أسرتي وأقاربي ومن حولي. في يوم استشهاده بالذات، شددتُ من بأسي وسألتُ بعض زملائي في العمل، أولئك الذين كانوا شركاء سابقين في الثورة، «شركاء سابقون؟!»؛ يجيبني أحدهم: «من؟ الساروت؟ مات، ألم يمت منذ سنوات؟»؛ يجيبه الآخر: «فعلاً ظننته مات منذ سنين»؛ يجيب الثالث: «ظننته في تركيا وقد ترك الثورة»؛ يقول الرابع: «ألم يصبح داعشياً؟»؛ يقول الخامس وكأنه يسمع عن نهاية حدث في مسلسل: «يا حرام، معناها بالآخر مات»؛ أضع على وجهي اللحية وأستخدم الصوت الخشن وأقول لهم: «نعم.. يا ولاد الكلب استشهد وليس مات، على الأقل تحدثوا عنه بحرقة أكثر، باحترام أكثر». تتصل بي صديقتي، ومن دون مقدمات، تقول لي: البقية بحياتك؛ تختفي اللحية، وأجيبها بصوتي الأنثوي: الله يتقبله في عليين؛ ترسل لي صديقة ثانية: العمر إلك، وتستمر العزاءات على الهاتف، تأتي بمعظمها من صديقات قديمات يسكنَّ معي هنا في عاصمة الثورة الخاسرة، آخذُ زمام المبادرة، ثم أقوم بنفسي بإرسال العزاءات أيضاً. على الهاتف نقول لبعضنا: البقية بحياتك، لا نذكر الاسم، ولا نحدد شيئاً، لكن المعنى يبقى في قلب الشاعر، أعني «الشاعرات والشاعرين» بما حدث، فلتسقط اللحية، ولتسقط الرجولة، ولتسقط الأنوثة أيضاً، وليسقط  الجميع وليسقط كل شيء، كما تقول لافتة أهالي كفرنبل الشهيرة.

أخرج من المقهى، ودروب الكحل على وجهي تشكل خطوطاً سوداء ملتوية، وجفوني السفلى سوداء أيضاً، لا أبالي، اللعنة على من يهتمّ وعلى من ينظر، لا أبالي، أشعر بأني حمارٌ وحشيٌ في حظيرة بخطوطه السوداء والبيضاء، لماذا يطلقون عليه اسم «حمار»؟ يمرّ من أمامي ضفدع أخضر، يضع على جيبه مسدساً ظاهراً، أركّز عيوني على المسدس، وأنسى كل شيء، أنسى كل من حولي، أنا حمار وحشي وأمامه ضفدع يضع على جيبه مسدساً، أقتربُ من المسدس، وللحظة معينة ألتفت، فأجد على يميني عيون نساء ورجال يراقبونني مذهولين، أجزمُ في سرّي أنهم عرفوا ماذا يجول بخاطري، أرمقهم بغضب، بلوم، بعتاب، وعلى فكرة، هذا فعلاً ما كان يدور في بالي، أن أسحب المسدس وأن أقتل، لا أعرف من أقتل، لكن أسحب المسدس وأقتل، والآن، لو كان المسدس في يدي، أقسم لكم أني لن أحتاج إلى لحية، أو صوت خشن، أو عضلات مفتولة، لأستخدمه وأطلق منه طلقات كثيرة على قلب وصدر ورأس وحنجرة كل من أوصلنا إلى هنا، إلى بلاد الغربة، إلى المعتقلات، إلى القبور، إلى هذه المكان الذي نشعر أننا نعيش فيه سجناء كالحيوانات.