فلاديمير بوتين وسياسات الأبد

هذه مقتطفات نشرتها صحفية الغارديان البريطانية بتصرّف، من كتاب المؤرخ الأمريكي والأستاذ في جامعة ييل تيموثي سنايدر The Road to Unfreedom: Russia, Europe, America (الطريق إلى اللاحرية: روسيا، أوروبا، أميركا).

صاغت مجموعة سياسات، سأسميها هنا سياسات الحتمية، درب الأميركيين والأوروبيين طوال قرننا الجديد، وتجلت هذه السياسات بحس التسليم بأن دورة المستقبل يرسمها مشهد الحاضر، بأن سنن التعاقب معروفة، ولا يوجد لها بدائل، وبهذا تكون محاولة فعل أي شيء يغير مناحي الأمور مجرد عبث. وقضى التصور الأميركي الرأسمالي لهذه السردية بأن السوق تولد من الطبيعة، والديمقراطية من السوق، وأن السعادة هي حصيلة ذلك. أما سردية أوروبا فكانت انبعاث الشعب من التاريخ، وتعلم الشعب من الحرب بأن السلام هو الخيار المحمود، وهكذا كان اختيار الشعب الالتفاف والتكافل والازدهار.

وكان هناك وجه ثالث لسياسات الحتمية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، فقد تلخصت سردية الشيوعية بأن الطبيعة سمحت بوجود التكنولوجيا، ورسمت التكنولوجيا تغيراً اجتماعياً أدى لاندلاع الثورة، ومن ثم تقوم اليوتوبيا على أسس الثورة. ولكن انتصرت سياسات أميركا وأوروبا لمّا تبيّن خطأ هذا التصور فيما أتى، والتفت الأوروبيون إلى إتمام تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1992. أما الأميركيون فقد استشفوا أن فشل سردية الشيوعية يعني صحة سردية الرأسمالية. وأمضى الأميركيون والأوروبيون ربع قرن تلا فناء الشيوعية يغرسون في عقولهم سرديات حتميتهم، لينشأ جيل ألفيٌّ جديد بلا تاريخ.

وكما يحدث في كل مرة، عاندت السياسات الأميركية الحقائق. فأفول شمس روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء عام 1991، كان درساً بليغاً بأن سقوط نظام واحد لا يترك وراءه دولة فارغة، ولا يتبع ذلك سنن الطبيعة التي تملأ هذه الفجوة بقيام الأسواق، ومن ثم اكتمال هذه السنن بتولد الحقوق من الأسواق.

ربما كان ممكناً التفطن لهذا الدرس من حرب العراق لو تمعن المسؤولون عن إيقاد حرب أميركا غير الشرعية في عواقبها الكارثية. فقد أدت الأزمة الاقتصادية عام 2008 وتحرير قيود تبرعات الحملات الانتخابية عام 2010 إلى تضخم تأثير أصحاب رؤوس الأموال على حساب الناخبين. وتعاظمت هوة اللامساواة الاقتصادية، وانكمشت آفاق الزمان، ومعها تضاءل عدد الأميركيين الذين استشرفوا مستقبلاً يزفّ معه واقعاً خيراً لهم من حاضرهم. عُدّ من المفروغ منه غياب دولة تستطيع تأدية وظائفها وضمان منافع اجتماعية لمواطنيها في بلدان أخرى – مثل التعليم، ومعاشات التقاعد، والرعاية الصحية، والنقل، والإجازات الأبوية، والعطل – مما أشعر الأميركيين بتدهور الحال يوماً بعد يوم وأفقدهم حس المستقبل.

وقامت سردية زمنية جديدة على أنقاض سياسات الحتمية، هي سياسات الأبد. فبينما تَعِدُ الحتمية بمستقبل أفضل للجميع، تُنَصّب سردية الأبد شعباً واحداً في قلب سردية الضحية التي تنسخ نفسها مرة بعد مرة. فلم يعد الزمن سهماً يسير أبداً باتجاه المستقبل، وإنما دائرة مفرغة تكرر نفس التهديدات من الماضي. تقول لنا الحتمية بأن الجميع معفيون من المسؤولية لأن التفاصيل ستترتب من تلقاء نفسها لترسم لنا واقعاً أفضل، أما الأبد فيخبرنا بأن المسؤولية لن تقع على أحد لأننا ندرك أن العدو قادم مهما حاولنا. ينظّر سياسيو الأبد للاعتقاد بأنه لن يكون للحكومة أن تساعد المجتمع بكليته، ولكن فقط أن تكون الدرع الذي يقي شر التهديدات. والتقدم الوحيد الحاصل هو التقدم نحو هاوية الهلاك.

وبتقلدهم لمناصب السلطة، يصنّع سياسيو الأبد الأزمة ويتلاعبون بالأحاسيس المتولّدة عن ذلك. ويوجهون المواطنين إلى إعماء أنفسهم بشعور الزهوّ بالنفس والغضب الآني في سبيل تشتيتهم عن عدم قدرة النظام، أو رفضه، للقيام بالإصلاح. ويحتقر سياسيو الأبد، على صعيد السياسات الخارجية، إنجازات البلدان الأخرى ويقوّضونها متى ما بانت نموذجاً في أذهان مواطنيهم. وببثّ التخيلات السياسية إلى كل منزل وأيضاً إلى الخارج، ينكر سياسيو الأبد الحقيقة ويسعون إلى اختزال مشهد الحياة في مسرحية مبهرجة وعواطف آنية.

تترجم الحتمية والأبد الوقائع إلى سرديات. فالمنجذبون إلى الحتمية يرون كل حقيقة شطحة بسيطة لن تغير المنحى العام لقصة التقدم، أما النازعون إلى الأبد فيسلّمون بأن كل واقعة جديدة هي تجلٍّ آخر – ما كان الأول ولن يكون الأخير – لتهديد متجدد لن يفنى. وكلا السرديتين، الحتمية والأبد، يتنكران برداء التاريخ، وكلاهما يريدان التخلص منه. فينظّر سياسيو الحتمية إلى أن تفاصيل الماضي لا تحمل أي معنى، فهي مجرد قطرات على نهر التقدم. ويقفز سياسيو الأبد من لحظة إلى أخرى، مقلّبين على عجالة صفحات عقود أو قرون، أملاً في تشييد أسطورة الطهورية والخطر. يصور منظّرو الأبد دورات التهديد من التاريخ من أجل خلق نمط متخيل يريدون تجسيده في الحاضر عبر توليد أزمات صناعية ودراما يومية.

وتعمل كلٌّ من الحتمية والأبد بأسلوب بروباغاندا محدد. إذ ينسج سياسيو الحتمية شبكة من الرفاه، فيما يقمع سياسيو الأبد الحقائق رفضاً لواقع يعيش فيه مواطنو بلدان أخرى في ظل حرية وثراء أكبر، ورفضاً لفكرة الإصلاح المرتكز على المعرفة. شهد العقد الثاني من هذا القرن تشييداً مقصوداً للخيال السياسي – قصص مضخمة تستحوذ على الانتباه وتطغى على المساحة اللازمة للتأنّي والتفكير.

ما حصل في روسيا قد لا يكون بعيداً عن أميركا وأوروبا: التصالح مع حالة فاحشة من اللامساواة، وإحلال البروباغاندا مكان السياسة، والتحول من سياسات الحتمية إلى سياسات الأبد. بوسع الروس الترحيب بالأوروبيين والأميركيين إلى عالم الأبد لأن روسيا سبقتهم إلى هناك. وهم يفهمون نقاط ضعف الأميركيين والأوروبيين، فهم الذين عايشوها قبلاً واستغلوها أيضاً في بلدهم.

نظر الكثير من الأوروبيين والأميركيين إلى أحداث العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، من بريكست وانتخاب ترامب، إلى انقلاب روسيا على أوروبا وغزو أوكرانيا، بنظرات ملؤها الدهشة. تتلخص ردة فعل الأميركيين للمفاجآت بطريقتين اثنتين – إقناع أنفسهم بأن هذا الحدث غير المتوقع لا يحدث فعلاً على أرض الواقع، أو الادعاء بأنه تطور غير مسبوق، وبهذا لا يمكن إسقاط الفهم التاريخي على ما حصل. فإما أن يكون كل شيء على أحسن حال، أو أن القبح قد عمّ كل شيء بحيث لا يسعنا أن نفعل شيئاً.

bwtyn_m_trmb_._photograph-_mikhail_kilmentyevsputnikepa.png

بوتين مع ترامب . Photograph: Mikhail Kilmentyev/Sputnik/EPA

الرد الأول هو الآلية الدفاعية التي تنتهجها سياسات الحتمية، والثاني هو صوت تهاوي سياسات الحتمية وهي تخلّف فجوة تملأها سياسات الأبد. تقوّض الحتمية قبل كل شيء المسؤولية المدنية، ومن ثم ينهار قناعها ويتكشف وجه الأبد بدلاً عنه متى ما واجهت (أي الحتمية) تحدياً حقيقياً. وقد تعامل الأميركيون مع فوز مرشح روسيا بالانتخابات الأميركية بواحدة من هاتين الطريقتين.

هيمن تأثير الغرب على الشرق على مدار العقدين الماضيين، وكان ذلك بغرس بذور النماذج السياسية والاقتصادية الغربية، وانتشار اللغة الإنكليزية، وتوسع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، في نفس الوقت التي تمكنت فيه مساحاتُ الرأسمالية في أميركا وأوروبا، بحريتها المفتوحة، من إغراء الروس للوفود إلى مملكة لا تعترف بجغرافيا الشرق والغرب؛ مملكة تحكمها الحسابات البنكية المفتوحة وراء البحار، والشركات الوهمية، والصفقات الغامضة، فسُرِقَت مقدرات الشعب الروسي وغُسلت حتى ابيضت تماماً. وكان ذلك من جملة الأسباب التي أدت إلى انقلاب الآية، ليصبح الشرق هو من يؤثر على الغرب، ولتغدو الحسابات الأجنبية هي القاعدة لا الاستثناء، ولتمتد شبكات الخيال السياسي الروسي إلى ما هو أبعد من حدود روسيا.

الفكرة المحورية في سياسات الحتمية هي أنه ليس هناك أفكار. ينكر عبيد هذه الفكرة أن للأفكار أية أهمية، ليكونوا هم أنفسهم شهادة حية على أنهم واقعون في فتنة فكرة طاغية. ويُختزل النعيق المستهلك لسياسات الحتمية بأنه «ليس هناك بدائل»، ويترتب على تقبّل ذلك إنكار المسؤولية الفردية المتمثلة في النظر إلى التاريخ ومحاولة صنع التغيير. الحياة، إذاً، هي أن تمشي نائماً نحو شاهد قبر معلوم ضمن فصول رواية يعرفها الجميع.

ينبعث الأبد من عالم الحتمية كما ينبعث الشبح من جثة هامدة، إذ يولّد الفهم الرأسمالي لسياسات الحتمية – الذي يتلخص بأن السوق بديل السياسة – حالة من اللامساواة الاقتصادية، وهذه، بدورها، تقوّض الإيمان بالتقدم. تتبدّد الحتمية مع تجمّد الحراك الاجتماعي، ويحل مكانها الأبد، وتترسخ أسس الأوليغارشية، أو حكم القلة، على أنقاض الديمقراطية، وينسج الحاكم المتفرد بسلطته ماضياً طهورياً، وربما يستعين بأفكار فاشية، ويغري الذين يغصّون بآلام حقيقية بالأمان الزائف. يؤدّي النظام الحاكم مسرحيته على خشبة الإيمان بأن التكنولوجيا وضعت لخدمة الحرية، فيعبر إلى عالم السياسات الحقيقية من عالم متخيل، ويكون دستوره تشييد الأساطير وتصنيع الأزمات.

في العقد الثاني من الألفية الجديدة، أخذ أحد الذين عرفوا هذه اللعبة، فلاديمير بوتين، بيد شخص آخر من بني جلدته، دونالد ترامب، من الخيال إلى السلطة. فنجح القادة الروس بحماية أنفسهم وثرواتهم بتصدير سياسات الأبد بعد أن تعلموا مبادئها في بلادهم.

*****

لقد حملت التخيّلات، وليس الانتخابات، السلطة من بوريس يلتسين إلى فلاديمير بوتين، وكان ذلك بعد عقد من سقوط الاتحاد السوفييتي. لم تجد الديمقراطية يوماً مكاناً لها في روسيا، فلم يحدث أن انتقلت السلطة من نظام إلى آخر نتيجة انتخابات حرة ارتضاها الجميع. أُعطيَ يلتسين رئاسة الاتحاد الروسي بعد انتخابات دارت في وقت كانت فيه روسيا لا تزال جمهورية سوفييتية في حزيران 1991، أي إن الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في تلك الانتخابات لم ينتخبوا رئيساً لروسيا مستقلة نظراً لأن هذا المسمى – روسيا مستقلة – لم يكن يعني شيئاً في ذاك الوقت. ولم يكن الانتزاع المؤسساتي المبهم للسلطة بهذه الكيفية أمراً غير مألوف مع بداية التسعينات، فقد عرفت جمهوريات الإمبراطورية السوفييتية، في وقت كانت فيه أركان هذه الإمبراطورية قد تخلخلت في شرق أوروبا قبل أن ينهار الاتحاد السوفييتي نفسه، الكثير من التنازلات الجارية وراء الكواليس، والمفاوضات المتعددة الأطراف، والانتخابات الحرة جزئياً التي أفرزت نظم حكم هجينة. ولكن تلا ذلك سريعاً انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة في دول أخرى في أعقاب سقوط الاشتراكية، أما الاتحاد الروسي فلم يستطع صياغة انتخابات حقيقية تشرعن يلتسين أو تمهد الطريق لمن يخلفه.

وعمّد الموسرون الذين أحاطوا بالرئيس الروسي السابق يلتسين حكم القلة، أملاً منهم في تطويع الديمقراطية لصالحه وصالحهم هم. وانتهى تخطيط الاقتصاد السوفييتي إلى تحول شرس وسريع إلى الصناعات والموارد المربحة، وانتشار مخططات المراجحة، لتتشكل سريعاً طبقة جديدة من الرجال الأثرياء. ولكن تبين وجود اختلاف بين عاصفة الخصخصة وبين اقتصاد السوق، على الأقل بمفهومه الشائع. فاقتصاد السوق يشترط حكم القانون، وهو ما كان العنصر الأصعب في انتقال ما بعد الاتحاد السوفييتي. الأميركيون، على الجانب الآخر، كان بمقدورهم الاطمئنان إلى قدرة السوق على خلق المؤسسات الضرورية في نظام حكم كان فيه حكم القانون أمراً مسلماً. ولكن هذه الافتراضات خلت من الصحة، فقد كان مهماً تمتع الدول التي حازت حديثاً على استقلالها بالقدرة على تأسيس حكم القانون، والأهم من ذلك، قدرتها على إدارة انتقال للسلطة ضمن إطار قانوني عبر الانتخابات الحرة.

قرر يلتسين في عام 1993 أن يحل البرلمان الروسي، وأرسل رجالاً مسلحين للقبض على وزرائه. كما أخبر شركاءه الغربيين بأن ذلك مجرد طريقة لتسريع عجلة إصلاحات السوق، وقد قبلت الصحافة الأميركية بهذه الرواية. فسياسيو الحتمية بمقدورهم تقبل هجوم على البرلمان كخطوة تقربنا إلى الديمقراطية ما دامت الأسواق جزءاً من المعادلة. واستخدم يلتسين بعد ذلك الصراع مع البرلمان ذريعة لتقوية سلطات الرئيس، فيما فبرك فريق يلتسين عام 1996 (باعترافه هو) انتخابات ضَمِن بفضلها فترة رئاسية أخرى.

bwrys_yltsyn_l_lysr_ywm_tkhlyh_n_lrys_wtyyn_fldymyr_bwtyn_l_lymyn_khlfan_lh_photograph-_ap.png

بوريس يلتسين (على اليسار) يوم تخليه عن الرئاسة، وتعيين فلاديمير بوتين (على اليمين) خلفاً له Photograph: AP

كان المرض والإعياء الواضح قد أخذ مبلغه من يلتسين بحلول 1999، وبات اختيار من يخلفه مشكلة عصيبة في روسيا. كانت هناك حاجة لعقد انتخابات جديدة لاستبداله، وحاجة أخرى للتحكم بهذه الانتخابات وتحديد مفرزاتها من منظور النخبة الحاكمة. ورأى هؤلاء بأنهم يحتاجون رئيساً جديداً يسمح لعائلة يلتسين (سواء عائلته بمفهوم قرابة الدم أو بمفهوم النخبة الحاكمة المقربة منه) بالبقاء أحياء ويكفل لهم أن يحافظوا على ثروتهم. وكانت إذاً عملية Operation Successor (أو عملية الخَلَف) كما عُرِفَت في الكريملن، وكانت هذه المهمة على مرحلتين: إيجاد اسم جديد شريطة أن لا يكون من المقربين المعروفين ليلتسين، ومن ثم افتعال مشكلة مصطنعة يستطيع هو أن يكتسي بعباءة البطولة ويقوم بحلها.

قام فريق يلتسين المقرب بإجراء استفتاء شعبي لمعرفة البطل الشعبي المفضل للناس في وسائط الترفيه، على أمل إيجاد الخلف المناسب للرئيس. وكان الفائز بهذا الاستفتاء هو ماكس ستيرلتيس، بطل سلسلة من الروايات السوفييتية التي ترجمت إلى عدد من الأعمال على الشاشة، أهمها كان المسلسل التلفزيوني سبعة لحظات من الربيع عام 1973. وكان ستيرليتس هذا، كما تخبرنا الروايات، جاسوساً مزروعاً في الاستخبارات العسكرية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية؛ جاسوساً شيوعياً يرتدي زياً نازياً.

ورأى البلاط الحاكم أن أقرب رجل لشخصية ستيرليتز هو فلاديمير بوتين، الذي شغل منصباً اسمياً فقط في محافظات ألمانيا الشرقية خلال فترة عمله مع المخابرات السوفييتية (KGB). وكان بوتين وقتها معروفاً في الكريملن على أنه لاعب متعاون بعد أن أثرى خبرته السياسية بعمله مساعداً لعمدة سانت بطرسبرغ في التسعينات. وعمل بوتين أيضاً مع يلتسين في موسكو منذ عام 1998، وكانت أهم مسؤولياته هي جهاز الأمن الفيدرالي (الذي حلّ لاحقاً محلّ KGB). لم يكن بوتين شخصاً معروفاً للعامة عندما اختير رئيساً للوزراء في نظام يلتسين في آب 1999، أي إنه لم يكن خياراً معقولاً للفوز بانتخابات وطنية، وكانت نسبة شعبيته لا تتجاوز 2%، وهكذا نشأت الحاجة إذاً لخلق أزمة يستطيع هو التصدي لها.

استيقظت روسيا فَزِعة على وقع سلسلة من الانفجارات في أيلول 1999 في عدد من المدن الروسية راح ضحيتها مئات المواطنين الروس. ولم يكن مستبعداً في ذلك الحين أن يكون مكتب الأمن الفيدرالي هو المسؤول عن هذه الانفجارات. ففي مدينة ريازان، مثلاً، اعتُقِلَ عدد من ضباط الأمن الفيدرالي على يد زملائهم المحليين الذين كانوا يبحثون عن المشتبهين بهم في هذه الانفجارات. وكانت احتمالية الإرهاب الذاتي واردة في ذاك الوقت، ولكن أسئلة الحقيقة طُمِسَت في محيطٍ من الوطنية المستقيمة بإعطاء بوتين الأوامر لشنّ حرب جديدة على البقعة الروسية التي وجهت إليها أصابع الاتهام: جمهورية الشيشان جنوب غرب روسيا في إقليم القوقاز. كانت الشيشان قد حصلت على استقلالها عام 1993 وخاضت بعد ذلك حرباً مع الجيش الروسي لم تُسفِر عن غالب أو مغلوب. لم يكن هناك أي دليل يشير إلى مسؤولية الشيشانيين عن هذه التفجيرات.

قفزت نسبة شعبية بوتين إلى 45% بفضل الحرب الشيشانية الثانية في تشرين الثاني من نفس العام. وفي كانون الأول أعلن يلتسين استقالته من منصب الرئيس، وأعلن أيضاً دعمه لبوتين ليكون خليفةً له. وحصل بوتين على الأغلبية المطلوبة من مجموع الأصوات لتقلد منصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية التي عُقدت في آذار 2000 بفضل تغطية إعلامية طاغية، والتلاعب بمجموع الأصوات، وتداخل مناحي الإرهاب والحرب.

إن حبر الخيال السياسي هو الدم.

*****

طُلب من الشعب الروسي بتاريخ 4 كانون الأول 2011 أن يمنح حزب بوتين، روسيا الموحدة، الأغلبية في المجلس الأدنى، أو كما يعرف بالدوما في روسيا، إحدى هيئتي البرلمان الروسي. مثّلت هذه الانتخابات لحظة فارقة في التاريخ الروسي إذ أعلن دميتري ميدفيديف، الذي كان رئيساً وقتها، وفلاديمير بوتين، الذي كان رئيساً للوزراء، نيتهما تبادل المقاعد. وهذا ما كان بمجرد فوز حزبيهما بالانتخابات البرلمانية، وفوز بوتين بالانتخابات الرئاسية في آذار 2012، فصار ميدفيديف رئيس وزراء بوتين.

لم يستسغ كثير من الروس فكرة اختصاص بوتين بالحكم إلى الأبد، وخصوصاً بعد انهيار الأسواق العالمية عام 2008، والذي أبطأ عجلة النمو في روسيا. ولم يقدم بوتين أو ميدفيديف برنامجاً كان من شأنه إنقاذ روسيا من اتكاليتها على تصدير السلع أو رسم أفق لتغيير اجتماعي. وبهذا رأى الروس بأن هذه الانتخابات ستكون فرصتهم الأخيرة للحيلولة دون الوقوع في مستنقع الركود، وأبانت خريطة الأصوات عن ذلك بالفعل. فقد حصد حزب روسيا الموحدة ما يقارب 26% من الأصوات وفقاً لحسابات مراقبين مستقلين للانتخابات الروسية، ولكن هذه النسبة كانت كافية للحزب لانتزاع الأغلبية في البرلمان. وانتقد المراقبون الروس والدوليون التغطية الإعلامية غير المتوازنة والتلاعب بالأصوات الذي امتدت أذرعه لتصل إلى صناديق الاقتراع الورقية والرقمية. (نيك جريفين، قائد الحزب القومي البريطاني وأحد منكري مذبحة الهولوكوست، كان موجوداً بصفة مراقب صديق للنظام، وادعى بأن الانتخابات الروسية كانت «أكثر إنصافاً بكثير من انتخابات بريطانيا»). اندلعت نيران الاحتجاجات يوم 5 كانون الأول، وشهدت مدينة موسكو تجمعاً غفيراً وصل إلى 50 ألف إنسان بتاريخ 10 كانون الأول، ونمت حشود المتظاهرين لتصل إلى 80 ألفاً بحلول 24 كانون الأول. تظاهر الروس في 99 مدينة على مدار شهر كانون الأول، ما شكل أكبر موجة من الاحتجاجات الشعبية في تاريخ الاتحاد الروسي، وكان الشعار الذي نادى به المتظاهرون هو «من أجل انتخابات حرة!».

عادت آلات الفبركة للعمل خلال الانتخابات الرئاسية في آذار 2012. وحصل بوتين على نسبة الأغلبية المطلوبة للفوز بمقعد الرئاسة، ولكن كان التلاعب بالأصوات هذه المرة رقمياً في معظمه وليس يدوياً، فتمت إضافة عشرات ملايين الأصوات الرقمية التي ميّعت الأصوات الفعلية التي أدلى بها ناخبون آدميون حقيقيون. بل إن بوتين حصد أعداد أصوات صحيحة بلا كسور في بعض الدوائر الانتخابية، مما يشير إلى فهم حرفي من جانب بعض المسؤولين للأوامر التي فرضتها السلطات المركزية. حصد بوتين نسبة أصوات وصلت إلى 99.8% في الشيشان من مجموع أصوات صناديق الاقتراع، وهو ما عكس السيطرة التامة التي تمتّع بها بوتين على حليفه الشيشاني رمضان قديروف. نال بوتين نسباً مشابهة في المستشفيات العقلية والأماكن الأخرى الواقعة تحت سيطرة الدولة. وأبدى المتظاهرون في نوفوسبيبرسك احتجاجهم على وصول نسبة الأصوات الكلية إلى 146% من عدد السكان الكلي. ومرة أخرى أشار المراقبون الروس والمراقبون الدوليون إلى حدوث تجاوزات خلال الانتخابات، ومرة أخرى عبّر أصدقاء النظام الأجانب من أطياف اليمين المتطرف عن ترحيبهم بهذه النتائج.

bwtyn_ykhtb_hshdan_mn_mnsryh_fy_mwskw_qbl_lntkhbt_lrysy_lm_2012_photograph-_yuri_kadobnovafpgetty_image.png

بوتين يخاطب حشداً من مناصريه في موسكو قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2012 Photograph: Yuri Kadobnov/AFP/Getty Image

تجمع ما يزيد عن 25 ألف متظاهر في موسكو تنديداً بنتائج الانتخابات الرئاسية المفبركة بتاريخ 5 آذار 2012. وفي فترة الثلاثة أشهر بين كانون الأول 2011 وآذار 2012، وجد بوتين نفسه على مفترق طرق. فقد كان بإمكانه الإنصات إلى الانتقادات التي طالت الاقتراع البرلماني، وربما احترام صناديق الانتخابات الرئاسية وتأجيل فوزه بعد عقد جولة ثانية عوضاً عن إعلان فوزه فوراً بعد الجولة الأولى، ولن يكون هناك فارق فعلي سوى إرضاء كبريائه الشخصي لا أكثر. وربما كان بإمكانه أن يتريث قليلاً ليدرك بأن المتظاهرين كانوا قلقين على سلامة حكم القانون ومبدأ تداول السلطة في بلدهم. ولكن يبدو أنه اعتبر ما يجري إهانة شخصية.

اختار بوتين أن يجعل وهم الفوز المصطنع من الجولة الأولى أهم من القانون، وأن يضع مشاعره المكلومة فوق إقناع مواطنيه. سلّم بوتين بشكل عرضي بوجود حالات احتيال، ولم يمانع مدفيديف أن يعضد شهادة بوتين بإضافته بأن جميع الانتخابات الروسية انطوت على احتيالات، ليطمس مبدأ «الشخص الواحد بصوت واحد» مع إصرار الدولة على استئناف سير الانتخابات، وبهذا أهمل بوتين اختيار مواطنيه؛ نفس المواطنين الذين لا يزال يتوقع منهم المشاركة في طقوس الدعم. وتدشنت بذلك سنّة السلطة الجديدة: الفوز من نصيب من يزوّر.

فإذا كان بوتين هو البطل الغامض الذي انبثق من بين ضباب الشك ليتبوأ مسؤولية الرئاسة عام 2000. محمولاً على أكف مملكة الخيال، فقد عاد في عام 2012 بصفة المدمّر الناقم على حكم القانون. لقد ألقى بوتين بسلامة أسس الدولة الروسية في حالة من الضبابية بعد أن رضي بسرقة الانتخابات تحت أنظاره. وكان صعوده، بذلك، إلى سدّة الرئاسة في 2012 بداية أزمة التعاقب. فبما أن الرجل الذي تقلد مناصب حكم هو ذاته الذي طمس أفق المستقبل، فلا بد أن يكون الرئيس خالداً. استخدم الكريملن ورقة الشيشان كعدو لا بد منه في عامي 1999 و2000. ولكن الشيشان هزمت، بل وأمسى جزار الشيشان قديروف فرداً مهماً في نظام بوتين.

اقتضت تزويرات 2011 و2012 أن تصبح الأزمة الداخلية دائمة، ومعها لا بد أن يكون العدو من الداخل أيضاً. ويجب بذلك ربط عدو خارجي عتيد باحتجاجات الداخل ليتم تصويرها هي، لا بوتين، على أنها الخطر الحقيقي على روسيا. يجب حل الوثاق بين أفعال المحتجين والمشكلة الداخلية الحقيقية الأولى التي تسبّب بها بوتين، وربطها بدلاً من ذلك بالتهديد الخارجي على سيادة الدولة الروسية. إن سياسات الأبد تشترط وتُنتج مشاكل لا يمكن حلها لأنها مشاكل مصطنعة. وكانت مشكلة روسيا المصطنعة عام 2012 عزم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تدمير روسيا.

*****

لقد عاد الشبح الذي صدّه ليونيد بريجنيف لسنوات – الغرب المنحل، ولكن الانحلال كان على هيئة انحلال جنسي فاحش هذه المرة. فيلسوف بوتين المفضل، إيفان إيلين، وصف فيما مضى كل معارضة لأفكاره بأنها «انحراف جنسي»، وكان يقصد بذلك المثلية الجنسية. وبعد قرن كامل، كان هذا رد الكريملن الأول على المعارضة الديمقراطية. فالذين كانوا يريدون من يكفل لهم إحصاء أصواتهم في انتخابات 2011 و2012 ليسوا في الواقع مواطنين روس حريصين على اتباع القانون، أو احترام مطالبهم، أو بقاء دولتهم، بل هم عملاء الانحلال الجنسي العالمي الذي غسل أدمغتهم، ولا بد من الانتباه إلى أفعالهم التي تهدد الكينونة الوطنية العضوية الطاهرة.

أعاد دميتري ميدفيديف، الذي كان وقتها رئيساً للاتحاد الروسي، نشر تغريدة تفيد بأن أحد قادة الاحتجاجات «خروف أحمق مولع بمصّ القضبان» وكان ذلك بتاريخ 6 كانون الأول 2011، أي بعد يوم واحد من خروج أولى المظاهرات. قال بوتين، الذي كان وقتها أيضاً رئيساً للوزراء يستعد لتسلم مقعد الرئاسة، على التلفزيون الروسي بأن الشريط الأبيض يذكّره بالواقي الذكري. ومن ثم شبّه المتظاهرين بالقرود وقام هو بنفسه بتقليد حركات قرد سخريةً من المتظاهرين. وفي زيارته لألمانيا، أخبر بوتين أنجيلا ميركل، التي بدت الدهشة واضحة على وجهها، بأن المعارضة الروسية «مشوّهة جنسياً». وبدأ رئيس الخارجية الروسي سيرجي لافروف بالتأكيد بأنه تحتّم على الحكومة الروسية اتخاذ موقف حازم من المثلية الجنسية في سبيل الدفاع عن طهر المجتمع الروسي.

فلاديمير ياكونين، أحد المقربين من بوتين، طوّر صورة الخراف إلى نظرية جيوسياسية. يعتقد ياكونين، كما كتب في مقالة طويلة نشرت في تشرين الثاني 2012، بأن روسيا ستكون دائماً ضحية لمؤامرات أعدائها ما بقي الدهر، وهذا التعاقب اللامنتهي من المؤامرات كان ما رسم مسار التاريخ منذ بداية الزمان. هذه المجموعة العالمية بثّت بروباغاندا مثلية حول العالم بهدف تخفيض معدلات الإنجاب في روسيا، وهو ما سيسمح لها بالحفاظ على نفوذ الغرب. وكان انتشار حقوق المثليين سياسة مقصودة لتحويل الروس إلى قطيع يمكن لأسياد الرأسمالية العالمية التلاعب به بكل سهولة.

وردد دبلوماسيو روسي هذه الآراء في أيلول 2013 خلال مؤتمر لحقوق الإنسان في الصين. فحقوق المثليين ما هي سوى سلاح انتقته أيادي مؤامرة النيوليبرالية العالمية بهدف تهجين المجتمعات الطاهرة التقليدية مثل روسيا والصين لكي يتم استغلالها.

وخطا الرئيس بوتين خطوة أخرى بهذا الاتجاه في قمته العالمية التي دعا إليها شخصياً، والتي أقيمت في فالداي، عندما ربط بين العلاقات من نفس الجنس وعبادة الشيطان. وربط أيضاً بين حقوق المثليين والنموذج الغربي بأنهما «يفتحان طريقاً مباشراً يعود بنا إلى الانحطاط والبدائية، ويفرز أزمة ديموغرافية وأخلاقية عميقة». وصادق البرلمان الروسي على قانون «لغاية حماية الأطفال من المعلومات المنادية بنقض القيم العائلية التقليدية».

الجنسانية البشرية معين لا ينضب لمن يريد تصنيع عنصر القلق. فمحاولة جعل روسيا عرين الغيرية وجعل المثلية خارجها دعوى لا تستحق الرد عليها، ولكن الحقائق ليست النقطة هنا. فالغاية من الحملة المعادية للمثلية هي تحويل مطالب الديمقراطية إلى تهديد غامض للطهر الروسي: التصويت = الغرب = الشذوذ الجنسي. يجب أن تكون روسيا طاهرة منزهة، وكل المشاكل التي استوردتها هي مسؤولية الآخرين.

لم ترتكز الحملة على تنزيه النخبة الروسية وإظهار مدى غيريتها. ففي السنوات الأربع التي سبقت ذلك، والتي شغل فيها بوتين منصب رئيس الوزراء، قام سيد دمى البروباغاندا فلاديسلاف سوركوف الذي يعمل مع بوتين بوضعه في سلسلة من الصور المهيبة التي يقوم بها بالصيد. ولم تكن محاولات بوتين وميدفيديف لتصوير أنفسهم كأصدقاء في الرجولة وهم يرتدون ثياباً بيضاء متطابقة بعد مباراة مضرب الريشة مقنعة هي الأخرى. طلق بوتين زوجته بالتزامن مع بدء حملته المعادية للمثليين، ليبقى بطل القيم العائلية بدون عائلة تقليدية. وفي عام 2017، سنّت روسيا قانوناً يجرم صورة بوتين التي تظهره كمهرج مثلي. ولخصت باحثة نبيهة موقفه بأن «قبلاته محفوظة للأطفال والحيوانات».

unnamed.png

موكب الفخر المثلي في كوبنهاجن عام 2013، وقد خصص المشاركون هذا الموكب لمجتمع الميم في روسيا. حظر بوتين إنتاج هذا الكاريكاتير في روسيا Photograph: PYMCA/Rex Shutterstock

نصّب بوتين إذاً الرجولة حجةً له ضد الديمقراطية. وكما يقول الفيلسوف الألماني ماكس فيبر، يمكن أن يقوم نظام سياسي على الكاريزما، ولكن لا يمكن لهذه أن تضمن استمراريته. ولهذا كان من الطبيعي، كما استخلص فيبر، أن تنشأ عشيرة سياسية أو ربحية حول قائد كاريزماتي، ولكن إذا أراد هذا الرجل الكاريزماتي أن يتجاوز حدود إعادة توزيع ما حصده من غنائم والبدء بالتخطيط لغزوته القادمة، فعليه أن يجد طريقة لنقل سلطته إلى شخص آخر، والأفضل أن تسمح هذه الطريقة بانتقال السلطة مرة أخرى. وبهذا يتمثل حل مشكلة التعاقب بإقامة دولة حديثة كشرط مسبق.

حدد فيبر آليتين اثنتين من شأنهما استصلاح دفق الكاريزما لبناء مؤسسات مستدامة – فإما أن يكون ذلك عن طريق العادات، مثل انتقال الحكم بالتوارث من الأب إلى الابن الأكبر في نظام ملكي، أو عبر القانون مثل الديمقراطية، التي تسمح باستبدال الحكام والبرلمانات بتصويت الناخبين. ولا يبدو أن بوتين يخطط لتوريث الحكم لعائلته، فقد أبعد بناتِه عن السياسة العامة (رغم أن عائلته استفادت من رأسمالية المحسوبيات). إذاً الخيار المنطقي الذي يبقى هو القانون، والذي يعني في العالم الحديث الديمقراطية. ولكن بوتين نفسه استبعد هذا الخيار، ولهذا كان إبراز السلطة بالتباهي بالرجولة يأتي على حساب سلامة روسيا كدولة.

وإذا كان ردة فعل الكريملن الأولية هي ادعاء وجود روابط بين المعارضة الديمقراطية والشذوذ الجنسي العالمي، فقد كانت ردة الفعل الثانية هي الادعاء بأن المتظاهرين يعملون لقوى أجنبية، وتحديداً قوة أجنبية كان كبير شخصياتها الدبلوماسية امرأة – الولايات المتحدة. وهكذا كان أن ألقى بوتين بملامة التظاهرات على هيلاري كلينتون بتاريخ 8 كانون الأول 2011، قائلاً: «هي من أعطتهم الإشارة». وبتاريخ 15 كانون الأول، زعم بوتين أن المتظاهرين يستلمون مبالغ مالية. ولم يكن هناك دليل يثبت صحة ذلك، ولكن هذا ليس المقصد، بل هو اختيار العدو الذي يتماشى مع احتياجات القائد، وليس العدو الذي يمثل فعلياً تهديداً للدولة.

وبالفعل كان الأسلم هو تحاشي الحديث عن التهديدات الفعلية، فذلك يعري نقاط الضعف ويفضح العصمة الزائفة للدكتاتوريين الصاعدين. اختير الغرب عدواً تحديداً لأنه لا يمثل تهديداً لروسيا على أرض الواقع. فالاتحاد الأوروبي، على النقيض من الصين، لا يملك جيشاً ولا يجمعه خط حدودي طويل مع روسيا. وربما تملك الولايات المتحدة جيشاً، ولكنها سحبت السواد الأعظم من قواتها من القارة الأوروبية ليتقلص وجودها هناك إلى ما يقارب 60 ألف مقاتل في عام 2012 مقارنة بحوالي 300 ألف مقاتل عام 1991. حلف الناتو لا يزال قائماً، وقد ضمّ بلداناً شرق أوروبية كانت تحت حكم الشيوعية فيما مضى، ولكن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ألغى عام 2009 خطة أميركية لبناء نظام دفاع صاروخي في أوروبا الشرقية، بل وسمحت روسيا في عام 2010 للمقاتلات الأميركية بالتحليق في أجوائها لإيصال الدعم إلى القوات الأميركية في أفغانستان. ولم يبدُ على أي قائد روسي الخوف من غزو يشنّه حلف الناتو على روسيا في 2011 أو حتى 2012، ولم يتظاهر أي منهم بذلك حتى. ورأى القادة الأميركيون بأنهم يسعون إلى «إعادة العلاقات مع روسيا إلى نقطة الصفر». وانهالت الضحكات الساخرة على ميت رومني عندما وصف روسيا بأنها «العدو الجيوسياسي الأول لأميركا» في آذار 2012. لم يكن هناك تقريباً أي جهة أو شخصية عامة أو إعلامية تلقي بالاً لموسكو. بل إن روسيا لم يكن لها أي حظّ في استفتاءات الرأي العام الأميركية حول التهديدات والتحديات العالمية.

تم التهويل من تهديد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لأن الانتخابات الروسية كانت انتخابات زائفة. ففي شتاء 2011 وربيع 2012، ملأت القنوات والصحف الروسية الفضاء العام بسردية تلقّي من اعترضوا على التزوير الانتخابي مبالغ مالية من الغرب. عنونت صحيفة إزفستيا تقريرها بجملة «بوتين يقترح فرض عقوبات أشد على عبيد الغرب». وأوردت في التقرير بأن بوتين يرى أن «قوات المعارضة الروسية بدأت حملة مظاهراتها العامة بعد الحصول على الإذن من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون»، ليصبح الارتباط بين المعارضة والخيانة أمراً بديهياً، والسؤال الوحيد هو العقوبة الملائمة.

لقد تحتم على بوتين أن يلوم خصومه على ضعف الدولة الروسية لأنه هو تحديداً كان المسؤول عن ذلك. فلمّا آمن بوتين بأن «من غير الوارد أن نسمح بدمار الدولة فقط لنروي هذا التعطش للتغيير»، فهو بهذا كفل لنفسه حق تعريف وجهات النظر التي لا تنال إعجابه على أنها تهديد لروسيا.

وبعد 2012، لم يكن هناك أي منطق في تصور انتقال روسيا من حال أسوأ في الماضي إلى حال أفضل في المستقبل خلال حكومة إصلاحية في الحاضر. وكان لا بد من وضع عداوة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في محور السياسات الروسية. فقد اختزل بوتين الدولة الروسية بعشيرته الأوليغارشية وتفردها بالحكم في هذه اللحظة. والطريقة الوحيدة لترسيخ رؤية مستقبل يحمل معه الانهيار هو وصف الديمقراطية بأنها تهديد فوري ودائم. وعندما صور بوتين المستقبل بأنه الهاوية، كان عليه أيضاً بأن يظهر الرقص على حافتها بأنها مهارات وحركات جودو احترافية.

وقد قال بوتين صراحة في عام 2012 بأن فهمه للديمقراطية يتلخص بالدعم الطقوسي لشخصه. ويعني ذلك، كما أخبر البرلمان الروسي في خطابه السنوي في ذلك العام، «طاعة واحترام القوانين، والقواعد، والتنظيمات». فلا يحق للروسيين أن يحتجوا على أفعال الحكومة غير الديمقراطية، لو طاوعنا منطق بوتين، لأن الديمقراطية تُلزمهم بوضع أرواحهم تحت لواء القوانين التي حظرت هذه الاحتجاجات.

bwtyn_fy_sl_rmy_fy_mwskw_._photograph-_itar-tassrueters.png

بوتين في صالة رماية في موسكو . Photograph: Itar-Tass/Rueters

بات التشهير جريمة يعاقب عليها القانون، وحَظَرَ قانون جديد إهانة العواطف الدينية الحساسة، وحوّل هذا القانون الشرطة إلى جهاز لتدشين فضاء عام يدين بالأرثوذكسية. وصار نشر رسومات للمسيح أو لعب بوكيمون جو في الكنيسة جريمة أيضاً. وتم تخصيص ميزانية أكبر للأمن الفيدرالي، ومُنِحَ أفرادها سلطات أوسع لإطلاق النار بدون توجيه تحذير مسبق. وتم تأسيس وحدة جديدة تابعة للأمن الفيدرالي، وتمت تسميتها باسم فليكس دزيرجينسكي، على اسم مؤسس التشيكا (التي سبقت جهاز الـKGB وجهاز الأمن الفيدرالي الحالي). وتوسّع تعريف الخيانة ليشمل تزويد المنظمات غير الحكومية من خارج روسيا بالمعلومات، وهو ما جعل مجرد إرسال إيميل يحتوي على الحقيقة جريمة عظمى. وتم أيضاً تحريم «التطرف» دون وضع تعريف واضح لما يعنيه هذا المصطلح. وتم حظر المنظمات غير الحكومية التي تعلم الحكومة بأنها تعمل «ضد مصالح روسيا». وطُلِب من الذين يتلقون تمويلاً من الخارج، وهي فكرة فضفاضة جداً تشمل أي صورة من صور التعاون الدولي مثل إقامة مؤتمر، بأن يُسجّلوا أنفسهم تحت مسمى «عملاء أجانب».

وفي نفس الصباح الذي بدأ به العمل بقانون «العملاء الأجانب» وجد الناس رسومات على جدران المنظمات غير الحكومية في موسكو تقول «عميل أجنبي، أميركا». وكان أحدها منظمة ميموريال التي كانت مستودعاً لمواد تتعلق بالتاريخ الروسي في القرن العشرين. لقد أصبح تاريخ روسيا نفسه تهديداً خارجياً. كانت هذه المنظمة توثّق معاناة مواطني الاتحاد السوفييتي، ومن بينهم الروس، خلال الحقبة الستالينية. وطبعاً، إذا كانت كل مشاكل روسيا تأتي من الخارج، فما الداعي للخوض في أمور كهذه؟ إن سياسات الأبد تدمّر التاريخ.

لا شك بأن المحافظة على الدولة الروسية ممكنة لفترة من الزمن، سواءً عن طريق طوارئ اختيارية أو حرب انتقائية. فنفس الخوف الذي يتولد من غياب مبدأ التعاقب يمكن تصديره للخارج، بحيث يخلق أحقاداً جديدة وبهذا تبدأ العملية من جديد. بدأت روسيا في عام 2013 بتطويع جيرانها الأوروبيين وإغوائهم بالتخلي عن مؤسساتهم وتاريخهم. فإن لم يكن لروسيا أن تصبح الغرب، فلعل للغرب أن يصبح روسيا. وإن كان من الممكن استغلال عيوب الديمقراطية الأميركية لانتخاب عميل روسي، فربما يستطيع بوتين أن يثبت بأن العالم الخارجي ليس أفضل من روسيا. وإن صار وانحلّ الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة خلال حياة بوتين، فربما يستطيع وقتها أن ينمّي بذور الأبد.