فيلسوف الفاشية الروسية

هذه نسخة موسعة من مقالة تيموثي سنايدر الله روسي التي نشرتها ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس في عددها الصادر بتاريخ 5 نيسان 2018.

«حقيقة الأمر هي أن الفاشية فيض من الوطنية التعسفية يفتدي به الفاشي نفسه».

إيڤان إيليين، 1927

«دعائي هو السيف، وسيفي هو الدعاء».

إيڤان إيليين، 1927

«السياسة هي فن تحديد وتحييد العدو».

إيڤان إيليين، 1948

 

أمعن الروسي نظره بعيني الشيطان، وضع الإله على كنبة الطبيب النفسي، وأدرك أن شعبه يستطيع أن يكون مخلص البشرية. ولكن الإله الذي أنهكته آلامه أخبر الروسي بقصة نهايتها الفشل. ففي البدء كانت الكلمة، النقاء والكمال، وكانت الكلمة هي كلمة الإله. ولكن ما تلا ذلك كان غلطة، فقد خُلِقَ العالم على أساس أنه سيتمّم نفسه، ولكن ما حدث هو أن العالم قد نجّس نفسه، واختبأ متوارياً متلبساً بالعار. فالخطيئة الأولى لم تكن خطيئة آدم بل خطيئة الإله – صناعة ما هو غير كامل. وعندما ملأ البشر هذا العالم، جعلوا يفهمون حقائق وتعتمل في أنفسهم مشاعر انفصمت عما ابتغاه الإله، ليطوّق الشيطان قبضته على العالم مع كل فكرة أو عاطفة جديدة.

وهكذا خَلُصَ الروسي، الفيلسوف، إلى أن التاريخ عار؛ وأن كل ما كُتِبَ على جدرانه منذ بداية الخليقة كلمات باهتة لا تفضي إلى أي شيء؛ وأن العالم هو شتات فُتات حائر، وكلما حاول بنو آدم فهمه أكثر، التهمته الرذيلة بشراهة أكبر؛ وأن كل ما حققه المجتمع الحديث، وكل ما يتباهى به من تعددية ومدنية، ليس إلا تعميقاً لعِلَل العالم وإبقاءً للإله بعيداً في منفاه. أما أمل الإله الوحيد فهو أمة على الحق تتبع قائداً ما نحو المتّحد السياسي، لعل ذلك يذكي شعلة إصلاح العالم ويمنح فرصة لافتداء الإله. ولأن مبدأ توحيد الكلمة هو الخير الحقيقي الوحيد الذي عرفه هذا الكون، فأي سبيل لاستعادتها مبرر.

كان هذا ما تصوَّره الفيلسوف الروسي، الذي كان اسمه إيڤان إيليين: فاشية روسية مسيحية. ولد إيليين عام 1883، وكتب أطروحته – قبل ثورة عام 1917 في روسيا بأيام قليلة – عن فشل ما أراده الإله لهذا العالم. نُفي إيليين من مسقط رأسه في عام 1922 على يد السلطة السوڤييتية التي كان يمقتها، ومن ثم تبنى فاشية موسوليني وكتب صكّ دفاعه عن العنف السياسي في عام 1925. ومن منفاه في ألمانيا وسويسرا كتب في العشرينات والثلاثينات لمشرذمي الثورة البيضاء الذين فروا من روسيا بعد هزيمتهم في الحرب الروسية الأهلية، وكتب بعد ذلك في الأربعينات والخمسينات للجيل الآتي من الروس، ممّن سيشهدون سقوط السلطة السوڤييتية.

لا يسع المرء إلا أن يشهد لإيليين بالتفاني الذي لا يعرف الكلل، فقد أنتج الفيلسوف ما يقارب 20 كتاباً بالروسية، ومثلهم بالألمانية. ولعلك ستجد الكثير من التشتّت فيما كتبه، وتتلمّس طابعاً مبسّطاً يطغى على كتابته، بل من السهل أيضاً أن تجد الكثير من الشد والتناقض، ولكن الخط الفكري المتماسك الذي يمكن تتبعه على اختلاف عقود نتاجه الفكري هو الميتافيزيقا وتبريره الأخلاقي للشمولية السياسية والتي صاغها بأطر عملية لدولة فاشية. أحد المبادئ التي شدّد عليها إيليين هو «القانون» أو «الوعي القانوني». تجلّى القانون في إيليين ما قبل الثورة والمفعم بروح الشباب، كما تبين كتاباته في ذلك الوقت، بتفاؤل بثورة روسية تكون جزءاً من وعي عالمي يسمح بإنشاء دولة حديثة. أما إيليين الكبير، المعادي للثورة، فخَلُصَت أنساق الوعي التي حددها («القلب» أو «الروح» ولكن ليس «العقل») إلى ما يسمح للروس بالإمساك بأسباب السلطة التعسفية، وهو ما رأى فيه روح القانون. توفي إيليين عام 1954 وانطمس ذكره حتى أُعيدت لأعماله الحياة بانهيار الاتحاد السوڤييتي عام 1991، ليسترشد بها فيما سيأتي من يتقلدون مناصب السلطة في روسيا اليوم.

الاتحاد الروسي اليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين، دولة جديدة قامت عام 1991 على أنقاض الجمهورية الروسية في الاتحاد السوڤييتي، وهي أصغر من الإمبراطورية الروسية، ويفصل بين الدولتين سبعة عقود من التاريخ السوڤييتي. ولكن توجد نقطة تقاطع عامة يلتقي عندها الاتحاد الروسي مع الإمبراطورية الروسية التي عرفها إيليين في شبابه، أنه لا هؤلاء ولا أولئك اختاروا حكم القانون مبدأً للحكم. المسار الذي سار عليه فهم إيليين للقانون، من أحلام العالمية الوردية إلى القومية التعسفية، يمكن تلمسه في خطاب السياسيين الروس، ومن بينهم فلاديمير بوتين. ولمّا وجد إيليين طرقاً لتقديم فشل حكم القانون على أنه فضيلة روسية، فقد استخدمت دائرة الحكم الفاسدة في روسيا أفكار إيليين لتبرير عدم المساواة الاقتصادية وتقديمها كشكل من أشكال الفضيلة القومية. كما عمل بوتين أيضاً بأفكار أكثر تحديداً في أعمال إيليين حول المعادلات الجيوسياسية، في ما كان محاولة لترجمة غاية السياسي في روسيا من السعي لإصلاح الداخل إلى تصدير «الفضيلة» إلى الخارج. كما استطاعت نخب روسيا تهويل خطر أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة على أنهم خطر وجودي على روسيا بعد نجاحهم في اختزال السياسات الدولية إلى نقاش «التهديدات الروحانية».

* * * * *

إيڤان إيليين فيلسوف اختار التصدي لمشاكل روسيا بفأس مفكري ألمانيا، ولم يكن هذا مستغرباً في مسقط رأس إيليين وزمانه. فقد ترعرع في كنف عصر فضّي، إمبراطورية سلالة رومانوف الساقطة. وكان أبوه رجلاً روسيّاً من النبلاء، وأمه ألمانية تحولت من البروتستانتية إلى الأرثوذكسية. كما درس إيليين في موسكو بين عامي 1901 و1906، وكان الموضوع الذي تناوله هو الفلسفة، وعنى ذلك له دراسة أفكار إيمانويل كانط (1724-1804) عن الخليقة. كان الكانطيون الجدد، الذين ملأوا في ذاك الوقت جامعات أوروبا وروسيا، يعتقدون بأن الإنسان يتمايز عن غيره من المخلوقات بملكة العقل، والتي تسمح للإنسان باتخاذ خيارات تتسم بالمعنى، غير أن بإمكان الإنسان أن يختار بحريته الانصياع للقانون، لأنه يستطيع أن يعي روحه ويقبلها.

بذلك كان القانون هو منتهى تفكير الطبقة الروسية المفكّرة. فقد رأى طلاب القانون في روسيا، ربما أكثر من نظرائهم الأوروبيين، أن لهذه الفكرة أن تكون حجر زاوية التحول السياسي. تبدّى القانون كترياق فعّال لمشكلة روسية قديمة هي حكم قياصرة روسيا التعسفي. ولكن إيليين، حتى عندما كان شاباً صغيراً تتقد بداخله روح الأمل، استصعب أن يرى الروس كمخلوقات تمتلك حس العقل الذي تصوره كانْط. تلهّف إيليين لأن يكون شاهداً على هذه الثورة العظيمة التي ستسرّع عجلة تثقيف الشعب الروسي. وبالفعل حملت أكفّ القدر لإيليين ما منّى به نفسه طويلاً في أعقاب الحرب الروسية اليابانية، التي خلقت ظروفاً مواتية لاندلاع الثورة عام 1905، وكان إيليين من المدافعين عن حق التجمع. وقام مع حبيبته ناتاليا فوكاتش بترجمة منشور أناركي كُتِبَ بالألمانية إلى الروسية. ولم يعد أمام قيصر روسيا خيار سوى الموافقة على كتابة دستور جديد عام 1906، ليتم تأسيس برلمان جديد بموجب الدستور. مُنِحَ البرلمان سلطة تشريع القوانين، ولو أن آلية اختياره صُمّمت بطريقة تضمن سطوة الطبقة المالكة في الإمبراطورية. ولكن القيصر حلّ البرلمان في مناسبتين، ومن ثم لوى ذراع القانون وقام بتغيير النظام الانتخابي ليضمن وضع نظام جديد أكثر محافظة من ذي قبل. وأصبح مستحيلاً أن يكون هذا الدستور الجديد الأداة التي ستجلب حكم القانون إلى روسيا.

حصل إيليين على وظيفة لتدريس القانون في الجامعة عام 1909، وخلال تلك الفترة كتب مقالة جميلة عن الفروق الأساسية بين القانون والسلطة باللغتين الروسية (1909) والألمانية (1912). ولكن كيف يمكن ترجمة القانون إلى واقع؟ وكيف لنا أن نجعله مؤثراً في حياتنا؟ يبدو أن كانْط ترك هوّةً بين روح القانون وواقع الأوتوقراطية. ولكن جورج هيغل (1770-1831) أتى ببعض الأمل بالتنظير بأن هذه الهوّة وغيرها من التوترات المؤرقة ستُحَل بمرور الزمن. فالتاريخ، كما نسجته خيوط آمال إيليين الوردية في قراءته لهيغل، هو البوابة التي تتغلغل عبرها الروح (geist) في العالم. وكل عصر ينسخ ما سبقه ويحمل معه أزمة تَعِد هي الأخرى بالأزمة التي تليها. فالجموع الجامحة ستتمخّض شعباً بشوشاً متنوّراً، وسيول الحياة اليومية المتشتّتة ستنتج نظاماً سياسياً.

لقد تبوّأ الفيلسوف الذي فهم هذه الرسالة مسؤولية حمل ركاب الروح، وهو بلا شك مستقبل مغرٍ دائماً. كغيره من المفكرين الروسين من أبناء جيله والأجيال التي سبقتهم، كان إيليين من المتأثرين بهيغل، وأعلن في عام 1912 «نهضة هيغلية». ولكن مثلما زرعت بدائية المجتمع الروسي الشكوك في قلبه حول إمكانية شرح القانون للمجتمع الروسي، كذلك ما عايشه في الحياة المدنية الحديثة أعاده إلى الشك بالمسلمة القاضية بأن التغير التاريخي هو مسألة روح ليس إلا. لقد وجد إيليين الروس، وحتى أولئك الذين ينحدرون من ذات طبقته وبيئته الاجتماعية، ماديين مقزّزين بعيدين عن الروح. بل واتهم خصومه في جدالاتهم عن الفلسفة والسياسية في تلك الفترة بالـ«الانحراف الجنسي».

ساور القلق ذهن إيليين في عام 1913، فهل يمكن أن يكون الانحراف متلازمة روسية قومية، وهنا قال بأن سيغموند فرويد (1856-1939) هو منقذ روسيا. استخلص إيليين من قراءته لفرويد أن الحضارة انبثقت من قبولٍ جمعي بكبت الغرائز، وقد دفع المرء ثمناً نفسياً ليضحي بطبيعته على مذبح الثقافة. لذلك لا سبيل للوصول إلى مكنونات الإنسان اللاواعية وجرها إلى مملكة الوعي سوى بجلسات طويلة على كنبة الطبيب النفسي. كان التحليل النفسي، إذاً، منحىً فكرياً مختلفاً عن الفلسفة الهيغلية التي كان يُدرّسها إيليين في ذاك الوقت. وبينما كان يعد أطروحته عن هيغل، أعلن إيليين نفسه رائداً للتحليل النفسي في روسيا، فسافر مع ناتاليا إلى ڤيينا في أيار 1914 ليجلس مع فرويد. وهكذا ساقت خيوط القدر إيليين إلى فيينا وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، أي إن إيليين، القادم من روسيا، وجد نفسه يعيش في ظل إمبراطورية هابسبورغ، إحدى الدول التي ناصبت العداء لروسيا.

وكان مما كتبه إيليين في رسالة لصديق له عام 1915: «ألمانيّو الداخل يقلقونني أكثر من ألمانيّي الخارج». وهكذا كان، إذ سرعان ما أعلنت مَلَكية هابسبورغ وألمانيا الحرب على روسيا. وكان الفيلسوف إيدموند هوسرل، أحد «ألمانيّي الداخل»، هو الذي انتصر لإيليين على حساب الألمان الآخرين، وقد درس هوسرل وإيلين معاً في گوتنگن عام 1911. أسس هوسرل المدرسة الفكرية التي عُرِفَت باسم الظاهراتية، وحاول أن يصف طريقته بأنها الطريقة التي يعمل بها الفيلسوف ليتماهى مع العالم، فيسعى الفيلسوف لنسيان ذاته ومسلّماته السابقة في محاولته لتركها تعيش ذات الشيء من منطلقها هي. ويجب على الفيلسوف، كما يصوغ إيليين هذا المفهوم، أن يتملّك ذهنياً مقصد الاستقصاء حتى يبلغ درجة وضوح مبرهنة وشاملة.

اختزل إيليين منهج هوسرل على أنه «فعل فلسفي» يستطيع الفيلسوف عن طريقه أن يجمّد الكون وكل شيء فيه – الفلاسفة الآخرين، والعالم، والإله، متى ما جمّد عقله هو. واعتقد (على النقيض من هوسرل) بأنه يستطيع أن يرى واقعاً ميتافيزيقياً عبر واقع آخر فيزيائي، تماماً مثل عابد أورثوذكسي يقوم بالتفكر في أيقونة. لذلك لدى كتابته أطروحته عن هيغل، وعى موضوع الإله في إطار نص فلسفي. كان هيغل يعني بقوله «الروح» الإله، كما استخلص إيليين، مؤكداً أيضاً بأن هيغل كان مخطئاً في تلمّسه حركة التاريخ. فلم يكن يستطيع الإله أن يتمثّل بذاته في العالم، لأن كينونة الإله تختلف اختلافاً لا يمكن ردمه عن كينونة العالم. ولم يستطع هيغل أن يثبت أن كل حقيقة ترتبط بمبدأ، وأن كل حادث هو جزء من منظومة لها تصميم، وأن كل تفصيل هو جزء من كل، وهكذا. لقد ابتدأ الإله دورة التاريخ ومن ثم حُجِبَ عن تحريكه بعد ذلك.

تماشى إيليين مع غيره من المفكرين الروس في اعتناقهم المتسارع والمندفع للأفكار الألمانية المتضاربة. وقد استطاع إيليين، بفضل فهمه الخصوصي للغاية لأفكار هوسرل، إضفاء شيء من الاتساق على «ألمانيّي الداخل». فقد أسست أفكار كانْط لمشكلة استعصت على المفكر السياسي الروسي: كيف يمكن إقامة حكم القانون. وبدا أن لدى هيغل حلاً: تلبّس الروح للتاريخ. أعاد فرويد تعريف مشكلة روسيا بأنها مشكلة جنسية وليست روحانية. وسمح هوسرل لإيليين بأن يلقي بمسؤولية الفشل السياسي والاضطراب الجنسي على الإله. أفضت الفلسفة إلى التأمل الذي سمح ببلوغ الإله وبدء تطبيق علاج الإله. وانتهى كل شيء إلى الفيلسوف الذي وجد كل شيء في ناظره: الفلاسفة الآخرين، والعالم، والإله. ولكن التاريخ استمر حتى بعد الوصول إلى ذات الإله، واستمرت «سيرورة الوقائع».

وبالفعل وجد إيليين أن ملايين الناس يموتون ويقتلون بعضهم البعض في ساحة الحرب الأوروبية وهو يتأمل في الإله. كان إيليين يكتب أطروحته في الوقت الذي تقدمت به الإمبراطورية الروسية قبل أن تتقهقر على الجبهة الشرقية في الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1917، حل نظام دستوري مكان النظام القيصري، وترنحت الحكومة الجديدة في ظل استمرار حربٍ كلّفتها الكثير، وأرسلت ألمانيا فلاديمير لينين إلى روسيا في قطار مغلق في نيسان من ذاك العام، ليخرج البلشفيون في ثورة ثانية في تشرين الثاني ويعدوا بضمان الأراضي للفلاحين والسلام للجميع. في ذاك الوقت، كان إيليين يحاول تأليف لجنة لمناقشة أطروحته. ولمّا كان هو يناقش أطروحته، كان البلشفيون قد وصلوا إلى مصافّ الحكم، وكان الجيش الأحمر يخوض حرباً أهلية، وكانت التشيكا (الشرطة السرية الروسية وقتها) تعيث الإرهاب دفاعاً عن اسم الثورة.

كانت الحرب العالمية الأولى فرصة الثوريين، وقد مهدت الطريق أيضاً للعديد من الثورات المضادة. فقد رأى اليمين المتطرف في مختلف أنحاء أوروبا في الثورة البلشفية فرصة من نوع خاص، وعمّت دراما الثورات والثورات المضادة المشهد مع تباين النتائج في ألمانيا والمجر وإيطاليا. ولكن تجرعت أرض إمبراطورية روسيا السابقة النزاع الأشرس والأطول والأدمى، فدامت الحرب الأهلية لسنوات وجلبت معها المجاعة والمجازر المنظمة، وأزهقت من الأرواح ما كافأ عدد ضحايا الحرب العالمية الأولى نفسها تقريباً. وتمخّض كل هذا الموت الشنيع والشقاء الذي بدا بلا نهاية، ومعه أيضاً سقوط الإمبراطورية، عن تقبل أوروبا بصورة عامة، وروسيا على وجه الخصوص، لأفكار كانت ربما ستبقى – لولا حدوث كل ذلك – مطموسة أو بلا أي حيثية. فالحركة اللينينية كانت ستبقى مجرد هامش مهمل في تاريخ الفكر الماركسي لولا الحرب، وربما لم يكن إيليين سيتوصل إلى خلاصات يمينية متطرفة لولا ثورة لينين.

لم يكن لينين وإيليين يعرفان بعضهما البعض، ولكن تاريخهما المشترك على ساحة الثورة والثورة المضادة يثير العجب. فقد وُلِدَ لينين لأب اسمه «إيليتش» وكتب تحت اسم مستعار كان «إيليين»، أما إيليين الحقيقي فقد راجع بعض الأعمال التي كُتبت تحت ذلك الاسم المستعار. وعندما اعتقلت التشيكا إيليين بعد أن اتُهم بأنه عدو للثورة، تدخل لينين كبادرة احترام لنتاجه الفلسفي. والاحتكاك الفكري بين الاثنين، الذي بدأ عام 1917 ويستمر حتى الآن في روسيا، بدأ من تصديق كلّ منهما لوعد هيغل بالمتّحد. كلّ من لينين وإيليين فسّر هيغل بطرقه الراديكالية، لكنهما اجتمعا على بعض النقاط الهامة مثل الحاجة لإزالة الطبقة المتوسطة، واختلفا في نقاط أخرى مثل الصورة النهائية لمجتمعٍ لا يقوم على الطبقات.

اتفق لينين مع هيغل على أن التاريخ قصة تسير نحو الأمام بقوّةٍ دافعة هي النزاع، وآمن لينين بوصفه ماركسياً بأنه نزاع طبقات اجتماعية بين برجوازيين يتملّكون الأراضي وبروليتاريا يتراكم الربح على ظهورهم، كما أضاف لينين إلى الماركسية الفكرة التي تقول بأن الطبقة العاملة تحتاج إلى حزب منضبط يفهم قواعد التاريخ، ولو أن الطبقة العاملة هي منتجة الرأسمالية وقَدَرُها في النهاية أن تنتزع ثمراتها. بل وتوصل لينين في عام 1917 إلى أن الذين يعرفون قواعد التاريخ يعرفون أيضاً متى ينقضونها – وكان ذلك بإعلان لينين عن ثورة اشتراكية في الإمبراطورية الروسية في وقت كانت فيه الرأسمالية ضعيفة وطبقتها العاملة صغيرة. ولكن لم يساور لينين أي شك بوجود طبيعة حسنة للبشر، ولكنها محبوسة بحكم ظروف التاريخ، وعلى هذا كان لا بد من تحريرها بالفعل التاريخي.

لم يؤمن الماركسيون الذين كانوا على شاكلة لينين بأي إله. وكانوا يعتقدون بأن هيغل كان يعني الإله أو غيره من المفاهيم اللاهوتية بقوله الروح، فاستبدلوا الروح بالمجتمع. ولم يكن إيليين مسيحياً بالمفهوم التقليدي، ولكنه آمن بوجود إله، واتفق مع الماركسيين بأن هيغل كان يعني الإله، وحاجج بأن إله هيغل خلق عالماً محطماً. ولمّا رأى الماركسيون أن المُلك الخاص هو الخطيئة الأولى، وأنه بإنهاء ذلك ينعتق الخير الكامن في الإنسان، كان إيليين يعتقد أن بدء الخليقة نفسه كان هو الخطيئة الأولى. فلم يعرف التاريخ بطوله لحظة حسنة ولا خيراً متأصلاً في الإنسان. لقد كان الماركسيون مُحقّين في مقتهم للطبقة الوسطى، بل لم يكن مقتهم لها كافياً بالقدر المطلوب. فـ«المجتمع المدني» ابن الطبقة الوسطى يرسّخ مصالح عامة تدوس على آمال قيام «المنظومة القومية المهيمنة» التي يحتاجها الإله. ويجب أن تُمسَح الطبقة الوسطى، التي تحجب الإله، وتُستبدَل بمجتمع قومي بدون طبقات. ولكن لا يوجد هناك ميول تاريخية ولا جماعة تاريخية بمقدورها القيام بهذه المهمة الشاقة. يجب إذاً أن يبدأ هذا التحول من الفردانية الشيطانية إلى خير المتّحد الإلهي من مكان ما خارج التاريخ.

ينبثق التحرير، طبقاً لإيليين، من تحييد التاريخ وليس من فهمه. فلمّا كان العالم الدنيوي فاسداً والعالم الإلهي بعيد الوصول، كان لا بدّ للإنقاذ السياسي أن يأتي من مملكة الخيال. عام 1917، كان الأمل بأن تصبح روسيا دولة يحكمها القانون لا يزال يسكن قلب إيليين. إلا أن ثورة لينين أحالت بقيامها أفكار إيليين الفلسفية إلى منطلقات سياسية. وأثبتت البلشفية بأن عالم الإله عالم معيب، كما آمن إيليين، والذي اعتبر أن «قاع الإلحاد» في النظام الجديد هو التوكيد الأخير على عيوب العالم وعلى نقصان قوة الأفكار الحديثة وعقمها.

غادر إيليين روسيا معتقداً بأن البشرية تحتاج إلى أبطال، إلى شخصيات مهيبة تأتي من خارج التاريخ وتملك القدرة على وضع أنفسها في مقاليد السلطة. وتجذّرت هذه السياسات، كما يُرى في أطروحته، في التلهف لمتّحد مفقود واقتراح أن بإمكان الشعب أن يبدأ بإحياء نفسه. لقد كانت هذه أيدولوجيا مكتملة الأركان، لا ينقصها سوى الشكل والاسم.

* * * * *

ترك إيليين روسيا في عام 1922، في نفس عام تأسيس الاتحاد السوڤييتي. وسرعان ما سلب ذاتَه غزو موسوليني لروما خلال الانقلاب العسكري الذي أُقيمت عليه أُسُس أول نظام فاشي في العالم. كان إيليين مقتنعاً بأن المقامرات الجريئة التي يُقْدم عليها رجال جريئون هي السبيل لإصلاح اختلالات الوجود. وهكذا زار إيليين إيطاليا ونشر مقالات سطّر فيها إعجابه بالدوتشي موسوليني، في نفس الوقت الذي كان يكتب فيه كتابه المنشور عام 1925 عن توسّل العنف لمقاومة الشرّ. فإذا كانت أطروحة إيليين قد رسمت أُسُساً ارتكز عليها لدفاعه عن الفاشية من منطلق ميتافيزيقي، فإن كتابه كان تبريراً لقيام نظام جديد. خاضت الأطروحة بالمتّحد الضائع الذي ابتدعه إلهٌ غيرُ عالِم، أما كتابه الثاني فقد بيّن محدودية تعاليم ابن الإله. والآن، وقد استوعب صدمة الإله، جعل إيليين «يحدق في عينَي الشيطان».

أخذت تعاليم المسيح الشهيرة معنىً غيرَ متوقع كما أوّلها إيليين – ففي إنجيل متّى يقول المسيح: «لا تدينوا لكي لا تُدانوا». وبإكمال هذا القبس: «لِأَنَّكُم بِالدَّينُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالكَيلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُم. وَلِمَاذَا تَنظُرُ القَذَى الَّذِي فِي عَينِ أَخِيكَ وَأَمَّا الخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَينِكَ فَلَا تَفطَنُ لَهَا؟ أَم كَيفَ تَقُولُ لِأَخِيكَ: دَعنِي أُخرِجِ القَذَى مِن عَينِكَ وَهَا الخَشَبَةُ فِي عَينِكَ. يَا مُراءٍ، أَخرِج أَوَّلَاً الخَشَبَةَ مِن عَينِكَ وَحِينَئِذٍ تُبصِرُ جَيِّدَاً أَن تُخرِجَ القَذَى مِن عَينِ أَخِيكَ».

لم يرَ إيليين في هذه التعاليم سوى وحيِ إله تلبَّسه الفشل، أنزله على ابنه الذي قُدّر له الهلاك. فهو في الواقع إنسانٌ خيّر لم يتفطن لأعماله هو نفسه، ولم يحاول رؤية الأمور من زاوية أخرى، كما تدبر إيليين، ولا هو أيضاً تبصّر الخير والشر بمطلقَيهما أو عرف الأعداء الذين تجب إبادتهم. فالتأويل المناسب لقبس «لا تدينوا» هو أن يوم الآخرة يَحُلّ كل يوم، وأن الناس سيُدانون لاستنكافهم عن قتل أعداء الإله لمّا لاحت لهم الفرصة. وفي غياب الإله حدّد إيليين بنفسه من هم هؤلاء الأعداء.

ولعل أشهر وصايا المسيح كانت حب المرء لعدوه، كما جاء في إنجيل متى: «سَمِعتُم أَنَّهُ قِيلَ: عَينٌ بِعَينٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُم: لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَل مَن لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيمَنِ فَحَوِّل لَهُ الآخَرَ أَيضَاً». ولكن أكد إيليين بأن المقصود من هذا القبس هو عكس ما قد يحمله المعنى الظاهر. فلو كان لنا أن نفهم هذا القبس فهماً صحيحاً، كما يرى إيليين، فعلينا أن نعي بأن الحب كان يعني المتّحد، ولا يهم إن حاول الفرد أن يحب فرداً آخر، فالحب الحقيقي الذي يتزين به الفرد هو الانصياع للمجتمع. لا بد من النضال «ضد أعداء السنّة الإلهية على الأرض» لكي يُغمر المرء بهذا الحب. أي إن الغاية الحقيقية للمسيحية هو نداءات الفيلسوف الذي تبدّى له الحق بوصفه الأخذ بعصا العنف أخذاً حازماً والضرب بها باسم الحب. وكل من مانعته نفسه عن قبول هذا المنطق فهو نفسه عميل للشيطان: «إنّ الذي يمانع هذا النضال النبيل ضد الشيطان هو الشيطان بنفسه».

إذاً، أمسى اللاهوت سياسة، ولم تمانع الديمقراطيات الفلسفةَ البلشفيةَ بل كانت مطيّة لها، وصار، إذاً، من اللازم تدميرها. كانت الطريقة الوحيدة للحؤول دون انتشار الشر هي تحطيم الطبقة الوسطى، وإبادة مجتمعها المدني، وتحويل الفهم الفرداني والكوني للقانون إلى وعي يُفضي إلى الانصياع القومي. لم تكن البلشفية الترياق الناجع الذي نتخلص به من وباء الطبقات الوسطى، بل التغلغل الكامل لهذا الوباء. ويتوجب في هذه الحال جرف الحكومات السوڤييتية الأوروبية بعيداً، والسبيل إلى ذلك هو تأجيج نار الانقلابات الدموية.

استخدم إيليين كلمة «الروح» في وصفه لإلهام الفاشي. فاستيلاء الفاشي على السلطة، كما يكتب إيليين، هو «فعل خلاص». فالفاشي هو المخلص الحقيقي لوعيه بأن العدو هو من يجب التضحية به. ما أخذه إيليين من موسوليني هو مبدأ «التضحية النبيلة» التي يسفك بها الفاشيون دماء الآخرين. (امتدح هينريك هيملر وحدات الشوتزشتافل، أو الإس الإس، التي كانت تعمل تحت إمرته، مستخدماً هذه المسميات في معرض حديثه عن الهولوكوست عام 1943).

ووعى إيليين بأن دوره، بصفته مفكراً روسياً، هو بثّ الأفكار الفاشية في سياق خصوصيات اللغة الروسية. فسطّر في قصيدة نُشرت في العدد الأول من صحيفةٍ كان هو محررها بين عامي 1927 و1930 ما أصبح لاحقاً شعاراً رناناً: «دعائي هو السيف، وسيفي هو الدعاء». وأهدى إيليين كتابه الضخم عن توسّل العنف لمقاومة الشرّ إلى قوات البيض التي قاومت الثورة البلشفية. وقد جاء هذا الكتاب لإرشاد هؤلاء في وجه المستقبل.

بدا أنأكثر ما ساء إيليين هو أن الإيطاليين، وليس الروس، كانوا هم من ابتكروا الفاشية: «لماذا نجح الإيطاليون فيما فشلنا فيه نحن؟». وفي كتابته عن مستقبل الفاشية الروسية عام 1927، حاول إيليين أن يؤسس لأسبقية روسيا باعتبار المقاومة البيضاء للبلشفية الحقبة التي سبقت التاريخ المسجل للحركة الفاشية بصفتها العامة. كما أن الحركة البيضاء «كانت أعمق وأوسع» من الفاشية لأنها صانت ارتباطاتها الدينية وحاجتها للمتّحد. كذلك وجه إيليين نداءه إلى «إخواني البيض، الفاشيين» صارخاً بأنه لا بد من استيلاء أقلية ما على السلطة في روسيا. وسيأتي هذا الوعد. فـ«الروح البيضاء» خالدة.

وفي ندائه لمستقبل فاشي لبلده روسيا خلال العشرينات، نقض إيليين آماله بتأسيس قواعد حكم القانون في روسيا، وهو الأمل الذي كان يدفّئ قلبه قبل تحوله هذا بعقد فقط. فكتب إيليين أن «الفاشية فيض من الوطنية التعسفية يفتدي به الفاشي نفسه». التعسفية، التي أصبحت مبدأ محورياً حاضراً في جميع جدليات المشهد السياسي الروسي الحديث، كانت الغولَ الذي خافه جميع المصلحين الروسيين الآملين بتحسين روسيا عن طريق القانون. و«الافتدائية» هي مبدأ روسي محوري آخر. ولعلها الصفة التي يطلقها أرثوذوكس روسيا على تضحية المسيح بنفسه على درب الجلجلة، موت المصطفى الذي كان فيه خلاص الكثير. إنما قصد بذلك إيليين قتل الغريب لكي تستطيع الأمة تنفيذ مشروع السياسات المتّحدية على أمل أن نستطيع افتداء إله ضاع فيما سيأتي.

وبعبارة بسيطة، نُقضت أسس مبدأين كونيين: القانون والمسيحية. فبُعثِت روح القانون من أنقاض روح القانون، وافتَرست روح القتل روح الرحمة.

* * * * *

بالرغم مما استلهمه إيليين من إيطاليا الفاشية، كانت ألمانيا هي ملاذه السياسي في الفترة بين 1922 و1938. وكان يعمل هناك موظفاً مدنياً أكاديمياً في الأكاديمية الروسية للعلوم. ومن برلين عاين إيليين الصراع في روسيا على خلافة لينين، وتابع بعد ذلك محاولة ستالين لتوليد تحول اجتماعي من الانتصار الذي غنم به البلشفيون. كما نشر في عام 1933 كتاباً طويلاً باللغة الألمانية عن المجاعة التي أتت بها سياسات التجميع الزراعية في الاتحاد السوڤييتي.

لم يتردد إيليين في الإشادة باستيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا عام 1933، ولكنه كتب هذه المرة بالروسية موجهاً كتاباته إلى اللاجئين الروس. فقد أحسن هتلر الصنع، كما يرى إيليين، بقراره بتعليق حكم القانون بعد حريق الرايخستاگ الشهير في شباط 1933. وتماماً مثلما رأى موسوليني، صور إيليين هتلر بأنه قائد من وراء التاريخ، مهمته دفاعية صرفة. فكتب إيليين: «كان لا بد من ردة فعل للبلشفية، وهذا ما كان». جُرّت حضارة أوروبا إلى حبل المشنقة، ولكن «ما دام موسوليني قائداً لإيطاليا وهتلر لألمانيا، فللثقافة الأوروبية من يحميها من هلاكها». تجسّدت «روحٌ» في النازيين يجب أن تظهر أيضاً في روسيا. فكان النازيون محقين، كما يرى إيليين، في مقاطعة رجال الأعمال اليهود ولوم اليهود جمعياً على الشرور التي حلّت بألمانيا. قبل كل شيء، أراد إيليين أن يقنع الروس وغيرهم من الأوروبيين بأن هتلر منصف في معاملة اليهود على أساس أنهم عملاء للبلشفية. وكانت فكرة «البلشفيهودية»، كما فهمها إيليين، هي الرابط الأيديولوجي بين البيض والنازيين، وقد كان الزعم بأن اليهود بلشفيون وأن البلشفيين يهود بروباغاندا بثّها البيض خلال الحرب الأهلية الروسية. وطبعاً لم يكن غالبية الشيوعيين يهوداً، ولم يكن للسواد الأعظم من اليهود أي علاقة بالشيوعية. وهذا الخلط بين الجماعتين لم يكن خطأ أو مبالغة، وإنما مثّل تحول الانحيازات الدينية التقليدية إلى أدوات لبلوغ الوحدة القومية. وهكذا تلاءمت البلشفيهودية مع المعتقدات الخرافية التي آمن بها الفلاح الأرثوذكسي: بأن اليهود هم من يحرسون الحدود الفاصلة بين مملكتي الخير والشر. وبرز وجه سياسي لهذه الفكرة في السياسات الحديثة، فصُوّرت الثورة على أنها الجحيم، وصُوّر خازنوها على أنهم اليهود. ففلسفة إيليين نصت على أن الإله ضعيف، وأن السطوة للشيطان، وأن أسلحة الجحيم هي الأفكار الحديثة في العالم.

استقبلت ألمانيا بعض البيض الذين فرّوا من روسيا خلال الحرب الأهلية الروسية وما تلاها. وجلب بعض من هؤلاء النصوص التأسيسية لمعاداة السامية – الوثيقة الزائفة التي عرفت باسم «بروتوكولات حكماء صهيون». وكان هناك الكثيرون ممن آمنوا بأن المؤامرة اليهودية العالمية كانت السبب في هزيمتهم. وفدت البلشفيهودية البيضاء إلى ألمانيا في عامي 1919 و1920، وحينئذ اكتمل تنوير هتلر بمعاداة السامية. فحتى ذلك الحين، كان هتلر يرى أن الرأسمالية اليهودية هي عدو ألمانيا. وبمجرد ما اقتنع بأن اليهود هم المسؤولون عن كل من الرأسمالية والشيوعية، كان بإمكانه أن يخطو الخطوة الأخيرة ويجزم بأن اليهود هم مصدر كل الأفكار التي تهدد الشعب الألماني، كما كتب في كتابه كفاحي. وفي هذا النسق المهم، يمكن اعتبار هتلر بأنه طالب لدى الحركة البيضاء، فيما كان إيليين، المنظر الأيديولوجي الأول للحركة البيضاء، حريصاً على تنبيه العالم إلى صحة معتقدات هتلر.

عاد الشك من جديد إلى قلب إيليين مع نهاية الثلاثينات، فهل كانت ألمانيا النازية تسير بشعلة الفاشية الروسية إلى الأمام حقاً؟ ولم يكن هذا منفصماً عن الواقع، فكان هتلر يرى أن الروس دون غيرهم من البشر، وكان دعم ألمانيا للحركات الفاشية الأوروبية مقتصراً على خدمة الأجندة النازية. وهنا بدأ إيليين بتحذير البيض من النازيين، وهو ما جذب إليه أعين الحكومة الألمانية. ففقد إيليين عمله ورحل عن ألمانيا في عام 1938 متجهاً إلى سويسرا. ولكنه، مع ذلك، بقي متمسكاً بإيمانه بأن الحركة البيضاء سبقت الفاشية في إيطاليا والقومية الاشتراكية (النازية) في ألمانيا، وأن روسيا حين يحين الوقت ستبرهن على تفوقها الفاشي.

* * * * *

تابع إيليين بأمان من هضبات سويسرا، وتحديداً بالقرب من زيورخ، مجريات الحرب العالمية الثانية. كانت هذه لحظة محيِّرة للشيوعيين وأعدائهم، ولا سيما لمّا اشتعلت نار الصراع وتوصَّل الاتحاد السوڤييتي وألمانيا النازية إلى اتفاقية عُرفت باسم اتفاق مولوتوف-ريبنتروب. وكان البروتوكول السري، الذي قسم أراضي أوروبا الشرقية بين القوتين، تحالفاً في كل شيء ما عدا الاسم. وغزت كل من ألمانيا النازية والاتحاد السوڤييتي بولندا في أيلول 1939، والتقى جيش البلدين في المنتصف. وكان إيليين مقتنعاً بأن هذا التحالف النازي السوڤييتي لن يدوم لأن ستالين سيغدر بهتلر عاجلاً أم آجلاً. ولكن العكس هو ما جرى عام 1941، فغزت القوات المسلحة الألمانية الاتحاد السوڤييتي. وعلق إيليين على غزو ألمانيا للاتحاد السوڤييتي، بالرغم من تحفظاته على النازيين، بأن هذا الغزو كان «يوم حساب البلشفية». وغير إيليين موقفه من جديد بعد انتصار ستالينغراد في شباط 1943 وظهور علامات الهزيمة على ألمانيا. فبدأ يصور الحرب، وقتئذ وفيما تلا ذلك من سنوات، بأنها سلسلة من الهجمات الغربية على الفضيلة الروسية.

صارت الفضيلة الروسية أحد أهم الموضوعات التي شغلت بال إيليين. فقد كان هذا المبدأ هو الحجر الأخير في عقد نظرية إيليين الفاشية: العالم فتك به الفساد، ولن يجد خلاصه إلا في أمة قادرة على حمل سياسات المتّحد، وهذه الأمة هي روسيا العذراء. توجه إيليين إلى التعمق في الماضي الروسي مع تقدمه في العمر، ولكنه لم يدرسه من زاويته التاريخية، بل كتأسيس لدورة ميثولوجية جوهرها حماية الطهورية المتأصلة مما يدنسها من الخارج. إن روسيا إمبراطورية طاهرة يحيط بها الشر من كل الجهات، وما هي إلا بقعة صغيرة من الأرض تحيط بموسكو كُتِبَ لها أن تصبح أكبر بلد عرفه التاريخ دون أن ترفع رايات الغزو في وجه أحد في كل تاريخها. وظلّت روسيا الضحية حتى عندما كانت تتوسع، لأن الأوروبيين ما كان لهم أن يفهموا الفضيلة المتجذرة التي تدافع رايات روسيا عنها باحتلالها لمزيد من الأراضي. لقد رزحت روسيا، بعبارات إيليين، تحت «حصار قارّي» لم يتوقف، وتلخص ماضيها الطويل بـ«الدفاع عن نفسها». وعلى ذلك، «تستطيع روسيا، منذ اعتناقها للمسيحية، أن تحصي تاريخاً طويلاً من المعاناة التاريخية يمتد إلى ألف عام».

ملأ إيليين مئات الصفحات الرتيبة تمحورت بجملتها حول هذه الفكرة، ولكنه أكد على أن مجريات التاريخ الحقيقية أو ما فعله الروس على أرض الواقع ليس بالأمر المهم. فقد كان هذا تاريخاً عقيماً، مجرد حقائق لا أكثر. فالحقيقة حول هذه الأمة، كما كتب إيليين، هي «طاهرة وموضوعية» بصرف النظر عن الدليل. وكانت الحقيقة الروسية مستعصية على البصر والوصف. روسيا ليست دولة أفراد ومؤسسات، ولا يكون لها أن تبدو كذلك، بل هي مخلوق حي خالد. «روسيا هي كينونة عضوية ذات طبيعة وذات روح». لقد كانت «كائناً فيه حياة». وهكذا. وكان إيليين يكتب كلمة «الأوكرانيين» بين علامتي اقتباس لأنه كان يراهم جزءاً من الكينونة الروسية العضوية. وكان إيليين جَزِعاً من أن أفكاره هذه لن تفهمها عقول الغرب، ورأى في أي ذكر لأوكرانيا هجوماً على روسيا. فروسيا كينونة عضوية «لا تتجزأ ولكن تُشرَّح».

استلزمت عودة روسيا السياسية إلى الإله، في تصورات إيليين، انسلاخاً عن الفردانية والتعددية، وأيضاً عن الإنسانية. فبقيت لغويات الوحدة العضوية التي تتبناها الفاشية، والتي قوضتها الحرب، محورية في أفكار إيليين. ولم تغير الحرب بصورة عامة من جملة مواقفه كما كان الحال مع معظم من أيدوا الفاشية قبل الحرب، إلا أنه الآن يميز بين ما عَدَّه تجارب أفضل وتجارب أسوأ للفاشية. نأى إيليين بنفسه عن النقلة السياسية الأوروبية إلى اليسار، أو إعادة تأهيل الديمقراطية. والأهم من هذا وذلك ربما كان عدم اقتناعه بأن عصر الكولونيالية الأوروبية بدأ بالأفول، ورأى أمثلة مشعة في إسبانيا فرانكو وبرتغال سالازار – الإمبراطوريتين الممتدين التي كانت تحكمهما أنظمة يمينية سلطوية.

لم تكن الحرب العالمية الثانية «يوم حساب البلشفية» كما تخيلها إيليين في عام 1941، بل إن الجيش الأحمر خرج منتصراً في عام 1945. وامتدت حدود الاتحاد السوڤييتي في الغرب، وقامت إمبراطورية جديدة  تألفت من أنظمة خارجية في أوروبا الشرقية سعت إلى نسخ تجربة الاتحاد السوڤييتي. طمس تتابُع الأيام أحلام إيليين الوردية، التي اختزنها في صدره في العشرينات، بعودة أفراد من الحركة البيضاء إلى السلطة في روسيا في يوم من الأيام، فصار من المستحيل تخيل ذلك بحكم ما استقر عليه الحال في الأربعينات. والآن ما عاد أمام إيليين سوى أن يكتب رثاء الحركة البيضاء بدلاً من أيديولوجياتها. وحكمت الحاجة صياغة نصوص تأسيسية تجد شرعيتها في مستقبل روسيا في أعقاب الاتحاد السوڤييتي. كتب إيليين عدداً من المقترحات الدستورية، وأيضاً مجموعة من المقالات السياسية الأقصر في طولها. وشكلت آخرها، المنشورة تحت اسم مهماتنا، بعثاً فكرياً جديداً لإيليين في روسيا ما بعد السوڤييتية.

تحمل توصيات ما بعد الحرب التي كتبها إيليين تشابهاً لا يمكن إنكاره بالأنظمة الفاشية ما قبل الحرب، وتتسق أيضاً مع الصياغة التشريعية، بأنساقها الميتافيزيقية والأخلاقية، مع الحاضر الفاشي في أعمال إيليين الرئيسية. فقد تنبأ إيليين بانبثاق «دكتاتور قومي» من مكان ما من وراء التاريخ، من مملكة من ممالك الخيال. ويجب أن يتسم هذا القائد (أو الأمير) بـ«الرجولية الكافية» مثل موسوليني. ومن الصعب طبعاً ألا يلحظ المرء علامات الرجولة الركيكة، «فالسلطة تأتي بحالها طواعية إلى الرجل القوي» كما قال إيليين، وسينحني الناس أمام «كينونة روسيا العضوية»، وسيقوم القائد «بتقوية نفسه خدمةً للعدل والرجولة».

ويكون هذا القائد، في المنظومة التي رسمها إيليين، مسؤولاً بصورة شخصية وكلية عن جميع جوانب الحياة السياسية، فهو على رأس الجهاز التنفيذي، والجهاز التشريعي، وجهاز العدل، وهو أيضاً قائد القوات المسلحة، وسلطته التنفيذية لا حدود لها. ويجب أن ترتكز أي «عملية اختيار سياسي على أُسُس رسمية غير ديمقراطية». فالانتخابات الديمقراطية أرست أُسُس فكرة الفردانية الشريرة. ويردف إيليين بأن «مبدأ الديمقراطية كان الذرة البشرية غير المسؤولة». أما إحصاء الأصوات فيكون بغية «رسم فهم ميكانيكي وحسابي للسياسة». ويُتبع ذلك بالقول إن «علينا رفض الإيمان الأعمى بأرقام الأصوات ووزنها السياسي»، فالتصويت العام بصناديق اقتراع موقّعة سيسمح للروس بالتخلي عن فردانيتهم. وما الانتخابات إلا طقس إذعان الروس لقائدهم.

رأى إيليين بأن المشكلة في فاشية ما قبل الحرب هي دولة الحزب الواحد. فهذا العدد أكثر مما يلزم، أي أن روسيا يجب أن تكون دولةً منعدمة الأحزاب، لا يجب فيها أن يختص أي حزب فيها بالتحكم بالدولة أو أن يمارس سلطته على مجرى الأحداث. وليس للحزب سوى أن يمثل شريحة من المجتمع، والمحاصصة الاجتماعية هي ما علينا تجنّبه. لا بأس بوجود الأحزاب، ولكن فقط لتكون أفخاخاً يقع فيها الطامحون أو لتكون عناصر طقوس الإذعان الانتخابي (تم إرسال المقالة التي تتمحور حول هذه النقطة إلى أفراد حزب بوتين في عام 2014). وذات الأمر ينطبق على المجتمع المدني، فيجب أن يكون موجوداً فقط كصورة زائفة. ويجب أن يُسمَح للروس بالاهتمام بهوايتهم وما إلى ذلك، ولكن فقط ضمن أُطُر بنية شركاتية تشمل جميع المنظمات الاجتماعية. أما طبقات المجتمع الوسطى فيجب أن تكون في قاع هذه البنية الشركاتية، وأن يقع على ظهرها ثِقَل النظام بأكمله، فهم من ينتجون الحقائق والمشاعر ويستهلكونها في مجتمع غايته هي تجاوز الحقائق والمشاعر.

«الحرية لروسيا» كما فهمها إيليين (وكما ورد في نص أَخَذَ بوتين منه قبسات مختارة في عام 2014) لا تعني الحرية لأفراد دولة الروسيا، وإنما الحرية للروس لفهم ذواتهم بأنها جزء من كل. فيجب على النظام السياسي، كما يوضح إيليين، أن يولد «الوحدة العضوية-الروحانية بين الحكومة الشعب، وبين الشعب والحكومة». وأول خطوة نحذو بها نحو العودة إلى كلمة البدء هي «الهوية الميتافيزيقية التي تلمّ جميع الناس من بني الأمة الواحدة». ويمكن «نفي الطبيعة الشريرة الكائنة في الشاعري»، و«التنوع التجريبي البشري» نفسه يمكن تجاوزه.

* * * * *

روسيا اليوم هي دولة يملكها أثرياء سلطويون وتسيطر عليها وسائل الإعلام، وهي بهذا بعيدة عن الكتلة الدينية الشمولية التي تصورها إيليين. ولكن المبادئ التي رسمها إيليين تساعد على رفع التساؤل عن بعض من جوانب الحياة الروسية التي تدعو للعجب. فلاديمير بوتين، لو كان لنا الحديث عن مثال مهم جداً، هو سياسي روسي برز بعد سقوط الاتحاد السوڤييتي وانبعث من مملكة الخيال. وكان بوتين هو من أعاد أفكار إيليين إلى رأس الجسد السياسي الروسي، وصار بذلك جزءاً من قصة إيليين أيضاً.

كان بوتين شخصية غير معروفة عندما اختاره بوريس يلتسن، أول رؤساء روسيا بعد سقوط الاتحاد السوڤييتي، لمنصب رئيس الوزراء عام 1999. وكان من وقع عليه الاختيار بعد تجارب الأداء، تماماً مثل عملية اختيار ممثّل لدور ما. فبدأ المقربون من يلتسن عملية سُميّت «عملية الخلف»، حيث سأل المقربون من الرئيس السابق أنفسهم من هو أكثر شخصية تلفزيونية شعبية في روسيا، وبعد إجراء استفتاء شعبي كان الجواب: شخصية جاسوس سوڤييتي يتحدث الألمانية، وسبق أن لعب البطولة في مسلسل تلفزيوني من السبعينات. كان بوتين يطابق هذا الوصف، فهو ضابط كان يعمل سابقاً مع المخابرات السوڤييتية أو «لجنة أمن الدولة» أو الكي جي بي في ألمانيا الشرقية. واستطاع بوتين سريعاً بناء سمعته باصطناع خيال أكثر دموية بعد فترة وجيزة من تسلمه منصب رئيس الوزراء، عندما تتابعت سلسلة من الانفجارات في شقق مدنية في أزمة أرّقت مدناً روسية مختلفة. ألقى بوتين وقتها باللوم على المسلمين، وشنّ حرباً على الشيشان. وتُظهر أدلة معاصرة أن الجهاز الأمني الفيدرالي الروسي (FSB) هو مسؤول محتمل عن زراعة القنابل التي سببت تلك الانفجارات. انتُخب بوتين بالفعل رئيساً لروسيا في عام 2000، واستمرت فترته الرئاسية ثماني سنوات.

s005f7aa-2.jpg

مؤتمر صحفي عام 2006 في جامعة موسكو بمناسبة جلب جثمان إيليين- إيتار تاس

قال بوتين في بداية الألفية الجديدة بأن بإمكان روسيا أن تصبح دولة يحكمها القانون. ولكن عوضاً عن ذلك، نجح بوتين في ترسيخ الجريمة الاقتصادية في منظومة الدولة الروسية، ليحول الفساد العام إلى فساد حكومي رسمي. وعندما باتت الدولة نفسها مركز الجريمة، صار حكم القانون فكرةً غير متماسكة، فانعدمت المساواة، وصار الإصلاح أمراً بعيد المنال. وبرزت الحاجة لقصة سياسية جديدة. امتدت أذرع بوتين لتصل أيضاً إلى المؤسسات الإعلامية، فقد نجح في فرض نفوذه على النخبة الحاكمة في روسيا. وكان من المحتوم خروج روسيا عن التيار الغربي الذي ركز على المحتوى الترفيهي التثقيفي، واستعاضت روسيا عن ذلك بواقع بديل يهدف إلى ترسيخ الإيمان بالفضيلة الروسية ومعها التوجس من الحقائق. وكان مهندس هذا التحول هو عبقري البروباغاندا الروسية فلاديسلاف سوركوف، والذي أشرف على نقلة أخذت بروسيا إلى العالم الذي تصوره إيليين، مملكة سوداوية ومحيرة لا ثابت فيها سوى الفضيلة الروسية. ولم يعد بوتين يحتاج، وقد أحكم سيطرته على الثروات المالية والإعلامية، إلا لإضافة «الثروة الروحية» لو كان لنا استخدام هذا المصطلح الروسي اللطيف. وهكذا كان، ففي بداية عام 2005 بدأ بوتين بإعادة تأهيل إيليين وتنصيبه فيلسوفاً لبلاط الكريملن.

لوحظ في ذاك العام أيضاً استشهاد بوتين بإيليين في خطاباته أمام الجمعية العمومية الروسية، وقام بوتين أيضاً بتوجيه أوامر بنقل رفات إيليين إلى روسيا، ومن ثم بدأ سوركوف هو الآخر بالاستشهاد بإيليين. فقد قبل سيد البروباغاندا فكرة إيليين القائلة «إن الثقافة الروسية تُختزل كتتويج للمتّحد»، ولخص عمله بأنه خلق سردية روسيا البريئة التي يحيط بها الأعداء من كل اتجاه. كان نفور سوركوف من الحقائق يجاري نفور إيليين. ومثل إيليين أيضاً، نزع سوركوف إلى رسم أسس لاهوتية لهذا التوجه. وحضّ دميتري ميدفيديف، رئيس حزب بوتين، شباب روسيا على قراءة كتب إيليين، بل حتى قادة الأحزاب الروسية المعارضة المهجّنة، والشيوعيين وأيضاً حزب الديمقراطيين الليبراليين (اليميني المتطرف المتسمّي باسم محيّر لا يوحي بهويته أبداً).

وفي آخر بضع سنوات، قام كلّ من رئيس المحكمة الدستورية ووزير الخارجية وكهنة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية بالاستشهاد بإيلين.

عاد بوتين عام 2012 ليتقلد كرسي الرئاسة بعد نهاية فترته الأولى عام 2008، وتولى خلال الأعوام الأربعة التي سبقت ذلك منصب رئيس الوزراء. وإذا كان الافتراض بأن بوتين قد ظهر بطلاً من مملكة الخيال عام 2000، فإن عودته إلى منصب الرئاسة في عام 2012 كانت بعباءة مدمر حكم القانون. كرّرت روسيا بوتين، ولو على مساحة أضيق، دراما روسيا حقبة إيليين. فخابت آمال ليبراليي روسيا من جديد بإقامة دولة يحكمها القانون. وإيلين، الذي حول هذا الفشل إلى فاشية في المرة الأولى، كان له أن يتنعم بلحظته المشهودة. فقد ساعدت تنظيراته بوتين على تحويل فشل فترته الرئاسية الأولى، وعجزه عن إقامة حكم القانون، إلى وعد الفترة الرئاسية الثانية – ترسيخ الفضيلة الروسية. وإن لم يكن لروسيا أن تتحول إلى دولة قانون، فسوف تسعى لتدمير جيرانها الذين نجحوا في تحقيق ذلك أو لا يزالون يطمحون إلى ذلك. كتب إيليين أن السياسة «هي فن تحديد وتحييد العدو»، مردّداً واحدة من أشهر تصريحات المفكر القانوني النازي كارل شميت. وكان وعد بوتين في العقد الثاني من الألفية الجديدة ليس وعداً بإقامة القانون في روسيا، بل هزيمة الكتل المجاورة ذات الفرط القانوني.

يرتكز الاتحاد الأوروبي، أكبر اقتصادات العالم وأهم شركاء روسيا الاقتصاديين، على الفرضية التي تقول بأن الاتفاقيات القانونية الدولية توفر أساساً لا بد منه للتعاون المثمر بين دول حكم القانون. أعلن بوتين، في نهايات 2011 وبدايات 2012، عن أيديولوجية جديدة متأصلة في أعمال إيليين، وعرّف بوتين هذه الأيديولوجيا بأنها تُضادّ النموذج الأوروبي. ففي مقالة نشرتها صحيفة إزڤيستيا اليومية الروسية بتاريخ 3 تشرين الأول 2011، أعلن بوتين قيام الاتحاد الأوروآسيوي كندّ للاتحاد الأوروبي، وقام هذا الاتحاد على أساس توحيد الدول التي فشلت في إقامة حكم القانون. وكتب بوتين في مقالة نشرتها صحيفة نيزافيسما بتاريخ 23 كانون الثاني 2012 عن اندماج بين الدول على أساس الفضيلة لا الإنجازات، مورداً استشهاداً آخر بإيلين. لم يكن حكم القانون طموحاً عالمياً، وإنما جزءاً من ثقافة غربية دخيلة، وفي المقابل توحدت روسيا، بموجب الثقافة الروسية، مع دول ما بعد الاتحاد السوڤييتي مثل أوكرانيا. وفي مقالة ثالثة نشرتها صحيفة أخبار موسكو بتاريخ 27 شباط 2012، رسم بوتين استنتاجاته السياسية: فقد تنبأ إيليين بأنه سوف «تسطع شمس روسيا، بصفتها كينونة عضوية، على كل شعوب العالم بأسره وليس فقط الشعوب الأرثوذوكسية أو الشعوب الأوراسية»، وتنبأ بوتين بأن أوراسيا ستتجاوز الاتحاد الأوروبي وتطوّق أعضاءها لتصبح كتلة أكبر تمتد من «لشبونة إلى ڤلاديڤوستوك».

بدأت حملة بوتين الهجومية على حكم القانون بانتزاعه من جديد لكرسي رئاسة الاتحاد الروسي. فجوهر أساس أي دولة يحكمها القانون هي مبدأ التعاقب – مجموعة القوانين التي تسمح لشخص بأن يخلف شخصاً آخر على رأس الدولة على نحو يعضد هذا النظام ولا يدمره. ولكن عودة بوتين إلى السلطة في عام 2012 نسفت أي فرصة للعمل بهذا المبدأ في روسيا في المستقبل المنظور. فقد أخذ بوتين مقعد الرئاسة بأغلبية برلمانية أفرزتها انتخابات رئاسية وبرلمانية مزورة إلى حد فاضح، وخلالها اندلعت احتجاجات أدان بوتين المشاركين فيها واتهمه بأنهم عملاء أجانب.

كان بوتين ينفذ توصيات إيليين, إذ حرم روسيا من أي طريقة مقبولة يمكن العمل بها لاختيار خلف له، فضلاً عن ضمان سيطرة حزبه المطلقة على البرلمان. فصارت الانتخابات مجرد طقوس، وأي شخص يرى غير ذلك ستوجّه له هذه الدولة الإعلامية المتنفذة اتهامات الخيانة. في إحدى المقابلات الإذاعية التي جمعت بوتين بالكاتب أليكساندر بروكانوڤ خلال فترة الاحتجاجات على الانتخابات المزورة، تحدث بوتين عن تصوره لرأي إيليين بدولة روسيا اليوم بطرحه سؤالاً مجازياً: «هل نستطيع أن نقول أن بلادنا قد تعافت تماماً من آثار الأحداث الدراماتيكية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوڤييتي؟ وهل نستطيع القول بأننا اليوم دولة قوية صحيحة؟ لا، فلا تزال بلادنا روسيا تئنّ من أمراضها، ولكن لا بد لنا هنا أن نتذكر إيڤان إيليين: ’نعم، بلادنا لا تزال مريضة، ولكننا لم نغادر جانب سرير أمنا المريضة».

يمكن استقاء الكثير من المعاني من استشهاد بوتين بإيلين في هذا السياق، وأيضاً إدراكه بأن جملته التي قالها تُقرَأ على أوجه عديدة. وحتى مع ذلك، فإن الطريقة التي استشهد بها بوتين بإيلين تبدو غريبة. فالتشيكا كانت قد نفت إيليين من الاتحاد السوڤييتي، وهي المؤسسة الأم للمؤسسة التي عمل معها بوتين – الكي جي بي. وقد آمن إيليين بأن تأسيس الاتحاد السوڤييتي، وليس حلّه، هو وباء روسيا. وكما أخبر إيليين ضابط التشيكا الذي استجوبه في ذاك الوقت: «أنا أعتبر القوة السوڤييتية الناتج الحتمي للوباء الاجتماعي والروحاني العظيم الذي ألمّ بروسيا منذ عدة قرون». وكان إيليين يعتقد بأن ضباط الكي جي بي (وبوتين كان واحداً منهم) يجب أن يُحظروا من دخول الميدان السياسي بعد نهاية الاتحاد السوڤييتي. وقد منّى إيليين نفسه طوال حياته بسقوط الاتحاد السوڤييتي.

كانت إعادة بوتين لرفات إيليين إلى روسيا هي بمثابة خروج روحي من دائرة التناقض هذه. فقد كانت الاستخبارات الروسية هي من نفت إيليين من روسيا، واليوم أُعيدت جثته لتُدفن مع بقايا ضحاياها. أمر بوتين بدفن رفات إيليين في دير دَفَنت فيه المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD) – التي خلفت التشيكا وسبقت الكي جي بي – رفات آلاف الضحايا السوڤييت التي أعدمتهم خلال ما عُرف بالتطهير الكبير. وعندما زار بوتين لاحقاً الموقع لوضع الزهور على قبر إيليين، كان معه كاهن أورثوذكسي اعتقد بأن جلادي المفوضية الشعبية كانوا رجالاً روسيين وطنيين، وبذلك فهم أيضاً رجال أخيار. وكان كبير كهنة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وقت دفن إيليين هو عميل سابق للكي جي بي. فقد كان تبرير إيليين للقتل الجماعي، في النهاية، هو ذاته التبرير الذي آمنت به الحركة البلشفية – الفضيلة النقية. وكما قال نقاد كتابه الثاني في العشرينات، كان إيليين «ضابط تشيكا يعمل لصالح الإله». وقد دُفِن من جديد مرتدياً هذا الكفن تحديداً، وقد قلّده ضباط التشيكا ورجال الإله كل لقب شرفي ممكن، ومعهم رجال الإله الذين كانوا ضباط تشيكا، وضباط التشيكا الذين كانوا رجال الإله.

عاد إيليين إلى روسيا التي أُجبر على فراقها بجسده وروحه. وقد كانت عودته هذه، بكل تناقضاتها المهملة وتغافلاتها عن الحقيقة، أنقى صور التعبير عن احترام إرث إيليين. لقد عادى إيليين النظام السوڤييتي، ولكن بمجرد نهايته عام 1991 أمسى الاتحاد السوڤييتي تاريخاً، وليس الماضي، بالنسبة لإيلين، أكثر من مواد إدراكية خام لأدبيات الفضيلة الخالدة. وبتعديل بسيط جداً لتصورات إيليين عن الفضيلة الروسية، يمكن لقادة روسيا اليوم ألا يروا في الاتحاد السوڤييتي حكماً دخيلاً فُرض على روسيا، كما اعتقد إيليين، بل هو روسيا نفسها. فهو إذاً فاضل بالرغم مما بدا على السطح، وأي أخطاء ارتكبها النظام السوڤييتي هي ردة فعل تحتّمت على روسيا بسبب عدائية الغرب فيما مضى.

* * * * *

ليس سؤال تأثير الأفكار بالسياسات سؤالاً سهلاً، ولعل تنصيب كتابات إيليين حجر أساس النظام الروسي هو تجاوز لا داعي له. فأعمال إيليين الغزيرة تحتمل أكثر من تأويل. كما أن من المعقول التثبّت من متانة العلاقة بين دعم المرء للفاشية وبين نتاج الفلاسفة، كما كان حال مارتن هايدغر، الطالب الآخر لدى هوسرل والموالي لهتلر. وفي السياق الروسي لم يكن إيليين هو المصدر الأصلي الوحيد للأفكار الفاشية التي نالت شرف رضاء بوتين واستشهاداته، فهناك أيضاً ليف غومليڤ. وتصدح المساحة العامة اليوم بفاشيين روس معاصرين مثل أليكساندر بروكانوڤ وأليكساندر دوجين، ويمثل هذا التوجه الجديد تيارات تقليدية متمايزة. فدوجين، على سبيل المثال، كان هو من علّى أسهم فكرة «أوراسيا» في روسيا، ومرجعياته في أفكاره هذه هي نازيو ألمانيا وفاشيو أوروبا الغربية في حقبة ما بعد الحرب. ولكن روسيا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تدين بالفضل لإيليين قبل الجميع، إذ يبدو بأنه لا يزال المورد الأمثل لتلبية الاحتياجات السياسية وردم الفجوات الخطابية بتوفيره «الثروة الروحية» لآلة الدولة الفاسدة. وفي عام 2017، عندما استصعب الروس الاحتفال بالذكرى المئوية للثورة البلشفية، رُفعت راية إيليين، الخصم البطل لهذه الثورة. وفي مسلسل درامي تلفزيوني عن الثورة، شجب إيليين الشرّ المتمثل في وعد الروس بتقدم اجتماعي.

حفظت السياسات الروسية بدون شك توصيات إيليين. فقد سنّت روسيا قانون «العملاء الخارجيين» في عام 2012 بعد عودة بوتين إلى الرئاسة بفترة وجيزة، ويتجلى في هذا القانون موقف إيليين من المجتمع المدني. كان إيليين يؤمن بأن على «الروح البيضاء» في روسيا تسير على خطى فاشيي أوروبا، ومنذ عام 2013، عمل الكريملن على دعم أحزاب أوروبا الشعبوية واليمينية المتطرفة بالمال والدعاية. وبدأت في ذات العام الحملة الروسية ضد «انحلال الاتحاد الأوروبي»، والتي هي أيضاً تتسق مع رؤية إيليين للعالم. وسار نتاج إيليين المعرفي بالتوازي مع إسقاطاته الشخصية للقلق الجنسي على الآخرين. ففي البداية اتهم إيليين روسيا بالمثلية، ومن ثم خضع للعلاج النفسي مع حبيبته، ومن ثم ألقى بالملامة على الإله. وفي البداية زخرت سنوات بوتين الأولى بعديد الصور اللافتة التي يظهر فيها عارياً للصدر، ومن ثم طلّق زوجته، ومن ثم ألقى بملامة مشكلة المثلية الجنسية في روسيا على الاتحاد الأوروبي. وأضفى إيليين طابعاً جنسياً على ما عدّه تهديدات خارجية، فموسيقا الجاز مثلاً خطة لاستحثاث القذف المنوي المبكر عند الرجال. وعندما بدأ الأوكرانيون في عام 2013 ببلورة توجه جديد لصالح مستقبل أوروبي لبلادهم، تعالت أصوات اتهامات «دكتاتورية الشذوذ» في الإعلام الروسي.

ولعل أسهل حجة يمكن بناؤها للتدليل على تأثير إيليين هي الإشارة إلى الموقف الروسي الجديد من أوكرانيا. فأوكرانيا حالها من حال الاتحاد الروسي، دولة جديدة قامت من أنقاض الجمهورية السوڤييتية في عام 1991. وقد كانت ثاني أكبر جمهورية سوڤييتية من عدد السكان بعد روسيا، ويجمعها بروسيا خط حدودي طويل يمتد شرقاً وشمالاً وخط حدودي آخر مع دول الاتحاد الأوروبي في الغرب. وكانت علاقات الجانبين الروسي والأوكراني محكومة بأعراف القانون الدولي خلال العشرين عاماً الأولى التي تلت حل الاتحاد السوڤييتي، مع تمسك المحامين الروس بالمبادئ التقليدية مثل سيادة الدولة ووحدة الأراضي. وعندما عاد بوتين إلى الرئاسة في عام 2012، حلّت الكولونيالية مكان الشرعية، فشهد عام 2012 نقلة في السياسة الروسية في الملف الأوكراني على أساس مبادئ أولى، وهذه المبادئ كانت مبادئ إيليين. فالاتحاد الأوراسي مقترح لبوتين بمباركة أفكار إيليين، وكان بوتين يفترض أن أوكرانيا ستنضم إليه. وقدبرّر بوتين محاولات روسيا لجذب أوكرانيا إلى أوراسيا بمفهوم «النموذج العضوي» – والمصطلح لإيلين – الذي يجمع بين روسيا وأوكرانيا على أنهما «شعب واحد».

تعارضت فكرة الكينونة العضوية الروسية التي وضعها إيليين، والتي تضمّ أوكرانيا، مع فكرة أوكرانية أخرى افتقرت إلى الشاعرية، وهي إصلاح الدولة الأوكرانية. كان الاتحاد الأوروبي موضوعاً شغل الرأي العام في أوكرانيا عام 2013، وكانت الغالبية الشعبية مؤيدة له. وتم التوصل إلى اتفاقية شراكة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا نُظِرَ إليها بأنها ستكون الحل الناجع لمشكلة محلية عظمى هي ضعف حكم القانون. ولكن ترغيب وترهيب بوتين أقنع الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكفيتش بالعدول عن توقيع اتفاقية الشراكة في تشرين الثاني 2013 بالرغم من انتهاء المفاوضات بين الطرفين. وخرج الشباب الأوكراني عقب هذا الإعلان إلى الشوارع للتعبير عن تأييدهم للاتفاقية. واحتشد مئات آلاف الأوكرانيين في ساحة استقلال كييڤ بعد استخدام الحكومة الأوكرانية للعنف (بتحريض ومساعدة روسية). وكشف استفتاء شعبي في ذاك الوقت عن المرتكز الرئيسي لهذه الاحتجاجات، وهو حكم القانون. تعقد المشهد في أوكرانيا بعد مجزرة ارتكبها القناصون راح ضحيتها أكثر من مئة أوكراني، وفرّ الرئيس الأوكراني يانوكوڤتش إلى روسيا، أما كبير مستشاريه، بول مانافورت، فقد سافر إلى الولايات المتحدة ليُدير حملة دونالد ترامب.

وبوصول يانوكوڤتش إلى روسيا، كانت القوات الروسية قد بدأت بغزو أوكرانيا، فاجتاح الروس البلاد في شباط 2014، واستثار ذلك رطانة حضارية روسية (كان إيليين مصدرها الرئيسي) شغلت الكثير من المراقبين الغربيين. وكانت أهم القضايا التي بُحِثَت في النصف الأول من عام 2014 هي تبعية أوكرانيا إلى الثقافة الروسية، وإن كان من الممكن اعتبار ميثولوجيات الماضي التي نسجتها روسيا، بطريقة أو بأخرى، سبباً لغزو دولة مجاورة ذات سيادة. وغفل المراقبون الغربيون عن التداعيات الهامة لهذا النزاع على أوروبا والولايات المتحدة لمّا تقبّلوا صياغة إيليين للسؤال: كسؤال حضارة وليس سؤال قانون. فاعتبار الغزو الروسي على أوكرانيا صراع حضارات هو تقييد له بمساحات تسويغات البعد الجغرافي، وتعدد التفاصيل، وبأنه مبهم، أما رؤيته كجزء من هجوم أكبر على حكم القانون فيقتضي إدراك المراقبين الغربيين بأن المؤسسات الغربية أصبحت في خطر. كما أن المقاربة الحضاروية اقتضت تجاهل قضية أساسية هي انعدام المساواة. فما كان يريده الأوكرانيون المؤيدون لأوروبا هو تجنيب بلادهم مصير الدولة الفاسدة الذي آلت إليه روسيا، وما كان يحتاجه بوتين هو البرهنة على عقم هذه المساعي.

باتت محاججات إيليين المبتدأ والمنتهى مع اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا في أكثر من مناسبة في عام 2014. وتمّ إرسال نسخة من كتاب مهماتنا لجميع المسؤولين البيروقراطيين والمحافظين الإقليميين، مع تلقي الجنود الروس للأوامر بالتحرك لغزو إقليم القرم الأوكراني في كانون الثاني 2014. وعاد بوتين إلى الاستشهاد بإيلين بعد نجاح القوات الروسية باحتلال القرم وتصويت البرلمان الروسي على ضمّها. فالقائد العسكري الذي أوكل بالإشراف على الجولة الروسية العسكرية الثانية في أوكرانيا، والتي استهدفت مدينتي دونيتسك ولوهانستك في صيف 2014 الهدف، وصف الحرب بمسميات كان إيليين سيفهمها: «إذا كان هناك من ينقذ هذا العالم من شر المنظومات الشيطانية مثل الولايات المتحدة، ستكون حياة الجميع أسهل. ويوماً ما سيحدث ذلك».

ولا يخفى على متابع للمشهد السياسي الروسي في بدايات عام 2016 أن النخب الروسية كانت تفضّل حصول دونالد ترامب على ترشيح الحزب الجمهوري، وأيضاً هزيمته لهيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية. وفي ربيع 2016، كانت الاستخبارات الروسية تسعى لإيصال ترامب إلى البيت الأبيض، وكان سلاحها في الهجوم على الديمقراطية التي تلا ذلك هو الكذب. فدونالد ترامب كان مجرد إنسان فاسد آخر لديه عقدة رجولة من مملكة الخيال، وفي حالته هو كانت المملكة هذه هي تلفزيون الواقع. وكان مما ساعد حملته الانتخابية الأكاذيبُ المتقنة التي بثّتها روسيا عن خصومه. وخلال رئاسته، سار ترامب على خطى بوتين بمحاولته الوصول إلى سياسات «ما بعد الحقيقة»، فملأ في البداية الفضاء العام بالأكاذيب، ومن ثم لام المؤسسات التي قامت لغاية البحث عن الحقائق، وأخيراً جلس مبتهجاً في قلب المتاهات التي نجمت عن كل ذلك. أضعفت مساعدة روسيا لترامب ثقة الأميركيين بالمؤسسات التي عجزت روسيا عن بنائها، وكانت هذه الثقة في حالة انحدار من قبل ذلك، بفضل ثقافة أميركا الإعلامية وتوسع هوة اللامساواة.

لقد أُريد لإيليين أن يكون نبي زماننا هذا، زمان ما بعد الاتحاد السوڤييتي، وربما يكون كذلك فعلاً. فكُفره بالعالم يأخذ السياسة إلى عالم آخر خيالي. وقد نسج من اللاقانون فضيلة استعصت على الأنظار من نصاعتها، وهي أيضاً مطلقة تنادي بدمار الغرب. لقد بيّن لنا إيليين كيف تولّد الرجولية الهشة الأعداء، وكيف تكفر المسيحية المشوهة بالمسيح، وكيف تتصنع اللامساواة الاقتصادية الفضيلة، وكيف تتدفق الأفكار الفاشية إلى ما بعد الحداثة. لم تعد هذه مجرد فلسفة روسية، بل باتت أيضاً واقعاً أميركياً.