في المنفى والوطن والعالم، والكتابة

 

بالدلالة الأصلية للكلمة، المنفى تجربة قديمة، يرجح أنها تولدت عن تأكيد قوى ما لحلولها في إقليم ما أو احتلالها له وسيطرتها عليه، ثم إبعادها من الإقليم أو إلى خارجه من لا يُرحب به في داخله لسبب ما، كأن لا يكون من ذوي قربى المحتلين، أو لا يوافق معايير مقررة من طرفهم، أو يعترض على مقرريها. النفي اقترن على هذا النحو بثلاثة أشياء: بالحلول والاحتلال والفرق بين داخل وخارج، بمسافات لا يسهل تذليلها، وقبل كل شيء بسلطة تنفي أو بقوة نافية. 

ارتبط الاحتلال أو التوطن في مكان محدد بالاستقرار وقيام مجتمع وظهور أشكال من السلطة لها معاييرها المُطبّعة. فلا يكاد يكون ثمة معنى للمنفى في بيئات بدوية لا تكف عن «نفي» نفسها من مكان إلى آخر، وبالحلول في موطن إثر آخر، هذا وإن أمكن تصوّر النفي من القبيلة المستقرة أو شبه المستقرة على ما كان حال طرفة بن العبد الذي «تحامتـ»ه "القبيلة كلها"، وأفردته «إفراد البعير المُعبَّد»، على ما وصف حاله في المُعلّقة. يبدو «إفراد» طرفة شكلاً من النفي الاجتماعي أو العزل، مدفوعاً فيما يبدو بخروج الشاعر على أعراف تقتضيها مكانته الاجتماعية، منها «تشراب الخمور» و«شهود اللذات» وإنفاق «الطريف والمُتلد» من ماله.

نفى النبي محمد من المدينة «مخنثيْن»، هيْت وماتع، لأن في تشبههما بالنساء، وتعريف المخنث في العربية يحيل إلى التشبه بالنساء، ما يشوش التمايز بين الجنسين ويفسد أمرهما معاً (كان مخنثو المدينة يدخلون إلى دور النساء، فلا يُحجَبون عنهن)، وما قد يُسهِّل مساءلة إخضاع النساء لسلطة الرجال. فحيثما تتعدد المراتب بين الرجال والنساء، يشكل هذا التعدد «مستمراً» يصل بينهما، فيحد من ضدية التقابل بين الذكورة والأنوثة، ومن أفضلية ذكورية.

نبي الإسلام كان هو نفسه في حكم المنفي في يثرب، بعد أن كان مضطهداً من «الملأ المكي» في بلدة مولده. على أن القرآن والتاريخ الإسلامي لا يستخدمان تعبير المنفى، بل «الإخراج من الديار» بدلالة تتضمن الإكراه، ثم الهجرة، ومشتقات فعل هجر التي حازت دلالات إيجابية، بخاصة بعد هجرة النبي إلى يثرب (وهذه بعد هجرة أولى لبعض أوائل المسلمين إلى الحبشة، فراراً من الاضطهاد في مكة)، وقد كانت نقطة تحول كبرى في مصائر الإسلام التاريخية. بأثر ذلك، مدرك الهجرة مركزي في هيكلة المعتقد الإسلامي. ولعله يمكن التفكير في ميل النص القرآني بعد الهجرة من مكة إلى الغضب كانفعال بتجربة إخراج من الديار، أو تجربة اقتلاع وتهجير على ما قد نقول اليوم. وبدلالتها الإيجابية، الهجرة اليوم مفهوم أساسي في تفكير الجماعات الخروجية أو «التفاصلية» (بتعبير مستلهم من سيد قطب) الإسلامية منذ سبعينات القرن العشرين. يبدأ الجماعة بالغضب، فيُكفِّرون غيرهم ثم يهاجرون المجتمع المُكفّر، ويرجون عودة فاتحة مظفرة مثل عودة النبي. اللجوء الذي اقترن عربياً بالمحنة الفلسطينية ليس من اللغة الإسلامية. المنفى ليس منها كذلك. هذا الأخير هو المدرك الأوفر تداولاً في الكتابات اليهودية.  

يقترن المنفى من وجه ثان بالفرق بين داخل وخارج، فيكون المنفى هو الخارج. ليس الخارج الأُنسي الذي نتدبر أمرنا بيسر فيه، كأن نعرف عوائده ولغته، وكأن يكون أماننا فيه مضموناً، مثل عيش الواحد منا في غير مدينته من بلده، مما هو تجربة مبتذلة في عالم اليوم، بل الخارج الوحشي الذي تتعسر الحياة فيه، وقد لا يكون آمناً. نفى عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري إلى صحراء الربذة، إلى حيث يفترض بالعيش أن يكون وعراً ووحشياً. كان الغرض عزل «الصحابي» الذي اعترض على اكتناز الثروات والتمييز بين المسلمين، والحد من تأثير احتجاجه. ونفت دول أوربية مجرميها القضائيين وبعض السياسيين إلى المستعمرات (بريطانيا إلى مستعمرتها أستراليا التي كانت «مستوطنة عقابية»، وفرنسا إلى مستعمرتها في غويانا) حتى قبيل الحرب العالمية الثانية.

ويحتمل أن دافع النفي إلى خارج هو ضمان سلامة الداخل أو تفادي الأثر المفسد للمنفيين، وفق لتعريفات السلامة والفساد من قبل السلطة المقرِّرة. في العربية نشتق كلمة نُفاية ونُفايات من فعل نفى، لتدل على الرديء الذي يُطرح بعيداً، خاصة من الطعام، مميزاً عن الجيد والنظيف والطيب. نفي الخارجين على معايير اجتماعية وسياسية ودينية سائدة يحمي هذه المعايير وسلطة مقرريها من أثر خروجهم الفوضوي والمشوّش على النظام المقرّر. المنفيون «نُفايات» اجتماعية أو سياسية أو دينية، يجري التخلص منها بأن ترمى خارجاً أو تطرح بعيداً. 

وتبدو الدلالة النحوية للنفي في العربية (كما في قولنا: لن حرف نفي، أو: لا النافية للجنس) لاحقة زمنياً للنفي بمعنى طرح النفايات. ثم لعل النفي بمعنى السلب (negation) دلالة مشتقة من الدلالة الأصلية نفسها. على هذا النحو يتحرك مدرك النفي بين دلالة محسوسة تحيل إلى الطرح أو النبذ بغرض التنقية أو التطهير، ودلالة نحوية: نفي فعل أو «جنس»، ودلالة منطقية تحيل إلى القضايا السلبية. وهذا معطى لتأمل فكري وسياسي خصب. النفي كمفهوم يسمي أوجهاً من تجربتنا المعاصرة يتضمن هذه الاستخدامات.

في النحو الاجتماعي والسياسي، إن جاز التعبير، أداة النفي هي السلطة، وفعل النفي هو أساساً فعل عنف. السلطة هذه سياسية أو دينية على ما يظهر مما تقدم من أمثلة (وما ستظهره أمثلة لاحقة)، وهي سلطة قبيلة أو دولة أو منظمات مشبهة بالدولة على نحو ما شهدنا في سورية بين 2013 و2018، تتشبه بها كـ«سيادة» وانتخاب للشعب الصحيح كما سيرد لاحقاً. لا يوجد الداخل والخارج قبل السلطة، فهما مسقط سطوتها وأمرها، إيجابها ونفيها، إقرارها من تقر وتقرب ونفيها من تنفي وتبعد. يمكن تعريف السلطة بصنع داخل تُنفى إلى خارجه النُفايات، عناصر الشغب والتلوث.

ثم إن المنفى، بالدلالة الأصلية، يفترض صعوبة تذليل المسافات وعسر التواصل، إن لم يكن امتناعه. المرء لا يُنفى إلى مكان قريب، تسهل الرجعة منه. فما نحصل عليه من جمع النفي والقرب هو السجن بالأحرى، وليس المنفى. والسجن مساحة للنفي الحقوقي والسياسي، منفى حقوقي وسياسي، وإن يكن بطن الداخل غير المرئي، وليس خارجه البعيد.

النفي إقصاء، استبعاد، إبعاد إلى مكان قَصي. كان العالم واسعاً فسيحاً، تفصل المعمور من أرجائه الفيافي والقفار، الجبال الشاهقة والبحار المتمادية، هذا وقت كانت المسافات تقاس بأيام السفر وشهوره، ووقت كان السفر يرد في سياقات تتكلم على مشاقه و«وعثاء»ـه، ويُعتاذ من كليهما بالله. 

 كان النفي تجربة خطرة، «تغريباً» إلى بعيد، إلى حيث يكون المرء غريباً،  محروماً من الأهل والخلان في الغربة. في اليونان القديمة كان «يُغرب» الخصوم السياسيون لعشر سنوات، يقضونها بعيداً عن المدينة- الدولة. وكان من العقوبات ألإسلامية تغريب سنة لـ«الزاني غير المحصن»، فوق جلدات ثمانين. النفي في كل حال تغريب، يفصل المنفي أو المغرب عن بيئته، ويُعول على أثر تطهيري لهذا الإبعاد من وجهة نظر السلطات القائمة. في القرن التاسع عشر، نُفي عبد القادر الجزائري من وطنه إلى دمشق، ومات فيه مغترباً. ونفى البريطانيون سعد زغلول إلى مالطة ثم مرة ثانية إلى جزر سيشل، وفي سورية نُفي سلمان المرشد إلى... الرقة عام 1925، أيام الانتداب الفرنسي. المنفى كإبعاد تقوم به سلطة تحتل إقليماً كعقاب على انتهاك معاييرها، وبغرض قطع روابط المنفي وتواصله مع محيطه، كان ممكناً حتى وقت قريب نسبياً. صار ممكناً أقل بالتدريج منذ جيلين أو ثلاثة، ولعله أضحى ممتنعاً في زمن ثورة وسائل الاتصال. والأرجح أن امتناعه هذا وثيق الصلة بزواله كعقاب مقنن. إدوارد سعيد الذي كتب عن المنفى لم يوضع على حدود مصر، ويمنع من العودة إلى فلسطين التي وقعت بيد الصهيونيين، لكنه ما كان يستطيع العودة إلى بيت أسرته في القدس لو أراد (عاد إلى فلسطين زائراً بعد اتفاق أوسلو، وكأميركي).

في أمثلته الحديثة المومأ إليها للتو اقترن المنفى بسلطات استعمارية، يندرج نفيها لأفراد في إطار استئثارها بالسيادة العليا، بما فيها رسم الحدود وتوزيع السكان، والحراسة الإيديولوجية والمسلحة لثنائية الداخل والخارج. لكن من تجارب المنفى الأوربية ما اقترن بالنضال ضد الاستبداد أو «الرجعية»: كان ماركس منفياً معظم عمره وكذلك هاينه، وفي وقت لاحق لينين، ثم في وقت لاحق آخر كثير من المثقفين الألمان، اليهود بخاصة، في العهد النازي. هنا كان المنفى جزءاً من تجربة هائلة شملت حرباً هائلة واسعة النطاق، وإبادة غير مسبوقة، وتمييزاً واضطهاداً منظمين. على أن زوال المنفى كعقاب مقنن، وفردي، توافق مع تعممه كتجربة جمعية غير مقننة عبر ظهور وتعمم الدولة الحديثة السيدة التي توصف بأنها دولة (أي سلطة منظمة) وأرض (أي إقليم وحدود، وداخل وخارج) وشعب (أي سكان يغلب أن يكونوا بالملايين وعشراتها). في الأمر مفارقة: فلم يعد في العالم خارج. كل ما يتجاوز حدود دولة ما هو ضمن حدود دولة أخرى، وليس في طبيعية أي منها ما يتعارض مع إنتاج اللاجئين، المدعوين ما إن يلوذوا بدولة أخرى إلى الانضباط بقوانينها أو «الاندماج» في ثقافتها ونمط حياتها. متطلبات ذلك والأوضاع القاسية للاجئين في فترة لجوئهم الأولى على الأقل، دفعت لاجئين سوريين إلى العودة من أوروبا إلى الملجأ التركي الأقرب والأقل تطلباً (لم يعد كذلك اليوم)، تهريباً في بعض الحالات. في منطقتنا، عُرفت أوسع عمليات التهجير الجماعية المنظمة في سياق الحرب العالمية الأولى عشية ظهور الدول الأمم أو أشباهها في مجال السلطنة السابق، وكان ضحاياها من الأرمن. وهذا قبل أن نشهد قيام إسرائيل بعيد الحرب العالمية الثانية، وتهجير ثلاثة أرباع الفلسطينيين من ديارهم. أسهم في النكبة الفلسطينية ناجون من الهولوكوست شكلوا ثلث القوات الصهيونية المنظمة 1.

 

*****

في الوقت الذي صار المنفى ممتنعاً كطرد قضائي صار ممكناً جداً كتجربة جماعية وكإجراء حربي. قلما يتعلق الأمر اليوم بتهجير مباشر تتولاه سلطات مثلما فعلت إسرائيل بأكثر من 400 فلسطيني أبعدتهم إلى مرج الزهور في لبنان في الشهر الأخير من عام 1992، أو بتهجير الحكم الأسدي بالباصات الخضر سوريين من مناطق متعددة من البلد إلى منفى داخلي في الشمال السوري (بعون من الأمم المتحدة)، بل في الغالب باضطرارات جمعية مباشرة أو غير مباشرة، تطال مئات الألوف والملايين. إسرائيل التي هي استثناء متعدد الأوجه في عالم اليوم، محفوف برعاية النافذين في هذا العالم، لا تزال تستطيع نفي فلسطينيين مثلما فعلت عام 2002 بمقاومين فلسطينيين كانوا اعتصموا بكنيسة المهد في بيت لحم أيام الانتفاضة الثانية. استقر الحال بهم لاحقاً بين الضفة الغربية وبين بلدان أوروبية.  

لكن المنفى الذي صار استثناء كقانون صار قاعدة كسياسة، أو بالأصح كسيادة، هذا إن عرفنا السيد بأنه من ينتخب أو يختار (ومن ذلك أن يستبعد وينفي، ويستثني). يقوم المثال الديمقراطي على أن الشعب هو السيد. وهو لذلك من ينتخب. في سورية، السيد هو السلطان المحدث، من نسل «القائد المؤسس» حافظ الأسد، وهو يقوم بانتخاب الشعب الصحيح و«نفي» الشعب الخطأ، بغرض الحصول على «مجتمع متجانس» بحسب بشار الأسد. إنتاج اللاجئين بهذا المعنى اختصاص سيادي، لا يحد منه إلا أنه لم تعد ثمة منافٍ ليست مَسادات إن جاز التعبير، مراكز سيادات أخرى. لا يغير من الانتخاب بالنفي أن الدولة الأسدية لم تضع ثلاثة ملايين ونصف على حدود تركيا وتمنعهم من العودة إلى مواطنهم. لقد اكتفت بأن تقصف بالطيران والأسلحة المحرمة وغير المحرمة مناطقهم ودمرت بيئات عيشهم وارتكبت المجازر بحقهم، كما هجرت بعضهم تحت طائلة القتل جوعاً أو بالقصف، فخلقت الظروف التي تحول دون عودتهم. هذه أفعال «انتخابية»، يقوم بها «السيد» ويعول عليها في إنتاج الشعب الصحيح، الذي يمكن حكمه دون سياسة.المجتمع المتجانس هو الذي لا تلزم السياسة لحكمه

ولعله يمكن فهم التكفير، النفي من الإسلام، كسلاح لسيادة بديلة يريدها الإسلاميون لأنفسهم، سيادة مبنية على غرار الدولة الحديثة المحتكرة للعنف الشرعي، والتي تعدم خونة الوطن. التكفير هو انتخاب السيد الإسلامي لشعبه الصحيح، ونفي للشعب الخطأ إلى الخيانة الدينية، الكفر الموجب للقتل.

السجن، وهو الإجراء العقابي المفضل للدولة الأمة الحديثة، السيدة والمحتكرة للعنف، هو معادل المنفى وبديله. لا نُنفى اليوم قضائياً، نسجن، ويُحمى المجتمع منا مثلما كان يحمى من قبل بالنفي، بمعاملتنا كـ«نفاوة». بوصفه داخل الداخل، يتقابل السجن مع الداخل الذي يعلوه السيد مثلما يتقابل معه الخارج الذي هو المنفى. بصورة ما، السجن نفي إلى داخل معزول يمنع الخروج منه، مثلما المنفى سجن في خارج يمنع الرجوع منه. 

مع زوال النفي من المدونات القانونية، في ظل بقاء وتوسع تجارب المنفى، يسعنا اليوم الكلام على منفى بلا نفي، على المنفى كشرط للمنفيين وعنوان لتجاربهم، لكن دون فعل نفي محدد يمكن تبينّه. النفي اليوم هو الاعتقال، هذا حين لا يكون قتل الأفراد أو الإبادة الأوسع نطاقاً. وهو منفصم عن المنفى، وإن يكن في استمرار معه، من حيث أن السلطات التي تعتقل وتسجن، التي تنتخب، التي تنتج الداخل والخارج، هي السلطة التي تصنع المنفيين.  

*****

لم يعد المنفى اليوم مكاناً بعيداً لأنه لم يعد ثمة مكان بعيد. ولم يعد ثمة مكان لأنه لم يعد ثمة مكان بعيد. المنفى اسم مكان، لكنه يحيل اليوم إلى تجربة العيش اضطراراً خارج «الوطن». وهذه تجربة جمعية، تطال بخاصة اللاجئين والفقراء المهجرين، والمستهدفين بالتمييز النشط من السكان، وكذلك الناشطين من المعارضين السياسيين. وهذا يثير تساؤلات تطل على أوضاع السوريين الذي يجري التفكير بهم اليوم كـ«حالات إنسانية» عن العلاقة بين اللجوء والنفي، واللاجئ والمنفي. في مقالته تأملات في المنفى (1983) يقول إدوارد سعيد إن اللجوء نتاج دولة القرن العشرين، وإن كلمة لاجئ حازت دلالة سياسية، وهي تقترن بحاجة حشود كبيرة من أناس محتارين لا ذنب لهم إلى دعم إنساني عاجل. ويجد سعيد في كلمة المنفى بالمقابل لمسة من الوحدة والروحانية. ربما. لعله بفعل تجربة المنفى اليهودية، وهي موضوع أدب واسع جداً، وبفعل كتابات مثقفين يهود، تطور لمدرك المنفى ملمح ثقافي، يجمع بين «ممكنات جمالية» بتعبير ليزا ملكي وبين الفردانية2. فيما تبدو الهجرة اليوم تجربة اقتصادية أساساً، على ما يتكرر قوله في أدبيات اللجوء والهجرة وما يتصل بها.3. ومنذ نشوء النظام الدولي الحالي إثر الحرب العالمية الثانية، وقت كانت أوربا مسرحاً لملايين اللاجئين وأسرى الحرب، حازت مفردة اللاجئين دلالة قانونية، وصارت تترتب عليها وضعية قانونية تحمي حائزيها. هذا على سبيل ما يميز اللاجئين السوريين في أوربا عنهم في تركيا والأردن ولبنان. لا يتمتع السوريون في البلدان الثلاث الأخيرة بوضعية اللاجئ في القانون الدولي4. في أوروبا يحوز السوريون وضعية اللاجئ وحقوقه، لكن المتطلبات والواجبات أكثر كذلك. بالمقابل، ليس للمنفى دلالة حقوقية، ويجده المرء في كتابات المثقفين وليس في المذكرات القانونية وخطابات الأمم المتحدة ومنظماتها. في التاريخ الثقافي العربي لا تبدو كلمة المنفى قديمة الظهور. كان المهجر هو الكلمة المستخدمة كعنوان لما كتبه شعراء وأدباء عرب عاشوا بخاصة في الأميركتين بين مطلع القرن وستينات العشرين. في شعر محمود درويش وكتابته أخذ المنفي يسجل حضوراً متزايداً بدءاً من ثمانينات القرن العشرين بترابط مع تحول في حساسية الشعر وقاموسه ونبرته. كلمة اللاجئ الحاضرة في نصوصه النثرية ظلت منفية من القصائد.     

لكن خارج المدخل القانوني، أميل إلى اعتبار اللجوء هو وضعنا في المراحل الباكرة من خروجنا من مواطننا أو تغرُّبنا عنها. الواحد منا لاجئ في الطور الحاد من اقتلاعه إن جاز التعبير، مثل اللاجئين الفلسطينيين بعد «النكبة» و«النكسة»، واليهود بعد الحكم النازي، والسوريين بعد «الحرب الأسدية الثانية». المرء يلجأ إلى أقرب ملجأ آمن، إلى تركيا لسكان المناطق الشمالية من سورية، وإلى الأردن لسكان المناطق الجنوبية، وإلى لبنان لسكان حمص ودمشق، وحين يذهب إلى أبعد فإنه يتجاوز وضع اللاجئ المضطر الذي يتحين فرص العودة إلى وضع المنفي الذي يخطط لحياته حيث يفضل أن يكون. فكلما طال بنا الأمد بعيداً عن مواطننا، أو كلما أزْمن الاقتلاع، وكلما «شط المزار» وبعدت المسافة، انقلب حالنا من لاجئين إلى منفيين. هذا تمييز اصطلاحي، غرضه عقلنة المفردات التي نستخدمها لتسمية أوضاعنا اليوم. واستناداً إلى هذا الاصطلاح فإن اللجوء هو الطور الباكر من تجربة المنفى5، وبينما قد نرى لجوءاً لا يتطور إلى منفى، مثل اللاجئين اللبنانيين في سورية إبان حرب تموز 2006، لكن لا نرى منفى لا يبدأ بلجوء. 

كانت حنه آرنت لاجئة في فرنسا، ثم لاجئة من جديد في الولايات المتحدة التي اضطرت إلى الهجرة إليها بفعل الاحتلال النازي لفرنسا، لكن أميركا صارت منفاها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لماذا منفاها، وليس وطنها البديل؟ هل نبقى منفيين حين نستطيع العودة دون أن نكون عرضة للاضطهاد في بلدنا، لكن لا نعود؟ في حالة آرنت بالذات أقدر أنها لم تعد تستطيع العيش في ألمانيا بعد الهولوكوست رغم غياب الخطر. كان هذا متعذراً نفسياً عليها، وهي بهذا المعنى منفية، بقي معها من ألمانيا اللغة.

يبدو «المنفى الطوعي» غير إكراهي بالتعريف، لكن عدا أنه فردي دوماً، فإنه يغلب أن يكون احتجاجياً على أوضاع غير معقولة يتعذر التعايش معها بقدر تعذر مواجهتها. ينفي المرء نفسه كنوع من الحل.   

في التجربة السورية، وفي معظم تجارب المنفى الجمعية، الإكراه عنصر أساسي، تمارسه قوة نافية، هي اليوم «الدولة» أساساً. ليس لأن النفي لم يعد عقوبة كف عن كونه إكراهياً، وعن كونه سياسياً. المنفى علاقة سياسية، وإن نفت نفسها بوصفها كذلك. وهو عنصر في مركب نفي، يشمل المنفيين، ولكن رأسه هو القوة النافية. وهذه، في سياقنا السوري، دولة نافية للسياسة وللفعل السياسي والثقافي والأخلاقي المستقل للأفراد، أي كذلك للكرامة والحياة الكريمة. وفاعليتها النافية لا تأخذ شكل التجربة السورية الحديثة في اللجوء والتهجير فقط، ولكن كذلك السجن والتعذيب والقتل والاغتصاب. شاركتها الفاعلية النافية التشكيلات العدمية الإسلامية، المعادية للاستقلال الأخلاقي والحياة العادية. 

على أن العنصر الإكراهي والصفة السياسية للمنفى لا ينفيان حتماً الاختيار والذاتية عن المنفيين. اضطر سوريون بالملايين للخروج من بلدهم كلاجئين، لكن استطاع بعضهم اختيار منافيهم، عابرين حدود دول أو مخاطرين بحياتهم في مراكب متداعية في البحر، متجشمين عناءاً كبيراً من أجل ذلك. ومعلوم أن ألوفاً منهم خسروا الرهان، في المتوسط بخاصة. قد يناسب تالياً أن يضاف إلى شرطي المكان (قريب/ بعيد) والزمان (قصير/ مديد) شرط الاختيار للتمييز بين الملجأ والمنفى في الأزمنة المعاصرة. بقدر ما أن الملجأ أقرب ملاذ آمن، فإن الملاجئ التي لا تطالها يد الدولة النافية كلها متساوية من حيث تلبيتها مطلب النجاة من الخطر المباشر. المنفى اختياري بقدر ما، اختياري ضمن شرط الإكراه إن جاز التعبير. تركيا ملجأ، ألمانيا منفى. لا نأتي إلى ألمانيا بحثاً عن أمان، بل عما يتجاوز ذلك من حياة يمكن التخطيط لها والإمساك بها.    

وفي كل حال، من المهم ونحن نفكر في المنفى أن نتكلم على سياسات المنفى أو على البنى السياسية النافية من جهة، أي تالياً على التمييز والقمع والإبادة من جهة، ثم من جهة أخرى على المنافي أو بيئات الاستقبال، التي تطابق بقدر كبير ما يسمى اليوم الشمال العالمي. لماذا كمنفيين نأتي إلى هنا؟ لأنه ما دام المرء قد اقتلع من بلده فإنه يفضل المقام حيث تكون فرص الحياة أفضل، وحيث يمكن التوقع بقدر أكبر من الموثوقية. أقدر أن هذا دافع أساسي لـ«الهجرة إلى الشمال»: المشكلة التي عمل السوريون على حلها باللجوء إلى أوروبا، ولم يكن ممكناً حلها في لبنان والأردن وتركيا، لم تكن الفقر أساساً، بل الانكشاف واستحالة التوقع، أي عملياً دوام الاستثناء كبنية عمرها في سورية من عمر الحكم البعثي. «الشمال» ليس القسم المزدهر من العالم فقط، ولكن الذي تسوده «دولة القانون»، ويمكن أن تتوفر فيه بعد حين أوضاع معلومة للاجئين، تتيح لهم التخطيط لحياتهم الجديدة. 

«الشمال» من وجه آخر هو ما شكل العالم في صورته اليوم، عبر تجارب منها الاستعمار وإبادات كبيرة، ومنها بناء المؤسسات الدولية والقانون الدولي الحالي الذي ينظم علاقات بين دول- أمم تعرض استعدادات نفيية وإبادية تبدو متأصلة فيها جوهرياً، ومنها فيما يخصنا رعاية الاستثناء الإسرائيلي واستثناءات أخرى، أسهمت في إغلاق آفاقنا المستقبلية. ومنها بصورة متزايدة اليوم تسخن الكوكب والمشكلات البيئية التي يعاني منها مسببوها الشماليون الكبار أقل من غيرهم إلى اليوم. 

أريد القول إن بيئات الاستقبال هذه هي من عناصر مُركّب (أو مُعقّد) المنفى، إلى جانب المنفيين أنفسهم والقوى النافية. أريد القول أكثر من ذلك إن «الشمال» عنصر ضروري، وليس عارضاً في مركب المنفى، وأن في الجفاء المتنامي حيال اللاجئين والمنفيين تنصل من المسؤولية عن تشكيل النظام الدولي صورته الحالية المنتجة للجوء، يجدر أن يكون حافزاً لإعادة النظر في النظام ككل. 

في كل أحواله، حتى حين تكون محركاته المباشرة اقتصادية أو «بيئية»، أو ثقافية، المنفى سياسي جوهرياً، وثيق الصلة ببنية هياكل السلطة وأنماط ممارستها وبنى توزيع الدخل وفرص الحياة، محلياً وعالمياً. 

ليس لذلك أن يفهم كلومٍ هوياتي أو قومي للغرب أو للشمال، بل كمثال إضافي على عالمية العالم، وعلى أن لا حلول محلية لمشكلات عالمية، وعلى وجوب أن يلاقي تفكيرنا وسياستنا عالمية العالم. 

*****

لم تكد تجاربنا الجديدة كمنفيين تنتج كتابة منفى واعية لذاتها بعد. قد نكون في سبيلنا إلى إنتاجها أو ننتجها بعد حين، فإن فعلنا فسيمر ذلك في تقديري بأشكلة مفهوم المنفى والاشتباك مع التباساته من جهة، ثم من جهة ثانية مع ما هو متاح منه عربياً، وبخاصة في السياق الفلسطيني، ثم مع نظر أكثر جذرية في بنية مركب المنفى. 

لعل من مقتضيات كتابة المنفى السورية، غير مساءلة المفهوم لغوياً وسياسياً، وغير الاضطلاع بتغير المنفى وعدم استقراره في دلالته «القضائية» القديمة أو انتفائه منها، غير ذلك من مقتضيات كتابة المنفى إدراج المفهوم في عائلة من التجارب السورية المجاورة. أفكر تحديداً في خمسة تجارب: السجن، التغييب القسري أو «الاغتياب»، والاغتصاب (بما هو تجربة جارحة تعطل العلاقة بالزمان، وبما قد يترتب عليه إبعاد للنساء من أسرهن... أي تعطل علاقة النساء بمجتمعهن، وربما تعرضهن للقتل)،6 القتل أو الموت العنيف، ثم «المنسى». أعني بالمنسى العيش منسيين، مغمورين، لا نظهر ولا نعرف ولا يُعترف بتجاربنا وقصصنا وآلامنا، بالرغم من صفتها السياسية والعامة الجوهرية7. في بيئة المنفى السورية، وأعني بها مجمل تجربة اللجوء، هناك تواتر مرتفع للتجارب الأربعة الأولى، وكانت سورية ككل منسى لغير من يحكمونها وأتباعهم. 

في تجربتي الشخصية أفكر في السجن والمنفى والبيت كمساحات تربطها علاقة توليدية: التجربة الأولى هي البيت، إذا منعنا من الخروج من البيت ينقلب إلى سجن، وإذا منعنا من العودة إليه ننقلب إلى منفيين. 

ثم أن المنفى الذي صار تجربة جمعية في عصرنا بعد زواله كإجراء قضائي، وقاعدة سياسية بعد أن كان استثناءاً قانونياً، صار أيضاً استعارة شائعة بعد أن كان مكاناً نائياً. نتكلم اليوم على منفى داخلي، وننسب إليه في العريية وضعنا كأناس بلا حقوق وبلا حماية قانونية في أوطاننا. قد يكون هذا بصورة خاصة شرط من كانوا معتقلين سياسيين بعد خروجهم من «السجن الصغير» إلى «السجن الكبير»، على ما كان شائعأ أن يقال عن سورية قبل الثورة. لكنه في الحقيقة شرط سوري عام، ينفي عموم السكان خارج حماية قانونية كانت تنحسر لمصلحة حاكمين جعلوا من العيش فوق القانون نمط وجود وحكم لهم. ففي التجربة السورية العامة لا يقف البيت في تقابل مع السجن والمنفى فقط، بل ومع «الوطن»، بقدر ما إننا عشنا فيه منكشفين مباحين، بلا حمايات ولا حقوق. يجمع بين السجن والمنفى قطع الروابط الجمعية، وعزل المسجونين أو المنفيين عن بيئات اجتماعية يؤثرون بها. ولم يسجل وطننا السوري خلال ما يقترب من نصف قرن من الحكم الأسدي فارقا جوهرياً عن السجن والمنفى من حيث تقطع الروابط الجمعية والحجر السياسي والعزل عن بيئات عمل حية8

وبفعل عموم تجربة النفي الداخلي هذه لم نشعر، نحن «المحرومين من الحقوق المدنية» لسنوات مساوية لسنوات اعتقالنا، بأننا في وضع أسوأ من غيرنا. لم أشعر بفقداني حقوقاً مدنية مزعومة قبل أواخر 2010، النهاية المفترضة لسنوات الحرمان من الحقوق، لأن أحداً من السوريين حولي لم تكن له حقوق مدنية. كان الجميع منفيون سياسيون في «سورية الأسد».  

في ألمانيا، كانت عبارة: «منفيو الداخل» تطلق على مثقفين ألمان ظلوا في بلدهم في سنوات الحكم النازي، لكنهم التزموا الصمت تماماً، الصمت السياسي على الأقل، ولم يعبروا عن مواقف سياسية كان محتماً أن تكون مكلفة جداً. نفوا أنفسهم كمثقفين، يشكل الجهر بالرأي عنصراً مكوناً لهويتهم.    

*****    

بقدر ما صار مفهوم المنفى إشكالياً في زمننا صار الوطن إشكالياً كذلك. القبول بهذه الصفة الإشكالية المزدوجة هو في تصوري شرط وأساس كتابة جديدة عن الوطن وعن المنفى معاً. لم يعد الوطن شرطنا البديهي، سواء كنا منفيين داخليين فيه أم لم نكن. انفصلنا عنه وصرنا في حاجة إلى التفكير في هذا الانفصال. نحن من هنا أم من هناك؟ وماذا يعني بالضبط أننا من هنا أو من هناك؟ وربما لسنا هنا ولا هناك، مثل المنفي إدوارد سعيد في قصيدة محمود درويش في رثائه9. كان الوطن بيئة عيشنا، اليوم في المنفى هو مجال للذاكرة، مكان تجول فيه الذاكرة. تجول بغضب، في تجربتنا الراهنة على الأقل. ولعل الغضب يحمينا، أو هو يحمي بعضنا، من الحنين. لكنها حماية مقلقة: ترى ألا يحتمل أننا نتمسك بغضب يعمي كي لا نستسلم لحنين يقتل؟  

تغير المنفى في عالمنا المعاصر. ويتغير المنفيون أيضاً. المنفى تجربة مُغيِّرة، من حيث هي انقطاع عميق في حياة المنفيين، ومن حيث أنه بيئة لتجارب جديدة وعيش بين عالمين أو عوالم. في تأملات في المنفى يظهر إدوارد سعيد كم أن التجربة يمكن أن تكون خصبة ومحفزة على الإبداع، ولكنه يشير كذلك إلى المنفيين غير المرئيين، وهم العدد الأكبر. 

*****

يمكن للكتابة أن تكون منهجاً لتمثيل التجربة وامتلاكها، أي للسيطرة على التجربة ونفيها. تيودور أدورنو تكلم على الكتابة كبيت (أو وطن) لمن لم يعد لهم وطن10

غير الكتابة، يمكن أن يجري «نفي المنفى» عبر نفي الوطن، أو نفي التمركز حول الوطن الذي هو السمة المعرفة للتفكير في المنفى. قد نحب الوطن ونحِنُّ إليه، وقد نكرهه وندير له ظهورنا، وقد نعيش حياة طيبة خارجه، لكننا كمنفيين لا نزال نعرف أنفسنا به، وبالعودة المتخيلة إليه. هذا على كل حال متضمن في الدلالة السلبية لمدرك المنفى في العربية، وهي دلالة مضاعفة إن جاز التعبير، ما دام النفي في العربية هو أيضاً الإنكار والسلب، كما في عبارات مثل: نفى صحة كذا، أو «نفي النفي» في الجدلية الهيغلية. المنفى متمركز حول الوطن لأنه إبعاد منه ولأنه يبدو سلباً (بالمعنى الهيغلي أيضاً)، أطروحة مضادة أو نقيضة. الأطروحة الموجبة هو الوطن. 

«نفي المنفى» هو مبدأ مؤسس للإيديولوجيا الصهيونية11، التي تعي نفسها كنفي للمنفى اليهودي وتفكر في إسرائيل كعودة إلى «أرض الميعاد». وقد انتُحِلت فكرة «نفي المنفى» في عنوان كتاب حواري جمع عزمي بشارة وصقر أبو فخر عن حياة الأول ونشاطه12، دون قول شيء في متن الكتاب أو مقدمته أو هوامشه عن العنوان، وهو ما حال في تصوري دون أن يجري التأمل في شرط النفي الفلسطيني من قبل نفاة للمنفى، كان المنفى شرطهم الجوهري حتى أن مدرك المنفى ذاته تلون بتجربتهم. لقد نفى نفي المنفى اليهودي الوطن الفلسطيني. هذا شرط للفلسطيني لا مفر منه ولا مناص من التلبث عنده وتملكه بالفكر. وهو بصورة ما شرط سوري بعد ذلك بفضل اندراج حكم السلالة الأسدية في «الباراديغم الإسرئيلي»

فإن كان لي أن أستعير مدركاً له هذه السيرة، فسأقول إن النفي الجذري للمنفى يشترط نفي الوطن، فالوطن سبب المنفى تماماً مثلما أن الزواج سبب الطلاق، ومثلما الدين سبب الكفر. ولذلك فإننا لا ننفي المنفى اليوم، بما في ذلك نفي «نفي المنفى»، في غير عالم بلا أوطان، وبخاصة حين تكون الأوطان في صيغة الدولة السيدة ذات الإقليم والحدود التي تفصل بين داخل وخارج، والقائمة على «احتكار العنف الشرعي». ويبدو هذا الاقتران اتجاهاً عاماً يزكيه أكثر وأكثر التفكير بالصفة العالمية لمشكلات اليوم، التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والبيئية، ثم حقيقة أننا في العالم ومنه وهو منا وفينا، وأن التفكير الوطني بكل أشكاله، وكذلك «الوطنية المنهجية» (حصر التحليل والعمل في إطار الدولة الوطنية المعاصرة، كأنما هي عالم مكتمل يمكن إهمال ما يتجاوزه وعلاقاته بما يتجاوزه)13، يغدوان عوائق أمام إصلاح العالم، وأن التشتت وزوال المركز هي من الخصائص المرغوبة لعالم يقبل الإصلاح.

وبقدر ما نفكر في المنفى كعنصر في مركب، يشمل الدولة النافية وبيئات الاستقبال في الشمال والمنفيين أنفسهم، فإن نفي المنفى يمر عبر نفي العالم في صورته اليوم.  

وفي كل حال ليست الوطنية أو القومية حلاً لمشكلة المنفى. إسرائيل التي نفت المنفى اليهودي نفت الفلسطينيين من أرضهم وعملت على نفيهم من التاريخ. ودولنا الركيكة تنفي قطاعات من سكانها فتحرمهم من الجنسية (فوق 100 ألف من الكرد السوريين قبل الثورة، وجميعهم أو نحو مليونين ثقافياً؛ البدون في الكويت؛ الفلسطينيون في لبنان...) أو من الحقوق السياسية، أو من الحياة بالذات. 

يمكن لتجربة المنفى أن تكون محفزاً لإعادة تشكل عالمية تتجاوز القومية، والدولة -الأمة، السيدة. نريد أن نغترب لنتجدد، على ما نصح أبو تمام يوماً14، ولكن نريد كذلك الغريب بيننا كي يتجدد هو الآخر، وكي يسهم في خلق تعدد يتجاوز تقابل «المواطنين الصالحين» والمنفيين الداخليين ويصل بينهم، مثلما قد يسهم «المخنث» في وصل النساء بالرجال والرجال بالنساء.      

على أن هناك شكلاً ممكناً في كل وقت من نفي غير وطني للمنفى على الطريقة الصهيونية: الاستنفاء. أن نتمكن من حل مشكلة المنفى أو مشكلاته، فنقلب المنفى إلى ما يشبه وطناً. هذا نفي للمنفى في المنفى، ميزته أنه نفي للوطن كذلك. 

أبني تصور الاستنفاء على غرار الاستحباس، تجربة المحبوس لسنوات طويلة، الذي يتمكن بصورة ما من أن يستحبس، يعيش في الحبس مسترخياً كأنما هو بيته. هذا يتسنى لنا إذا استطعنا جعل السجن إطاراً لتطورنا، وربما سجلاً لتحررنا من سجون آخرى نحملها في داخلنا. لا يستحبس كل نزيل للحبس حتماً (الأمر أصعب كلما كان الواحد منا أكبر عمراً، وهو أصعب للمتزوج من العازب...)، ويستحيل الاستحباس في بعض السجون مثل سجن تدمر في أيامنا وصيدنايا اليوم، لكن إذا تسنت لنا تجربة الاستحباس فإنها تُبطل مفعول السجن أو تحد من أذاه. الاستحباس ليس تحرراً من الحبس، فنحن لا نتحرر من الحبس إلا بالخروح منه، لكن الاستحباس تحرر داخلي، انعتاق، يقوينا في مواجهة الحبس كتقييد خارجي. ويمكن تصور الاستنفاء كتجربة توطن وتعلم، تبطل مفعول المنفى كغربة، وتقلبها على نفسها بما يتيح لنا أن نكون نافعين لبلداننا الجديدة والأصلية. أفترض أن الأمر أيسر على الشباب أيضاً، وأعترف أني أجد الاستنفاء أشد صعوبة للأسباب المعلومة، وليس بحال بفعل الحنين إلى الوطن. يبقى مبدأ الاستنفاء هو نفسه مبدأ الاستحباس: نعمل على جعل المنفى إطاراً لتطورنا الإنساني، للتحرر من مناف أو ضياعات داخلية نحملها معنا، ومنها الوطنية المطلقة، والتمركز حول الذات الثقافية، وضيق الأفق المحلي والوطني. 

*****

هل من عودة من المنفى؟

الشرط السياسي النافي مستمر في الحالة الفلسطينية، ويبدو متجدد الشباب في الحالة السورية التي تتجه لأن تقاربها، أعني أن المنفى السوري يجنح لأن يكون وجودي الصلة بالدولة الأسدية على نحو ما أن المنفى الفلسطيني ذو صلة وجودية بالدولة الصهيونية. مجتمع بشار الأسد المتجانس وقوانين إثبات الملكية التي صدرت في الأعوام الماضية15 وتذكر بقانون أملاك الغائبين الإسرائيلي16، تؤشر إلى تحول النفي إلى مكون أساسي للنظام. في الحالتين الفلسطينية والسورية، المنفى عنصر في تركيبة نافية، المنفيون شهود عليها بقدر ما هم نتاجها النوعي. جوهر هذه التركيبة هو الإبادة السياسية، وغايتها هي «التجانس». 

العودة الفردية، وما تتضمنه من إبادة الذات سياسياً، ممكنة دوماً. هناك أمثلة عليها، تحول أصحابها إلى المنفى الداخلي بالمعنى الألماني للكلمة، أو هم تحركوا في المساحات الآمنة التي تتيحها الدولة النافية أو تتساهل في شأنها. 

لكن عاد ياسر عرفات في إطار ترتيب كان يؤمل منه أن يكون نفياً لنفي فلسطين، فلم يكن. محمود درويش الذي عاد في هذا الإطار نفسه قال إنه لم يشعر أنه عاد. من أتيحت لهم العودة من الفلسطينين لم يمتلكوا بلدهم، لا الأرض ولا السيادة ولا المعنى أو القضية. العودة هنا جرت بينما الدولة النافية، إسرائيل، لم تغير شيئاً في نفسها القائمة على الإبادة السياسية. 

نعرف أمثلة على عودات مظفرة مهمة. من أكبرها أثراً في التاريخ عودة نبي الإسلام فاتحاً إلى مكة بعد نحو ثماني سنوات من «الهجرة». وبينما ثبت هذا «الفتح» مكة عاصمة روحية للإسلام، فإن المكّي المنفي، أو «المهاجر»، لم يُقِم فيها. آثر العودة إلى يثرب التي احتضنت سنواته منفياً. على أن مكة صارت متاحة دوماً. وبينما لم يقد فتح مكة إلى موجة هجرة ونفي لسكانها «الطلقاء» الذين «أُلِّفت قلوب» كبرائهم واستوعِبوا في الأمة الجديدة، فإن تلك العودة المنتصرة اندرجت في ديناميكية حربية، كانت دشنتها الهجرة إلى المدينة، ولم تلبث بعد وفاة صاحب الدعوة أن أخضعت الجزيرة العربية، قبل أن تقذف بعرب الجزيرة نحو العالم القديم، مازجين بين الدعوة الدينية بالحرب والتطلع إلى «وراثة الأرض». كان هذا نفياً كبيراً جداً للنفي الصغير، «الهجرة»، قبل عقود قليلة فحسب.    

عاد لينين عودة منتصرة إلى روسيا قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى، منتفعاً من تسهيل ألمانيا الراغبة بإخراج روسيا من الحرب. لكن «فتح» موسكو اقترن بموجة لجوء واسع للنبالة الروسية ولغير قليل من المثقفين الذي لم يكن يكن لينين يكن لهم مودة خاصة. وإلى حين سقوطه ظل الاتحاد السوفييتي تركيبة نافية، أثمرت ظاهرة المنشقين، وهم مثقفون وفنانون وعلماء ورياضيون، لم يعد يستطيع النظام أن يسحقهم كما كان يفعل أيام ستالين، ولا أن يفسح لهم مجالاً حراً للعمل. يلجؤون إلى الغرب وقد يندرجون في تراكيب الحرب الباردة السياسية والإيديولوجية.    

وفي الوعي الصهيوني، هناك «عودة» إلى «أرض إسرائيل»، التي هي كذلك «أرض الميعاد»، تنفي المنفى اليهودي، لكننا نعلم أنها أوجبت المنفى الفلسطيني. 

هذه الأمثلة على عودات مظفرة لا تنفي المنفى إلا في إطار ينفتح على إنتاج منفيين ودول وسياسات نافية، أو عودات غير مظفرة تقترب من التسليم بشرط المنفى الداخلي، تدفع إلى اقتراح تصور إضافي لعودة عادلة من المنفى: عودة تنفي المنفى ولا تنفي منفيين آخرين، ولا هي تقتصر على تبديل مكان المنفي في الخارج ليصير منفياً في الداخل، دون مساس بالدولة النافية.

العودة العادلة هي العودة التي تنفي الدولة النافية. وبقدر ما إن النفي سياسي في الأساس، فإن النفي العادل للمنفى يقوم على نفي نظام نفي السياسة الذي تقوم عليه الدولة النافية. ثم بقدر ما إن الدولة النافية عنصر في مركب نفي، يشمل منافي تزداد جفاءاً رغم كونها عنصراً ضرورياً في المركب، فإن نفي المنفى لا يكتمل بغير نفي المنافي كذلك. نفي العالم في صورته اليوم كما تقدم القول. فالكلام على تجربة المنفى ينفتح حتماً على سياسة المنفى والبنى السياسة النافية، وعلى المنافي، أي على أحوال عالم اليوم وتحولاته. مركب المنفى هو عالم اليوم