في تشريح جمهورية الخوف الخائفة

 

في 2019، حلت الذكرى الثامنة لثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 دون أن تتوقفَ دوائر الحكم عن ترديد مقولة عدم جاهزية مصر للديمقراطية، وتدبيج الحجج الزائفة لتمرير غياب الحرية عن الفضاء العام. يقولون، على سبيل المثال، أن بناء الديمقراطية يستلزم تحقق مجموعة من الشروط المجتمعية والسياسية المسبقة، أهمها سيادة القانون واستقرار مؤسسات الدولة الوطنية وحياديتها، وبدون ذلك تتحول آليات وظواهر كالانتخابات الدورية وتداول السلطة والتعددية الحزبية وتنوع كيانات المجتمع المدني إلى واجهات خالية من المضمون. يكررون أن بناء الديمقراطية يستلزم توفر درجة متقدمة من النمو الاقتصادي وتماسك الطبقة الوسطى، ويدفعون فكرة أن نظم الحكم غير الديمقراطية أقدر من غيرها على ضمان النمو الاقتصادي السريع وتطوير المرافق الرئيسية كالتعليم والصحة والخدمات المدنية التي تحتاجها الطبقة الوسطى للازدهار. يفعلون ذلك متناسين أن التحديات العديدة التي تواجه سيادة القانون في مصر وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وهشاشة الطبقة الوسطى هي نتائج مباشرة لحكم الفرد وإخفاقاته المتراكمة.

قبل حلول الذكرى الثامنة لثورة يناير 2011، كرر الرئيس المصري أكثر من مرة وفي سياقات متنوعة توصيف الانتفاضات الديمقراطية التي اجتاحت بلاد العرب في 2011 كعلاج خاطئ لتشخيص خاطئ. في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة وفي لقاءات مع سياسيين أوروبيين وفي حوارات علنية نُقلت وقائعها إعلامياً، نُسب إليه أو قال هو نصاً أن «أحداث 2011» أعادت مصر إلى الوراء لكونها استندت إلى تشخيص خاطئ للأوضاع السابقة عليها، وقدمت علاجاً خاطئاً بالإصرار على «إسقاط النظام»، وعرّضت الدولة والمجتمع لمخاطر جمة لم تتراجع حدتها بعد. لم يقتصر الحديث على مصر فقط، بل نُسب إلى الرئيس السيسي أيضاً التأكيد على أن 2011 أسفرت عن نتائج مدمرة في بلدان مثل سوريا وليبيا واليمن التي أُودِيَ باستقرارها وستحتاج لسنوات طويلة لكي تعيد بناء مؤسسات الدولة الوطنية ولمئات المليارات من الدولارات لإعادة إعمار المجتمعات المهدمة. وللإصرار الرئاسي على توصيف 2011 كـ«أحداث شكلت علاجاً خاطئاً استند إلى تشخيص خاطئ» دلالات كاشفة لمضامين الرؤية الرسمية الراهنة لقضايا الحكم وللمطالب الشعبية في مصر تستحق التوقف أمامها.

من جهة أولى، تستبدل كلمة «أحداث» كلمات مثل الثورة والانتفاضة والحَراك الديمقراطي والربيع العربي حين الإشارة إلى خروج قطاعات واسعة من المواطنين إلى الفضاء العام في يناير 2011، داعين إلى تغيير نظام الرئيس الأسبق مبارك والتأسيس للتداول السلمي للسلطة ولصون حقوق الإنسان والحريات. وخلف الاستبدال اللغوي تتوارى العديد من المعاني، التي إما يُجرَّد منها يناير 2011 أو تُلصَق به قسراً، لكي تشوه صورته في المخيلة الجماعية للشعب المصري. هكذا، تلغي كلمة «أحداث» مكوِّن المطالبة الشعبية الواعية بالتحول الديمقراطي التي شارك بها الملايين بين 25 يناير و11 فبراير 2011: لأن «الحدث» لغوياً هو فعل عفوي أو تلقائي أو مفاجئ، لا حَراكَ منظماً يسبقه ولا مطالبَ واضحةً توجهه. هكذا أيضاً، وبالنظر إلى سوابق توظيف كلمة «أحداث» في الخطاب الرسمي للحكم في مصر، يُفرض على يناير 2011 مضمون فوضوي وإجرامي وخارج على القانون، وتُشرَع الأبواب لمقارنته على سبيل المثال بـ«أحداث 18 و19 يناير 1977» (انتفاضة الخبز التي أسماها الرئيس الأسبق السادات «انتفاضة الحرامية» ومثلت في الجوهر احتجاجاً شعبياً على الغلاء وعلى سياسات اقتصادية همشت الأغلبية محدودة الدخل) و«أحداث الأمن المركزي 1986» (عنف بعض مجندي الشرطة من فقراء المصريين الذين تظاهروا ضد أساليب معاملة غير إنسانية عانَوا منها وتورطوا بعد التظاهر في احتجاجات عنيفة). بالقطع، شهد يناير 2011 عنفاً هنا وهناك (ضد أقسام الشرطة وأمامها وفي السجون وخارجها وفي مواقع أخرى) غير أنه لم يكن عنفاً شعبياً فقط، بل كان العنف الرسمي أسبق بداية وأكثر منهجية وأشد وطأة (ما سُمّي في 2 فبراير 2011 «موقعة الجمل» نموذجاً). ويستحيل موضوعياً إنكار الطبيعة السلمية الغالبة للأيام الثمانية عشرة ليناير 2011 كما وثقتها الحشود الكبيرة في شوارع وميادين المدن المصرية، وكما انتهت بالإخلاء الطوعي للفضاء العام ما إن استقال الرئيس الأسبق مبارك. ما يستحيل تجريد يناير 2011 منه وما يتعذر إلصاقه به موضوعياً، تدفعه إلى الواجهة كلمة «أحداث» التي يشي الإصرار الرئاسي على استخدامها في 2019 برغبة رسمية في تجريم الانتفاضة الديمقراطية، والمرادَفة بينها وبين الفوضى في مخيلة الناس.

من جهة ثانية، يكشف توصيف يناير 2011 وغيره من الانتفاضات الديمقراطية كـ«علاج خاطئ» عن قناعة سائدة داخل الدوائر الرسمية في مصر، تُختزل بمقتضاها المطالب الشعبية بالتغيير إلى أفعال ضارة ومرفوضة يتعين منعُها، إن بإقناع الناس بعدم جدواها أو بإجبارهم على الابتعاد عنها. في الخطاب الرئاسي، تلحق بتوصيف العلاج الخاطئ عبارات مكملة مثل «الوعي المنقوص والمزيف هو العدو الحقيقي» (ندوة تثقيفية للقوات المسلحة في 11 أكتوبر/تشرين الأول الماضي)،أو «التكلفة الإنسانية والمالية والأخلاقية التي دفعتها الدول التي دخلت في أزمات الأعوام الماضية أكبر بكثير من التكلفة التي كانت ستدفعها لو استمرت الأوضاع بدون تغيير» أو «ما حدث في 2011 كان تحركاً غير مدروس تم بحسن نية... فتحنا أبواب الجحيم على بلادنا عندما تصورنا أننا قادرون على تغيير واقعنا، وكلامي هذا لا يعني السكوت على الخطأ، لكن الأمور في معظم الأحيان تخرج عن السيطرة» (تصريحات على هامش منتدى شباب العالم الذي نظم في خريف 2018). بالنظر إليها معاً، نصبح إزاء قناعة رسمية تخاطب المصريين صراحةً كجموع ذات وعي منقوص أو مزيف دفعها مزيج من حسن النية والتحرك غير المدروس إلى إلحاق بالغ الضرر بالبلاد حين رفعت مطالب التغيير في 2011. ثم يؤسَّس على ذلك التوجه إلى مطالبة جموع المصريين «حسنة النية» بالاستقالة من طلب التغيير، والاكتفاء بالتعويل على الحكم القائم لمعالجة الأزمات والأخطاء القائمة، لأن جحيم فوضى التغيير الشعبي (في الخطاب الرئاسي «خروج الأمور عن السيطرة») أخطر على الدول والمجتمعات من كل شيء آخر. ويؤسَّس عليه أيضاً تحذير الناس من عواقب «التورط مجدداً في أحداث كأحداث 2011» لأن «الدولة المصرية» لن تقبل بتكرارها وحتماً ستوقع العقاب (القمع) بمن يتجاهل التحذير، إن بحَراك احتجاجي في الفضاء العام أو بالتعبير عن الآراء المعارضة على شبكات التواصل الاجتماعي. المراد من توصيف يناير 2011 كعلاج خاطئ هو إعادة المواطنين إلى خانات التبعية لنظام الحكم القائم، ودفعهم إلى التسليم باحتكار الرئيس ومعه حكومته والمؤسسات والدوائر الرسمية لكامل القدرة على إدخال تغيرات إيجابية ومنظمة لمواجهة الأزمات القائمة، ومن ثم إقناعهم بالامتناع طوعاً عن طلب تغيير سياسات اقتصادية واجتماعية مجحفة أو إيقاف انتهاكات حقوق الإنسان والحريات، نظراً للعواقب الوخيمة لطلب التغيير وتحذير رافضي الاقتناع من مغبة أفعالهم الضارة والمرفوضة. وليس من وراء هذه القناعة الرسمية التي يدلل عليها الخطاب الرئاسي الراهن في مصر سوى النزوع لإدارة شؤون الحكم والسياسة والمجتمع، بعيداً عن مشاركة الناس والتوجس من المطالب الشعبية التي لا يُراد لها أن تُرفع مهما اتسمت بالطبيعة السلمية ومهما نتجت عن أزمات حقيقية. فالأزمات ينبغي أن تُترك للرئيس وحكومته، هم المعنيون بمواجهتها وبتوفير الحلول الفعلية، دون الفوضى التي يأتي بها خروج الناس إلى الشوارع ودون أبواب الجحيم التي تفتحها الثورات والانتفاضات.

من جهة ثالثة، يدلل توصيف يناير 2011 كحصيلة «تشخيص خاطئ» على حضور قناعة رسمية أخرى مفادها أن تغيير نظام الرئيس الأسبق مبارك لم يكن ما احتاجته البلاد أو استدعته ظروفها آنذاك. ولأن الحكم الراهن وعلى لسان رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين دأبوا على الإشارة إلى سوء أوضاع البلاد قبل 2011 (عبارة «شبه الدولة» مثالاً)، يصعب موضوعياً أن يفسَّر «التشخيص الخاطئ» هنا كتعبير عن تقييم إيجابي للحقبة المباركية. الأرجح أن المقصود هو أن البلاد كانت تسير في اتجاه سياسي غير صائب (فاقتصادياً واجتماعياً يتبنى الحكم الراهن اختيارات السنوات الأخيرة لحكم الرئيس مبارك ذاتها)، وكانت في حاجة إلى «تغيير منظم» في أعلى قمة حكمها بالإزاحة السلمية والهادئة للرئيس الأسبق. الأرجح كذلك أن المقصود هو أن مثل ذلك التغيير المحدود في القصر الرئاسي كان كفيلاً بإخراج مصر من أزمات ما قبل 2011، دون أن تُضطر الدولة ويُضطر المجتمع لتحمل «جحيم» يناير 2011 وكلفته الباهظة. تلك إذن أيضاً قناعة رسمية، تستهدف إعادة المواطنين إلى خانات التبعية والانتظار دون مَطالب أو حَراك حتى في لحظات التأزم السياسي الطاغي (تذكروا الانغلاق الكامل لنظام مبارك في أعقاب انتخاباته البرلمانية الأخيرة 2010)، وتريد إقناعهم بالابتعاد حتى عن المطالبة ببعض الإصلاحات واضحة المعالم والحدود (تذكروا أن يناير 2011 بدأ بالمطالبة بإقالة وزير الداخلية الأسبق فقط). ليترك المصريون أمر بلادهم – حتى حين يتدهور بشدة – للمؤسسات والدوائر الرسمية لكي تبحث لهم عن مخارج آمنة، وتجنّبهم شرور أنفسهم بوعيهم المزيف وشرور المطالب الشعبية غير المدروسة.

نحن أمام تجريد شامل ليناير 2011 من كل مضمون إيجابي، وفرض للإدارة غير الديمقراطية لشؤون البلاد باسم الحماية من جحيم خروج الناس إلى الفضاء العام، وإحالة المواطن إلى خانات التبعية والانتظار. وهذه رؤية سلطوية لا تعدم التأييد الشعبي في مصر، ولا تقتصر بحال من الأحوال على حكمها الراهن، بل تمتد إلى خارج برِّها باتجاه إقليمنا الذي يواصل الاستبدادُ استيطانَه في مواقع عديدة. ولن ينجح الديمقراطيون، ولا أصحاب النفَس الإصلاحي الحقيقي داخل المؤسسات والدوائر الرسمية، في مواجهة مرادفة مطالب التغيير الشعبية بالفوضى سوى بالبحث عن إجابات صريحة وموضوعية بشأن سُبُل إنجاز التحول الديمقراطي مع الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، إن بعد الانتفاضات الديمقراطية أو دون الولوج إلى غياهبها الصعبة وغير مضمونة العواقب بالفعل.

فمصر لم تعرف منذ خمسينيات القرن العشرين غير حكم الفرد، والذي أُعيد دوماً التأسيس له وتثبيت دعائمه في أعقاب حدوث هبّات وانتفاضات شعبية. وكذلك كان الحال بعد ثورة يناير 2011. لم تعرف مصر غير تحالف النخب الاقتصادية والمالية والفكرية والإعلامية مع الحاكم الفرد، الذي صارت تعتمد على رضاه لحماية عوائدها، والذي قبلت التبرير المستمر لسياساته وقراراته بغض النظر عن مضامينها وتداعياتها وتناقضاتها. لم تعرف مصر سوى التعامل التأجيلي مع بناء الديمقراطية وإنهاء القمع والعقاب والتنكيل وإقرار حقوق الإنسان والحريات، تارةً بأن يفرض الحاكم الفرد على مواطنيه المقايضة السلطوية الزائفة (الخبز والأمن نظير الحرية) وتارة ثانية بالترويج لمقولات إرجائية (عدم جاهزية البلاد للديمقراطية) وتارة ثالثة بمقولات التخويف (إما أنا أو الفوضى)! لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين إلا اقتناع الحاكم الفرد بقدرته على «الإنجاز» دون مؤسسات منتخبة، والنتيجة هي طغيان ظواهر سلبية كثيرة، مثل سطوة الفردية على أداء مؤسسات وأجهزة الدولة، والمحدودية البالغة لأدوات الرقابة عليها، وضعف مساءلة ومحاسبة شاغلي المنصب العام. لم تعرف مصر غير سعي حكم الفرد وأهل ثقته والنخب المتحالفة معه إلى تهجير المواطنين من الفضاء العام، مع استدعائهم فقط لتأييد الحاكم ومساندة سياساته وقراراته، وها هي ذي جموع المواطنين التي انتفضت مطالبة بالحرية في يناير 2011 تبتعد مجدداً، إما عن اقتناع بكون حكم الفرد هو السبيل الوحيد لضمان الخبز والأمن، أو عازفة في إحباط مما آلت إليه الأمور، أو خوفاً من ظلام القمع والعقاب والتنكيل.

لم تعرف مصر منذ خمسينيات القرن العشرين غير طغيان النهج الأمني وتسفيه السياسة كمِعْوَلَين رئيسيَّين يستخدمهما حكم الفرد للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع وإخضاع المواطن، وقد ترتب على ذلك التوسع المطرد عصف بسيادة القانون وتوظيف للأدوات القمعية وتشويه للوعي الجمعي. إن طغيان النهج الأمني وتسفيه السياسة يورّط الحكم في رفض التداول الحر للحقائق والمعلومات، لكيلا يمتلك الناس من المعرفة التي تساعدهم على مقاومة تشويه الوعي، ويورّطان المؤسسات والأجهزة النافذة في تصوير المعارضين السلميين زيفاً كأعداء ومتآمرين، وفي إلصاق اتهامات متنوعة بهم من نشر الفوضى إلى ضرب الاستقرار، مثلما يورطانها في تعقب منظمات المجتمع المدني المستقلة التي تدافع عن الحقوق والحريات وفي تعريضها لحصار التشويه والإلغاء. لم تعرف مصر غير التوظيف الممنهج لطغيان النهج الأمني وتسفيه السياسة لاصطناع المواطن الخائف المبتعد عن الشأن العام، والممتنع عن طلب المعلومة، والمتنازل عن حقه المشروع في مراقبة ومساءلة ومحاسبة شاغلي المنصب العام. يصطنع حكم الفرد ذلك المواطن الخائف، ويجبره بالأدوات القمعية على تجاهل المظالم والانتهاكات، ويثنيه عن التطلع إلى الحرية، ويسوّغ له قَبول المقايضة السلطوية: الأمن والخبز نظيرَ الحق والحرية. وللمقايضة السلطوية تفاصيل كثيرة. من جهة أولى، يقايض الحكم في مصر الناس مدعياً أن ثمن الأمن والاستقرار هو نسيان الحقوق والحريات وقَبول تغول السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية على المواطن والمجتمع والدولة. غير أن الحكم، ووفقاً لهذه المعايير، يُخفق في الإنجاز ويكتشف بكلفة عالية كون حقائق المواطن المغلوب على أمره والمجتمع الفاقد للسلم الأهلي والدولة التي تهمش بها كافة المؤسسات والأجهزة المدني تمثل عناصر لامتداد المعاناة من غياب الأمن والاستقرار. من جهة ثانية، يقايض الحكم الناس مدعياً أن ثمن التقدم والتنمية المستدامة وتحسين الظروف المعيشية هو تركيز كافة الصلاحيات في يد رأس السلطة التنفيذية وتمكينه من صناعة القرار العام دون تدخلات نخب سياسية لا تبحث سوى عن مصالحها الضيقة ودون نقاشات عبثية لا يجيدها إلا ساسة لا قبل لهم بتحمل مسؤولية الأوطان. غير أن الحكم، ووفقاً لهذه المعايير، يُخفق في حالات متراكمة في تغليب الصالح العام على مصالح النخب الاقتصادية والمالية المتحالفة معه، ويفتقد – كما يدلل قانون الخدمة المدنية – إلى أدوات للتواصل مع الناس ليس لها من رافعة دون السياسة، أي النشاط السلمي والحر والتعددي الذي وُجهتُه هي صالح المواطن والمجتمع والدولة العام؛ ودون مضامينها الحقيقية التي تُميتها السلطوية الجديدة. من جهة ثالثة، يقايض الحكم الناس مدعياً أن ثمن إنجاز المشروعات الكبرى وتنشيط الاقتصاد وإدخال إصلاحات جوهرية في سوق العمل هو إطلاق صلاحيات رأس السلطة التنفيذية، والحيلولة دون إخضاعها لرقابة مؤسسات وأجهزة مستقلة. غير أن الحكم، ووفقاً لهذه المعايير، يفشل في صياغة رؤية متكاملة للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة ويفشل في إدراك محدودية التداعيات المباشرة للمشروعات الكبرى على حياة الناس وظروف معيشتهم، ويتعاطى باستعلاء بالغ مع حتمية مساءلة ومحاسبة الحكام عبر الآليات الرقابية المستقلة وضرورة تطبيق قواعد الشفافية لكيلا يتواصل إهدار الموارد والطاقات القليلة المتاحة.

في الذكرى الثامنة لثورة يناير، لم تتغير حقائق الحكم في بلادنا، وما زلنا نراوح في خانات حكم الفرد وطغيان النهج الأمني وتسفيه السياسة ذاتها. لم تتغير حقائق الحكم، ولن تتغير ما لم يتغير المطالبون بتغييرها. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات في مصر أن تدرك أن انهيار الأوضاع الأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصراعات العبثية بين القوى السياسية في أعقاب يناير 2011، رتّبت مجتمِعةً فقدان ثقة قطاعات شعبية واسعة في التحول الديمقراطي، وزينت لها النظر إلى حكم الفرد كملاذ وحيد لإنقاذ البلاد من عدم الاستقرار. بين 2011 و2013، ارتكبت القوى السياسية، إسلامية وعلمانية، خطايا كبرى وتلاعبت بآمال المصريات والمصريين في الإدارة الناجحة للتحول الديمقراطي وفي الربط بين صون الحقوق والحريات وبين تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمستويات المعيشية. بين 2013 و2019، ترك الناس للمقايضة السلطوية «الخبز والأمن نظير الحق والحرية» ولم يكن في استطاعتهم مقاومة غوايتها، ولا مقاومة المخاوف الحقيقية من أن يؤدي عدم الاستقرار إلى أن تلحق ببر مصر المصائر الإقليمية البائسة التي تهدم بها معاول الإرهاب والحروب الأهلية والعنف كيان الدول الوطنية وتفرض على مواطنيها الموت والدمار والنزوح واللجوء كحقائق وحيدة لوجودهم. تُرك الناس لغواية المقايضة السلطوية، وراوحت مواقف أغلبيتهم بين القبول والعزوف والابتعاد خوفاً من القمع والتعقب والمعارضة في لحظات ومساحات محدودة. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن فشل التحول الديمقراطي بعد يناير 2011 كان، من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لإخفاقات القوى السياسية التي تصدرت الواجهة وعجزت بسبب صراعاتها العبثية عن الحفاظ على ثقة الناس ودفعت قطاعات واسعة منهم إلى طلب حكم الفرد كملاذ إنقاذي أخير. على الأصوات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات أن تدرك أن الفشل في مواجهة المقايضة السلطوية بين 2013 و2019 كان، من بين عوامل أخرى، نتيجة مباشرة لاستعلاء القوى المعارضة لحكم الفرد على الطلب الشعبي على الخبز والأمن، وتجاهلها لضرورة تقديم بدائل واقعية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية المطبقة، وحتمية عدم الاقتصار لا على الانتقاد المشروع للقوانين المقيدة للحريات والممارسات القمعية ولا على الدعوة الهامة لصون مواد الدستور الضامنة للتداول السلمي للسلطة. في 2019، يظل النقد الذاتي هو مهمة الديمقراطيين المقدسة.

سلطوية ضعيفة وغير مهددة

يمكّن التنظيم الديمقراطي للدولة وللمجتمع، حين يستقر، المواطنات والمواطنين من إدارة حياتهم الخاصة والإسهام في الشأن العام في ظل ضمانات للحريات وحقوق الإنسان وكرامته وتكافؤ الفرص والبحث المشروع عن المبادرة الفردية. بالقطع وبالتحرر من المقاربة المثالية للديمقراطية، تتفاوت حظوظ الناس وتؤثر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية في درجات شعورهم بالحريات وحقوق الإنسان والمبادرة الفردية وممارستهم لها في الحياة الخاصة والعامة. إلا أن تمكين قطاعات تتسع باطراد يمثل قاعدة أساس للديمقراطية، ويقترن بها دوماً التحرر من الخوف النابع إن من قمع الحكام للمحكومين أو من تراكم المظالم المجتمعية. وفي الكثير من الحالات، توفر الحريات والحقوق والكرامة الإنسانية والمبادرة الفردية والتحرر من الخوف بيئة مساعدة على التميز الشخصي والإبداع، وتدفع بالدولة والمجتمع المعنيين إلى التنمية المستدامة والتقدم. أما حين تغيب الديمقراطية أو تتعثر مسارات التحول باتجاهها، تتراجع ضمانات الحريات وحقوق الإنسان وكرامته والمبادرة الفردية وتكافؤ الفرص. حين تغيب الديمقراطية، يمسك الخوف بالناس فيُغتال التميز الشخصي، ويُقتل الإبداع ويُحَدّ كثيراً من إمكانيات المبادرة الفردية والتنمية المستدامة والتقدم في الدولة والمجتمع المعنيين. حين تغيب الديمقراطية أو تتعثر مسارات التحول باتجاهها، تهيمن جموع محدودي الكفاءة ومروجي خطاب الكراهية والإغلاق والإقصاء على الفضاء العام، وتبتعد طاقة نور الحرية وحقوق الإنسان؛ التي يحتاجها الفرد لكيلا تنزع عنه إنسانيته وتحتاجها الدولة والمجتمع لكي توفر بيئة صحية للناس. حين تغيب الديمقراطية أو تتعثر مسارات التحول باتجاهها، ينسحب من الفضاء العام العالم والمبدع والفنان والأديب، ويتركونه فسيحاً لضجيج فارغ المضمون في السياسة والإعلام تحت يافطة الحقيقة الواحدة والرأي الواحد والزعيم الواحد، ويرتفع منسوب الكراهية والتشويه والتخوين وتوضع النزعة الإنسانية إجبارياً خارج الخدمة.

على الرغم من ذلك، يجافي الصواب الاعتقاد بأن القبول الشعبي للتنظيم الديمقراطي للدولة وللمجتمع يستند فقط إلى ضمانات الحقوق والحريات الشخصية والعامة التي تُقَرّ دستورياً وقانونياً وتُفعَّل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. فبجانب ضمانات الحقوق والحريات، تدلل الخبرات التاريخية والمعاصرة للديمقراطيات على أن قبولها الشعبي يرتبط بأفضليتها مقارنة بالأنماط الأخرى للحكم ولإدارة الشأن العام لجهة تحقيق التنمية المستدامة والتقدم والسلم الأهلي. وعد الديمقراطية هو اقتران الحقوق والحريات بتحسن الأحوال المعيشية للمواطنات وللمواطنين، وارتفاع مستوى الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية التي يحصلون عليها، وتمكينهم بتمايزاتهم من المشاركة في النشاط الاقتصادي على أساس من تكافؤ الفرص والمنافسة، وضمان مشاركتهم في الحياة الاجتماعية وكذلك ممارستهم للشعائر الدينية في إطار من المساواة والأمن. وعد الديمقراطية هو اقتران الإقرار الدستوري والقانوني للحقوق والحريات بتنامي التزام الدولة ومؤسساتها وأجهزتها والتزام الكيانات الجماعية غير الحكومية بسيادة القانون والسلمية ومحاربة الفساد واستغلال المنصب العام. أما حين تخفق الديمقراطيات في تحقيق التنمية المستدامة والتقدم والسلم الأهلي، فإن حضور ضمانات الحقوق والحريات الشخصية والعامة لا يَحُول بين الناس وبين الاندفاع الجماعي نحو تأييد أنماط أخرى للحكم، تبني قبولها الشعبي على وعد مضاد إن باستعادة التنمية والتقدم كما فعلت الفاشيات الأوروبية والآسيوية في النصف الأول من القرن العشرين والحكومات الفاشية والعسكرية في أميركا اللاتينية في نصفه الثاني؛ أو بإنقاذ السلم الأهلي وبناء الدولة القوية وتحقيق التحرر الوطني كما فعلت نخب الاستقلال (عسكرية ومدنية) في مصر والعديد من الدول العربية والأفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ أو بخليط من كل هذا ومعه الحنين إلى الأمجاد الماضية للقوة العظمى كما يفعل اليوم فلاديمير بوتين ونخبة حكمه في روسيا الاتحادية. وفي حالات أخرى كالصين التي لم يتطور فيها أبداً التنظيم الديمقراطي، استجابت أغلبية مستقرة من الناس لمساومة جماعية جوهرها قضاء الدولة على الفقر وضمانها للتقدم الاقتصادي والاجتماعي وللتنمية المستدامة وتخلي المجتمع – باستثناء مجموعات صغيرة من المفكرين والكتاب والصحفيين والحقوقيين وأساتذة الجامعات – عن المطالبة بالحقوق والحريات الشخصية والسياسية.

غير أن الإشكالية الكبرى هنا هي أن الخبرة التاريخية والمعاصرة لأنماط الحكم غير الديمقراطية تثبت عجزها عن تحقيق التنمية المستدامة والتقدم والسلم الأهلي والحفاظ على الاستقلال الوطني على نحو مستقر، وتدلل أيضاً على زجها بدولها ومجتمعاتها إلى أتون أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تنتهي. ويستفيق الناس، وبعد اندفاعهم لتأييد التخلي عن الديمقراطية أو استبعادها من قاموس المرغوب به جماعياً أو لتبني موجات الفاشية، على خسارتهم لكل شيء بغياب التنمية المستدامة والتقدم وانهيار ضمانات الحقوق والحريات. هكذا انتهت الفاشيات الأوروبية والآسيوية والحكومات العسكرية في أميركا اللاتينية، وهكذا كان السجل التاريخي للعديد من نخب الاستقلال في الدول العربية والأفريقية. ولم يبتعد عن خبرة فشل أنماط الحكم غير الديمقراطية في تحقيق التنمية المستدامة إلا دول كالصين، وهذه لها خصوصية جلية ترتبط بالتاريخ والجغرافيا والمساحة والكثافة السكانية والموارد الطبيعية الهائلة؛ ودول مثل سنغافورة التي تبنت نموذجاً تنموياً ناجحاً عِمادُه قيادة نخبة الحكم للقضاء على الفقر ونشر التعليم ومحاربة الفساد؛ وبعض الدول النفطية في الخليج.

يعني هذا، وأسجله اليوم باتجاه مصر حيث ما زال على حاله فقدان ثقة الناس في الآليات والإجراءات الديمقراطية بعد الخبرات السلبية منذ 2011، يعني أن الأمل في ضمانات لحقوقنا وحرياتنا وفي التنمية المستدامة والتقدم والسلم الأهلي والدولة القوية العادلة يظل معقوداً على استعادة القبول الشعبي لبناء الديمقراطية كحل وتمكين آلياتها وإجراءاتها من إحداث مفاعيلها في المجتمع دون انقطاعات. يعني هذا أيضاً ضرورة وجود نخب سياسية واقتصادية ومجتمعية قادرة على التفكير بواقعية في مسارات بناء الديمقراطية، وفي سبل سلمية مبتكرة لمواجهة النزوع السلطوي الراهن، وفي التدرجية الضرورية للبناء الديمقراطي لتجنيب البلاد أخطار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وفي طرق إدارة التغيير الديمقراطي دون تجاهل لمركزية الوعد بالتنمية المستدامة والتقدم والسلم الأهلي، وفي إمكانات الربط بين المكتسبات الديمقراطية على أصعدة ضمانات الحقوق والحريات وبين مطالب الناس الحياتية دون استعلاء. لن نتمكن في مصر من تحقيق التقدم والتوازن إلا بتطبيق قيم الحرية والقانون والعلم والعمل والإبداع والتوصل إلى توافق شعبي عام بشأن تدرجية التطبيق دون مقايضات؛ فالحرية بدون قانون تعني الفوضى، والقانون بدون حرية يعني الاستبداد، ولا علم وإبداع دون عمل وبحث وإخلاص في قطاعات ومواقع المجتمع المتنوعة.

يكشف مجمل المشهد العربي الراهن، والمشهد المصري يندرج بداخله، عن مفارقة هامة تتمثل في محدودية التحديات المجتمعية التي تواجهها السلطويات الحاكمة، على الرغم من الضعف البيّن للأداء الاجتماعي والاقتصادي لنخبها وتهافت سجل إنجازاتها التنموية. فعلى سبيل المثال، وباستثناء منطقة الخليج، ما تزال معدلات الفقر والبطالة والأمية في عموم بلدان العرب مرتفعة للغاية، بينما تتدنى إلى مهابط غير مسبوقة مستويات الخدمة العامة المقدمة في قطاعات حيوية كالتعليم المدرسي والجامعي والصحة (بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي). يستمر كذلك إخفاق السلطويات الحاكمة في مكافحة ظواهر خطيرة مستشرية ومعطِّلة للتنمية الحقيقية كالفساد والمحسوبية واستغلال المنصب العام والغياب شبه الكامل للشفافية والمحاسبة كمبادئ يتعين أن تحكم عمل المؤسسات العامة والخاصة (وهو ما يبدو جلياً في تحليل منظمة الشفافية الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا). بعبارة أخرى، نحن هنا أمام سلطويات فاقدة لشرعية الإنجاز بمعناها التنموي ومضامينها المرتبطة بما اصطُلح على تسميته الحكم الرشيد؛ سلطويات تهيمن نخبها بقبضة حديدية على الدولة والمجتمع والمواطنين فلا تسمح في المجال السياسي بمنافسة فعلية وتقيد من حريات المواطنين في التعبير عن الرأي والتنظيم والمشاركة في الشأن العام. ومع ذلك، لا تواجه تلك السلطويات الحاكمة تحديات حقيقية أو واسعة النطاق، ولا تحتاج في الأغلب الأعم إلى توظيف العنف المفتوح أو القمع الواسع النطاق للسيطرة على المجتمع وإخضاع المواطن. اللافت إذاً هو تواكب العجز الاجتماعي والاقتصادي لنخب الحكم العربية وفقدانها لشرعية الإنجاز مع استمرارية مريحة وغير مكلفة للسلطوية، على نحو يناقض من جهة جل الخبرات العالمية المعاصرة لانهيار السلطوية عندما تتعثر مجتمعياً وينتفض المواطنون طلباً لحقوقهم وبحثاً عن التغيير، وهو ما يحفز من جهة أخرى الباحث على التساؤل عن ماهية العوامل المسببة للاستثناء العربي في هذا الصدد.

هناك، من جهة، دور المؤسسات الأمنية التي تغولت بصورة واضحة خلال العقود الماضية وأضحت مخصصاتها المالية تستحوذ على نصيب يتزايد باطراد في الموازنات العامة. لم تعد أدوار الأمنيين قاصرة على تعقب ومراقبة قوى المعارضة والتوظيف الانتقائي للأدوات القمعية إزاء من تعتبرهم نخب الحكم مصدرا لتهديدات آنية أو محتملة قد ترد على سيطرتها، بل تجاوزت ذلك باتجاه تغليب منطق الإدارة الأمنية المباشرة للعديد من الملفات المجتمعية والسياسية الحيوية، بدءاً من ملفات كتعيين حدود نشاط منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والخطوط الحمراء لممارسة الحريات الإعلامية، مروراً بهوية وتفاصيل النظم الانتخابية المعمول بها على المستويين الوطني والمحلي وكيفية تقطيع الدوائر الانتخابية، وانتهاءً بتعديل القوانين المنظمة لمباشرة لحقوق السياسية والمدنية. أصبحت المؤسسات الأمنية صاحبة الكلمة الفصل في تحديد توجهات نخب الحكم في السلطويات العربية ووضعها موضع التطبيق، متقدمةً في فاعليتها على كل ما عداها من الجهات التنفيذية الأخرى، إن من وزارات أو هيئات متخصصة. كما تضخم تمثيل الأمنيين في بيروقراطية الدولة وأجهزتها، خاصة تلك المضطلعة بتسيير شؤون الجهات والمحليات بصورة بلورت شبكة شاملة ونافذة للإدارة الأمنية الشاملة للمجتمع وصعّبت على المواطنين الباحثين عن الحقوق والحريات التحرك المنظم لمجابهة السلطوية الجاثمة.

photos_shtbkt_byn_lmn_lmrkzy_lmsry_wlmwtnyn_24754.jpg

مواجهات بين المتظاهرين والأمن المركزي خلال ثورة 25 يناير- revolution25january.com

يتبع تحليل تغول المؤسسات الأمنية أمر آخر يتمثل في نزوع نخب الحكم العربية نحو شخصنة وتركيز السلطة وأدوات ممارستها في مجموعات صغيرة العدد، ذات مصالح متجانسة، وتربطها تحالفات عضوية تحد كثيراً من الإمكانية الفعلية لنشوب صراعات داخل النخب، وتلك الصراعات شكلت في بعض الخبرات العالمية المعاصرة لانهيار أنماط الحكم السلطوي (في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية) إما قاطرة التغيير أو بداية تبلوره. فوراء واجهة تبدو تعددية لبعض نخب الحكم العربية بمكوناتها الأمنية والمدنية، وبالأجيال المختلفة الممثلة داخلها، من كبار السن ومتوسطي العمر، وبحساسيتها المتنامية لثنائية النوع التي صعدت في إطارها بعض الوجوه النسائية إلى المستويات العليا للمسئولية التنفيذية، ثمة استمرارية لافتة لشخوص الممارسين الحقيقيين للسلطة وتدوير مستدام لهم في جنبات الحياة السياسية وفقاً لاستراتيجيات مُحْكَمة. كذلك فإن نخب الحكم العربية، الفاقدة لشرعية الإنجاز والعاجزة عن تقديم المنتظر منها مجتمعياً، تتوفر على خطابات رسمية لا تعدم القدرة الإقناعية، تخيف بها أغلبية المواطنين من طلب التغيير على الرغم من معاناتهم وقسوة ظروفهم المعيشية، وهي تُباعد بينهم وبين الالتئام وراء قوى معارِضة تسعى لإنهاء السلطوية. توظف نخب الحكم المؤسسات الدينية والإعلامية، إن المُدارة حكومياً دون مواربة أو المسيطَر على فعلها وممارساتها اليومية، لإقناع الناس بالمرادفة بين المطالبة بالتغيير وبين تهديد النظام العام وخطر دفع البلاد إلى حالة من الفوضى العارمة. وهو ما يحول دون ترجمة طاقة الرفض لدى المواطنين الناتجة عن سخطهم الحقيقي على أداء النخب إلى عمل شعبي منظم يستعيد حيوية الانتفاضات الديمقراطية في 2011 ويتخطى حدود النشاط الاحتجاجي العفوي والجزئي الذي شهده العالم العربي طوال الأعوام الماضية. ولا ريب في أن القدرة الإقناعية لخطابات «التخويف من التغيير» الرسمية ليست بمنقطعة الصلة عن فشل العديد من قوى المعارضة التي ترفع شعاري الديمقراطية وحقوق الإنسان في تمثُّل المضامين الفعلية للشعارين في ممارساتها، وعجزها عن صياغة تصور برنامجي للتغيير المرتجى يكون واضح المعالم ومطمئناً لمواطنين تَفرض عليهم قسوة الظروف المعيشية الحذر المستمر، وتُعلّمهم تجارب الماضي المريرة الخوف على القليل المتهافت الذي يتمتعون به اليوم إزاء تغيير مستقبلي قد يأتي عليه. ترتبط إذاً استمرارية السلطويات الحاكمة في بلاد العرب بالوضعية الهشة والهامشية لقوى وأحزاب المعارضة وعجزها عن الضغط بفاعلية على نخب الحكم بغية إنجاز التحول الديمقراطي. فمعظم القوى الليبرالية واليسارية والإسلامية تفتقد اليوم، وفي ظل الترتيبات السلطوية الضاغطة، القواعد الشعبية الحقيقية، وتتكلّس بالتالي نخبها وخطاباتها وبرامجها.

أخيراً، ثمة رابطة سببية بين استمرارية السلطوية وتهافت فرص التحول الديمقراطي، وبين هيمنة ثقافة العنف الإقصائية على المجتمعات العربية والغياب الكامل لقيمة الفرد-الإنسان-المواطن. فلا إدارة سلمية للاختلاف في مجتمعاتنا، والديمقراطية هي في الجوهر منهج وإجراءات الإدارة السلمية للاختلاف التي تسمح بتعددية الطروحات والفاعلين وبتداول السلطة بينهم في إطار من حكم القانون والمشاركة الشعبية. وفي حين يرتبط تعدد مصادر القمع في بلدان كسوريا وليبيا والعراق بالانهيار الكامل لقدرة الدولة على احتكار الاستخدام الشرعي للعنف، تنفرد السلطوية الحاكمة في جل الحالات العربية الأخرى بأداء المهمة بكفاءة وتعقد وظيفي، فتتنوع معهما مستويات القمع من قتل إلى سجن واعتقال وتعذيب وإخفاء قسري مروراً بتعقب وتشريد ومنع وانتهاء بتهديد ووعيد، تماماً كما تختلف الجهات المنفذة من أجهزة رسمية إلى شبكات غير رسمية. في المقابل، يظل الأصل في عمليات التحول الديمقراطي هو تبلور قناعة استراتيجية (بمعنى الاستقرار النسبي على مدى فترة زمنية ليست بالقصيرة) لدى النخب الحاكمة والنخب البديلة وحركات المعارضة بإمكانية الصناعة السلمية للتوافق بينها، وذلك بصورة تضمن مصالحها الحيوية وتصوغ قواسم مشتركة تسمح بتفعيل التداول السلمي للسلطة وسيادة القانون وإشراك الأفراد بوصفهم مواطنين في تحديد معنى الصالح العام، من خلال آليات كانتخابات الهيئات التشريعية والرقابة الشعبية على الحكام التي يمارسها المجتمع المدني. أما عربياً، فيدلل استشراء ثقافة العنف الإقصائية على مركزية قراءة الخطر والمعادلات الصفرية عندما تنظر النخب والقوى الحاكمة والبديلة إلى بعضها البعض. ومثل هذه الرؤى والممارسات ليس لها سوى أن تطيل عمر الاستبداد والسلطوية.

القمع وتسفيه السياسة

يغري القمع الحكم في مصر بالاعتماد عليه كأداة رئيسية لإدارة شؤون المواطن والمجتمع والدولة. يوظف القمع لضمان طاعة أو عزوف الأغلبية، ولكي يحد من ضجيج المعارضين. يقبل الحاكم ونخبته مخاطرة تراجع فاعلية القمع بمرور الوقت، إما تعويلاً على الابتكار المستمر لممارسات قمعية أشد فتكاً، أو إلحاقاً لأدوات إضافية بالقمع تستهدف أيضاً إخضاع المواطن وضبط المجتمع والسيطرة على مؤسسات الدولة. ومن بين تلك الأدوات الإضافية يبرز اليوم الإعلام، فالحكم ونخبته والمصالح الاقتصادية والمالية والإدارية المتحالفة معه أو الموالية له تجد في وسائل الإعلام التقليدية كالصحافة والبرامج الإذاعية والتليفزيونية المساحة الأسهل لممارسة الهيمنة على الفضاء العام واحتكار الحديث باسم الوطن والمصلحة الوطنية. ومن خلال إحكام السيطرة على الإعلام – إن عبر تمرير قوانين جديدة للإعلام تكبل حرية التعبير عن الرأي وتستحدث هيئات حكومية كالمجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة وظيفتها إخضاع الإعلاميين والصحفيين لإرادة الحكم، أو بتوسيع ملكية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لوسائل الإعلام – يسعى الحكم إلى فرض صوته على الناس كالصوت الأوحد للشعب والصالح العام وكذلك إلى نزع المصداقية الوطنية والأخلاقية عن كل صوت آخر تارة تخوينا وتارة تشويها (وهو ما يخلص إليه التقرير السنوي السادس عن حالة حرية التعبير الصادر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير).

أما القطاعات الطلابية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، والفعاليات السلمية الأخرى التي تريد لمصر العودة إلى مسار تحول ديمقراطي حقيقي وترفض الهجمة السلطوية على الحقوق والحريات، وتنأى بنفسها دوماً عن التورط في خروج على القانون أو في عنف أو في تبرير للجرائم الإرهابية، ولا تساوم على ضرورة الانتصار لمجتمع يسوده السلم الأهلي والتسامح ولدولة وطنية عادلة وقوية، هذه القطاعات والمنظمات تعاني من القمع الممنهج من جانب الحكم، وما تزال عاجزة عن أن تعين بالدقة اللازمة الرؤى والأفكار والتوجهات التفصيلية التي ترغب في دعوة أهل مصر إلى مساندتها لكي تنجو البلاد في حاضرها ومستقبلها من الهجمة السلطوية الراهنة. بل ولم ينجح أنصار الديمقراطية في صياغة استراتيجيات بديلة للتعامل مع وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لكي يخاطبوا الرأي العام بفعالية. فعبر السيطرة على وسائل الإعلام ومن خلال ممارسة القمع باتجاه المجموعات المدافعة عن الديمقراطية والحقوق والحريات، يواصل الحكم في مصر إلغاء السياسة وقصر صناعة القرار على المؤسسات والأجهزة والدوائر الرسمية (السلطة التنفيذية). يمكن خليط السيطرة على وسائل الإعلام والممارسات القمعية الحكم من تعقب المجتمع المدني الذي تُغلق أمامه ساحات الفعل العلني وتقيده قوانين سلطوية الطابع، ومن تهجير المواطن من الفضاء العام عبر استخدام قوانين سلطوية أيضاً تتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور ما لم يمتثل للصوت الأوحد القادم من مقر رئاسة الجمهورية. وفي باب تبرير القمع، تزين السيطرة على الإعلام للحكم الاكتفاء بالترويج لمقولات شديدة العمومية عن حتمية دفع الوطن إلى النهوض، والمجتمع إلى التنمية، والدولة إلى الاستقرار والحفاظ على الأمن القومي. وتلك جميعاً أهداف لا يُختلف عليها، غير أن مضامينها المحددة تختلف بشدة بين الممارسة الديمقراطية التي ترى في احترام الحريات والحقوق والتداول السلمي للسلطة أساس نهوض الوطن وتنمية المجتمع واستقرار الدولة وبين الممارسة السلطوية التي تصور الحاكم كبطل مخلص ومنقذ والملاذ الأوحد لتحقيق الصالح العام.

يواصل الحكم ذلك النهج المستند إلى السيطرة على الإعلام والقمع وإسكات الصوت الآخر، بينما تتمسك قطاعات شعبية ليست بالصغيرة بدعمها له، إن اقتناعاً بحتمية «الاعتذار» عن تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت في يناير 2011 وانتهت في صيف 2013 بعد خطايا كبرى للقوى السياسية الإسلامية والعلمانية، أو تقريراً بضرورة «الاعتراف» بعدم ملاءمة الديمقراطية والحقوق والحريات لأوضاعنا المصرية، أو تسليماً بأن منع تحول مصر إلى «سوريا جديدة» يستدعي تأييد الحاكم القادم من المؤسسة العسكرية. لا ينبغي إذاً إنكار حضور قطاعات شعبية مؤثرة تؤيد الحكم السلطوي، وتشك في نوايا الإسلاميين والعلمانيين، وتستريح لحضور الحاكم ذي الخلفية العسكرية، وتتخوف من غيابه لكيلا تلحق الأضرار بالوطن والمجتمع والدولة. والبعض الآخر يؤيد الحاكم ونخبته أملاً في تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والمستويات المعيشية بعد سنوات التراجع منذ 2011. وهكذا تروج وسائل الإعلام المسيطر عليها بكثافة بالغة لمقولات الخوف من أن تلحق المصائر الإقليمية بمصر ولآمال «الخروج من عنق الزجاجة». غير أن حضور جمهور الموالاة لا يلغي أبداً وجود قطاعات شعبية معارضة وقطاعات أخرى، ربما كانت قبل سنوات في خانات تأييد ودعم الحكم السلطوي، ولكن تبدو عليها اليوم مظاهر التململ والتأرجح بين العزوف والرفض الصامت للهجمة السلطوية وبين الجهر بالرفض ومعارضة انتهاكات الحقوق والحريات التي يتحمل مسؤوليتها الحاكم ونخبته. كذلك لا ينفي حضور جمهور الموالاة حقيقة ارتفاع أصوات بعض القطاعات الطلابية والشبابية مطالِبة بإنهاء وضعية الأمة معطلة الضمير والعقل السائدة في بلادنا بسبب المظالم المتراكمة وسيادة القانون المتراجعة والعدل الغائب. أنصار الديمقراطية بين الطلاب والشباب يدعون إلى العودة إلى مسار تحول ديمقراطي، وينادون برفع المظالم وإنهاء انتهاكات الحقوق والحريات وإيقاف الإجراءات العقابية التي أنزلت بالناس خلال السنوات الماضية في إطار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية تضطلع أيضاً بمهام توثيق الانتهاكات والمكاشفة والمساءلة والمحاسبة. إلا أنهم وبجانب القمع الذي يواجهونه يومياً يقفون أمام تحدي ترجمة مبادئ الديمقراطية إلى قائمة واقعية من الرؤى والأفكار والتوجهات والمطالب القابلة للتداول في الفضاء العام، والقادرة على تقديم بديل واضح المعالم للحكم ولهجمته السلطوية بقوانينها وممارساتها الكثيفة، والراغبة أيضاً في استعادة الثقة الشعبية في إمكانية إدارة تحول ديمقراطي ناجح في مصر. دون مثل هذا الاشتباك الإيجابي مع الرأي العام واستعادة اهتمام العازفين بين المواطنين بمطالب الديمقراطيين، ستتواصل الهجمة السلطوية وسيواصل الحكم شيطنة الفكرة الديمقراطية ودفع الناس إلى مواصلة الاعتذار عن تجربتها بين 2011 و2013.

غير أن السلطوية الحاكمة في مصر توظف استراتيجية إضافية سبقتها إلى توظيفها نظم استبدادية وسلطوية أخرى هي تسفيه السياسة. والمقصود هنا هو المحاولات الممنهجة من قبل دوائر الحكم لتشويه الحياة السياسية المدنية في مجملها، وتعزيز الاعتقاد بأن فقط الجنرالات وأصحاب الخلفيات العسكرية والأمنية والاستخباراتية هم القادرون على إدارة شؤون البلاد وتحقيق الصالح العام. لكي تموت السياسة بالتسفيه، تختزل الدولة بكامل مؤسساتها وأجهزتها إلى المكون العسكري-الأمني، أما المكون المدني للدولة فيوصَم بأمراض العجز والقصور وعدم الانضباط التي تتطلب هيمنة العسكريين والأمنيين عليه ووصايتهم على عمليات صنع القرار في سياقاته ودوائره المتنوعة. تلغى أيضاً استقلالية الهيئات التشريعية والقضائية والإدارية الرقابية المنوط بها (دستورياً وقانونياً) إخضاع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية للمساءلة والمحاسبة، ويحال عملا بينها وبين ممارسة هذه المهام. لكي تموت السياسة بتسفيهها يظل رأس السلطة التنفيذية دون بديل، تظل السلطوية الحاكمة بهيمنة العسكريين والأمنيين دون بديل، تظل النخب المدنية التي ارتضت التبعية للمكون العسكري-الأمني عاجزة بالمطلق عن الابتعاد عن استدعاءات الجنرالات، تظل وسائل الإعلام إن ذات الملكية العامة أو الخاصة مسخرة للاغتيال المعنوي لكل فكرة بديلة أو رمز بديل أو شخصية عامة بديلة.

انتهاكات متراكمة

عادة ما يرتبط تورط النظم الشمولية والسلطوية في انتهاكات حقوق الإنسان والحريات بفرضها لقيود عدة على مساحات فعل وعمل المنظمات الحقوقية ومبادرات المساعدة القانونية والدفاع عن الضحايا، ويرتبط كذلك بالضغط المستمر على الأصوات والأقلام الرافضة للانتهاكات والمطالبة بالكشف عنها ومحاسبة المتورطين بها وتعويض الضحايا وأسرهم. وكما تدلل الخبرة المصرية الراهنة، يستدعي التمرير السياسي والمجتمعي لهذا التوجه غير الديمقراطي تشويه منظمات حقوق الإنسان والحريات، وإلصاق اتهامات الخيانة والعمالة الزائفة بها، وتصعيد الحملات الإعلامية ضدها كلما سجلت رفضها للانتهاكات ودعت إلى التحقيق والمساءلة والمحاسبة. بسرعة هائلة، تراكمت انتهاكات الحقوق والحريات في بر مصر على نحو حال موضوعياً دون إنكار الظلم والمظالم من قبل مبرري السلطوية الحاكمة بفاعلية تتماثل مع وضعية صيف 2013 حين تمكنت من أغلبية المصريات والمصريين هيستيريا نزع الإنسانية وعمليات غسل الأدمغة وتزييف الوعي التي أدارتها مؤسسات رسمية وأذرع إعلامية، ودفعت الأغلبية إلى هاوية إنكار الظلم والانتهاكات والدفاع عن سجل حكم تورط منذ لحظته الأولى في استباحة كرامة المواطن. وليس بالتراكم الكمي والنوعي غير المسبوق لانتهاكات الحقوق والحريات غير إدراك السلطوية لمحدودية فاعلية الأدوات غير القمعية وصعوبة التعويل إن على مقولات «الحرب ضد الإرهاب» أو على حديث «الإنجازات الاقتصادية القادمة» لإقناع الناس بحتمية تأييد الحاكم والامتناع عن معارضة قراراته وسياساته. لم يعد لا هذا ولا ذاك كافياً لكي يتوقف المواطن عن طرح تساؤلات بشأن أسباب التدهور المستمر في ظروفه المعيشية، أو بشأن الحقائق المتعلقة بمحاربة الفساد والحد من تأثيره السلبي على حياة الناس، كذلك لم يعد تغليب قطاعات شعبية مؤثرة لثقتها في الحكم على الخوف والقلق من أفعاله كافياً لأن يتجاهل هؤلاء اقتراب المظالم والانتهاكات من دوائر حياتهم اليومية ومن ثم «إفسادها» لفرص الصمت دون وخز الضمير أو تمرد العقل. لم يعد أمام حكم يرى في إخضاع الناس ضرورة للاستقرار، وفي تغييب أصوات المعارضين دفاعاً عن الأمن القومي، وفي إنزال العقاب بالمختلفين وغير الممتثلين ضمانة لإدارة شؤون البلاد بكفاءة، لم يعد أمامه غير الأدوات القمعية التي تستطيع أن تطول الجميع، وصناعة الخوف التي تحولت إلى المشروع الوطني الأكبر. وفي صناعتها للخوف لا تبدي السلطوية الحاكمة انزعاجاً من ردود الأفعال الدولية (حكومية وغير حكومية)، وهي هنا تستند إلى قراءة واقعية لمصالح القوى الغربية التي تعاني الأمرَّين في بلاد العرب، إن من عصابات الإرهاب أو من أزمة اللاجئين أو من انهيار الدول الوطنية وتفسخ المجتمعات في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وهي لا تريد لمصر سوى البقاء بعيدة عن خطر الانهيار، حتى وإن تمثل «الثمن» في حكم ديكتاتوري. وفي عدم انزعاجها تَصدُر السلطوية أيضاً عن إدراك لمحدودية دور المنظمات غير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان الناشطة في الغرب فيما خص صياغة السياسات المتعلقة بمصر، في لحظة إقليمية لم يعد بها لبناء الديمقراطية ذات الأهمية التي كانت له في 2011، وفي لحظة دولية تشهد صعود اليمين المتطرف والشعبوي غير المكترث بالحقوق والحريات إلا داخل الغرب. لكل ذلك لا تتردد السلطوية في تعميم توظيف الأدوات القمعية وصناعة الخوف غير مبالية بردود الأفعال ومتجاهلة لعبر سقوط سابقتها ولدروس السقوط المتكرر للحكومات المستبدة في عالمنا المعاصر، وهي لا تستعصي على الاستخلاص؛ يستحيل إنكار الانتهاكات إلى ما لا نهاية، يستحيل تزييف وعي الناس إلى ما لا نهاية، تستحيل ممارسة القمع وصناعة الخوف إلى ما لا نهاية.

ليس بغريب إذاً أن يتورط بعض المسؤولين المصريين في التحريض على العقاب الجماعي لمعارضي الحكم، وفي الترويج لغرائز الانتقام، دون أن يتوقف أحد في دولاب الدولة أمام هذه الكارثة أو يبدي شيئاً من الاهتمام بتداعياتها السلبية على القليل المتبقي من ثقة الناس في المؤسسات والأجهزة العامة وكذلك في إمكانية العدل في بر مصر. ليس بغريب أيضاً أن تستنزف الموارد العامة المحدودة بين الكلفة الباهظة لـ«المشروعات الكبرى» التي يعلَن عنها دون دراسات علمية جادة وبين تضخم موازنات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وأن تتواصل من ثم عمليات الاقتراض والاستدانة من الخارج وتتراجع بشدة فرص التنمية المستدامة. ليس ذلك بغريب، فالسلطويات يندر أن تنجح اقتصادياً واجتماعياً، والكثير منها يعتاش على صناعة متجددة باستمرار لـ«الأعداء» الذين تستطيل قوائمهم وتبرر ممارسات العقاب الجماعي بحقهم. ومن الطبيعي أن يكون الوجه الآخر لصناعة الخوف التي تمارسها السلطوية الحاكمة في مصر هو سطوة الأجهزة الأمنية وتهميش كل ما عداها داخل بنية الدولة ومؤسساتها العامة، وأن تمسك بالحاكم ونخبته بارانويا الخوف من المواطن والمجتمع على الرغم من أسوار القمع العالية التي يشيدونها لإخضاع الأول والسيطرة على الثاني وعلى الرغم من الموارد التي تهدر في تزييف الوعي العام لمقايضة الناس بالخبز والأمن على الحق والحرية. لن تأمن السلطوية أبداً جانب المواطن، ودوماً ستجعل من «الاشتباه» فيه أساساً لتعقبه وتهديده بالقمع وتعريضه له. لن تأمن أبداً جانب المجتمع الذي لا تنطلي عليه طويلاً ألاعيب تزييف الوعي، وسرعان ما يظهر التململ من الظلم فالاستياء من المظالم متبوعاً بالمطالبة بمحاسبة المتورطين والبحث عن بدائل أفضل لإدارة شؤون البلاد.

كذلك تدلل الخبرة المصرية الراهنة على أن الضغط المستمر على الأصوات والأقلام المدافعة عن حقوق الإنسان والحريات يستلزم، إلى جانب أدوات التشويه والتخوين المعتادة، من جهة التشكيك في مصداقية ونجاعة الفلسفة العالمية لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى بناء تناقض زائف بينها وبين ما يروج له كقيم وطنية ودينية وتقليدية. فينبري مبررو السلطوية في نزع الشرعية عن حقوق الإنسان عبر حديث متواتر عن انتهاكات الحكومات الغربية لها، وعن معايير الغرب المزدوجة بشأنها وصمته على الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، ويتجاهلون حقيقة أن منظمات حقوق الإنسان العالمية واللجان التابعة للأمم المتحدة تنتقد الانتهاكات الغربية والإسرائيلية كما تنتقد الانتهاكات في روسيا والصين وقطر ومصر، وتطالب بالمحاسبة عليها جميعاً. وفي وسائل «إعلام غسل الأدمغة» تُطرح السيادة بوصفها قيمة وطنية، ويُدعى زيفاً أن المدافعين عن حقوق الإنسان يتجاهلونها أو يروجون للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، بينما هم في الحقيقة يطالبون بالتزام الحكومات المصرية المتعاقبة بالمرجعية العالمية لحقوق الإنسان. ويخرج على الناس بعض المتورطين في تزييف الوعي العام من مدعي الانتماء لليبرالية أو اليسار وبهدف بناء التناقض مع القيم الدينية والتقليدية باتهامات عبثية للمدافعين عن حقوق الإنسان كعناصر شاذة همها الوحيدة «الدفاع عن حقوق المثليين جنسياً» والترويج لنمط الحياة الغربي، ولا يفلح في دحض مثل ذلك العبث وتجاوزه حقيقة أن نظام الرئيس الأسبق مبارك وحكم الإخوان اعتادا أيضاً الترويج له.

من جهة أخرى، تؤدي انتهاكات حقوق الإنسان والحريات والاستباحة الممنهجة للدستور والقانون إلى استباحة الإنسانية وانتهاك قيمها في بيئة مجتمعية وإعلامية تنضح بالكثير من الملامح الفاشية. لقد نزعت ثنائية «إما معنا أو ضدنا» التي رُوِّج لها منذ صيف 2013 المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الإنسانية عن «العدو» الإخواني وشيطنته، وبررت من ثم التورط في العقاب الجماعي «ضد الإخوان جميعاً» دون تمييز بين ممارسين ومحرضين على العنف وبين مواطنين مسالمين لم يحملوا السلاح، وأجهزت هيستيريا التخوين والتشويه وادعاء حق احتكار الحديث باسم الوطنية وفرض الصوت الواحد والرأي الواحد التي دفعت بها إلى الواجهة طيور الظلام من مفكرين وكتاب وسياسيين على كل إمكانية للتعامل مع الانتهاكات المتراكمة للحقوق والحريات دون معايير مزدوجة، وللمزج بين رفض الإرهاب ورفض العنف الرسمي الذي تتورط به مؤسسات الدولة، وللمطالبة بالمساءلة والمحاسبة عن الخروج على القانون واستباحته لكي تتوقف الانتهاكات ويُجبَر الضرر بتفعيل منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية.

وفي أجواء نزع الإنسانية وهيستيريا التخوين وقعت مذبحة رابعة في صيف 2013. لم يكن قتل ما يقرب من 800 إنسان في فض اعتصامات جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معها نقطة النهاية في تورط السلطوية الحاكمة في استباحة حق المواطن في الحياة والعصف بضمانات سيادة القانون، بل كان لحظة البداية لعنف رسمي لم يعدم إلى اليوم لا الجلادين ولا المبررين، إن من حملة مباخر الحاكم وأعوانه أو من الخائفين من قمعهم. ولم تكن جثث الضحايا التي تكدست بعد «الفض» على جوانب بعض الطرقات أو في ساحات بعض المساجد سوى إشعار بائس بكون جرائم القتل خارج القانون وتوابعها المتمثلة في جرائم الاختفاء القسري والتعذيب وسلب الحرية لأسباب سياسية ستصير أدوات اعتيادية توظفها السلطوية لتصفية معارضيها، ولإخضاع المواطن، وللسيطرة على المجتمع. أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً، لم يكن فرض جدار من الزيف العلني بشأن حقيقة ما حدث في رابعة بأقل كارثية من إراقة الدماء، فقد استخدمت السلطوية حملة مباخرها والخائفين من القمع في الفضاء العام لإنكار المذبحة عبر إلصاق جرائم حمل السلاح وممارسة العنف بالضحايا وتنميطهم جميعاً كإرهابيين فعليين أو محتملين، وعبر تصوير القتل كـ«دفاع شرعي عن النفس» من قبل الأجهزة الرسمية «المعنية بحفظ الأمن»، ومن ثم تبرئة الجلادين الكبار الذين صدر من مواقعهم التنفيذية الأمر بـ«الفض» والجلادين الصغار الذين نفذوا الأمر على أرض خضبتها الدماء. وحين اتضح أن عدسات أخرى غير عدسات إعلام «غسل الأدمغة» وثقت للمذبحة وللعديد من تفاصيلها البشعة وحين توالت التقارير المستقلة التي دحضت الادعاءات الرسمية عن الدفاع الشرعي عن النفس ونفت العنف عن الأغلبية الساحقة من الضحايا، استخدمت السلطوية «أذرعها» التي جبلت على امتهان الحقيقة ومعاداة العقل وتزييف الوعي، تارةً للتبرير الإجرامي للمذبحة كـ«ضرورة وطنية» فرضتها الحرب على الإرهاب وتارةً أخرى للاستخفاف الإجرامي أيضاً بمصاب الضحايا وآلام ذويهم.

4872_78973_web_8column-2.jpg

من فضّ اعتصام رابعة العدوية في آب/ أغسطس 2013- محمد عبد الغني، رويترز

قبل المذبحة لم تكرس الأذرع الإعلامية للسلطوية طاقاتها ومساحاتها الجماعية فقط لنزع كل قيمة إنسانية ووطنية عن جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معها، بل بكل إصرار لتشويه الأصوات القليلة التي ارتفعت في بعض هوامش الفضاء العام لتدين الخروج على الإجراءات الديمقراطية وترفض عودة المكون العسكري-الأمني للحكم وتقاوم الصمت على إراقة الدماء التي بدأت بعد أيام قليلة من 3 يوليو (تموز) 2013 (أمام مبنى الحرس الجمهوري في القاهرة وفي مواقع أخرى). لعبت هيستيريا الكراهية والانتقام ونزع الإنسانية عن الإخوان بالعقول وعطلت الضمائر فوصلنا إلى الإعلان الفاشي «إنتو شعب وإحنا شعب»، وبلغ التشويه مبلغ الهيمنة الكاملة على الفضاء العام فاستحالت الأصوات القليلة المدافعة عن الحقوق والحريات إلى خونة وعملاء ومتآمرين ضد المصالح الوطنية وعناصر طابور خامس. بين الكراهية والتشويه، لم تكن مشاهد الجنون لرجال ونساء اصطفوا مغتبطين للتصفيق على جثث الضحايا المحمولة إلى خارج اعتصامات فُضت بالقوة المفرطة – تلك المشاهد التي سجلتها إما كاميرات السلطوية الجديدة المتباهية بدمويتها، أو كاميرات من تمسكوا بالبحث عن الحق والعدل في لحظة فاشية – بمستغربة على الرغم من قسوتها البالغة. كذلك لم يكن مفاجئاً لي ولغيري من الأصوات القليلة التي رفضت القتل وإراقة الدماء أن يرتب تشويهنا اليومي على شاشات الفضائيات تعرضنا لاعتداءات لفظية متكررة في الأماكن العامة من قبل بعض من زيف وعيهم من المصريات والمصريين.

قبل المذبحة وبعدها، سقطت النخب العلمانية، ليبرالية ويسارية، في هاوية أخلاقية وإنسانية غير مسبوقة بتورط المنتمين إليها إما في تبرير إراقة الدماء أو في الصمت عليها والاشتراك البائس في تشييد جدار الزيف العلني. نعم، كانت هناك بعض الاستثناءات المحدودة لليبراليين ويساريين امتنعوا عن تجاهل ما حدث وحملوا السلطوية الحاكمة مسؤوليته دون مواربة. نعم، كان هناك نفر صغير آخر ممن جمعوا بين إدانة المذبحة وبين الإدانة الضرورية للتحريض على العنف الذي تورط به بعض عناصر جماعة الإخوان وبعض المتعاطفين معها، بين إدانة فض الاعتصامات وبين الإدانة اللازمة لتورط بعض الإخوان في الخروج على القانون وفي ممارسات عنيفة قبل الفض وفي أعقابه. نعم، كان هناك نفر صغير ممن أدان التحريض على العنف وممارسته ورفض بموضوعية تعميم الاتهام الزائف بشأن «الطبيعة الإرهابية» لجماعة الإخوان المسلمين وابتعد عن تصوير القتل الذي حدث أثناء فض الاعتصامات (وقبله ومن بعده) كدفاع شرعي عن النفس من جانب دولة مهددة. غير أن العدد الأكبر من المحسوبين على الليبرالية واليسار فكرياً وسياسياً وحزبياً تورط إما في التبرير أو في الصمت. بين صفوفهم حضر من استدعى المؤسسة العسكرية للتدخل في السياسة في صيف 2013 ثم أيد الخروج على الإجراءات الديمقراطية ثم أتبع ذلك بالمشاركة في صناعة اللحظة الفاشية بما سُمّي بالتفويض الشعبي لوزير الدفاع آنذاك (رئيس الجمهورية اليوم) للحرب على الإرهاب. هؤلاء اختاروا السير وراء من «فوضوه شعبياً» إلى المذبحة، وما لبثوا إلى اليوم يدافعون عنها بتصويرها زيفاً كمواجهة مشروعة للإرهابيين وحملة السلاح.

حضر بين صفوفهم أيضاً من راهن على المكون العسكري-الأمني العائد إلى الحكم وبحث عن الدخول معه في تحالف الاستتباع نظير الحماية والعوائد (سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية) وسارع زيفاً إلى تبرير المظالم والانتهاكات كدفاع شرعي عن النفس من قبل سلطات الدولة التي يهددها الإخوان وحلفاؤهم ولا بديل عن الحفاظ على تماسكها. هؤلاء، من أعلام الليبرالية واليسار، اختاروا إما مواصلة التبرير حين حدثت المذبحة مستدعين كراهيتهم للإخوان والاستقواء المستمر بالمكون العسكري-الأمني وشوهوا المبادئ العلمانية التي أبداً لا تُجيز قتل المختلفين، أو غطوا في صمت عميق فضح معاييرهم المزدوجة وكشف زيف مقولاتهم عن حقوق الإنسان وكرامته. بينهم كان من طوى الأخلاق جانباً وطور فكرياً وسياسياً تماهيه مع هيستيريا الكراهية وفاشية «التفويض الشعبي» إلى دعم للجنرال الذي أحاطوه بهالات البطولة والخلاص وروجوا له كـ«رئيس الضرورة» الذي حملته الأقدار لإنقاذ «مصر والمصريين»، وقرروا من ثم الصمت على المذبحة. طويت الأخلاق وسيطرت الهيستيريا والفاشية، فامتنعوا عن إدانة المذبحة تجنباً لإدانة «البطل المنقذ» وتجنباً أيضاً لإدانة من شارك آنذاك في الحكم (من مواقع تنفيذية مختلفة) من المحسوبين على التيارات الليبرالية واليسارية.

حضر، أخيراً، بين صفوف الليبراليين واليسار من لم يتورط في التأييد العلني للسلطوية غير أنه اختار لفترة المراوحة بين تجاهل المظالم والانتهاكات وبين التلاعب بشأنها بالألفاظ والمواقف على نحو لا يعرّضه لقمع السلطوية وينفي مستقبلا الاتهام بالسكوت على إراقة الدماء وازدواجية المعايير، أو هكذا ظنوا. حين حدثت المذبحة رابعة صمتوا وانتظروا حتى تعالت الإدانات العالمية وسمع صدى إدانات الديمقراطيين داخلياً ليُدينوا على استحياء تورط السلطات في استخدام «القوة المفرطة» ويضعوا ذلك على الكفة المواجهة لعنف بعض عناصر الإخوان في ميزان غاب عنه العدل. وما زال هذا النفر من الليبراليين واليسار يواصل إلى اليوم ملهاة الانتظار ومأساة الامتناع عن المقاومة العلنية والصريحة للسلطوية، بل ويستمر في لعبة السعي إلى رضاء الجميع عنه، رضاء الحكام وحملة مباخرهم من جهة ومن جهة أخرى رضاء العدد المحدود من الليبراليين واليساريين الذين دافعوا عن الديمقراطية ورفضوا إراقة الدماء منذ صيف 2013. هم، بالتبعية، يراوحون إلى اليوم بين الاختزال غير الإنساني للمذبحة كمظلوميات ولطميات إخوانية جديدة وبين إدانة بعض المظالم والانتهاكات التي تتورط بها السلطوية، بين الاستخفاف بمصاب الضحايا المنتمين للإخوان وتجاهل آلامهم وتداعياتها وبين توظيف المعايير المزدوجة التي تسمح بإدانة ما يحدث لـ«الضحايا النجوم» القادمين دوماً من صفوف الليبراليين واليسار، بين الاستعلاء على من يعتذرون علناً من الليبراليين واليساريين عن صمتهم على المذبحة وبين تقرير أن فض رابعة أدخل أهل مصر ومجتمعها والسياسة في برها في أزمة مستحكمة الحلقات.

ولن تتجاوز مصر مذبحة رابعة وتوابعها دون هدم لجدار الزيف العلني وتفكيك لكل ما رتبته اللحظة الفاشية وهيستيريا التخوين وخطابات الكراهية من ادعاءات وأوهام، لن تتجاوز مصر لعنة الدماء التي أريقت والمظالم والانتهاكات المتراكمة ما لم نقر للضحايا هويتهم الحقيقية كضحايا ونحترم مصابهم وآلام ذويهم ونبدأ في جبر الضرر عنهم باعتراف من سقطوا أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً في هاوية الصمت بخطيئة الصمت واعتذارهم عنها وعن موازين عدلهم التي اختلت طويلاً. فطيور الظلام التي هلّلت للمخلص واستساغت ممارسات العقاب الجماعي وروجت لهيستيريا التخوين وخطابات الكراهية تتحمل المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية والسياسية عن استباحة القانون والإنسانية، ولن تعفيهم منها في ميزان التاريخ وأمام الضمير الجماعي للوطن لا الأعمال الإرهابية ولا ممارسات العنف التي تهدد الدولة والمجتمع وتستبيح أيضاً القانون والإنسانية ويعلم القاصي قبل الداني رفض كل ديمقراطي حقيقي لها وإيمانه بأن مواجهتها الناجحة لن تحدث إلا باستعادة القانون والإنسانية وصولا إلى مجتمع العيش المشترك والسلم الأهلي والتعددية والإدارة السلمية للاختلاف.

يوميات الحياة مع الخوف

وراء أسوار السجون وأماكن الاحتجاز في مصر يقبع ظلماً الآلاف من الشباب ومتوسطي العمر وكبار السن، فقط لأنهم تمسكوا بحقهم في التعبير الحر عن الرأي وفي المعارضة السلمية لممارسات وسياسات حكم لا يقبل الرأي الآخر، ويرادف بين المعارضة السلمية المشروعة وبين أعمال العنف والإرهاب غير المشروعة. إلى اليوم، لم يتراجع النزوع الانتقامي للسلطوية الجديدة تجاه من رفضوا إلغاء تجربة التحول الديمقراطي وعارضوا سلمياً ممارسات وسياسات ارتكبت انتهاكات مفزعة لحقوق الإنسان والحريات وأضرت باستقلال السلطات العامة والمؤسسات التشريعية والقضائية، وكذلك تجاه من دفعتهم الخشية من أن تغرق مصر في دوامات الصراع الأهلي إلى البحث عن فرص لبناء توافق مجتمعي واسع ينبذ العنف الرسمي وغير الرسمي. والسلطوية المصرية بنزوعها الانتقامي هذا والذي يتناقض على نحو شامل مع مبادئ الدولة الحديثة وسيادة القانون وقيم المواطنة التي تكفل للناس حقوقهم وحرياتهم لا تريد فقط أن تُسكت أصوات معارضيها وتَفرض عليهم وعلى ذويهم معاناة إنسانية يندى لها جبين كل صاحب ضمير حي، بل تستهدف توظيف الانتقام من المعارضين كبرهان سياسة ممنهجة لإظهار العين الحمراء لكل مواطن قد يفكر في المعارضة السلمية، أو قد يطالب بإيقاف الانتهاكات المستمرة، أو قد يدق ناقوس الخطر من مغبة التسلط على أحوال المجتمع والدولة.

«إظهار العين الحمراء» هو سياسة قديمة يجيدها الحكم في مصر ويحشد العديد من الأدوات الرسمية وغير الرسمية لتنفيذها. فيما خص الأدوات الرسمية، تتصدر الأداة القانونية القائمة ويتكاثف استخدامها منذ 2013 باستصدار قوانين قمعية جديدة كقانون التظاهر وقانون قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية وقانون الجمعيات الأهلية، وبتمرير تعديلات قانونية تنتهك الضمانات الدستورية لحقوق وحريات المواطن كتعديلات قانون العقوبات (المادة 78 التي تناقشها الفصول السابقة). بل إن استخدام الأداة القانونية لإخضاع السلطات العامة والمؤسسات الحكومية الواقعة خارج نطاق السلطة التنفيذية لإرادة رئيس الجمهورية (وهو رأس السلطة التنفيذية) تكرر أيضاً على نحو ممنهج خلال السنوات الماضية على ما تبرهن عليه تعديلات قوانين الهيئات الرقابية (وهي هيئات كالرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات مهمتها الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية) والسلطة القضائية (وهي السلطة العامة المنوط بها من بين أمور أخرى مساءلة ومحاسبة شاغلي المناصب الحكومية) التي جعلت أمر تعيين وإقالة رؤساء الهيئات الرقابية والدرجات العليا في المحاكم (كرئاسة محكمة النقض ومجلس الدولة) لرئيس الجمهورية دون غيره. وكذلك تُستخدم الأداة القانونية لتعطيل الاعتيادي في الواقع المصري وفرض الطوارئ كحالة قابلة للتجديد دون سقف زمني نهائي، وفي هذا السياق أعاد رئيس الجمهورية فرض حالة الطوارئ في 2017 وجددها بموافقة البرلمان منذ حينها ومن ثم تواصل انعقاد محاكم أمن الدولة العليا طوارئ التي تغيب عنها العديد من ضمانات التقاضي العادل. وتمتد الأدوات القانونية، أخيراً، إلى سلب حرية مواطنات ومواطنين باستخدام نصوص قانونية مطاطية الصياغة، تارةً تتيح الحبس الاحتياطي لفترات زمنية طويلة، وتارةً أخرى تمكن السلطة القضائية من تجديد حبس المعارضين دون عمليات تقاضي منضبطة. أما فيما خص الأدوات غير الرسمية التي توظفها السلطوية لإظهار العين الحمراء، فثمة طائفة واسعة تشمل القتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب داخل السجون وأماكن الاحتجاز. ولا تقتصر الأدوات غير الرسمية أبداً على المعاملة غير الإنسانية للمسلوبة حريتهم الذين يُحال أحياناً بينهم وبين الحق في العلاج والرعاية الصحية، والحق في التواصل مع ذويهم ومن يتولون الدفاع القانوني عنهم، والحق في عدم التعرض لعقوبات إضافية داخل السجون وأماكن الاحتجاز، كالحبس الانفرادي ومنع التواجد خارج الزنازين وعدم السماح لهم بمعرفة ما يجري حولهم من خلال الحرمان من مطالعة الصحف وقراءة الكتب، وما خفي أعظم.

thumbs_b_c_245d7f79f429a87063ac5a4e409499f5.jpg

طفلة تتكلم مع معتقل خلال جلسة محاكمته- Boyutta Göster

من بين مرتكزات العدل كقيمة أخلاقية وواقع معاش، وسيادة القانون كإطار لإدارة ترابطات المواطن والمجتمع والدولة، والتشريع كوظيفة عامة تتجدد مضامينها باستمرار لتحقيق صالح المواطن والمجتمع والدولة والاستجابة للنواقص والاختلالات والأزمات الحاضرة والتطلع إلى مستقبل أفضل، يأتي في موقع أساسي الحق الأصيل للمواطن في أن يفهم بوضوح القوانين والتشريعات التي تنظم حياته في مجاليها الخاص والعام، وتعين مساحات وأنماط وتفاصيل الفعل المقبول ومضاده المرفوض إن لجهة العلاقات بين المواطنات والمواطنين أو لجهة تعاملاتهم إزاء سلطات المجتمع العامة ومؤسسات وأجهزة الدولة، وتعرف الإجراءات العقابية حال تورط المواطن في فعل مرفوض يتحول بمقتضى القوانين والتشريعات إلى فعل مجرم) وطرق التقاضي الناجز وأدوات الدفاع الموضوعي. بعبارة بديلة، يغيب العدل وتتراجع سيادة القانون وتنحرف الوظيفة التشريعية عن جوهرها ما إن يعجز المواطن عن فهم مواد وبنود القوانين والتشريعات المحيطة به، وما إن تنتفِ قدرته على الإدراك المباشر لطبيعة الفعل المقبول قانوناً ولمضاده المرفوض-المجرَّم وللعقوبات المحتملة ولضمانات التقاضي والدفاع.

والمواطن المشار إليه هنا هو المواطن الذي يستطيع إعمال العقل لفهم القوانين والتشريعات، ويستطيع أيضاً لأغراض الفهم والإدراك التعويل على المساعدة المتخصصة من قبل المرافق القضائية والمساعدة الاحترافية (مدفوعة الأجر أو غير مدفوعة الأجر) من قبل القائمين على مهن المحاماة. هذا المواطن يواجه اليوم في مصر النزوع المستمر للسلطوية لتمرير قوانين وتشريعات تستند في صياغة موادها وبنودها إلى مفاهيم فضفاضة وعبارات مطاطية وإحالات بالغة الغموض لطبيعة الفعل المقبول ولمضاده المرفوض، وتستدعي سياقات بالغة الاختلاط لمساحات وأنماط وتفاصيل الفعلَين، وتلغي بذلك قدرة المواطن على الفهم والإدراك الرشيد وتجرده بالتبعية من ضمانات الحقوق والحريات وتعرضه عبر طيف واسع من الإجراءات العقابية للقيود وللقمع وللتهديد الدائم لإنزالهما به حال عدم امتثاله للإرادة الرسمية. المواطن المصري، ودون تمكينه وصون كرامته وحقوقه وحرياته لا عدل ولا سيادة قانون ولا سلم أهلي ولا تنمية مستدامة ولا بناء ديمقراطي ولا دولة وطنية قوية، يستيقظ يومياً على مواد وبنود قوانين جديدة مليئة بالمفاهيم الفضفاضة والعبارات المطاطية وقد أقرت، لتنضاف إلى قائمة ليست بالقصيرة لتشريعات تعصف بحقه الأصيل في الفهم والإدراك الرشيد، وتجرده من حقوق وحريات أصيلة أخرى، وتزج به وبالمجتمع والدولة إلى غياهب تقنن الاستثناء وتنتفي صلتها بالعدل وسيادة القانون وجوهر الوظيفة التشريعية، من قوانين التظاهر والجمعيات الأهلية وتعديلات قانون العقوبات إلى قوانين الصحافة والإعلام والنشر الإلكتروني.

بل إن السلطوية الجديدة تسعى إلى أن تفرض على المواطن القراءة الرسمية للأوضاع المصرية كالقراءة الوحيدة المتسقة مع المصلحة الوطنية والصالح العام وأهداف إخراج المجتمع من أزماته المتراكمة والحفاظ على الدولة وتماسك مؤسساتها وأجهزتها. فمع تقنين الاستثناء على نحو يعصف بحقوق وحريات المواطن ومع التعويل على خليط من الممارسات القمعية والإجراءات التقييدية ﻹبعاد الناس عن التعبير الحر عن الرأي وإسكات الأصوات والمجموعات المدافعة عن الديمقراطية ومعاقبتها حال عدم الامتثال للصمت المفروض من علي بشأن انتهاكات الحقوق والحريات، توظف السلطوية هيمنتها على وسائل الإعلام لإنتاج قراءتها الوطنية عبر شبكة من المقولات المترابطة مثل «لا صوت يعلو فوق صوت الحرب على الإرهاب» و«إنقاذ المجتمع والدولة والدفاع عن أمننا القومي يستدعي الالتفاف حول الرئاسة والسلطة التنفيذية» و«القيادة في مصر تحترم سيادة القانون وتصون كل الحقوق والحريات ومن بينها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتواصل بناء الديمقراطية» و «من يعارضون القوانين والتشريعات والإجراءات التي تمكن الدولة من مواجهة الإرهاب يخونون مصر ويتآمرون على الوطن» وغيرها من المقولات التي يروج لها في وسائل الإعلام العام والخاص. والسلطوية في ذلك توظف لأغراضها السياسية المواجهة المشروعة للإجرام الإرهابي المتكرر في سيناء وفي مناطق أخرى مثلما توظف جنون الإرهاب والعنف في الجوار الإقليمي لمصر. وما إن تنتج «القراءة الوطنية» لأوضاعنا وأحداث حياتنا اليومية ويروج لكونها القراءة الوحيدة المتسقة مع مصلحة مصر وصالح أهلها، حتى تشرع السلطوية الحاكمة والنخب الاقتصادية والمالية والإعلامية المتحالفة معها في توظيف طيف من الأدوات والاستراتيجيات اللاحقة لإقناع قطاعات شعبية واسعة بصدق القراءة الرسمية وبفساد القراءات البديلة التي تتبناها الأصوات والمجموعات المدافعة عن الديمقراطية. ومن بين تلك الأدوات والاستراتيجيات اللاحقة التي يتكرر توظيفها، تظهر في الواجهة أداة الإنكار العلني لحدوث انتهاكات للحقوق وللحريات وتظهر أداة استدعاء «مقتضيات الحرب على الإرهاب» لإسكات أصوات المعارضين السلميين وتظهر أيضاً استراتيجية تبرير السلطوية والاستثناء في بر مصر بالإحالة إلى الاستثناء المحيط بها إقليمياً (الاستبداد العربي) وبالصعود العالمي لأعداء الديمقراطية (من ترامب وبوتين والحكم الشيوعي في الصين إلى حركات اليمين المتطرف التي تهدد حكومات أوروبا الديمقراطية).

ومن بين تلك الأدوات والاستراتيجيات أيضاً، يتصاعد توظيف استراتيجية نزع المصداقية الأخلاقية والوطنية عن المدافعين عن الديمقراطية بالترويج لنظريات المؤامرة وإفك التخوين الذي بات معهوداً وبالتشكيك الدائم في رفضهم للإرهاب ونبذهم للعنف ومشاركتهم في التضامن الشعبي إزاء دموية ووحشية عصابات الإرهاب. تنزع عنهم المصداقية الأخلاقية والسياسية على الرغم من وضوح المواقف ومن الاستحالة العقلية للخلط بين تبرير الإرهاب والعنف وبين المطالبة بمواجهتهما بمشروعية تلتزم بسيادة القانون وبفاعلية تمزج بين الأدوات العسكرية والأمنية وبين الأدوات التنموية والمجتمعية. كذلك يتكرر التعويل على استراتيجية الصناعة المتجددة لقوائم الأعداء في الداخل والخارج ولخانات الذين يصنفون زيفاً كمناهضين للمصلحة الوطنية لطلبهم الديمقراطية أو لمطالبتهم بإيقاف انتهاكات الحقوق والحريات ومحاسبة المتورطين فيها أو لرفضهم قوانين وتشريعات الاستثناء، وتوظف بكثافة استراتيجيات إعلامية عدة لتجاهل الأوضاع السلبية المحيطة بالشعب المصري تارة بالصمت عنها وأخرى بإلهاء الناس بمتهافتات الأخبار وثالثة بالإحالة إلى إطلاق وعود مستقبلية وردية وكأن سعادة المواطن والسلم الأهلي للمجتمع وقوة ومنعة الدولة الوطنية جميعها ممكنة مع غياب العدل وتراكم المظالم.

في المقابل، يتسم الواقع المعاش للمدافعين عن حقوق الإنسان والحريات في مصر بالإحباط المستمر. فتارة يخبرون الانتهاكات تحدث والقيود تفرض والإجراءات السالبة للحرية تطبق، وتارة يخبرون الرأي العام في موجات هيستيريا التخوين ونزع الوطنية واتهامات الزيف بالعمالة وهو يلفظهم ويسحق ظلماً شرفهم الشخصي والمهني، وتارة يخبرون المؤسسات والأجهزة الأمنية وهي تتعقبهم وتراقبهم وتقضي على شعورهم الذاتي بالحرية وتغرس مكون الخوف في المحيطين بهم في حياتهم الخاصة (الأسرة والأصدقاء). دون انزلاق إلى إنتاج وترويج الصورة المثالية المتخيلة للمدافعين عن الحقوق والحريات كأبطال دون كيشوتيين، يصعب التغلب على إحباطات الواقع المعاش هذه وتستدعي مقاومة تداعياتها المدمرة توظيف أدوات متنوعة. في ظروف غياب الديمقراطية والمدافعون عن حقوق الإنسان يركضون يومياً لرصد الانتهاكات الجديدة وللبحث الصعب عن السبل القانونية والسياسية والإعلامية والتوعوية لمواجهتها مع مؤسسات وأجهزة رسمية تنكر وتعتم ولا تتغير، ثمة ضرورة للعمل الجماعي وللنقاش الجماعي والمساندة المهنية والتضامن الإنساني وللابتعاد حد الاستطاعة عن الفردية والعزلة وعن الصراعات البينية داخل الشبكات والمنظمات والمجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات. في ظروف غياب الديمقراطية، يتعين على المدافعين عن حقوق الإنسان الاعتراف الذاتي والجماعي بالوطأة النفسية والإنسانية والمجتمعية لانتفاء قدرتهم على وقف الانتهاكات أو المحاسبة عليها وكذلك بوطأة تشويههم ولفظهم من قبل الرأي العام. الاعتراف وعدم الإنكار يمثلان أداة رئيسية للتعامل مع الأمرين، إن بغرس الأمل في حصاد إيجابي لعملهم وفي أوضاع أفضل على المدى الزمني المتوسط والطويل أو بإدراك أن التشويه هما ثمن تمسكهم المبدئي بالحقوق والحريات في بلادنا التي دوماً ما تخون بها القوى والأطراف الخاسرة في معارك السياسة. في ظروف غياب الديمقراطية، يحتاج المدافعون عن حقوق الإنسان إلى إدراك أن الضغوط الشخصية والمهنية التي يتعرضون لها ومكونات الخوف التي تغزو المساحات الأسرية والخاصة المحيطة بهم قد ترتب تدريجيا انهيارهم النفسي أو تراجعهم عن مواقفهم المبدئية بحثاً عن شيء من الأمان أو قد تزج بهم إلى الدائرة اللعينة للرقابة المفروضة ذاتيا. والوسيلة الضرورية المتاحة هنا هي الرعاية النفسية والحوار المستمر مع الأهل والأصدقاء عن الضغوط ووطأتها.

في ظروف غياب الديمقراطية وشيوع الخوف، ينبغي على المدافعين عن حقوق الإنسان أن يتسامحوا مع خليط الصمت والعزوف الذي تبديه أغلبية المواطنين. يتكالب على المصريات والمصريين التداول اليومي لأنباء الانتهاكات المتكررة، وتحاصرهم الأخبار المتتالية للعقوبات القاسية والسالبة للحرية الموقعة على مواطنين بسبب التظاهر السلمي أو التعبير السلمي عن الرأي أو محاولة التدخل السلمي في الحياة السياسية، ويتابعون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة توظيف السلطوية الجديدة والنخب المتحالفة معها لسيطرتها على وسائل الإعلام والفضاء العام إما للإنكار الكامل للانتهاكات وللعصف بسيادة القانون أو للتعامل معها باستخفاف منزوع الالتزام الأخلاقي والإنساني والمجتمعي كحالات فردية. يغرق كل ذلك الناس في بر مصر ولا يصبح متاحاً أمامهم بعد مشاعر الحزن والحسرة سوى تبني اختيار من اختيارين مشروعين، فإما ينحو باتجاه العزوف عن الفضاء العام وباتجاه الانزواء بعيداً عن قضايا المجتمع والدولة لحماية حقهم في الحياة والسعي إلى تمكين أسرهم من شيء من الأمن وشيء من الاستقرار وإما يختاروا طلب التغيير والمعارضة السلمية للسلطوية والدعوة إلى إيقاف انتهاكات الحقوق والحريات وإلى إدراك أن مهام الحفاظ على الدولة الوطنية وتحقيق الأمن وإنجاز التنمية المستدامة (وهي الأهداف المعلنة للسلطوية الجديدة) ترتبط عضوياً بالعدل وسيادة القانون وبتشريع يحترم حقوق وحريات الناس.

وليس بمستغرب أن تختار الأغلبية العزوف وتكون المعارضة السلمية هي مسار الأصوات المتناثرة المدافعة عن الحقوق والحريات والديمقراطية. وليس بمستغرب أيضاً أن تنأى هذه الأصوات بنفسها، من جهة أولى، عن حماة ورعاة السلطوية الجديدة وعن كل من يريد إزاحتها لكي يستبدلها بسلطوية أخرى يتمسح دعاتها الإسلاميين تارة بالدين وتارة بالديمقراطية وهم برغباتهم الانتقامية وبضيق أفقهم وبعجزهم عن ممارسة النقد الذاتي لخطاياهم منذ 2011 أبعد ما يكونون عن الجوهر الإنساني لمنظومتي الدين والديمقراطية، وأن تضع من جهة ثانية الحواجز الفكرية والسياسية بينها وبين القوى العلمانية التي ساومت على الديمقراطية بعد 2011 وتخلت عنها منذ 2013 وما لبثت إلى اليوم ترفض الاعتراف بخطيئة استدعاء المكون العسكري-الأمني إلى السياسة والاعتذار عن خطيئة الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان. فالنأي المزدوج هو مناط خلاص الديمقراطيين من التورط في تأييد السلطويات والسلطويات البديلة، ومناط الخلاص من التورط في الترويج لقوى إسلامية وعلمانية تكرس الاستبداد تارة برغباتها الانتقامية وأخرى بقصرها الحرية على من يتوافقون معها وينضوون تحت لواءها المتهافت.

بعيداً عن الأغلبية العازفة والأصوات الديمقراطية المتناثرة، يغيب تضامن النخب السياسية والحزبية والإعلامية مع ضحايا انتهاكات الحقوق والحريات وتشارك في الترويج لإفك التخوين والتشويه بغرض اغتيالهم معنوياً وتصفية دورهم. ووراء ذلك العديد من الأسباب، يتمثل أولها في الخوف التقليدي للكثيرين داخل النخب من خطر معارضة السلطوية أو من عواقب الابتعاد عن المؤسسات الرسمية وشبكات المصالح النافذة به والتضامن العلني مع ضحايا الانتهاكات ومع «المغضوب عليهم» من الكتاب والسياسيين والنشطاء يحمل ذلك في طياته. ويتعلق السبب الثاني بخشية الكثيرين داخل النخب السياسية والحزبية والإعلامية من أن يتبنوا من الآراء والمواقف ما قد يتناقض كلياً أو جزئياً مع الانطباعات السائدة بين قطاعات شعبية واسعة تؤثر في وعيها «ماكينة غسل الأدمغة» التي تسيطر على مفاصلها السلطوية والتضامن العلني مع من تصنع الماكينة هذه بحقهم انطباعات زائفة من شاكلة تأييد العنف والسعي إلى هدم الدولة والخيانة والعمالة وغيرها يصبح هنا ممارسة محفوفة بالمخاطر أو «سلوكاً ضاراً» قد يؤدي إلى الاستهجان الشعبي وقد يأتي بالسلب على المصالح الشخصية. أما السبب الثالث فيرتبط بكون الكثيرين داخل النخب السياسية والحزبية والإعلامية قد قبلوا في مراحل سبقت الانتفاضة الديمقراطية في 2011 وجددوا في السنوات التي تلتها استتباعهم من قبل المؤسسات الرسمية وشبكات المصالح النافذة في الحكم، وكما يضمن الاستتباع المساحات «الآمنة» للفعل وللحركة فإنه يحدد أيضاً الخطوط الحمراء التي لا ينبغي الاقتراب منها وقضايا التابو السياسي التي يتعين إما عدم التعامل معها أو تناولها وفقاً لرؤية وموقف أحادي. هنا يشكل التضامن العلني مع الضحايا والمعارضين والمغضوب عليهم من قبل الحكم اقترابا خطيرا من تابو سياسي يفضل تجاهله أو تناوله بصيغة «يستحق هؤلاء من دعاة العنف والمخربين والمأجورين والعملاء ما يجري لهم» التي يروج لها داخل النخب السياسية والحزبية والإعلامية أبواق المؤسسات الرسمية والشبكات النافذة. وقد تصل بنا محاولة فهم أسباب ندرة التضامن مع ضحايا الانتهاكات إلى الشك التقليدي لقطاعات شعبية واسعة في نوايا وأهداف ومطامح ومصالح معارضي السلطوية، فلم تختلف نظم حكم المتعاقبة منذ خمسينيات القرن العشرين وإلى اليوم في تخوينها وتشويهها الجماعي والمستمر لضحاياها ومعارضيها إما كغير وطنيين أو كمتآمرين مع الخارج أو كباحثين عن مصالح شخصية ولم يبتعد لا المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أدار شؤون البلاد بين 2011 و2012 ولا حكم جماعة الإخوان المسلمين بين 2012 و2013 ولا السلطوية الجديدة منذ 2013 عن هذا التوجه المريض أخلاقياً وإنسانيا. والحصيلة هي شك تقليدي لدى الناس في الضحايا والمعارضين ونواياهم وأهدافهم واستعداد دائم لتصديق الإفك المتداول عنهم وتجاهل محدودية صدقيته، والحصيلة هي عزلة الضحايا والمعارضين عن الناس وندرة التضامن الشعبي معهم تماماً كما يندر أن تتضامن معهم النخب السياسية والحزبية والإعلامية.

لكل ذلك، لم يعد للأنساق الأخلاقية وللقيم الإنسانية للمصريات والمصريين ملاذات آمنة بعيداً عن وضعية استقطاب مجتمعي التي تصطنع بينهم العداء والكراهية وبعيداً عن مجال عام رديء يغيب المعلومة والحقيقة والتعبير الحر عن الرأي واحترام الاختلاف ويستبدل كل ذلك بفرض للرأي الواحد وللصوت الواحد وبعبث تخوين وتشويه المختلفين مع السلطوية. لم يعد للأنساق الأخلاقية والإنسانية من ملاذ بعيداً عن سياسة أميتت كنشاط سلمي وتعددي وتنافسي يستهدف صالح الدولة والمجتمع وحلت محلها صناعات الاستبداد المصرية التقليدية، حكم الفرد الذي يروج له كبطل منقذ ونشر الخوف بين الناس من «أعداء» الداخل والخارج وتوظيف نظريات المؤامرة لتمرير المقايضة السلطوية الأمن والخبز مقابل الحق والحرية. لم تعد تلك الأنساق في مأمن وزج بشبكات الإدراك الفردي والجماعي وبطرق التعبير اللغوي والحركي والمادي عن قناعات وتفضيلات الناس إلى خانات مظلمة ومساحات مريضة تتعثر بها القدرة على رفض الدماء والظلم والانتهاكات والتعبير عن التعاطف والتضامن مع الضحايا، وعلى الدفاع عن كرامة الإنسان وحرمة جسده وروحه دون معايير مزدوجة، وعلى الصمت إزاء الموت والحزن والامتناع عن التورط في فلكولور التشفي ومقولات التبرير. صار البعض يصفق للدماء ويهتف مرحّباً بتصفية من يصنفون كأعداء ويهلل لانتهاك حرياتهم بالعنف والظلم والقمع ولذبح كرامتهم بالتخوين والتشويه والاغتيال المعنوي، لا يختلف هنا المتشفون في ضحايا الجيش والشرطة والضحايا المدنيين الذين يسقطهم الإجرام الإرهابي عن المتشفين في قتلى وضحايا فض الاعتصامات والتظاهرات ولا عن المبررين للاعتقالات ولانتهاكات الحقوق والحريات ولا عن المرحبين بالاغتيال المعنوي للمعارضين بإفك التخوين والتشويه فقط لكونهم معارضين. لم تعد الأنساق الأخلاقية والإنسانية في مأمن، صار التعبير العلني عن التضامن مع ضحايا الظلم ظاهرة نادرة واحترام فواجع وآلام المظلومين وتغليب الشعور الإنساني الطبيعي بالتعاطف على ثنائيات «المع والضد» وكارثة رفض المختلفين مستغرباً والصمت إزاء الموت والمرض مستبعدا.

لكل ذلك أيضاً، يتعين على الأصوات المدافعة عن الحقوق والحريات والديمقراطية الاعتراف دون مواربة بهزيمة مشروع التغيير الذي أعقب 2011. نعم، نحن مهزومون بحسابات اليوم وعلى هزيمتنا تعتاش السلطوية الجديدة منذ أدارت الخروج على الديمقراطية في صيف 2013 ومنذ انحازت إليها أغلبية المنتسبين إلى الفكرة الليبرالية وإلى اليسار الديمقراطي في تنصل كارثي من المبادئ والقيم المدونة في كتبهم وفي خطيئة كبرى لا تقل تداعياتها مأساوية عن خطايا جماعة الإخوان المسلمين في عام حكمهم 2012-2013 حين عصفوا بمنطق الدولة بتكريس ثنائية «الرئيس المنتخب والجماعة المغلقة المستأثرة بالأمر من وراء ستار» وانقلبوا على قاعدة التوافق الوطني وتناسوا أولويتها لإدارة التحول الديمقراطي وورطوا مصر في صراعات هوية شكلت حاضنة للاستقطاب المجتمعي وللتطرف الديني والطائفي والمذهبي. نعم نحن مهزمون ومظاهر الوهن تحيط بنا من كتابات صارت عرائض شكوى وصياغات نواح ويأس وتعليقات تستنفذ طاقتها في الكثير من تعبيرات الغضب ومقولات الاستهزاء بالآخر بينما يتراجع عمقها المعرفي والفكري الذي ربما حرك بعض المياه الراكدة إن أعيد اكتشافه، وتتصاعد معاناتنا الجماعية من التهديد المستمر بالقمع ومن سيل الاتهامات المتناقضة ومن محدودية التضامن الشعبي معنا.

نحن مهزومون، والبداية الحقيقية للتغيير هي الاعتراف بالهزيمة دون استعلاء زائف والابتعاد عن المساحات التي أخضعتها السلطوية لسيطرتها والبحث عن مساحات بديلة للمطالبة السلمية بالعدل والحق والحرية وبالديمقراطية وفقاً لرؤية واقعية وواضحة. فقد أصبح الاقتراب اليومي من المواطنين وأزماتهم الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية ضرورة وجود للمدافعين عن الحقوق والحريات شأنه شأن المزج بين أجندة الحقوق والحريات وبين أجندة تشتبك مع هموم الناس وتطلعاتهم وآمالهم. أصبح ضرورة وجود أيضاً أن تدلل الأصوات الديمقراطية على اكتراثها بمقتضيات الأمن القومي لمصر واهتمامها ببلورة رؤية لكيفية مواجهة الإرهاب والتحديات الأخرى التي ترد على استقرار البلاد انطلاقاً من أن الحفاظ على الدولة الوطنية أولوية، وأن الظلم وغياب العدل والحق والحرية وسيادة القانون يهدد تماسك الدولة وفاعلية مؤسساتها، وأن بناء الديمقراطية ضرورة لسلم المجتمع وتقدمه ولسعادة المواطن، وأن الدفاع عن الأمن القومي لمصر مع تراكم أزمات الداخل وفي محيط إقليمي غير مستقر وعنيف يقتضي تكاتف الجميع بابتعاد الحكم عن انتهاكات الحقوق والحريات وبالتزام المعارضة بالعمل السلمي داخل حدود الوطن. ليست الأصوات الديمقراطية بكارهة للدولة الوطنية أو باحثة عن إفشالها وتقويضها وهدمها، بل هي تدرك انعدام الفرص الفعلية لبناء الديمقراطية دون دولة وطنية قوية.

ليست الأصوات الديمقراطية بكارهة للمؤسسة العسكرية وللأجهزة الأمنية أو رافضة دوماً وجملة وتفصيلاً لتوظيف القوة الجبرية في مواجهة ظواهر الإرهاب والعنف، بل هي تريد مؤسسة عسكرية وأجهزة أمنية طبيعية وتمزج بين الإدراك الواضح لكون احتكار القوة الجبرية حق وجود للدولة وكون توظيفها ضرورة للتغلب على الإرهاب والعنف وبين الإصرار على أن الاحتكار هذا لا يعني العصف بسيادة القانون وضمانات الحقوق والحريات. ولا يتعارض الحفاظ على الأمن القومي مع صون حقوق وحريات المواطن والامتناع عن انتهاك حرمة حياته الخاصة والالتزام بسيادة القانون، فانتهاك حقوق وحريات المواطن يغيب العدل ويراكم المظالم ويهدد السلم الأهلي الذي يمثل مكوناً أساسياً للأمن القومي بمعناه الشامل. ولا يستدعي الحفاظ على الأمن القومي حجب كل المعلومات المتعلقة بالسلطات العامة ومؤسسات وأجهزة الدولة وفرض سياج من السرية على سياساتها وقراراتها وممارساتها. فقد استقر الفقه القانوني (في القانون الدستوري والقانون العام والقانون الدولي العام) على إقرار حق السلطات العامة ومؤسسات وأجهزة الدولة في حجب بعض المعلومات ذات الصلة بالأمن القومي عن المواطن والرأي العام وفي إلزام شاغلي المناصب العامة (بالانتخاب أو التعيين) بالحفاظ على السرية (لمدة زمنية تحددها القوانين) حتى حين يتركون مناصبهم. إلا أن الانحراف يبدأ عندما يتحول الحجب إلى نمط دائم والسرية إلى ممارسة شاملة وعندما تمرر نصوص دستورية وقانونية تحمي الحجب والسرية باسم الأمن القومي وتأتي على حق المواطن في حرية تداول المعلومات وفي معرفة الحقائق. هنا يبدأ الانحراف وتصبح انتهاكات الحقوق والحريات مسكوتاً عنه، وتفرض السرية على الكثير من سياسات وقرارات وممارسات السلطات العامة والمؤسسات والأجهزة وشاغلي المناصب بينما معرفتها ومساءلة ومحاسبة شاغلي المناصب بشأنها هي حق أصيل للمواطن، ويختزل الأمن القومي في أمن الحكم وقمع المعارضين على نحو يكرس السلطوية ويطيل من أمدها.

جمهورية الخوف الخائفة

يغرس القمع الذي يمارسه الحكم في مصر مشاعر الخوف بين الأغلبية البعيدة عن دوائر الحكم والثروة والنفوذ، ويدفعها إما إلى اختيار طاعة الحاكم أو إلى العزوف عن الشأن العام. غير أن القمع مآله في المستقبل القريب تجريد الأغلبية من ذات الخوف ما إن تعتد على سلب الحرية والتعقب والتهديد وتدرك أن سبيل التغيير الوحيد هو المطالبة السلمية بإقرار الحقوق والحريات والتحول الديمقراطي التدريجي. واليوم وغداً، يفرض القمع على الحاكم ونخبة الحكم بارانويا الخوف، الخوف من مؤامرات متوهمة ومتآمرين مزعومين، الخوف من غضب شعبي ظاهر أو كامن، الخوف من التداعيات المجتمعية للمظالم والانتهاكات وهي في المجمل تستعصي على التقدير والتوقع. فعلى الرغم من نهم الحكومات الفاشية والنظم السلطوية لاحتكار المعلومة ولمعرفة كافة وأدق تفاصيل حياة المواطن ونزوعها لتجهيل الأخير بحقائق الأوضاع في دولته ومجتمعه وتشويه وتزييف وعيه كأداة إضافية للسيطرة بجانب القمع، إلا أن تلك الحكومات والنظم يتوطن بها الخوف من احتمالية إفلات المواطن من قبضتها وتشعر دوماً بخطر هبات أو انتفاضات أو ثورات الناس ضدها.

ولذلك سببان رئيسيان، وله العديد من التداعيات الكارثية. أما السبب الأول لتوطن الخوف في الفاشيات والنظم السلطوية فيرتبط بحضور الظلم وغياب العدل وتراكم انتهاكات حقوق الإنسان والانتقاص من الحريات. بغض النظر عن تفاوت صنوف الانتهاكات من جرائم إبادة واسعة النطاق إلى جرائم التعذيب والمعاملة غير الإنسانية للمعتقلين السياسيين وسجناء الرأي والكثير الآخر فيما بينهما وبمعزل أيضاً عن مدى الانتقاص من الحريات وإن كان يقف عند الأفراد والمجموعات السياسية المعارضة أم يطال قطاعات شعبية وحركات اجتماعية، تظل مآلات الظلم وغياب العدل والانتهاكات هي انهيار الحكومات التي تتورط بها وسقوط الشعوب في غياهب التأخر والاحتراب الأهلي وتعاسة المواطن. ولهذا تتحسب الحكومات التي لا تتورع عن قتل الناس إن هم طالبوا بالتغيير السلمي وتداول السلطة، ولهذا يتحسب الملوك والرؤساء الذين يسيطرون على نظم سلطوية تتعقب هنا معارضيها بالمناشير وتنكر وجود معتقلين سياسيين.

ويتمثل السبب الثاني لتوطن الخوف في الفاشيات والنظم السلطوية في إدراكها، خاصة عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، لحقيقة وجود حدود قصوى لفاعلية القمع والتعقب ولكفاءة أساليب الاستتباع واستراتيجيات تشويه وتزييف الوعي العام ولنهم مراقبة المواطن واحتكار المعلومة. مهما بلغ عتي الفاشيات ومهما تصاعد عنف النظم السلطوية، يشكل واقع الظلم وغياب العدل دافعا لبعض المواطنين إما إلى التحول تدريجيا من مؤيدين (تهليلا أو صمتا) إلى خائفين متراجعين أومن رافضين سلبيين للظلم إلى معارضين له وباحثين بفاعلية عن بدائل. ولهذا يتحسبون. ولنا في الانتفاضات الديمقراطية 2011 التي تلت عقود طويلة من القمع في تونس ومصر وسورية واليمن وفي حَراك 2019 في السودان ضد الانتهاكات والإخفاقات المتراكمة لحكومة عمر البشير وفي حَراك 2019 للشعب الجزائري ضد الاستبداد والفساد دلائل واضحة.

أما التداعيات الكارثية لتوطن الخوف والشعور الدائم بخطر الهبات والانتفاضات والثورات الشعبية، فتتعلق من جهة بكون الخوف يرتب تورط الفاشيات والنظم السلطوية في المزيد من القمع تجاه المواطنين ويزج بها من ثم إلى متوالية لعينة من عنف يتصاعد وظلم يعم وانهيار لمؤسسات الحكم وتأخر للشعوب وللمجتمعات. من جهة أخرى وعلى الرغم من أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تدرك عادة وقبل غيرها من المؤسسات والأجهزة الرسمية الحدود القصوى لفاعلية القمع، تتورط الحكومات الفاشية والنظم السلطوية في التعويل الأحادي على المكون العسكري-الأمني للسيطرة وللضبط وتضعف بشدة المؤسسات المدنية والأخيرة هي بمفردها القادرة حين تتعافى وتستقر على إنجاز التقدم والسلم الأهلي والتمهيد لتحولات ديمقراطية. كذلك يتواكب التورط في انتهاكات حقوق الإنسان والحريات مع فرض قيود عدة على مساحات فعل وعمل المنظمات الحقوقية ومبادرات المساعدة القانونية والدفاع عن الضحايا ومع الضغط المستمر على الأصوات والأقلام الرافضة للانتهاكات والمطالبة بالكشف عنها ومحاسبة المتورطين فيها وتعويض الضحايا وأسرهم. ومثلما تدلل الخبرات العربية الراهنة، يستدعي التمرير السياسي والمجتمعي لهذا التوجه غير الديمقراطي تشويه منظمات حقوق الإنسان والحريات وإلصاق اتهامات الخيانة والعمالة الزائفة بها وتصعيد الحملات الإعلامية ضدها كلما سجلت رفضها للانتهاكات ودعت إلى التحقيق والمساءلة والمحاسبة. ويستلزم، من جهة أخرى، التشكيك في مصداقية الفلسفة العالمية لحقوق الإنسان وبناء تناقض زائف بينها وبين ما يروج له كقيم «أصيلة» (وطنية كانت أو دينية أو قبلية). فتطرح في وسائل الإعلام المدارة أمنياً واستخباراتياً السيادة كقيمة وطنية، ويدعى زيفاً أن المدافعين عن حقوق الإنسان يتجاهلونها ويروجون للتدخل الخارجي في شؤون البلاد كلما طالبوا بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات. ويخرج على الناس صنوف من المتورطين في تزييف الوعي العام من مدعي الانتماء لليبرالية أو اليسار، وبهدف بناء التناقض مع القيم الدينية والتقليدية، باتهامات عبثية للمدافعين عن حقوق الإنسان كعناصر شاذة همها الوحيدة الدفاع عن حقوق المثليين جنسيا» والترويج لنمط الحياة الغربي. يمسك الخوف بتلابيب المستبدين، ويزجون هم بحثاً عن أمان مراوغ بدولهم ومجتمعاتهم إلى مدارك الوهن والتأخر وتزييف الوعي العام.

ومن بين المظاهر الأخرى لخوف جمهورية الخوف، تأتي في الواجهة الحملات المتكررة لإلقاء القبض على طلاب وشباب وصحافيين وعمال ونقابيين وإيداعهم في أماكن الاحتجاز دون اتهامات محددة ولمدد زمنية غير معلومة سلفاً1. فمثل هذه الحملات، ومعها يتسع نطاق القمع في بر مصر على نحو غير مسبوق وتصل أرقام ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان إلى معدلات غير مسبوقة، تدلل بوضوح على وضعية الخوف من المجتمع والتوجس من الناس التي تسيطر على الحاكم وأعوانه وتظهر للناس حقيقة خوف الأجهزة الأمنية منهم ومن انتفاضات غضبهم المحتملة وتجرد السلطوية الجديدة من القدرة على ادعاء حضور «التأييد الشعبي الكاسح» وتهبط بالحاكم من مصاف «الأبطال المنقذين» إلى يوميات القمع من أجل البقاء في السلطة. فإذا أضيف إلى القمع المفتوح الاعتماد الفاضح للسلطوية على المؤسسات الدينية الرسمية (إسلامية ومسيحية) والرموز الدينية الموالية كماكينات لإصدار فتاوى وآراء تحريم التظاهر وتجريم الحَراك السلمي واستعادة المفردات البالية «لإثم الخروج على الحاكم»، يتضح مدى خوف جمهورية الخوف من المجتمع وتوجسها من الناس.

الأمة القلقة

لم يعد وضع مصر بخافٍ على أحد، حكم جاء في 2013 على أنقاض تجربة فاشلة للتحول الديمقراطي وهدفه السياسي الأول هو إبعاد المواطن عن الشأن العام وتصفية المجتمع المدني المستقل وخنق المعارضة والقضاء على الإعلام الحر وإغلاق الفضاء العام بغية استنساخ حقبة «الزعيم الأوحد رمز الأمة وقلب الدولة» التي سقطت في 1967 ولم تتعاف من أوهامها إلى اليوم الحكومات المتعاقبة في برّ مصر. لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكم يسيطر عليه العسكريون والأمنيون، ويعاونهم نخبة من التكنوقراط وأساتذة الجامعات والخبراء المصريين العاملين في مؤسسات مالية دولية، ممن اعتادوا حين النظر إلى الشأن العام الفصل التام بين إسهامهم في خدمة الوطن عبر إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وبين أحوال حقوق الإنسان والحريات العامة، التي لا تعنيهم كثيراً ولا تدفعهم لرفض المشاركة في حكومة تتراكم انتهاكاتها يومياً. قد يرتفع عدد النساء الممثلات في النخبة الحكومية من التكنوقراط وأساتذة الجامعات وخبراء المؤسسات الدولية، وقد يهبط متوسط أعمار الوزراء والمسؤولين الحكوميين مقارنة بسنوات ما قبل 2011، إلا أن ولاء السيدات الوزيرات والوزراء متوسطي العمر للعسكريين والأمنيين لا يختلف أبداً عن ولاء الوزراء الرجال والمسؤولين فوق الستين. لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكم يسعى منذ 2013 إلى تثبيت دعائم مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية بعد استنزاف سنوات الانتفاض والفورة الديمقراطية بين 2011 و2013 وإلى مواجهة الإرهاب والتحديات الكبرى التي ترد على الأمن القومي من الداخل (سيناء مثالاً) ومن الخارج (الحدود الغربية مع ليبيا وملف سد النهضة الإثيوبي كتحديين رئيسيين) ولا يبخل عليه الناس بالتأييد والدعم المستحقين. غير أن رغبة الحكم في إماتة السياسة وخنق المعارضة وإغلاق الفضاء العام تدفعه إلى تجاهل الأهمية الحقيقية لإيقاف انتهاكات حقوق الإنسان وصون الحريات العامة لكي تستعيد مؤسسات الدولة منعتها التي لا تستمد سوى من الرضاء الشعبي ولكي تبتعد عنها أخطار الضعف والفشل والانهيار التي رتبتها في 1967 حقبة «الزعيم الأوحد رمز الأمة وقلب الدولة»، وليس للسلطوية الراهنة إلا أن تزج بالبلاد باتجاهها.

وإذا كانت القراءة الموضوعية للواقع المصري الراهن ستعطي للحكم درجة من التميز في إنجاز إصلاحات اقتصادية طال انتظارها مثل تعويم العملة الوطنية وتغيير سياسات دعم الطاقة والغذاء، إلا أن الإسناد الاجتماعي للإصلاحات التي يقع على الفقراء ومحدودي الدخل العبء الأكبر في تحمل كلفتها يظل ضعيفا للغاية. ويظل وهما ذا خطورة بالغة على الاستقرار المجتمعي والتوافق الوطني أن تسعى الحكومة لإسكات الفقراء ومحدودي الدخل إما بالترويج السياسي والإعلامي لخطاب «علينا جميعاً الصبر لبناء الأمة» أو بمحاصرتهم بعنف وقمع الأجهزة الأمنية وإعادة تشييد جدر الخوف التي كانت سنوات الثورة والفورة الديمقراطية 2011-2013 قد أسقطتها. فالصبر لبناء الأمة لا ينبغي أبداً أن يختص الفقراء وحدهم بضروراته ومقتضياته، والتعويل الدائم على جدر الخوف يتناسى هشاشتها بفعل غياب الحصافة عن القائمين عليه تشييدا وصيانة. لذا، ليس بغريب أن تنكر السلطوية الجديدة في مصر وضعية الأزمة المستحكمة التي ترتبها أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة يتحمل كلفتها الفقراء والأسر محدودة الدخل ولا أن تراوح الدوائر الرسمية فيما خص المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات المتراكمة بين نفي حدوثها وبين توصيفها كحالات فردية. ليس بغريب أن يتورط بعض الرسميين في التحريض على العقاب الجماعي لمعارضي الحكم، ولا أن تستنزف الموارد العامة المحدودة بين الكلفة الباهظة «للمشروعات الكبرى» التي يعلن عنها دون دراسات علمية جادة وبين تضخم موازنات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وأن تتواصل من ثم عمليات الاقتراض والاستدانة من الخارج وتتراجع بشدة فرص التنمية المستدامة.

لم يعد وضع مصر بخاف على أحد، حكم لن يغادر مساره السلطوي الراهن ولن يحد من سيطرة العسكريين والأمنيين على مفاعيله أو ينفتح على المقتضيات السياسية والمجتمعية لإبعاد شبح الدولة الضعيفة عن البلاد. ولا عزاء لمن يرون أن للمصريين حقاً أصيلاً في صون حقوقهم وحرياتهم، وأن لبلادهم حق أصيل في تطور اقتصادي واجتماعي وسياسي متوازن لا يقارب بينها وبين الاستنساخ الكامل لحقبة «الزعيم الأوحد» ويجنبها خطر السقوط في كارثة مشابهة لكارثة 1967. فقد حملت الأشهر المنصرمة من 2019 العديد من القرائن على تمسك حكّام البلاد بنهجهم السلطوي، وإصرارهم على إضاعة فرص الابتعاد ولو قليلاً عن خانات الاستبداد التي دُفعنا إليها منذ صيف 2013، ورفضهم الانفتاح على حوار حقيقي مع المستقلين والمعارضين السلميين الذين لا يواجهون سوى بالقمع والقبضة الأمنية. فمن جهة أولى، تصاعد حجب المواقع الإلكترونية لصحف ووسائل إعلام مستقلة ولمنظمات حقوق إنسان محلية وعالمية لنصبح اليوم مع مئات المواقع المحجوبة (أكثر من 500 في جردة الحساب الأخيرة لصحفيين وحقوقيين مستقلين)2. وليس لسياسات الحجب غير هدفين صريحي الطبيعة السلطوية؛ منع تداول المعلومات والحقائق بشأن أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان لكي يتواصل تزييف الوعي الجمعي للمصريات والمصريين، وفرض المواقف الرسمية والادعاءات الحكومية كرأي أوحد على الفضاء العام وتكميم أفواه أصحاب الآراء المستقلة والمعارضة ومن ثم تعقبهم وقمعهم. من جهة ثانية، روج نفرٌ من أعضاء البرلمان الحالي ومن الإعلاميين الموظفين كأبواق لرئيس الجمهورية وللأجهزة العسكرية والاستخباراتية والأمنية النافذة لضرورة تعديل الدستور الحالي (دستور 2014) على نحو يضيف سنوات إلى الفترة الرئاسية المحددة راهناً بأربع سنوات ويوسع من سلطات واختصاصات الرئيس. ولأن الترويج للتعديل الدستوري جاء من قبل برلمانيين همهم الوحيد هو تأييد الحكام ومن أبواق للسلطة التنفيذية عرف عنهم إطلاق التصريحات وفقاً «لتوجيهات الأجهزة السيادية» أي الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، ولأن الترويج جاء أيضاً في شكل حملة ممنهجة غطتها وسائل الإعلام بكثافة شديدة؛ لم يكن صعباً إدراك أن رئيس الجمهورية والأجهزة النافذة يقفون من وراء الحملة ويرون مصلحة جوهرية في فتح باب تعديل الدستور وتمريره في ربيع 2019.

egypte_113.jpg

رويترز

فلم يكن دستور 2014 يبخل على رئيس الجمهورية بسلطات واختصاصات تنفيذية وتشريعية عديدة، ووضعه كعادة الدساتير المصرية منذ انقلاب 1952 في موقع السلطة الأهم في النظام السياسي؛ رئيس يستتبع ولا يستتبع، رئيس يحاسب ولا يحاسب. كذلك أتاح الدستور لرئيس الجمهورية فترتين رئاسيتين متتاليتين (8 سنوات) حال الفوز في الانتخابات، والفوز في الظروف المصرية الحالية التي ألغيت بها السياسة وسيطرت بها الأجهزة العسكرية والاستخباراتية والأمنية على الفضاء العام هو أمر مضمون لصاحب الخلفية العسكرية. وكما أن سلطات واختصاصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور تستدعي بحسابات التطور السياسي والآمال الديمقراطية للناس الحد وليس الإضافة، لم تكن ثماني سنوات للرئيس بالأمد الزمني القصير في نظام سياسي طبيعي. لذلك لم يكن في الترويج لتعديل الدستور سوى تعبير جلي عن النهج السلطوي لحكام البلاد الذين يريدون مواصلة احتكار إدارة شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دون اضطرار لتغيير شخص رئيس الجمهورية الحالي. في ربيع 2019 تمثل المخرج في تمرير تعديل الدستور لإطالة الفترات الرئاسية، وربما تبعه بالغد إسقاط مسألة الفترتين الرئاسيتين كحد أقصى لأي رئيس والعودة إلى رئاسة مدى الحياة التي فتح لها الباب دستورياً الرئيس الأسبق السادات وتمتع بها واقعاً الرئيس الأسبق مبارك. نحن إذاً بين صخب فاسد للسلطوية الجديدة تنتجه دوائر رسمية ونخب اقتصادية ومالية وإعلامية وحزبية تقبل استتباعها للحكم نظير الحماية والعوائد، وبين نزوع البعض داخل الحركة الديمقراطية المصرية إلى التورط في استدعاء سلطوي ومزدوج المعايير لفكرتي المصداقية الأخلاقية والاتساق الفكري على نحو يمارس ديكتاتورية الرأي الواحد باسم الحق ويرتب رفض الاختلاف باسم الحرية ويحدث باسم العدل ضجيجا لا ينتهي من المزايدات فارغة المضمون؛ تختلط القيم والمبادئ والمفاهيم على الناس وتتداخل مضامينها لتنفر الكثيرين من مواصلة الاهتمام بالشأن العام وتغيب عن الأذهان مقتضيات إخراج مصر من متواليات الاستبداد والإرهاب والتخلف المتكالبة عليها وتضيع تفاصيل الآراء والمواقف وتشوه الهوية وعبر التاريخ.

هنا نصبح إزاء مسئولية عظيمة تتمثل في مقاومة صخب السلطوية الجديدة وضجيج المزايدين دون خوف، وإجلاء المضامين الأساسية لقيم ولمبادئ ولمفاهيم الحق والحرية والعدل دون تردد، والتأسيس لوضع مقتضيات مواجهة الاستبداد والإرهاب والتخلف أعلى سلم أولويات الوطن دون مساومة. نحن أمام لحظة اختيار حقيقية، فإما أن نبحث لمصر ولنا عن مكان تحت شمس المعرفة والعلم والعقل وحب الإنسانية وموقع متقدم بين المجتمعات والدول الملتزمة بالعدل وسيادة القانون وتداول السلطة والحرية والمساواة والتسامح والسلم الأهلي أو نقبل السلطوية والجهل والتطرف والجنون والكراهية كعناصر حياتنا التي لا فكاك منها ونستسلم بضمائر صدئة وعقول معطلة لتراكم المظالم والفساد. فالسبيل الوحيد للاقتراب من شمس المعرفة والعلم والعقل وحب الإنسانية هو تمكين المواطن الفرد من التفكير بحرية، والتعبير عن الرأي بحرية، والمبادرة الذاتية بحرية، والتغريد خارج السرب بحرية، والاختلاف مع التيار السائد بحرية. التعرض للعقاب قمعاً أو قهراً أو ظلماً أو تعذيباً حين يبحث المواطن عن ممارسة الحرية، ووضعه تحت طائلة التهديد المستمر بأن ينزل العقاب به ما لم يمتثل لدوائر الحكم وأصحاب السلطة والثروة والنفوذ، ووقوعه في أسر الخوف والترهيب الذين يروج لهما بين الناس؛ جميعها انتهاكات تباعد بين الناس وبين إدراك أولوية المعرفة وقيمة العلم وتجردهم من القدرة على إعمال العقل باستقلال وموضوعية. وحده المواطن الفرد الحر، وليس الجموع من المعاقبين والمهددين بالعقاب والخائفين منه، هو طاقة النور التي تستطيع أن تدفع المجتمع والدولة إلى الأمام. وتتناقض الحرب على الحرية التي تشنها السلطوية الجديدة ولا تعتاش إلا عليها، تتناقض جذرياً مع مواجهة المجتمع والدولة للفساد والإهمال والإرهاب والعنف. فالفساد، بكونه جريمة حصول من لا يستحق على ما لا يستحق، يستدعي للقضاء عليه حرية تخصيص الموارد العامة والخاصة للمستحقين وفقاً لمعايير عادلة والرقابة المؤسسية والشعبية الحرة على أعمال السلطة التنفيذية التي بمقتضاها تخصص الموارد. والإهمال، بكونه الإهدار الممنهج للموارد العامة والخاصة، يحتاج للتغلب عليه بجانب تنزيل قيم الشفافية والمساءلة والمحاسبة على أرض الواقع حرية النقاش العام القادر على تتبع مظاهر الإهمال وتوثيقها والكشف عنها دون خوف من منظومة حكم أو أصحاب سلطة. والإرهاب، بكونه انتهاك إجرامي للحق في الحياة ونفي مطلق للحرية، لا يتخلص الناس من شروره إلا بالمزج بين رفع المظالم والالتزام بصون الحقوق والحريات والوعود القابلة للتصديق بإيقاف كافة الانتهاكات وبين توظيف الأدوات العسكرية والأمنية في إطار سيادة القانون. والعنف، بكونه نتاج تطرف كاره للإنسانية ينتشر في بيئات تأتي قابليتها له من تراكم المظالم وغياب التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، لا سبيل إلى تجاوزه إلا بممارسة حرية الفكر وحرية التعبير السلمي والعلني عن الرأي وحرية النقاش العام الضامنة لموضوعيته وحرية الإصرار على العدل وتفعيل آلياته إن لجهة المواطن الفرد أو لجهة المجتمع والدولة. هي لحظة اختيار حقيقية، فإما المزيد من التورط في الحرب على الحرية ومن ثم معاناة تطول من القمع والقهر والظلم والجهل والتطرف والجنون أو تغيير الدفة في اتجاه الانتصار للحرية ولقيم المعرفة والعلم والعقل وحب الإنسانية والعدل وسيادة القانون وتداول السلطة والتسامح والسلم الأهلي، وعندها، فقط عندها، سننجو من شري الاستبداد والإرهاب.                                    

نحن أمة قلقة. فحين نعجز عن حسم الاختيارات الأساسية بشأن حقوق وحريات المواطن وهوية المجتمع والدولة ووجهتهما القيمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وطبيعة الموقع الذي نبتغيه في الإقليم والعالم، وحين تطغى التقلبات وحسابات المدى الزمني القصير على ممارسات وإجراءات الحكم وتغيب الرؤية الواضحة بشأن الحاضر والمستقبل، حين تحتكر قلة «حق» الحديث باسم الشعب والإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية وتتورط في الطقوس المعهودة للسلطوية بينما السياسة أميتت والإعلام جرد من المهنية والموضوعية والتعددية، حين تهمش قطاعات واسعة من الناس أو يفرض عليها إما الامتثال للإرادة الرسمية أو الصمت والتهجير من الفضاء العام؛ حينها نكون أمة قلقة لا سبيل لتعافيها دون توعية بالعجز الحادث وبأخطار التقلبات الكثيرة والحسابات القصيرة والتهميش المتصاعد.

أي مواطنة نريد وعن أي مواطن نبحث؟ هل نريد المواطن الذي تقر له المواد الدستورية والقانونية حتمية صون كرامته الإنسانية وحقوقه وحرياته في إطار المساواة الكاملة ومناهضة التمييز، إذن لماذا نترك المصالح والنخب الاقتصادية والمالية والإعلامية والحزبية المتحالفة مع السلطوية الجديدة تنتهك يومياً كرامة وحقوق وحريات الضعفاء والفقراء وكذلك الخارجين على الرأي الواحد والصوت الواحد والعازفين عن احتفاليات الحشد الأحادي لتأييد رأس السلطة التنفيذية؟ هل نريد المواطنة الباحثة عن المبادرة الفردية والمتمسكة بحرية الاختيار والاعتقاد والإبداع والفكر والتعبير عن الرأي والمطالبة بالتداول الحر للمعلومات والحقائق إيماناً بالمعرفة والعلم والعقل والمهتمة سلمياً بالشأن العام وبالمشاركة في العمل الطوعي والاضطلاع بمسئولياتها الاجتماعية، إذن لماذا نتجاهل عصف مؤسسات وأجهزة الدولة بسيادة القانون وتغييبها للمعلومة والحقيقة وتورطها في المظالم والقمع أو تهديدنا الدائم به على نحو يدمر المبادرة الفردية وينتهك الحقوق والحريات ويقضي على حيوية وفاعلية منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي يتهددها هي أيضاً القمع؟ وكيف نستمرئ النظر بمعايير مزدوجة لانتهاكات الحقوق والحريات، ويزج بنا إلى مواقع وخانات الاستعلاء باتجاه مصريات ومصريين تسلب حقوهم وحرياتهم لأنهم ينشدون العدل والديمقراطية بسلمية ويرفضون الاستبداد والسلطوية وإسكات الأصوات؟ وإذا كنا جماعياً نراوح بين ترك للمصالح وللنخب الكبرى وهي تنتهك حقوقنا وحرياتنا وبين تجاهل للعصف الرسمي بسيادة القانون أملا في تفعيل بعض حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروفنا المعيشية ومحاربة الفساد وتطبيق الحكم لبعض إجراءات العدالة الاجتماعية، فلماذا لا نعيد النظر في تاريخنا نحن البعيد والقريب لنتثبت من أن حقوق الناس في التعليم والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية والحياة الكريمة يستحيل إقرارها دون تمييز وتفعيلها دون تقلبات ما لم تستقر مبادئ سيادة القانون وقواعد الرقابة القانونية والشعبية على الممارسات والإجراءات الرسمية وحيادية الخدمة العامة والشفافية كشرطين لمحاربة الفساد؟ وإذا كنا نصمت هنا ونتجاهل هناك انتهاكات الحقوق والحريات تارة خوفاً من القمع وتارة طمعا في وهم «المنح حين الامتثال» واستسلاما لجاذبية «العطايا السلطانية»، فما هي أسباب تخاذلنا عن الانتصار لكرامة الإنسان ولحقوقه وحرياته الأساسية في مواجهات قيمية وفكرية وضميرية مع تطرف يعادي القيم الإنسانية ويكره الحياة وإزاء الاستخدام السلطوي الزائف للمقولات الكبرى كالوطنية والدين بغية القضاء على حقنا في الاختيار ورغبتنا في التحرر؟

أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمع التنمية الشاملة والتقدم، إذن فكيف لا نتألم على ضياع قيمة المعرفة والعلم والعقل وعلى امتهان قيم العمل الجماعي والقيادة الجماعية وتهميش الشراكة الجادة بين فعاليات المجتمع وبين مؤسسات وأجهزة الدولة في مقابل طغيان الجهل وعنفوان النهج الانفرادي وسطوة المبررات التي لا تنضب صياغاتها ولا يغيب أبداً مروجوها بشأن هيمنة الدولة على المجتمع وسيطرة الحاكم الفرد على الدولة؟ هل نريد مجتمع المساواة دون تمييز ونرغب في الانتصار لكرامة الإنسان والمطالبة بحقوق وحريات كل مواطنة وكل مواطن ونثق في أن تنظيماتنا الوسيطة كالمجتمع المدني والجمعيات الأهلية هدفها هو التعبير عن مطالبنا والدفاع عنها، إذن كيف نتجاهل الهجمة السلطوية الراهنة على نقابات مستقلة ومنظمات حقوقية ونسائية وهيئات خيرية ونشيح بوجوهنا بعيداً عنها وعن جموع العاملين بها ونقبل التعميمات الظالمة التي تروج عنها وعنهم دون أن نميز موضوعياً بين الحق العام (وعليه يتأسس حق المواطن والمجتمع والدولة) في إلزامهم بمقتضيات شفافية النشاط والتمويل وممارسة المساءلة والمحاسبة حال حدوث تجاوزات أو مخالفات وبين الرغبة السلطوية في إلغاء وجود التنظيمات الوسيطة لكي «تنفرد» بالمواطن؟ هل نبحث بالفعل عن المساواة والكرامة والحق والحرية في كافة مساحات وقطاعات المجتمع، فلماذا نتورط جماعياً في انتهاكات بشعة لكرامة الناس وفي الإيقاع بالمختلفين معاً ونذبحهم بالإدانة الشاملة وهيستيريا العقاب الجماعي؟ هل بالفعل نبتغي لمصرنا مجتمع سيادة القانون والسلم الأهلي، فكيف لا نخرج القانون ومؤسساته وإجراءاته من عثرتهم الراهنة باستعادة الثقة في «العدالة العمياء» وكيف لا يسمع بعضنا بعضاً في إطار كامل الالتزام بالسلمية والعلنية؟

أي دولة وطنية نريد، وكيف السبيل لإكسابها القوة والمنعة اللازمتين لصون كرامة المواطن وحقوقه وحرياته ولتحقيق سلم المجتمع والحفاظ على فرص فعلية في التنمية والتقدم؟ لا يماري عاقل في الدولة الوطنية كضرورة، ولسنا بجدية فكرية وصرامة تحليلية في احتياج لاستدعاء النماذج الكارثية لانهيار الدولة الوطنية ولأشلائها المتبعثرة من حولنا للتدليل على حتمية التمسك بالدولة الوطنية في مصر. أما السؤال الحقيقي الذي يتعين علينا طرحه وإدراك أن المحاولات السابقة للإجابة التوافقية عنه باءت بالفشل وحملت عجزاً يستحيل إخفائه، فهو السؤال عن الطبيعة المنشودة للدولة الوطنية المصرية. هل نبحث عن الدولة القامعة التي تلغي وجود المواطن الفرد وتستتبعه كما تلغي وتستتبع التنظيمات الوسيطة وتهيمن على المجتمع وتشهر في وجهنا جميعاً أدوات قمعها أو تهددنا بها، أم نبحث عن الدولة القوية بالعدل المستمد من سيادة القانون ومن رفع المظالم ومن صون كرامة الإنسان وحقه في الاختيار ومن تمكين الناس من حقوقهم وحرياتهم ونصيبهم العادل في الحياة الكريمة والثروة؟ هل نريد دولة الحاكم الفرد وطغيان المكون الأمني وتحالفات دوائر الحكم مع النخب الاقتصادية والمالية والإعلامية التي أبداً لن تأتي لا بتنمية مستدامة ولا تقدم فعلي، أم نريد دولة تتوازن مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وتعرّف ديمقراطياً علاقاتها المدنية-العسكرية فتبتعد عن الاستبداد وتحمي سيادة القانون في إطار مواطنة الحقوق والحريات المتساوية والشراكة المتكافئة مع المجتمع ومع تنظيماتنا الوسيطة التي تقف بيننا كأفراد وبين المصالح والاستثمارات الخاصة وبيننا كأفراد وبين مؤسسات وأجهزة الدولة؟ هل توافقنا على دولة يتواصل بها الخلط بين المكون الديني ودوائر الحكم ومسارات بناء الشرعية وتستمر بها غلبة قيود الاختيار في الاعتقاد والفكر والتعبير الحر عن الرأي على قيمة الحرية أم نسعى إلى دولة علمانية ديمقراطية مرجعية الحكم بها تتمثل في أطر دستورية وقانونية عادلة وتلتزم بالحيادية إزاء تنوع هويات الناس الدينية والمذهبية ولا ترى فيهم إلا مواطنات ومواطنين لهم حقوق وحريات متساوية لا تقيّدها إلا سيادة القانون وتحول علمانيتها دون الانزلاق إلى الفاشية الدينية وتمنع ديمقراطيتها كارثة ديكتاتورية الأغلبية؟ أيهما نريد؟تلك هي الأسئلة التي ما لم نجب عليها بوعي وبوضوح وبتوافق، لا فكاك لنا من هوان العجز الراهن ولا خلاص من وضعية الأمة القلقة التي لا تستحقها مصر.

  • 1. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مرجع سابق.
  • 2. مؤسسة حرية الفكر والتعبير، قمع بروح الطوارئ: التقرير السنوي السادس عن حالة حرية التعبير عام ۲0۱8، ۲3يناير ۲0۱۹، ص ۲۱: https://afteegypt.org/publications_org/2019/01/23/16998-afteegypt.html (تاريخ الولوج 3۱/۱/۲0۱۹).