في تقفّي أثر العمل الحزبي لامرأة في سوريا

 

البدايات في درعا البلد

سأحدثكم عن تجربتي الشخصية كعضوةٍ انتسبت لحزبٍ بأسمائه الثلاثة؛ الحزب الشيوعي السوري، ومن ثم المكتب السياسي ثانياً، وأخيراً حزب الشعب، وذلك منذ عام 1967 من القرن المنصرم وصولاً إلى العام 2008.

نشأتُ في كنف عائلة مسيّسة. كان أبي قومياً سورياً، وشارة الزوبعة (شعار الحزب القومي) تملأ جدران بيتنا. قضينا حياتنا والسياسة تحكمها وتتحكم فيها، من خلال دخول أبي المتتالي للسجن. المرة الأولى لا أذكرها، فقد كنت حديثة الولادة في أوائل الخمسينات، ومرة ثانية أذكر سيرتها لأنّ أبي رواها لنا فيما بعد. وكان والدي، آنذاك، يملك مقهىً في درعا المحطة، مقابل السرايا تماماً، ويدعى المنشية. كان شريكه في ذلك المقهى ميشيل ديك، القومي السوري اللبناني الذي اغتال رياض الصُلح في عمّان.

بعد مقتل الصُلح أُدخل والدي إلى السجن، ليُغلَق المقهى فيما بعد، ثم افتتح والدي مقهىً جديداً في الجمارك، على الحدود السورية الأردنية آنذاك، وتم إغلاقها لمرتين متتاليتين. حاول والدي الحصول على البكالوريا العامة، وهو الحاصل على بكالوريا محاسبة أيام الانتداب الفرنسي من دون أن يتمكّن من العمل بها أو من الحصول على البكالوريا العامة، إذ كان يُساق إلى السجن قبل الامتحانات بيوم أو أكثر، ثم يفرج عنه بعد انتهاء الامتحانات! ولم يكن هناك سبب سياسي لاعتقاله، اللهم إلا حرمانه من هذه الفرصة. 

فيما بعد بدأت تباشير الوحدة، واضطر والدي لمغادرة البلد باتجاه الأردن، ثم التحقنا به خفيةً فيما بعد، ولا أزال أتذكر كيف مشيتُ على أقدامي بمساعدة خالتي من تل شهاب إلى قرية الشجرة الأردنية؛ شجرة الشبول. مكثنا ثلاث سنوات ونيّف في الأردن قبل أن نعود إلى سوريا في نهايات الوحدة، كان جدي قد تقدم بطلب إلى عبد الناصر شخصياً أثناء زيارته إلى درعا للعفو عن ابنه الوحيد، والدي، وهذا ما حصل، أُعفي عنه، ولكنه قضى شهرين في السجن قبل أن نعود إلى حياتنا الطبيعية. 

بهذا المعنى، كانت حياتنا معجونة بالسياسة، وكنّا نقرأ الكثير من الأدب. في لحظة ما رغبتُ بقراءة شيء غير الأدب، في السياسة خصوصاً. ربما كانت لدي رغبة خفية بأن أقرأ سياسة مغايرة لقناعات رضعتُها في البيت، ورغبت أن أتجاوز مسار أبي السياسي وأتمرَّدَ عليه؛ أن أبدأ شيئاً مختلفاً. وكنت أتساءل: لماذا يصرّ والدي على «تكريهنا» بالشيوعية، وبالقومية العربية كذلك؟ كان يُسَرّ إن رآنا نستمع لفيروز، وينزعج إن رآنا نستمع لعبد الحليم حافظ على سبيل المثال، كان يختار لنا الكتّاب الذين نقرأهم، ويتجنب الكتّاب المصريين على الدوام، سعيت إلى التمرد على هذه الإملاءات، فاشتريت كتاب في سبيل البعث لميشيل عفلق حين كنت في صف الكفاءة، لكنه لم يعجبني ولم يقنعني. رحت أستعير بعض الكتيبات: حياة روزا لوكسومبيرغ ونضالاتها، ثم ما قرأته لاحقاً، كالمراسلات بين ماركس وإنجلز، جعلتني أرى في هذا الفكر ما يملأ صدري بأوكسجينٍ كنت أحتاجه، لأن الشائع في مدينة صغيرة ذات طابع فلاحي كدرعا هو أن الشيوعي فقط «كافر»، من دون أن يُفهم موقفه من حياة الفرد ومستقبله وكيفية القضاء على الظلم والاضطهاد. وبما أني لم أمارس منذ طفولتي أيّاً من شعائر الإسلام، خاصة أن والدي كان علمانياً، فقد وجدتُ فارقاً كبيراً بين علمانيته البرجوازية وعلمانية الشيوعي القريبة من المعدمين والفقراء، والباحثة عن إزالة الضيم والإجحاف بحقهم.

قرأتُ كذلك عن الأدبيات الماركسية_ اللينينية بشكلٍ عام، والقضية التي رأيت أنها الأهم؛ الصراع الطبقي. لا أتذكر أسماء الكتب على نحو الدقة، ولكنها كانت تتمحور، في العموم، حول تحالفات الطبقة العاملة مع البرجوازية في مرحلة الثورة نحو الاشتراكية، وعن محاولة شل ذبذبة الفلاحين، وعن حركات التحرر في العالم وأبطالها: ككاسترو وتشي غيفارا ولومومبا وغيرهم. وعلى رأس تلك القراءات، بالطبع، الثورة اللينينية. كما كنت أقرأ مجلة تصدر في ألمانيا الشرقية آنذاك ويمررها لي الرفاق، وكان عنوانها المجلة، بالإضافة إلى مجلة أو جريدة تدعي الطريق على ما أذكر. قرأت أيضاً عن نضالات النقابات، ودورها في مرحلة ما سماها السوفييت لسوريا آنذاك «التطور اللارأسمالي».

في عام 1967، بدأت أقرأ جريدة نضال الشعب التي قدّمها لي حينها ابن جيراننا المرحوم موسى الراشد أبازيد، الذي توفي العام الفائت بعد لجوئه إلى ألمانيا، وكان أبازيد قد تحوّل من شيوعيٍّ درس في تشكوسلوفاكيا قبل انقسامها على حساب الحزب، إلى بكداشي بعد انقسام الحزب، ثم إلى إسلامي! بالطبع لم يكن الوحيد، فغيره كُثُر فوجئت بتحولهم عند زيارتي إلى الوطن عام 2004، للمرة الأولى بعد عشرين سنة من المنفى.

ما لبثت قراءة الجريدة أن تحولت إلى قراءة الكتب المهتمة بـالاشتراكية والرأسمالية والشيوعية، أستعيرها من زوج أختي عبد المجيد المحزم، وهو شيوعي قديم كان قد جمّد نشاطه الحزبي نوعاً ما بعد القمع الناصري، ولكنّ مكتبته ظلت غنية. وتطور الأمر بعد ذلك لأنتسبَ للحزب الشيوعي السوري، بعد أن قدَّمَ لي موسى الراشد استمارة الانتساب، لم أعد أذكر كم كانت كلفة الاشتراك، ولكني أذكر أني كنت أدفع ربع ليرة سورية ثمناً لجريدة نضال الشعب.

وبهذا، كنت أول امرأة في حوران تنتسب للحزب الشيوعي. تناقشت كثيراً مع والدي فيما أقرأ، وأعتقدُ أنه عندما علم بانتسابي للحزب الشيوعي غضبَ في البداية، إلا أنه تركني وشأني فيما بعد، وأصبح على علم باجتماعاتي الحزبية دون أي تدّخل.

عموماً، تعود معظم خلفيات المنتسبين للأحزاب السياسية إلى عائلات مثقفة ومتعلمة، خاصة في درعا. إذا أردنا العودة إلى بدايات التسييس والانتماء الشيوعي؛ أي إلى خمسينيات القرن الماضي، يمكننا ذكر عبدالكريم أبازيد وعبدالمجيد المحزم، ومن ثم زوجي لاحقاً: سلطان أبازيد. كان معظم التوجه للشيوعية توجهاً أبازيدياً، وكان شائعاً أن الأبازيدي إما منتسبٌ لتنظيم الإخوان المسلمين أو هو شيوعي. وكان هناك مكون اجتماعي في التوجه السياسي كذلك، فالمتعارف عليه، آنذاك، أن البعث لم ينتشر داخل درعا المدينة، بل انتشر أولاً في الريف الحوراني، حتى بعد أن استلم البعث السلطة بفترة.

أما حين أصبح «التبعيث» وسيلة للتوظيف والوصولية والانتهازية، فقد بدأ بالانتشار أكثر، ولكن أول من انتسب إلى حزب البعث هم أبناء العائلات الصغيرة؛ المفتقدين للسند الاجتماعي والراغبين باكتساب هيبة اجتماعية ما، إذ لا يمكن لهؤلاء الاستناد لعشيرتهم في جو حوران العشائري. كما كان الجيش أيضاً مكاناً مفضلاً لأبناء العائلات الصغيرة المهمشة، والتي لا سند لها. لم يكن سهلاً أن نجد ضابطاً ذا رتبة عالية في درعا.

في المقابل، كنّا نجد في ريف درعا ضباطاً من عائلات الحريري أو الديري أو الزعبي. فيما بعد، ومع اتساع رقعة «التبعيث»، أصبحنا نجد أكثر فأكثر ضباطاً وبعثيين في درعا. حتى بداية السبعينيات، كانت تركيبة فرع الحزب في درعا من أبناء الريف بشكلٍ كامل، حتى أن هناك عبارة محلية باللهجة الحورانية، انتشرت على أنها بلسان أهل الريف، للتعبير عن هذا الفرز المناطقي/السياسي: «القرايا ناكت السرايا».

أذكر كذلك أننا كنا نُجبر على الذهاب إلى المدرسة يوم الثامن من آذار دون دوام نظامي، ونجبر على الاحتفال والرقص بالمناسبة بقيادة بنات الريف، وحينها كان قد ظهر ما يسمى بالحرس القومي. من جهتنا، نحن بنات درعا، كنّا نتهكم عليهنّ، وكانت تهمة درعا في ذاك الوقت أنها ناصرية. أقول إننا كنّا نتهكم عليهنّ بينما نتوزع بينهنّ في حلقات الدبكة، وهنّ يشرعنَ من جهتهنّ بالغناء «والله لأتطوع بالحرس القومي»، فنردّ نحن من جهتنا «وأسرق الجاجات وأعطيهن لأمي». وأكاد لا أنسى أبداً المشهد حين كنا نصطف ضمن تحية العلم الصباحية، وكانت مديرتنا، زوجة قومي سوري أرمني الأصل وصديق لوالدي القومي السوري بدوره. وكان مدير التربية في درعا آنذاك المرحوم حسين العودات، والذي أصبح فيما بعد معاون وزير التربية. كان المطلوب منّا أن نردد «وحدة حرية اشتراكية»، فكان معظمنا يحرّف الشعار ليجعله «وحدة حلوة شركسية»، فتغضب المديرة ومدربة الفتوة، وتأمرنا بالإعادة، لكننا كنا نعيد الجملة نفسها «وحدة حلوة شركسية». وبدل أن نقول «أهدافنا؛ أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، كنا نردد «سيارة وبناية وعريس بلا حماية». بقينا نردد هذه الشعارات حتى أنّ مدير التربية أتى إلينا محاولاً أن يقوّم شعاراتنا، لكن دون فائدة. 

بالتالي، المقولة الشائعة على أن «حوران بعثية» هي مقولة تحتاج إلى تدقيق. البعث لم يجتَح المحافظة إلا تدريجياً، وبسبب البحث عن حماية من جانب أبناء المناطق والعائلات المهمشة لهم ولمكتسباتهم. لا شكّ أن كثيرات انتسبن فيما بعد لحزب البعث الحاكم، وخصوصاً بعد العصر الأسدي، وذلك لأن الانتساب للبعث والشبيبة كان يُعرض علينا ونحن في الثانوية، وتركّزَ انخراط المرأة في الحزبية داخل عائلات لديها أفراد بعثيون أصلاً، ثم تطور لاحقاً وتحوّل إلى مصلحة ووسيلة للحصول على عمل أو دراسة في الخارج، أو من أجل اكتساب رأسمال اجتماعي في مقابل أبناء عائلات تعتبر مُتشاوفة أو معتدة بنسبها. في بعض الأجواء مثل أجواء عائلة أبازيد، كان «التبعيث» مدعاةً للتهكم، حتى أنّ القلائل الذين انتسبوا لحزب البعث بحثاً عن مكاسب، كانوا يرددون بسخرية أنهم لن يتجاوزوا أبداً رتبة «نصير».

"ياسمين فنري"

"ياسمين فنري"

الحياة داخل الحزب

لم تكن هنالك فرقة حزبية نسائية في الحزب الشيوعي في حوران أستطيع الاجتماع معها لأنني كنت المرأة الوحيدة، ولذلك كانت فرقة من الشباب تكتب لي برنامج المناقشة وبنودها، وبدوري أُبدي رأيي بها كتابةً، عن طريق موسى أبازيد طبعاً. ولم يكن من المتاح أن أجتمع مع الشباب من أبناء الحي، فلم يكن ذلك مقبولاً حينها (في أواخر الستينات وأوائل السبعينات)، وكان ليثير كثيراً من الجلبة واللغط، ولم تكن عائلتي؛ الغزلان لتقبل بهكذا نشاطات، كما كانوا يخيفونني بأن النظام نفسه سيلفّق لي تهمة آداب إن اجتمعت مع الرجال.

بدأ يتابعني بشكلٍ أكبر الرفيق والصديق العزيز نذير اللمع؛ أبو نصّار، فهو صديق ومقرب من العائلة ومسؤول منطقية درعا، ويمكنني الاجتماع به بحكم الصداقة والقرب العائلي. أعتقد أن مراعاة العادات كان هاجساً، إذ لم يُرِد الحزب الصدام مع المجتمع، بل مراعاته؛ لأنه فعلاً غير قادر على المواجهة، وخاصةً أن البعث يلعب على نقطة «تكفير الحزب وعدم إيمانه»، وأنه يعتبر أن «الدين أفيون الشعوب»، وهذا ما كان يردده البعثيون في كل محفل كي يبعدوا الناس عن الانتماء للحزب، رغم أن العمل الحزبي أواخر الستينات والسبعينات كان شبه علني، والحزب الشيوعي متحالف مع السلطة في الجبهة الوطنية التقدمية.

وجود الحزب الشيوعي في الجبهة الوطنية التقدمية لم يأتِ عليه إلا بمزيد من التضييق، فمن شروط العضوية في الجبهة، مثلاً، عدم العمل مع الطلبة ومع أفراد الجيش! شخصياً كنت لا أعبأ كثيراً بمواقف السلطة والبعث. على سبيل المثال، علمت تلاميذي أغنيةً اخترعنا كلماتها في الحزب، وغالباً ما نغنيها في الأماسي الحزبية، وهي على وزن ولحن أغنية وديع الصافي «خضرا يا بلادي خضرا»، فحورناها لتكون: «حمرا يا بلادي حمرا رجالك أحرار، نادوا فلتحيا ذكرى أول أيار. عنا العمال تغنوا بأحلى عيد، خبز وسلم وحرية غيرها ما نريد. بدنا الاشتراكية حاجة مواعيد، ويل الظالم من غضب العامل لو ثار». وكنت دائماً أشرح لهم فوائد الاشتراكية، وكيف تُغيّر حياتنا نحو الأفضل، إلى أن سمعتني المديرة فطار صوابها قائلة: «أتريدين جعل التلاميذ شيوعيين حمر؟ هالمرة مرّقتها... لكن لا تعيدي مثل هذا العمل».

بعد البكالوريا، قُبلت في دار المعلمات بدمشق، وقضيت هناك سنتين في تجربة الدراسة الداخلية في مبنى وزارة التربية حالياً، في منطقة المزرعة. لم أتجرأ على استقطاب فتيات أو إدارة نقاشات هناك، فلم أكن أعرف خلفية زميلاتي، وكانت تُنظم لنا أسبوعياً ضمن الدراسة محاضرة بعثية وتوجيه قومي في المدرج الكبير للدار، وأذكر أن سعاد العبدلله، رئيسة الاتحاد النسائي حينها، كانت من بين المُحاضرات. وأذكر أيضاً أنني في إحدى المحاضرات المخصصة للصراع الطبقي ناقشتُ المُحاضِر مطولاً، فاستوقفتني عند خروجنا إحدى الزميلات، وتدعى سلمى سليمان، وهي أختٌ لقيادي في أحد الفروع الأمنية، وسألتني إن كنت عضوة عاملة متمرسة في حزب البعث؛ نظراً لاطّلاعي. كنّا إذن مُراقبَاتٍ بشدة، ونشاطي الشيوعي لم يكن بهذا المعنى سهلاً. مرَرَّ لي آنذاك نذير اللمع اسم السر، الذي من خلاله سأتعرف على إحدى الطالبات، وأُشكل معها ومع أخريات فرقة حزبية في دمشق، وهذا ما كان.

التقيت حينها بإحدى الطالبات من مدينة قطنا، وبعدها تعرفت إلى بنات الفرقة، وكان بينهن أسامة شقيقة الشاعر شوقي بغدادي، وأخرى من عائلة البني لم أعد أذكر اسمها. وكنا نجتمع بشكلٍ دوري، إما في بيت البني أو بيت شوقي. على إثر تعرفي على أسامة بغدادي استدعيت في مرة من المرات إلى مكتب المديرة، وسُئلت عن علاقتي بأسامة، كونها معروفة هي وعائلتها بانتمائهم للحزب الشيوعي. بالنسبة للإدارة كان مصير الثقافة العامة والاطلاع هو الانتماء لحزب البعث، وأي خيار آخر هو من ضروب الهدر للمعرفة. واختاروني في مرة أخرى لمسابقة تلفزيونية نتنافس فيها مع فريقٍ من دار المعلمين. 

عدتُ بعد نهاية الدراسة إلى درعا، واستطعت بمساعدةٍ من نذير اللمع (أبو نصّار)، تشكيل فرقة نسائية من خمس نساء؛ بينهن إحدى الفلاحات التي أعتز بمعرفتها ونضجها وانتمائها الوطني العميق ونضالها السياسي معي في مرحلةٍ لاحقة ضمن رابطة النساء السوريات، حيث كنت عضوة إلى جانب عضويتي الحزبية. وهذه الرابطة هي تنظيم مختلف عن الاتحاد النسائي لتنظيم البعث، ويتبع بالإضافة إلى تنظيم الشباب الديمقراطي للحزب الشيوعي، حتى أن الحزب الشيوعي هو مَن يُفرز قيادات هذين التنظيمين. تلك المرأة الفلاحة والقادمة من إحدى بلدات المحافظة، كانت الأكثر جسارةً ووعياً من أي رفيقة أخرى، بل والأكثر قناعة والتزاماً. لاتعبأ بما يقوله مجتمعها، وكانت تذهب معي إلى دمشق وتحضر الاجتماعات والمؤتمرات النسائية، حتى أني كنت أدسّها في لقاءات الاتحاد النسائي، فتستمع وتطرح أسئلة تحرجهم بها، حول وضع المرأة في الأرياف والقانون المستمد من الشريعة الإسلامية. ذات مرةٍ كشفوها، وطلب منها عنصر مخابراتٍ أن تغادر القاعة! وذلك كونها نشأت في عائلةٍ ينتمي بعض أفرادها (إخوتها وأقاربها) للحزب الشيوعي.

تلك المرأة ظلت وفيةً لقناعاتها، ولرفاقها، وهي لم تنقطع عن زيارتي بعد فترة الاعتقالات وتسريحي من العمل، رغم أن شقيقها المعتقل إبّان الثمانينات جمّد نشاطه بعد الاعتقال، وبعد قدومنا لفرنسا، انقطعت تقريباً أخبارها، وعند عودتي للمرة الأولى بعد عشرين عاماً، كمواطنة فرنسية، إلى سوريا، عرفت أن أولادها متفوقون في دراستهم، وأنها امتهنت خياطة الستائر لتُربّيهم.

اثنتان من هؤلاء النسوة اخترتهنّ بنفسي، إحداهن زميلة لي كانت مغرمةً بأحد رفاقنا الشيوعيين، وكانت تودّ التقرب منه من خلال هذا الانتماء الحزبي (وبالمناسبة بعد زواجهما تركت الحزب)، والثانية هي قريبة من عائلة زوجي سلطان أبازيد، كانت حينها في الصف التاسع، وكانت متشربة للجو الحزبي الشيوعي من الحيّ ومن العائلة، مما دفعها مبكراً للانضمام للحزب. قبلها لم يكن لي رتبة أو مهمات حزبية كبيرة، سوى مسؤولية الفرقة النسائية. فيما بعد، علمت من نذير أن اسمي كان مطروحاً لأكون عضوة منطقية.

استطعت أن أنظم في حيّي دورات محو أمية للنساء، أثناء عطلتي الصيفية التي تستمر ثلاثة شهور، وكي أحصل على كتب محو الأمية، تواصلت مع فوزي الصياصنة، مدير المركز الثقافي في درعا حينها، وهو من بعث العراق، وقضى فيما بعد سنوات طويلة في السجن. استجاب فوزي بتأمين الكتب وأقمنا الدورة. تمكن جزءٌ من هؤلاء النساء من إتقانَ القراءة والكتابة، حتى أنّ إحداهنَّ استطاعت امتهان الخياطة، وأجرت دورة تدريبية لتتمكن من الخياطة بطريقة حرفية، واستطاعت من خلال ذلك إعالة عائلتها. كل ذلك جرى بفضل تمكنها من القراءة والكتابة. 

حين أصبحت عضوةً وشكّلنا فرقتنا، كنت أتجول في الريف الحوراني خارج درعا، برفقة أبي نصّار، ذهبنا إلى قرى بصير وخبب والكرك الشرقي والحراك، وقابلنا بعض الشباب، والنساء أيضاً بطبيعة الحال، وذلك بما أنّهن لم يكنّ معزولاتٍ في الريف، بل متواجدات في المضافات، ويستقبلنَ الضيوف. كنت أتحدث معهنَّ وأحاول أن أُدخل بعض الأفكار أثناء الحوار معهنّ، غير أنه كان من الصعب التواصل واقتراح القراءات، فمعظمهنَّ كُنّ أميّات. أما القارئات منهن، فكنت أقترح عليهن قراءة الكتب، وكنت أول من عرفهن على نتاجات كاتبات مثل نوال السعداوي. كنت حريصةً على أن تتثقف النساء حول شرطهنّ كنساء، فالظلم الواقع عليهنّ في منطقتنا كان كبيراً جداً. قد يكون أحد أسباب انتسابي للحزب الشيوعي هو قناعتي بأن هذا الحزب يؤمن بالمساواة بين المرأة والرجل. للأسف صُدمت فيما بعد صدمة كبيرة بخصوص هذا الجانب؛ حتى من أقرب المقربين.

كان النضال الحزبي يعتبر ترفاً بالنسبة للنساء، ولم يكن بإمكاني (حين أنجبت ابنتي البكر على سبيل المثال) أن أبقيها عند أحدٍ من أجل حضور اجتماع حزبي. للأسف الشديد، لم يولِ الحزب اهتمامات خاصة بقضايا المرأة، لا من حيث الحقوق ولا من حيث القوانين الجائرة التي أدت وتؤدي للإبقاء على المرأة في أسفل السلم الاجتماعي. كنت، بين الفينة والأخرى، أتجرأ وأطرح موضوعاً يتناول حق المرأة في العمل والتعليم، حقها في حضانة أولادها، أو حقها في البيت بعد الانفصال، وأكثر ما كنت أطرحه هو موضوع السماح للرجل بالزواج من ثانية (أمي كانت ضحية هذا الزواج، ونحن واجهنا عواقبه)، وربما في أعماقي كان سبباً رئيساً في زواجي من شيوعي اعتقادي الساذج بأنه مختلف عن بيئته، ونتيجة ما كنت أراه من غبنٍ يقع على هذه وتلك في الحياة العامة من حولي، وهو ما كان من شأنه أن يجرّ النقاش إلى طريق مسدود في الغالب، حيث تُربط الحرية العامة؛ أي حرية الوطن بحرية المرأة، وأن الوطن الاشتراكي الحر سيؤدي حتماً لحصول المرأة على حقوقها!

كان هناك دائماً بنودٌ للنقاش في اجتماعاتنا، حسب الظرف والحدث السياسي، وكنت أسألهنَّ دائماً عما يرغبن بنقاشه. من وقت لآخر كان يحضر مسؤول المنطقية ويتولى حلقة النقاش والشرح. بعد فترة قرروا إجراء حلقة تثقيفية، وفي تلك الحلقة تعرفت لأول مرة عن كثب على أبي رشا، سلطان أبازيد، الذي أصبح زوجي فيما بعد، وذلك رغم اعتراض والدي على زواجي من «شيوعي متطرف»! وخوفه كما كان يقول: «من أن يعيش أحفاده ما عشناه نحن في بلاد لا تحترم السياسة والسياسيين». أتى أبو رشا حينها مباشرة من دمشق مع خليل الحريري، وكانا مسؤولي الحلقة التثقيفية. وُزِّعت علينا كتيبات على أن نقرأها ونناقش مضمونها ضمن الحلقة التثقيفية. بالطبع كانت تتنوع المواضيع أحياناً بحسب الحدث والظرف السياسي، وكنتُ مميزة بعض الشيء بسبب شغفي بالقراءة.

بعد زواجي وإقامتنا في دمشق كنت ألتقي بأم بكري، زوجة رفيق يعمل في معامل الأنسجة، وبنجاح ساعاتي، فضلاً عن عددٍ آخر من النسوة لا داعي لذكر أسمائهنّ هنا، ومن خلال الحزب أو رابطة النساء كنا ننسّق معاً ونوزع الأعمال. كما كنت أحضر مؤتمرات رابطة النساء التي أقيمت عدة مرات، وضمّت ممثلات عن معظم مناطق سوريا. أذكر منها واحداً أقيم في أحد بيوت الرفاق في الجسر الأبيض، وأذكر أنني اصطحبت المرأة الفلاحة التي أتيت على ذكرها سابقاً لتلقي كلمة فلاحات حوران، وكانت ترتدي «الشرش» و«الشطفة» الحورانية، وألقت كلمتها بكل ثبات وقوة شخصية، فأبهرت الحضور، حتى أن وفوداً من جمهوريات سوفييتية وبلدان اشتراكية (أذربيجان، رومانيا، بلغاريا) زارتنا فيما بعد نتيجة هذا التميز، وتحدثت إليهنّ النساء اللواتي تم تأهيلهنَّ للقراءة والكتابة، وشاهدن دفاترهن وكيف يقمن بالقراءة والكتابة، كما أجرينا للوفود برنامج زيارات لم تكن السلطة موافقة عليه، إذ تمّ إنذار الحزب فيما بعد بأنه كان علينا أخذ موافقة أمنية!

زرتُ مناطق حوران الأثرية ومخيمات اللاجئين والنازحين، بالإضافة لبعض مراكز الثوار الفلسطينيين في وادي اليرموك، والتي مُنع تواجدها بعد اتفاقية الصلح وعودة القنيطرة المدمرة؛ أي بعد زيارات كسينجر المكوكية بين سوريا وإسرائيل وموافقة الأسد على الشروط الإسرائيلية، فتمّ إبعاد كل قواعد الثوار الفلسطينية. شكّل كل هذا بالنسبة لي إنجازاً ودليلاً على نجاحي ضمن الرابطة في منطقتنا، فقد كنت مقتنعة، على عكس ما عاينته في الحزب، بأن الأجدى هو التواجد اليومي مع الناس، وهذا ما مارسته مع النساء في محيطي وفي منطقتي. كنت أعرف وألمس عن قرب يومياتهنّ وهمومهنّ. 

لم نكن مطلعات، نحن النساء، على ما يُتخذ من قرارات في «الأعلى». كان هناك فصلٌ تام بيننا وبين باقي التراتبية الحزبية. في إحدى المرات فوجئنا بتغيير أبي نصّار كمسؤول عن فرقتنا دون علمنا، وبدأت الشكاوى تصلني من الفتيات حول تحرش المسؤول الجديد بهنّ، وصِرنَ يتهرّبن من الاجتماعات. حينها قررت بغضب أن أتوجه إلى مكتبنا في شارع العابد في دمشق؛ وهو مكتب مؤلف من طابق أرضي كنت أتردد عليه دائماً، وطابق ثالث «للهيئات العليا»، وجهوني للتواصل مع القيادي ظهير عبد الصمد في الطابق الثالث لتسوية الموضوع، وبالنتيجة استعدنا نذير اللمع كمسؤول عن فرقتنا!

في الطابق الأرضي كان الرفيق المرحوم عمر القشاش منهمكاً دائماً بتوضيب رزم الجريدة من أجل إرسالها للمحافظات، ولم يكن يخلو جيب له من خيطان المصّيص والمقص والأدوات اللازمة. كان نموذجاً للحزبي التقليدي «الشغّيل»، الذي يعمل أكثر مما ينظّر. ولكن في العموم، لم نكن نعرف بعضنا ضمن المناطقيات؛ حرصاً على أمن الحزب. كانت علاقتنا مباشرة مع القيادات، دون التوسع الأفقي بالمعارف. وهذا الانضباط الأمني حمى، إلى حدٍّ ما، بنية الحزب في زمن الاعتقالات اللاحق. 

فيما بعد، بدأت الخلافات تتضح للعيان، وتبرز الهوة بين قناعات رياض الترك وقناعات الثلاثي ظهير ودانييل وأبو بكري، ولم آخذ موقفي إلى جانب ابن العم الترك بناءً على موقف سلطان أبازيد بحكم أنه زوجي، بل لأني كنت لا أحبّ ارتباطنا أو التحاقنا بالاتحاد السوفييتي مهما كانت الظروف، وكنا نضحك من سلوكية بكداش بالقول: «إنه يحمل الشمسية في دمشق عندما تمطر في موسكو». رحبتُ بالانفصال عن الاتحاد السوفييتي واستقلالنا كما لو كنّا محتلين، ونعلم كيف كان موقف السوفييت من معتقلينا وترحيبهم بأن حافظ الأسد يؤدب الخارجين عن طاعته، ومن شدة قناعتي أخذت موقفاً من أختي وزوجها، ولم أعد أذهب إليهم!

ضربة الثمانين والخروج من البلد    

النضج السياسي والعُمْري، إلى جانب انعدام الحريات، بعد تسلم البعث ثم الأسد الأب للسلطة، جعل كثيراً من شباب الحزب يعترضون على سياساته ويسعون للتجديد. بدأ التغيير مع الانقسام عن بكداش ويوسف الفيصل ويوسف مراد، وخروج الثلاثي دانييل نعمة وأبو بكري وظهير عبد الصمد عن خطّنا؛ خطّ رياض الترك الذي سيُعرف لاحقاً باسم الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، وبعدها باسم حزب الشعب. وقد برز الشرخ واضحاً بعد اعتقالات الثمانينات وبعد تشكل التجمع الوطني الديمقراطي السوري، ثم موقف يوسف نمر وشقيقه حنين وميشيل عيسى، وغيرهم، لينتهي الأمر بالحزب الشيوعي السوري إلى أحزاب وتيارات، بعضها متحالف مع نظام الأسد وبعضها بالغ الجذرية في معارضته له مثل المكتب السياسي. هزات متتالية أثّرت سلباً على حزبنا، إلى أن أصبح الترهل والشلل واضحين للعيان، ولم يعد هناك فرقة حزبية كاملة، فكلٌّ ذهب في حاله خوفاً من الاعتقال، ورغم أن الحزب حافظ، نوعاً ما، على وجوده؛ من خلال قيادة الظل المعدة سلفاً لمثل هذا الطارئ، فإنّ صدور جريدة الحزب قد تعذّر، واكتفينا بصدور جريدة التجمع؛ الموقف الديمقراطي، والتي استمر توزيعها وقراءتها بحسب الظروف. 

في الثمانينات، وعند بدء الاعتقالات، لم يعد الناس قادرين على التواصل بأمثل الطرق، واعتقل أبو نصار؛ المسؤول المباشر عنّا، والذي كان كل تواصلنا يجري عن طريقه، وغادر زوجي سوريا. كانت فترة عصيبة ومجحفة ولا تُنسى أبداً. مضايقات وملاحقات ومراقبة لكل حركة ولكل فرد ينتمي أحد أفراد أسرته لحزب معارض. دخل بعض الشباب من الذين استطاعوا الإفلات من قبضة الأمن مرحلة التخفي والسرية، ومنهم زوجي الذي تخفّى في دمشق قبل أن يغادر سوريا، وكذلك شقيقه المرحوم عبد الرزاق أبازيد قبل أن يستشهد في المعتقل تحت ظروف السجن والتعذيب. كان رجال الأمن يطرقون باب بيتي؛ بحجة أنهم مرضى يبحثون عن الدكتور! كنت أذهب إلى دمشق وأسير طويلاً، وذلك إلى أن يتعب رجال الأمن وأتمكن من رؤية أبي رشا خفيةً في بيوت أصدقاء أو رفاق غير معروفين من الأمن. المرحوم عبد الرزاق في السنة الأولى من الاعتقالات لم يخرج من الحارة، ينام كل ليلة في بيت مختلف، ويعود لمنزل العائلة صباحاً؛ حيث كانت مداهمات الأمن ليليةً في الغالب. كان موقف العامة حينها متضامناً وكارهاً لما يقوم به النظام، ومحقّراً لوظيفة رجل الأمن، وذلك دون خوفٍ عميق كما أصبحت عليه الحال فيما بعد.

أذكر أن الأمن داهم بيت حموّي، ذات صباح، بحثاً عن عبد الرزاق، وقاموا بتفتيش غرفته وقلبها رأساً على عقب، لكنهم جاءوا بصحبة المختار، وكان أبازيدياً. هرع أحد أبناء العمومة ليرى ما تريده سيارة المخابرات، فوقف يرقب عملية التفتيش، فما كان منه إلا أن قال لحماتي رحمها الله ساخراً: «روحي اعملي ابريق شاي لهالشباب التعيبة» فأجابت، وكانت جريئةً جداً وواضحة: «شاينا لايتَبَلْوَعْهُ أمثالهم، شاينا لا يشربه إلا الشرفاء»، ثم جلست القرفصاء أمام أحد شباب الأمن الذي ينفض الكتب بحثاً عن منشورات «ممنوعة»، وقالت له: «انت من وين وَلَكْ؟ (وهذه كلمة تدل على أنه ولد)»، فأجابها: «أنا من المحاميد»، لتردّ قائلةً: «شو المحاميد ما عندهم خبز يطعموك حتى تشتغل بهالشغلة الواطية؛ داسوس (أي جاسوس) على أولاد بلدك؟». خفض رأسه بخجل، ولم يعد يأتي بحركة، ثم أضافت هي: «أتعرف من هو عبد الرزاق؟». قال: «لا»، لتردّ عليه: «أنت مو من زلمه (أي قامتك قصيرة لاتصل لقامته)». خرج بعدها عناصر الدورية مُطأطئي الرؤوس.

كذلك، كان الناس يطرقون باب بيتي ليسألوني إن كنت أحتاج إلى شيء، ويخبرونني أنهم مستعدون لإرسال أولادهم كي يشتروا لي الحاجات الصعبة التي تتطلب وقوفاً على الدور؛ الخبز والزيت والسكر وغيره. كان يقوم صاحب محل للكوي كذلك بكي ملابس الرفيق نذير اللمع حين كان سجيناً من دون مقابل. كان الجميع يقولون: «هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لمن تجرأ وقال: لا لهذا النظام الظالم».

خلال كل تلك الفترة حاولتُ الحفاظ، بشكلٍ أو بآخر، على علاقاتي الحزبية مع الرفاق، ولكن بشكل سريّ، أوقات ذهابي دورياً إلى دمشق. وبقيَت تلك المرأة الفلاحة في منطقيتي وفيّةً للحزب ووفيةً لي بشكل شخصي. بقيتُ وحدي مع ابنتيّ بلا عمل وبلا معيل، بعد أن سُرِّحتُ من وظيفتي، إلى أن قُيّضَ لي الحصول على جواز سفر، بوساطة كبيرة من صديقةٍ وفية حتى اليوم، تمّ من خلالها إزالة المنع المتعلق باسمي من دفاتر القيادات الأمنية في دمشق، لأتمكّن بعدها من القدوم إلى فرنسا برفقة ابنتَي. 

هذا ما كانت عليه أشكال ومسارات نضالنا الحزبي حتى الثمانينات، أما ما تبع ذلك من تنظيمنا الحزبي في المنافي، ومنفاي الباريسي على وجه الخصوص، فقد اتّسم بالانقطاع عن الداخل، والتشرذم والانقسامات في الخارج، والمواقف المتناقضة وغير المتسقة مما يجري في بلدنا ومنطقتنا والعالم، واتسمت المرحلة كذلك بالأنوات النرجسية المنتبجة، والقامعة للعلاقات الأفقية الرفاقية، ولكن ذلك مبحثٌ آخرٌ لن تتسع له شهادتي هنا. ربما في المستقبل سأكتب عن تنظيمنا الحزبي في الشتات.