قسد: التحديات والمصير المجهول

 

لم يكن تهديد بشار الأسد لقوات سوريا الديموقراطية، المعروفة بقسد، هو الوحيد في سلسلة التهديدات التي أطلقها أركان النظام السوري، إذ قال فيصل المقداد معاون وزير خارجية النظام أيضاً إن «هناك داعش آخر قد يسمى قسد، ويحاول الأمريكيون دعمها ضد إرادة الشعب السوري»، لكن تصريحات بشار حملت معانٍ أكثر قوةً، كونها صادرة عن رأس هرم النظام، وبعد إحساسه بأنه حقق نصراً كبيراً على داعش في معارك الشرق السوري.

وربما يكون بشار الأسد، الذي اتهمَ كل من يتعاون مع دولة خارجية بالخيانة، ثم وجَّه كلامه بصورة مباشرة إلى قسد عندما قال: «المجموعات التي تعمل لصالح الأمريكيين»، قد أراد إيصال رسالة مفادها أن المعركة القادمة ستكون ضد قسد، لكن ردَّ قيادة قسد لم يتأخر، عندما أصدرت بياناً اتهمت فيه بشار الأسد بأنه هو من استجرَّ كل دول العالم للتدخل، وأطلق يد المرتزقة في سوريا عندما استقدم المليشيات المسلحة اليها، مُعتبرةً أن «بشار الأسد و ما تبقى من نظام حكمه، هم آخر من يحق لهم الحديث عن الخيانة».

ألدار خليل، القيادي في حركة المجتمع الديموقراطي الكردية، علّقَ على تصريحات رأس النظام السوريّ على صفحته على فيس بوك قائلاً: «يبدو أنه ما يزال هناك أشخاص كما بشار الأسد لم يفهموا حتى الآن السبب الرئيسيّ الذي أدّى بالشعب السوري إلى الانتفاضة والثورة على أركان نظام البعث». وأضاف السياسي الكردي أن بشار هو «المسبّب الذي أدى إلى الفورة الشعبية، وهو نفسه الآن الذي يمنع الحل ولا يقبل الاعتراف بأنه من حق الشعب السوري أن ينال حريته»، واصفاً تصريحاته بأنها بمثابة «إعلان حرب»، وتابع بأن موقف الأسد هو دعم للموقف التركي، وأن «الرد سيكون مناسباً وجاهزاً في حال التصعيد واختبار ثبات مواقفنا».

وفي اليومين الأخيرين تصاعد التوتر بين قسد ونظام الأسد، إذ قال عضو «مجلس الشعب السوري» لدى نظام الأسد جمال الزعبي إنه «إذا لم تسلّم قسد أسلحتها للسلطات السورية المخولة بحماية الوطن، وتنصاع للحكومة، وتحل المليشيات التابعة للفصائل الانفصالية، فمن المؤكد أنها ستعرض نفسها لنيران الجيش آجلاً أم عاجلاً»، وذلك في تصريح لوكالة سبوتنيك الروسية. وفي السياق ذاته أعلنت مصادر مقربة من وحدات حماية الشعب الكردية عن تشكيل قوة عسكرية تحمل اسم «جيش شمال سوريا»، تضم الوحدات الكردية ومقاتلي قسد، ومهمتها حسب قيادي فيها «حماية أمن الحدود شمال البلاد، ويشمل نفوذ عملها محافظتي الرقة ودير الزور شمال وشرق سوريا.». كذلك شهدت مناطق سيطرة قسد مظاهرات تندد بالنظام السوري وتتهمه بدعم الإرهاب والخيانة، كان أبرزها في مدينة الطبقة.

هي حرب إعلامية متبادلة بين مشروعين يبدو أن الصدام بينهما قادم لا محالة، فكلا الطرفين يُعَدُّ حليفاً لقوى دولية كبرى، ومُنفّذاً لأجنداتها. الأمريكيون يدعمون قسد لتحقيق أهدافهم في ضمان الاستقرار في المنطقة الشرقية من سوريا، من أجل ضمان وجود آمن لهم في غرب العراق ومناطق الأنبار، والروس يدعمون نظام الأسد للسيطرة على المنطقة الشرقية في ظل تراجع الدور الأمريكي، ما سيعني ضمان وجودهم في منطقة ساخنة تؤمن لهم فعلاً سياسياً وعسكرياً على الساحة الدولية. ومن ثم فإن أي خلاف في الرؤى السياسية أو الاستراتيجية بين القوتين العظميين، قد ينعكس على الأرض صداماً بين حلفائهم.

اعتمد الأمريكيون على قسد كحليف استراتيجي لهم لأسباب كثيرة، تتعلق بعدم رغبتهم في تكرار تجربة العراق، وخوض حرب استنزاف قد تجعلهم يدخلون المستنقع السوري لفترة طويلة الأمد، يضاف إلى ذلك المعارضة الروسية لدخول قوى دولية على الأرض. هذه الأسباب، ترافقت مع وجود وحدات حماية الشعب الكردية YPG، وهي قوة منظمة تحمل إيديولوجيا وعقيدة قتالية مقبولة دولياً، لديها علاقة متوترة مع نظام الأسد، وتسعى إلى الاستفادة من الوضع القائم الذي تلا انطلاق الثورة السورية وظهور داعش وجبهة النصرة، فقدمت نفسها على أنها بديلٌ قويٌ لملء الفراغ على الأرض.

لكن الأمريكيين لم يكن باستطاعتهم الاعتماد على فصيل كردي صرف، وذلك لاعتبارات إثنية واجتماعية تتعلق بالتركيبة السكانية للمناطق التي سيتم طرد داعش منها، مع وجود تاريخ من التوتر العربي الكردي فيها، وكذلك بسبب فشل ما سمي بتجربة الصحوات في العراق، التي اعتمدت على العشائر كقوى محلية، وهو ما حدا بالولايات المتحدة للعمل على إيجاد توليفة من عدة قوى كردية وعربية ومسيحية آشورية وتركمانية، لا يجمعها سوى هدف قتال داعش، وتُفرقها باقي التطلعات،

فكان الإعلان عما أُطلق عليه اسم قوات سوريا الديموقراطية، وعمادها الرئيسي وحدات حماية الشعب الكردية YPG، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي PYD. الهدف الأساسي لهذه القوات، التي باتت تعرف إعلامياً باسم «قسد»، حسب بيان تشكيلها في 11 تشرين الأول 2015، هو قتال داعش وجبهة النصرة، وبناء سورية دولةً ديموقراطية، وطرد داعش من المناطق التي يسيطر عليها، وهو ما قامت به انطلاقاً من ريف الحسكة ثم الشدادي، لتدخل بعدها أرياف الرقة ودير الزور.

التقدم السريع الذي حققته هذه القوات بدعم من التحالف الدولي، تمت قراءته على شكلين مختلفين: رأي المسلحون الأكراد أنهم باتوا قوة جديدة على الساحة، وأن الأمريكيين لم يعودوا يستطيعون التخلي عنها. أما معظم الفعاليات والقوى العربية، فقد وجدت فيه تنفيذاً لمطامع كردية في الأراضي التي يعملون على تحريرها.

ومع انطلاق معارك مدينة الرقة، بدأت الخلافات وعلامات التفكك تظهر جلية بعدم قبول واحد من أهم فصائل محافظة الرقة، وهو لواء ثوار الرقة، كشريك في عمليات تحرير المدينة، ومن ثم تهميشه من قبل التحالف الدولي في خطوة يمكن تفسيرها على أنها صراع على إدارة الرقة بعد تحريرها. والأمر ذاته تكرر مع قوات النخبة، الذراع العسكري لتيار الغد برئاسة أحمد الجربا، والتي شاركت بقوة في معارك تحرير الرقة، ومن ثم تم استثنائها من معارك دير الزور، رغم أن مجمل عناصرها يعودون بالأصل إلى محافظة دير الزور، وقد صرحوا مراراً أنهم تحالفوا مع قسد تمهيداً لمعركة دير الزور.

حاولت قيادة قسد الكردية إبعاد وتهميش أي قوى ترى أنها قد تنقلب عليها بدعم تركي مستقبلاً، مما قد يتسبب بقتال داخل صفوفها، يهدد هدف الوحدات الكردية المتمثل في إقامة مناطق حكم ذاتي لها في مناطق من شمال سوريا وشمالها الشرقي. أما تركيا، التي أعلنت مراراً على لسان قادتها بأنها لن تسمح بقيام مناطق حكم كردية على حدودها، فهي تسير في سياستها على حبل دقيق بين قوتين متنافستين، لكن الخلاف السياسي والاستراتيجي بين الأمريكيين والروس قد ينهي هذا التوازن الذي يعمل الأتراك في هوامشه، مما قد يدفعهم للعمل منفردين من خلال استهداف القوى الكردية على الحدود في مناطق مثل عفرين، وذلك بالاعتماد على حلفاء محليين.

وفي هذه الظروف، وجدت قيادة قسد نفسها مجبرة على البحث عن حليف جديد من أبناء المنطقة، من أجل ضمان قبول الحاضنة الشعبية في دير الزور لها، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي، وتأمين عناصرها وتعويض النقص العددي في صفوفها بعد فشل عمليات التجنيد الإجباري، فكان مجلس دير الزور العسكري بقيادة أحمد الخبيل أبو خولة الحليف المناسب لها. وأعقبَ ذلك انشقاقُ عدد من عناصر قوات النخبة بقيادة ياسر الدحلة وانضمامهم لها، ليصبحوا رأس حربة في قتال التنظيم في دير الزور، وهو ما استقطب مقاتلين محليين كُثُر، هدفهم الأساسي العودة إلى ديارهم، مثل مقاتلي برق الشعيطات، وهم خليط من عناصر جيش حر سابقين وفصائل محلية، بعضها كان ذا توجه إسلامي.

تقدمت هذه القوات سريعاً على حساب تنظيم داعش في ريف دير الزور الشمالي مؤخراً، حتى وصلت إلى حدود البوكمال، وباتت قوات سوريا الديموقراطية مسيطرةً على معظم الضفة الشمالية لنهر الفرات، لتقترب المعارك مع داعش من نهايتها في تلك المنطقة، بعد سيطرة قوات النظام بدورها على معظم الضفة الجنوبية والبادية الشامية، وهو ما يفتح الباب واسعاً على تساؤلات حول مصير هذا التحالف المبني على المصلحة في ظل المتغيرات على الأرض.

تدلُّ مؤشرات كثيرة على أن هذا التحالف يسير نحو الزوال، وهو ما يهدد مشروع الوحدات الكردية في تأسيس نوع من الاستقلال والحكم المحلي للمناطق ذات الغالبية الكردية، وينذر باحتمال فقدانها السيطرة على مناطق نفوذها الجديدة في الرقة ودير الزور وأرياف الحسكة، وهي المناطق ذات الغالبية العربية التي سيطرت عليها قوات سوريا الديموقراطية في سياق «الحرب على الإرهاب»، وتشكل سيطرتها عليها عمقاً آمناً لحماية مناطق «روج آفا»، مناطق الحكم الذاتي الكردي.

موقف الولايات المتحدة المتردد بين إرضاء الأتراك القلقين من تنامي قوة قسد، وبين دعم حلفائها الأكراد على الأرض، دفع الأتراك للتهديد بعمل عسكري على تلك المناطق رغم التحذيرات الأمريكية تارةً، والوعود بعدم تسليح الأكراد مجدداً، بل وسحب السلاح الثقيل منهم تارةً أخرى، وبالتالي تقديمهم على أنهم قوة للاستخدام مرة واحدة مؤقتة، وهو الأمر الذي أزعج الأكراد فأرسلوا رسائل مبطنة للأمريكيين مفادها أنهم على استعداد للانحياز للمشروع الروسي في سوريا في حال التخلي عنهم، وبالتالي دعم المشروع الروسي المرتقب في إدلب، إذ صرحت قيادة قسد بأنها تتلقى دعماً جوياً من الطيران الروسي في عملياتها شرق الفرات.

بعدها جاءت خلافات الفصائل العربية داخل صفوف قسد لتلقي بظلالها على المشهد، وقد تمثلت في الخلاف بين مجلس دير الزور العسكري وقوات كتائب البكارة بقيادة ياسر الدحلة، وهي الخلافات التي وصفت بالتنظيمية، في حين أنها على الأرجح خلافات على مكاسب العمليات العسكرية بعد خروج تنظيم داعش من دير الزور.

خلافات أخرى مشابهة باتت واضحة حول الإدارة المدنية لكل من دير الزور والرقة، إذ أنشأت قسد مجلسين مدنيين، واحدٌ لكل محافظة، لكن المجلسين لم يحظيا بقبول شعبي لأن أعضاءهما لا يحملون تاريخاً ثورياً، ويخضعون لسيطرة القوة الكردية التي لا تملك قبولاً شعبياً، وتم اختيار معظمهم من المقيمين في محافظة الحسكة التي يسيطر النظام على أجزاء منها إلى جانب المسلحين الأكراد، ما يمكن تفسيره بأن النظام موافقٌ على وجود هذه الشخصيات، وخاصةً في ظل الموقف غير الواضح لقوات سوريا الديموقراطية من نظام الأسد. وقد حاولت قيادة قسد احتواء الأمر عبر عقد مؤتمرات شعبية لوجهاء وشيوخ عشائر المناطق التي تم إخراج التنظيم منها، وتقديم وعود لهم بإعادة النازحين ومنحهم دوراً في قيادة المنطقة مستقبلاً.

أزمة قسد التالية جاءت بانشقاق العقيد طلال سلو الناطق الرسمي باسمها، والذي يعود إلى أصول تركمانية، متوجهاً إلى تركيا، العدو اللدود الذي يعتبر الوحدات الكردية امتداداً لحزب العمل الكردستاني PKK، وهذا ما أكده سلو في لقائه مع وكالة الأناضول التركية، إذ تحدّثَ عن أن قادة PKK هم القادة الفعليون لقسد، وأن صالح مسلم والقادة المحليين هم مجرد واجهة، وأن الفصائل العربية والأخرى المسيحية والتركمانية لا دور لها، وهي فقط لتلميع صورة قسد وإظهارها كقوة متنوعة. كما قال إن ما حدث في الرقة هو عمليات تسليم وإخراج لمقاتلي داعش منها، وأن كثيراً من الأسلحة الأمريكية التي تم تزويد قسد بها ذهب إلى مقاتلي PKK داخل الأراضي التركية، وهو ما يتوافق تماماً مع الرؤية التركية.

كل هذه المواقف قد تنعكس مستقبلاً على تماسك هذا التحالف، ولعل المؤشرات بدأت بمحاولات قسد فرض التجنيد الإجباري على أهل تلك المناطق، ورفضهم للتجنيد في صفوفها كانعكاس لرفضهم وجودها في مناطقهم. كذلك قام عناصر منضوون في المجلس العسكري التابع لقسد، وهم من أبناء بلدة خشام بريف دير الزور الشرقي، التي يتقاسم النظام وقسد السيطرة عليها، بالهجوم على عناصر قوات النظام في الجهة الشمالية للبلدة، ما أسفر عن قتلى من الطرفين، وأسر قوات النظام لعدد من المهاجمين. وقد ردت قوات النظام باستهداف بعض مناطق سيطرة قسد في البصيرة وخشام، فيما قالت قيادة قسد إن الهجوم كان دون علمها وقامت باعتقال عدد من أفراد كتائب البكارة التابعة لها بسبب هذا الهجوم. ويعدُّ هذا الحدث دليلاً على أن قتال النظام هو أولوية لدى كثيرٍ من أبناء المنطقة حتى لو لم يتوافق مع استراتيجية قسد، وهو دليلٌ آخر على احتمال خروج قوى وعناصر عن طاعتها، وربما تشكيل قوى أخرى محلية سيكون لها دور في الصراع إذا حصلت على دعم إقليمي.

الموقف التركي المتصلب تجاه قسد، والخلافات داخل صفوفها، وانتهاء العمليات العسكرية في ريف دير الزور، وعدم قبول كثيرٍ من الشخصيات التي رشحتها قسد لإدارة المرحلة القادمة في دير الزور والرقة، والعلاقة مع النظام السوري، والموقف الأمريكي غير الواضح، بالإضافة إلى عوامل أخرى أبرزها سياسة عناصر قسد في الاستيلاء على المنازل، وممارسات الإدارة الذاتية بحق النازحين العرب، والخلاف على عائدات النفط في المناطق المحررة، وموقف فصائل الجيش الحر في الشمال والبادية من قسد، كلها قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، لتعلن صراعاً جديداً في المنطقة قد يدفع تحالف قوات سوريا الديموقراطية ثمنه باهظاً.