قصص سورية مع الحجر المنزلي في اسطنبول

 

اتخذت الحكومة التركية، كغيرها من دول العالم، تدابير احترازية لمواجهة فيروس كورونا، طالت بطبيعة الحال جميع المقيمين على أراضيها، بمن فيهم نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري، اضطر كثيرون منهم للدخول في حجرٍ منزلي كانت له تأثيرات سلبية كثيرة عليهم.

اسطنبول هي المدينة التركية الأكثر تضرراً من تفشّي الوباء، إذ تستحوذ على أكثر من 60% من الإصابات المسجلة في البلد، كما أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين فيها رسمياً يأتي في مقدمة الولايات التركية بواقع 497 ألفاً، وذلك وفق إحصائية وزارة الداخلية التركية في آذار (مارس) الماضي، ما يعني أنها المدينة التي تضم أكبر عدد من السوريين خارج بلدهم على الإطلاق.

قشة قصمت ظهر البعير

منذ إعلان تركيا عن أول إصابة بفيروس كورونا في الحادي عشر من آذار الماضي، اختارَ بعض السوريين ترك أعمالهم والجلوس في الحجر المنزلي، بدلاً من المخاطرة بحياتهم وحياة أطفالهم، فيما أُجبر آخرون على البقاء في البيت بعد أن فُصلوا من أعمالهم، في حين واصل الباقون مزاولة مهنهم.

خالد أبو سميح لاجئ سوري مقيم في اسطنبول، وكان أحد الأشخاص الذين اضطروا للدخول في الحجر المنزلي. يشرح معاناته قائلاً: «كنت أعمل في ورشة للمفروشات بمنطقة مندرِس، وعقب إغلاق تركيا لحدودها كإجراءٍ وقائي من كورونا، توقفت عمليات تصدير منتجاتنا، ما أثر اقتصادياً على صاحب الورشة، فقام بفصل عدة عمال، مستغلاً عدم امتلاكنا أذون عمل قانونية تحمينا من التسريح التعسفي، وهذا كان حال كثير من أصدقائي الذين يعملون في عدة معامل في المدينة».

يقول أبو سميح للجمهورية: «أعيش اليوم ضمن الحجر المنزلي في حالة اكتئابٍ شديد، فبعد تسريحي من العمل بحثتُ عن عملٍ آخر، لكن دون جدوى، ما زاد حالتي النفسية سوءاً. لديَّ عائلة من أربعة أشخاص، وكان راتبي سابقاً بالكاد يكفي لدفع أجرة المنزل والفواتير وتأمين أدنى مستلزمات المعيشة، أما اليوم فأنا لا أملك ثمن ربطة خبز، واضطر للاستدانة».

يضيف أنه تعبَ كثيراً من هذا الحال: «صرتُ أخجل من النظر في أعين أطفالي وزوجتي، الذين بدت على وجوههم علامات البؤس والجوع، لذا صرت أفضّل الانعزال لوحدي في الغرفة أغلب الوقت، أو النوم طويلاً، فهو الحل الوحيد للهروب من هذا الواقع».

لم يكن خالد الوحيد الذي خسر عمله نتيجة هذه الظروف، فهناك آلاف السوريين في اسطنبول يواجهون المصير نفسه، ومنهم عبد الرحمن عبيد الذي يعمل في مجال الديكورات في منطقة إسنيورت في اسطنبول.

يقول عبد الرحمن للجمهورية: «كنت أقضي طوال وقتي في العمل، ومع تفشي كورونا بدأ عملي يتراجع حتى لم أعد أجد ورشة استلمها، واضطررت للجلوس في المنزل، وأصبح يومي مجرد شجارٍ مع زوجتي التي تطالبني دوماً بالبحث عن عملٍ بديل. لا أحتمل العمل تحت كنف أحد، فقد كان لديّ عملي الخاص».

يعمل أغلب اللاجئين في اسطنبول وفق نظام المياومة لتأمين قوتهم وقوت عائلاتهم، وجاء توقف أعمال كثيرة ليكون بمثابة القشة القاصمة، التي تُضاف إلى مشاكلهم السابقة المتعلقة بالأوضاع القانونية وأذون العمل وغيرها، إذ لم يعد بإمكان كثيرين منهم حتى توفير الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب ولباس.

نساءٌ تعرضنَ للضرب والإهانة

لم تقتصر تداعيات الحجر المنزلي على الشعور بالملل والاكتئاب والشجارات بين الأزواج، بل وصلت الى حد العنف الأسري.

شيرين هي لاجئة سورية تعرضت للضرب والاهانة من زوجها خلال الحجر المنزلي، وتحدثت عن معاناتها قائلةً: «تزوجت عن حب، وفضّلت ترك بلدي والسفر لعند زوجي في اسطنبول، لكن مع تفشي كورونا قرر زوجي ترك العمل طوعياً والجلوس في البيت، بعد أن بات لديه فوبيا من الفيروس».

تقول شيرين: «لم يعد زوجي يجرؤ حتى على الخروج من المنزل، وصار يطلب مني الذهاب لشراء المستلزمات المعيشية. قدّرتُ وضعه في البداية، لكن بعد فترة لم أعد أملك الوقت والطاقة للخروج، فلدي أعمال منزلية وأطفال بحاجة لرعاية. في إحدى المرات تشاجرنا بسبب الموضوع ذاته، وقلت له: أنت الرجل وليس أنا، وعليك أن تنزل للسوق، فقام بضربي».

تتابع: «تغاضيت عن تلك الصفعة فقط لأني أحبه، لكن الشجارات بيننا ظلّت مستمرة، خاصةً أن وضعنا المعيشي يتراجع، وأنني صرتُ أطلب منه مراراً أن يبحث عن عمل مع اتخاذ الإجراءات الوقائية، لكنه رفض وطلب مني عدم التدخل، وقام بضربي ثانيةً».

ذهبت شيرين مسرعةً إلى غرفتها وقررت ترك المنزل، لكن وهي تحزم أمتعتها فكرت: إلى أين ستذهب مع أولادها؟ فليس لديها أقارب في إسطنبول تقصدهم، ولا تستطيع السفر لعند أهلها في سوريا لأن الحدود مغلقة ضمن إجراءات الحكومة الوقائية، فاضطرت للبقاء في المنزل، وفي داخلها حسرة ممزوجة بالإهانة والذل: «لستُ الوحيدة، فلدي عدة صديقات تعرضنَ للضرب والإهانة في الحجر المنزلي».

كبار السن يختنقون في المنازل

لم يكن قرار الالتزام بالحجر المنزلي طوعياً دائماً، إذ فرضت الحكومة التركية حظراً عاماً للتجوال في بعض أيام الأسبوع، كما أنها فرضت منذ الثاني والعشرين من آذار الفائت حظر تجوالٍ إجباري في جميع الأيام على كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.

حوالي 65 ألف لاجئ سوري من كبار السن شملهم قرار الحظر الإجباري في تركيا، وذلك وفق إحصائية نشرتها منظمة اللاجئين في تركيا مطلع العام الجاري، وقد وجدوا أنفسهم مسجونين داخل المنازل، لا يستطيعون الخروج منها أبداً.

أم أنور كيالي لاجئة سورية مقيمة في منطقة باغجِلار في اسطنبول؛ تقول: «أنا متزوجة ولديّ أربعة أولاد، ويعيش معنا أبي ذي السبعين عاماً. كان معتاداً دوماً على الخروج من المنزل، فلا يحتمل أبداً الجلوس بين أربعة جدران. كان يملأ وقته طوال اليوم بالجلوس في الحديقة، وأداء الصلوات الخمس في المسجد، والذهاب للأسواق لشراء الحاجيات، ولقاء بعض أصدقائه في المقهى. بعد فرض حظر التجوال على كبار السن، تعبت نفسية أبي كثيراً، وصرتُ أخشى عليه من أزمةٍ صحية لا قدَّرَ الله. كان شديد التعلّق بالمساجد، وأصبحت أراه اليوم يبكي عند سماع الآذان. بات يتذمر من أصوات الأطفال بعد أن كان يلاعبهم في السابق، وينزعج ويصرخ من أمورٍ تافهة، كأن يجد زجاجة المياه في الثلاجة فارغة، أو لأني نسيت إطفاء ضوء المطبخ».

بالمقابل، تحدثت فاطمة، وهي جارة أم أنور، كيف وجدت بعض الحلول للتخفيف من ضجر والدها الذي يعيش معها: «قمتُ بإنشاء حسابات باسم أبي على تطبيقات فيسبوك وتويتر وتيك توك، وعلّمته طريقة استعمالها. في البداية لم يعجبه الأمر، لأنه واجه صعوبةً في التعلم عليها، لكنه بعد فترة بات يمضي أغلب وقته عليها. كذلك طلبتُ من زوجي أن يزرع بعض النباتات على شرفة المنزل، وصار والدي يمضي بعض وقته في الاعتناء بها، وبذلك استطعت التخفيف عنه».

الأطفال يعانون أيضاً

لم يقتصر حظر التجوال الإجباري على كبار السن، بل طال أيضاً كل من يقل عمره عن 20 عاماً، وذلك بموجب قرار أصدرته الحكومة التركية في الثالث من نيسان (أبريل) الماضي. وقد شمل هذا القرار مليون و720 ألف لاجئ سوري، وفق الأرقام التي نشرتها منظمة اللاجئين في تركيا.

تقول هبة رحمون، المقيمة في منطقة أسنلر في اسطنبول: «حظر التجوال على الأطفال سبّب لي مشكلة كبيرة، فلدي طفلان الأول في الرابعة من عمره والآخر في الثانية، وكنتُ معتادةً كل يوم على اصطحابهم إلى الحديقة، أما اليوم فإنها يقفان طوال النهار على باب البيت ويصرخان مطالبين بالخروج للحديقة. لم أعرف كيف أشرح لهما أنه ممنوع خروج الأطفال من المنزل».

أضافت هبة: «واجهت مشكلة ثانية، وهي أن طفلي ذا الأربع سنوات لديه مشاكل في النطق حتى الآن، وأخبرتني الطبيبة أنه يجب تسجيله في روضة أطفال، لكن صدور قرار حظر التجوال على الأطفال اضطرني لتفريغ أغلب وقتي لتعليمه بعض التمارين التي تساعده على النطق، إضافةً لتخصيص بعض وقتي للعب معه ومع أخيه، وهذا أدخلني في خلافاتٍ مع زوجي، بسبب التقصير في ما يعتبرها حقوقاً له، وفي واجبات المنزل».

*****

اتخذت الحكومة التركية إجراءاتٍ مشددة تصاعدية خلال الفترة الماضية لمواجهة كورونا، إلا أنها سمحت مؤخراً للمسنين من 65 عاماً وما فوق بالخروج إلى الشوارع لأربع ساعات فقط يوم الأحد المقبل العاشر من أيار، كما سُمح للأطفال حتى سن 14 عاماً بالخروج لأربع ساعات أيضاً يوم الثلاثاء المقبل، ومن هم بين سن 15 و20 عاماً في يوم الأربعاء التالي له.

وتستمر تركيا في فرض حظر تجوال كامل على الجميع أيام سبت وأحد، وفي أيام الأعياد، مع احتمال فرض حظر كامل لتسعة أيام خلال فترة عيد الفطر، اعتباراً من 23 أيار الجاري حتى الأول من حزيران المقبل. لكن يبقى أن عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته هو وحده الذي يمكن أن يخفف من معاناة اللاجئين السوريين، الذين يعيش أغلبهم من قوة عملهم اليومية، ودون أذون عمل قانونية تحميهم، ودون أي ضمان اجتماعي يكفل لهم الحد الأدنى من أسباب العيش.