كأنها أوسلو مرة أخرى

 


في فيلم تل أبيب على نار للمخرج الفلسطيني سامح الزعبي، الذي يُعرض منذ بداية الشهر الجاري في صالات السينما في برلين بعد عروض في دول كثيرة ومهرجانات متعددة، يعترض منتج مسلسل فلسطيني على النهاية السعيدة التي يقترحها كاتب سيناريو المسلسل، ألا وهي زواج مناضلة فلسطينية (منال منتحلة هوية صبية تُدعى راحيل) من ضابط إسرائيلي (يهودا) ، بقوله «هاي بتصير أوسلو زي تاني مرة». وتجري أحداث الفيلم بين مدينتي القدس ورام الله، عن شاب فلسطيني اسمه سلام عباس، يلعب دوره الممثل الفلسطيني قيس الناشف، ويعمل في تصوير مسلسل تلفزيوني اسمه تل أبيب على نار أيضاً.

كان سلام قد بدأ عمله في البداية مصححاً لنطق بعض الكلمات باللغة العبرية في المسلسل، إلا أن وظيفته تتحول ليجد نفسه كاتباً لسيناريو المسلسل، الذي تجري أحداثه قبل أيام من حرب حزيران عام 1967، عندما يتم التخطيط من قبل جهة فلسطينية لاغتيال ضابط إسرائيلي على يد صبية فلسطينية توقعه بحبها في سبيل تحقيق غاياتها السياسية والنضالية. أثناء مرور سلام على الحاجز الذي يفصل بين القدس ورام الله، وعلى إثر خلاف حدث معه على الحاجز، يكتشف الضابط الإسرائيلي بعد التحقيق مع سلام أنه يعمل في تصوير مسلسل تلفزيوني اسمه تل أبيب على نار، يتابعه فلسطينيون وإسرائيليون في الوقت ذاته، إلا أن الضابط يبدي رغبة في إدخال بعض التغييرات في السيناريو لصالح شخصية الضابط الإسرائيلي في المسلسل، كأن يبدو مثلاً «جنتل مان»، رومانسي ولطيف. لكن هذه التغييرات تتوسع لتطال السيناريو بأكمله، يفرضها الضابط الإسرائيلي بالعنف، وبمصادرة جواز سفر سلام عندما يتردد في إجراء التغييرات التي يقترحها الضابط عليه.

يتم تقديم هذا كله بأسلوب كوميدي ساخر، ولا شيء يمكن أن يثير الضحك أكثر من اللحظة التي نشهد فيها على تحطم كليشيهات مكرّسة على مدى سنوات طويلة، وهي البذرة الأساسية التي صُنعت منها الكوميديا في هذا الفيلم، عدا عن التقاط حسّاس لروح النكتة الفلسطينية اليومية والبسيطة، التي لم تمنع محلّيتُها من إضحاك الجمهور الألماني مثلاً، الذي التقط هذه النكات وما وراءها من رسائل سياسية واجتماعية.

بنية الفيلم السينمائية، وهي قصة داخل قصة، تعكس بشكل رئيسي بعدين مزدوجين، أولهما البعد الذي تجسده المشاهد المصوَّرَة من المسلسل، والتي تسخر بشكل مباشر من العديد من المشاهد التي اعتدنا على رؤيتها في الأفلام المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتحديداً من الكليشيهات القديمة والتنميطات المكرّسة في السينما والتلفزيون العربي عند الحديث عن قصص العمليات الاستخباراتية والفدائية، التي اشتهرت بتقديمها المسلسلات والأفلام المصرية  بشكل خاص بين أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات.

أما البعد الثاني الذي يتم تجسيده من خلال بنية الفيلم، القصة داخل قصة، فهو البعد اليومي لحياة الفلسطينيين في ظل الاحتلال وجدار الفصل العنصري، والظروف السياسية والاجتماعية التي يضطرون للتعايش معها بشكل يومي. كما تظهر التغييرات التي يرغب الضابط الإسرائيلي بإقحامها في المسلسل بوصفها مقاربة لعمليات التشويه التي يجريها الجانب الإسرائيلي على الرواية الفلسطينية، ومحاولاته امتلاك وتوجيه أصوات الفلسطينيين بما يخدم روايته وتطلعاته السياسية.

ولا تعكس القصة داخل القصة، أو المسلسل التلفزيوني داخل الفيلم، واقع القضية الفلسطينية في وقتنا الحالي والواقع اليومي المعاش لحياة الفلسطينيين فحسب، بل يمكننا اعتبارها مؤشراً على التركيب المعقد للهوية الفلسطينية بعد العيش المديد تحت الاحتلال، إذ تسمح هذه البنية بتحريض مجموعة من الأسئلة التي تتمحور حول رؤية الفلسطيني للآخر الإسرائيلي في حيّز الحياة اليومية، وحول رؤية الإسرائيلي للفلسطيني في الحيّز نفسه أيضاً، هذا الحيّز الممتلئ بالتنميطات التي يناقشها الفيلم ويسخر منها، ومن أمثلتها القبلة العربية التي يسخر الضابط الإسرائيلي من طريقة تصويرها في المسلسل، بينما تظهر في نهاية الفيلم بين سلام وحبيبته قبلة طبيعية وحقيقية، كما يقبّل  كل الناس أحبتهم. 

ما يثير الاهتمام أكثر هو بنية الصراع الفعلي في الفيلم، التي لا تتركز بين الضابط الإسرائيلي في نقطة التفتيش وسلام، بل بين الضابط الإسرائيلي ومُنتِج المسلسل الذي هو عمّ سلام، الأكبر عمراً، والذي ينتمي لجيل عاش واختبر هزيمة عام 67، فهو الذي يرفض كثيراً من التعديلات على السيناريو التي يحاول الضابط الإسرائيلي فرضها من خلال تهديداته لسلام. بالنسبة للعم، تبدو التغييرات لصالح قصة الحب بين راحيل ويهودا مستحيلة، وخارج مجال النقاش، في حين أن الأمر كان وارداً بالنسبة لسلام، لا سيما أنه يرزح تحت ضغوط العمل من جهة، وضغوط تهديدات الضابط الإسرائيلي من جهة أخرى.

يسعى الفيلم  لإخراج الفلسطيني من خانة التراجيدي والضحية، ومناقشة القضية الفلسطينية من نواحي أخرى خارج الإطار العسكري أو الممارسات العنصرية والعنيفة المباشرة، وهذا ما يؤكد عليه مخرج الفيلم سامح الزعبي في مجموعة من المقابلات الصحفية التي أُجريت معه، ومنها مقابلة مع BBC يعلن فيها بشكل صريح أنه تلقى تمويلاً من جهة إسرائيلية إلى جانب مصادر تمويل أخرى في سبيل إنتاج الفيلم.

يدافع سامح زعبي عن نفسه في مواجهة تهم التطبيع والانتقادات على تعامله الصريح مع صندوق السينما الإسرائيلي، قائلاً إن هذا التمويل هو جزء من الضرائب التي يدفعها الفلسطينيون لدولة الاحتلال، وإنه يحق لهم بطبيعة الحال الاستفادة منها. كما يقول إن مضمون هذا الفيلم لا يمثل إسرائيل ولا يدافع عنها، وإنه لا مشكلة في مصدر التمويل طالما أنه لا يتحكم ولا يفرض تعديلات على سيناريو الفيلم.

لا يمكننا فهم تعقيدات هذا الدفاع دون معرفة جملة من الحقائق، أهمها أن المخرج سامح زعبي هو فلسطيني من عرب 48، أي أنه فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية مرغماً لا مخيراً، ويدفع الضرائب لدولة الاحتلال مرغماً لا مخيراً أيضاً، وبالتالي فإن نقاش التطبيع من عدمه بالاستناد إلى مصدر التمويل ليس في محلّه بالنظر إلى خصوصية موقع المخرج والتركيب المعقدّ لهويته، بل إن ما ينبغي أن يكون محلّ نظر هنا هو مقولة الفيلم ورسالته السياسية.

فيما يخصّ مقولة الفيلم، يقول الزعبي في مقابلة له مع صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ترجمها ونشرها موقع درج: «في كل مرة تصنع فيلماً ستكون تحت عدسة المجهر، سينظر الفلسطينيون ليقرروا إن كانت قصتك فلسطينية بما يكفي أم إسرائيلية أكثر مما ينبغي. والإسرائيليون قلقون دائماً من كيفية تصويرهم. وإذا حصلت على تمويل من الصندوق، يقولون: نحن نمنحه المال وهو يصنع فيلماً عنا، إذاً أهو ضدنا أم معنا؟ وعندما أدركتُ أن هذه المفارقات ستكون دائماً جزءاً من مسيرتي في صناعة الأفلام، قلت لنفسي، حسناً سأصنع فيلماً عن هذا الأمر».

حصدَ الفيلم العديد من الجوائز السينمائية العالمية، واستطاع تقديم مقاربة جديدة حول طريقة التعاطي مع القضية الفلسطينية بأسلوب ذكي، ملامساً زوايا شائكة يومية تخص الفلسطينيين وقضيتهم، بالإضافة إلى أنه خرج من إطار أفلام المهرجانات إلى أن يكون فيلماً جماهيرياً يُعرض في مختلف الصالات السينمائية حول العالم. لكن المهمّ أيضاً أنه يُحرّض على كثير من التساؤلات حول كيفية طرح فهم جديد لعلاقة الفلسطيني بالإسرائيلي، وحول كيفية تقديم الفلسطينيين لقضيتهم بشكل أعمق وأبعد من التنميطات المكرّسة، دون المساومة على حقوقهم الإنسانية والسياسية.