لبنان في الجامعة العربيّة: مقعدٌ واحدٌ لدولتَيْن

 

«تسع سنوات مرّت على بدء الحروب الإرهابية في الدول العربية، سقط فيها مئات آلاف الضحايا وتشرّد الملايين، ناهيك بالآلاف المؤلفة من المعوّقين والجرحى وأيضا المفقودين. أنظمة تهاوت ورؤساء غابوا، مدن بكاملها دُمِّرت وثروات تبدّدت ومعالم ضاعت وشعوب تمزّقت. وخسر الجميع». هكذا افتتح رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، كلمته في القمّة العربية الأخيرة التي عُقدت في تونس في 31 آذار الفائت. اللافت أنّه فعل ذلك في تونس نفسها، أرض الثورة الأولى، وفي الوقت الذي نزل فيه الجزائريون إلى الشارع مطالبين بتغيير النظام. فما كاد ينتهي التباكي اللبناني على الرؤساء الذين غابوا، حتّى غاب رئيسٌ جديد هو عبد العزيز بوتفليقة. فما الذي يريده لبنان حقاً من القمم العربية وأيّ رسالة يحملها إلى العرب بعد عقودٍ من التباهي بكونه منارة الديموقراطية في العالم العربي؟

منذ تولّيه رئاسة الجمهورية اللبنانية في تشرين الأول 2016، شارك الرئيس اللبناني في ثلاث قمم رئاسية عربية: قمّة البحر الميت في الأردن في أواخر آذار 2017، وقمّة الظهران في السعودية في نيسان 2018، وقمّة تونس في آخر آذار 2019. صحيح أنّه تحدّث دائماً عن «حروب» و«إرهاب» بشكل عام، لكنّها المرّة الأولى التي يطلق فيها وصف «الحروب الإرهابية» على ما جرى في العالم العربي منذ تسع سنوات. كان بإمكان لبنان الممانِع أن يكتفي بأدبيّات الممانعة الأكثر عقلانيّةً التي تتفادى النقد السلبيّ للثورات أقلّه حتّى لحظة سقوط الرئيس حسني مبارك، لكنّه آثر استخدام الأدبيات الأكثر تطرّفاً، أي تلك التي لا ترى في الثورات العربية، منذ لحظتها الأولى، إلا «مؤامرةً» لعب «الإرهابيّون» فيها دور العميل المنفِّذ على الأرض. المطلوب إذاً هو توسيع الإطار الزمني لرواية النظام السوري عن نفسه حتّى تشمل الثورات العربية كلّها. وهذه «المزايدة» تكفّ في الواقع عن كونها صادمة حين نراجع انشغالات لبنان في القمم الثلاث الماضية. فقد التزمت الخطابات اللبنانية كلّها بالتعبير عن ثلاثة هموم، فلم تزد عليها ولم تنقص منها شيئاً:

الهمّ الأوّل هو حثّ الجامعة العربية على إعادة سوريا إليها، وإن كان الرئيس اللبناني قد حرص على عدم القيام بذلك بشكل مباشر، بل تارةً عبر الدعوة إلى تطبيق ميثاق الجامعة العربية وطوراً عبر طرح تساؤلات بشأن العودة السوريّة. ففي الأردن، ذكّر عون بالمادّة الثامنة من ميثاق الجامعة العربية التي «تفرض على كلّ دولة من الدول المشتركة أن تحترم نظام الحكم القائم في الدول الأخرى المنتسبة إلى الجامعة وتعتبره حقاً من حقوقها وتتعهّد بأن لا تقوم بعمل يرمي إلى تغييره». تلا المادة كاملة، قبل أن يطالب بوقف ما أسماه «حروب الإخوة». وفي مؤتمر الظهران، أعاد التذكير بالمادة الثامنة داعياً السعودية، ككبيرة العائلة، أن تبادر هي إلى لمّ الشمل. أمّا في قمّة تونس، فتساءل عن إمكانيّة مواجهة المخطّطات الدولية في ظلّ «مقاعد لا تزال شاغرة بيننا».

الهمّ الثاني هو التأكيد على أنّ القضية الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية هي القضايا الجوهرية في المنطقة، والتحذير من خطورة التلهّي عنها بالمشاكل الداخلية. ففي قمّة البحر الميت، تحدّث عن الوضع العربي العام متسائلاً إن كان التقاتل يجري  «من أجل تحرير القدس والأراضي العربية المحتلّة؟ أم من أجل الوطن الفلسطيني الموعود وإعادة اللاجئين؟». أمّا في الظهران، فأعلن أنّ «قضية فلسطين تمثّل الموقع المتقدّم في قلب التطوّرات وهي أساس اللااستقرار في الشرق الأوسط». وفي تونس، شكّل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجولان محور خطابه. وإذا كان مفهوماً أن يستخدم الرئيس اللبناني «فلسطين» للتعمية على الأوضاع الداخلية العربية أسوةً بما دأبت أنظمة عربية عديدة على فعله طيلة عقود، فإنّ التطوّرات العربية جعلت من هذه العدّة بضاعة كاسدة حتّى في سوق المزايدات. يكفي مثلاً أن نتخيّل «لااستقرار» ليبيا كنتيجة للصراع العربي الإسرائيلي.

الهمّ الثالث هو النازحون. وقد تدرّج الخطاب تجاههم من ضرورة تحقيق «العودة الآمنة» لهم إلى التحذير من مصطلح «العودة الطوعية» ومن ربط العودة بالحل السياسي واستخدام المجتمع الدولي للنازحين كأداة ضغط على سوريا. لكنّ الدعوة إلى العودة المبكرة لم تثنِ لبنان عن لفت نظر الجامعة العربية أنّ المساعدات للنازحين لا تمرّ عبر القنوات الرسمية. وغنيّ عن التذكير أنّ «القنوات الرسمية» حين يتعلّق الأمر بأموال النازحين ليست إلا «قنوات الزبائنية اللبنانية» التي تمرّ حالياً بأزمة سيولة. قد يُفهَم من هذه الإشارة السريعة، لا سمح اللّه، أنّ لبنان يطالب بعودة النازحين وعينه على أموالهم.

لم يحِد لبنان الرسميّ في القمم الثلاث لعهد ميشال عون عن هذه الثوابت التي تصبّ كلّها في مصلحة النظام السوري. حتّى قضية النازحين ربطها لبنان بعدم تحوّلهم إلى عبء على النظام السوري. والواقع أنّه ما كادت القمّة تنتهي، حتّى بادل النظام السوري عون التحيّة. فنقلت إحدى الصحف اللبنانية عن «مسؤول سوري كبير» إشادة القيادة السورية بـ«المواقف الوطنية والقومية التي يتّخذها (عون) منذ وصوله الى الرئاسة». ولم يفت هذا المسؤول الكبير التوقّف عند تعاطي رئيس الجمهورية مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال رحلته الأخيرة الى لبنان، فأشاد هذه المرّة بـ «الـbody language (لغة الجسد) التي استخدمها عون أثناء استقباله بومبيو»، والتي «كانت بليغة في دلالاتها وتعابيرها، وعكست موقفه الصارم والصلب في مواجهة الضغوط الأميركية». انتشر الخبر كالنار في هشيم المواقع الإخبارية الإلكترونية التي تناقلت إشادة «المسؤول السوري الكبير» كما لو أنّها شهادة حسن سلوك للبلد الصغير ككلّ.

في أوّل قمّة حضرها، لم ينتبه الرئيس اللبناني لأهميّة عبارته: «قد أصبحتُ واحداً منكم». فلولا الديموقراطية والصراع من أجلها، لما تسنّى لأحد أن «يصبح» رئيساً. لكن مهلاً، هل كانت الديموقراطية فعلاً، أم أنّ علينا أن نصدّق النائب المعلَّق نواف الموسوي حين قال إنّ رئيسنا جاء من فوهة بندقيّة؟