لسّا موجود: التطوع دفاعاً عن الحرية

 

«من رماد مدننا، من عمق فجيعتنا والألم، 'لسا موجود' هي صرخة بقائنا على قيد الحياة»؛ جاءت هذه العبارة في مطلع المقطع الأخير من البيان التأسيسي لمجموعة لسا موجود، الذي صدر في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) 2018. كان النظام السوري وقتها آخذاً في التقدّم ميدانياً وأمنياً عبر حروب التهجير والإبادة ومواصلة الاعتقال والتغييب والقتل تحت التعذيب، وسياسياً عبر تصاعد الحديث عن احتمال استعادته لموقعه السابق في العلاقات الدولية وتجاوز مسألة تغييره ومحاسبته، فيما كانت قوى المعارضة السورية السياسية والعسكرية تزداد ضعفاً وتشتتاً، ويزداد بعضها تبعيةً وارتهاناً لقوى ودول خارجية، ويواصل بعضها أيضاً انتهاكاته الوحشية وعنفه السلطوي المنفلت.

في بيانهم التأسيسي، أراد أعضاء مجموعة لسا موجود أن يقولوا إن ما يحصل ليس نهاية المطاف، معلنين في مطلعه أنهم يرفضون الواقع الذي «يفرض علينا قبول فشل سياسي واجتماعي كامل». وقد تحدثتُ إلى عدد من أعضاء المجموعة، في محاولة لمعرفة أهدافهم وآليات عملهم والأفكار التي ينطلقون منها، وقد كان واضحاً من الحديث معهم أن رفض الاستسلام للهزيمة، والعمل الصبور على المدى الطويل، ركنان أساسيان من أركان المشروع، بالإضافة إلى العمل الجماعي والتطوعي، وهذا الركن الأخير بالضبط هو ما دفعهم إلى طلب عدم ذكر أسمائهم، بحيث يتحدثون باسم المجموعة التي تكبر تدريجياً ويصبح عملها أكثر تنظيماً يوماً بعد يوم. سأحاول في هذا النص استعراض تجربة لسا موجود، وأهم نشاطاتها، من خلال متابعة منشوراتها على الإنترنت، ومن خلال الحديث مع أعضائها، وسيكون كلامهم هو ما يرد بين أقواس اقتباس فقط.

ولادة الفكرة

ولدت فكرة المبادرة بعد نقاش دار بين عدد من الناشطين والناشطات، يتفاعلون ويتواصلون مع بعضهم بعضاً عبر تويتر على وجه الخصوص، وجاءت ولادتها بالتزامن مع بدء ظهور قوائم بأسماء شهداء قضوا تحت التعذيب في سجون النظام، كانت عائلاتهم قد عرفت باستشهادهم عبر مراجعة دوائر الأحوال المدنية صيف 2018؛ «كان انتشار أسماء الشهداء تحت التعذيب بهذه الطريقة أمراً مروعاً، وقد لاحظنا أن رد الفعل العالمي، وحتى المحلي، كان ضعيفاً جداً، ويعبّر عن حالة من الرضوخ والاستسلام. وفي الوقت نفسه لاحظنا أنه ليس لدينا منصة على صفحات التواصل الاجتماعية تجمعنا كنشطاء ثورة سورية ما نزال نؤمن بالحرية والديمقراطية والعمل المدني، ورُحنا نفتح نقاشات حول هذا الأمر، وهكذا ولدت الفكرة؛ لماذا لا نخلق منصة تعبّر عنا؟! ونستطيع من خلالها أن نقوم بعمل منظّم نوعاً ما في الفضاء الرقمي».

كانت البداية مع ستة أشخاص، ثلاثة نشطاء وثلاث ناشطات، موزعين على ألمانيا ولبنان والسعودية، عملوا لمدة ثلاثة أشهر على نشر فكرتهم بين دوائر المعارف والأصدقاء، ثم جاء نشر البيان الرسمي على صفحتي المجموعة على تويتر وفيسبوك، الذي يحمل في نهايته إشارة إلى أنه صادرٌ من برلين؛ «لقد أردنا من خلال هذه الإشارة أن نقول بوضوح إننا نعمل في الشتات، واخترنا أن نعتبر برلين نقطة التموضع الجغرافي الرئيسية لأن ثلثي عدد المؤسسين كان فيها، ولأنها المدينة الأكثر استقبالاً للاجئين السوريين في أوروبا، ولكونها تتجه لأن تكون نوعاً من عاصمة للحضور الثقافي للسوريين في الشتات. كذلك فإن جزءاً أساسياً من عملنا يتعلق بالتواصل مع الفعاليات الأوروبية والفعاليات السورية في الشتات، لكن يبقى أن ميدان عملنا الأساسي هو الفضاء الافتراضي، الذي بات نوعاً من جغرافيا بديلة تجمع السوريين المشتتين في أنحاء الأرض».

في البيان التأسيسي، وردت عبارة تقول إن أعضاء المجموعة يتعهدون بالحفاظ على مجموعتهم «غير مؤدلجة، مستقلة عن 'الفشلة' في مؤسسات المعارضة السورية»، وإذا كان واضحاً القصد من التعهد بإبعاد المجموعة عن مؤسسات المعارضة، فإن ما بدا غير واضح هو القصد من التعهد بإبعاد المجموعة عن الأدلجة، لأن الدفاع عن الديمقراطية توجه إيديولوجي في الواقع، وليس مفهوماً أصلاً كيف يمكن أن يكون نشاط سياسي ما بعيداً عن الأدلجة. وعن هذا السؤال جاءت الإجابة بالقول إن «القصد كان الابتعاد عن الاستقطاب العلماني الإسلامي، وعدم القبول بأن تصبح المبادرة منصة لخوض هذا النزاع أو التعبير عن هذا الاستقطاب. ربما تكون العبارة غير موفقة تماماً، لكن انحيازنا لمبادئ الديمقراطية وقيم الحريّة والكرامة أمرٌ لا تراجع عنه على أي حال، وهو أصلاً ما اجتمعنا عليه وبدأنا العمل لأجله».

أما عن اختيار اسم المبادرة، لسا موجود، فهو يحمل معنيين؛ «المعنى الأول هو استمرار المطالبة بما كنا نريده عام 2011، وأن هزيمة الثورة مرحلياً لا تعني هزيمة فكرتها والكف عن المطالبة بالحرية والعدالة، لأن الثورة لم تُهزم بالمعنى الاجتماعي، ولأن أبناء الثورة الكثر في كل مكان من العالم، في سوريا وخارجها، دليلٌ على ذلك. أما المعنى الثاني، فهو أن المعتقلين لا يزالون موجودين في أقبية الاحتجاز والتعذيب والموت، وأن قضيتهم يجب أن تبقى في رأس سلّم الأولويات».

حملات ومشاريع أولى

بعد نشر البيان التأسيس فوراً، بدأت حملة المجموعة الأولى على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان شعارها الرئيسي هو اسم المجموعة نفسه، لسا موجود؛ وكانت مخصصة للتفاعل مع قضية المعتقلين السوريين. ثم جاءت حملات متفرقة وصغيرة طرحت إحداها ما تم تسميته «تحيات لمجموعات العمل السلمي»، وفيها تم لفت النظر إلى بعض أعمال مجموعات في الثورة، إلا أن الحملة توقفت عن العمل حالياً. تبعتها حملة حول حقيقة عبارة «كنا عايشين»، وذلك رداً على رواية المؤيدين حول الحياة في سوريا قبل الثورة.

الحملة المنظمة الثانية تزامنت مع عيد المرأة العالمي، أي في الثامن من آذار (مارس) 2019، وكانت عن المرأة في الثورة والمجتمع السوري، وعن مشاركة السوريات في الكفاح من أجل الحرية، وعن تحولات أدوارهنّ في المجتمع؛ «لقد انطلقنا من أن الثورة، حرّرت الإنسان السوريّ أيًا كانت هويته الجندريّة، ورأينا أنه من المهم تسليط الضوء على الجانب التحررّي للمرأة في الثورة». وفي هذه الحملة تم نشر إحصائيات عن النساء في مرحلة ما بعد الثورة، ونشر تقرير حول عمل النساء في إدلب في ظل وجوه القمع الجديدة، مع مقابلة مع الناشطة نورا الجيزاوي. كذلك قامت المبادرة بتنظيم فعاليات تتعلق بالمعتقلين والثورة السورية في جامعات ألمانية، كان أحدها بالتعاون مع منظمة تبنى ثورة في 17 آب (أغسطس) 2019.

في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) 2019، كانت المجموعة قد أطلقت مدونة لها، وجاء إطلاقها في ذكرى بدء «ربيع الديمقراطية السوري» بحسب ما جاء في المدونة، والمقصود هو السنوات الفاصلة بين خلع أديب الشيشكلي في 25 شباط 1954 والوحدة مع مصر عام 1958. ولا يعتبر أعضاء المجموعة أن ذلك الزمن كان زمناً ديمقراطياً مكتمل الأركان، لكن فيه «لحظة مميزة وفريدة في التاريخ السوري، وهي أن المنقلبين على الشيشكلي أعادوا المجلس النيابي، وأعادوا رئيس الجمهورية المنتخب هاشم الأتاسي كي يستكمل ولايته، وأعادوا العمل بدستور العام 1950». وما تزال المدونة مفتوحة لمساهمة من يريد الكتابة حول «سوريا، الثورة، الشباب، المستقبل، الهوية، الطائفية، الحرب والسلام، الجريمة والعقاب، الحقوق الفرديّة، الدولة المدنيّة، وغيرها من العناوين العريضة التي صنعت وتصنع مجتمعنا الراهن» حسب ما يرد في شروط النشر.

روزنامة الثورة

منذ الخامس عشر من آذار (مارس) 2019، أصبح لدى لسا موجود صفحة على إنستغرام، وذلك بالتزامن مع إطلاق مشروع روزنامة الثورة، الذي يتضمن استعراضاً يومياً لأهم أحداث الثورة السورية، عبر تصميم يتم إخراجه في صورة تتضمن أحداث اليوم في كل سنة من سنوات الثورة، ويتم نشرها على منصات لسا موجود على وسائل التواصل الاجتماعي.

يواصل الفريق الموكل بالعمل على هذا المشروع نشر الروزنامة بشكل يومي حتى الآن، ويقولون إن دافعهم وراء إطلاق هذا المشروع كان شعورهم بـ«ضرورة توثيق الحراك السوري من وجهة نظر ثورية وشبابية، بسبب افتقارنا لمثل هذا العمل بشكل متكامل، وهذا ما لمسناه أثناء بحثنا في الحقيقة. وأيضاً كان لدى بعضنا دافعٌ شخصيٌ للتعامل مع الذاكرة السورية بعدالة، بحيث نعرض كل الأحداث وكل المواقف التي شكّلت الثورة بإنصاف».

يقوم فريق العمل بتجميع كل الأخبار في أرشيف، هو عبارة عن ملفّ مجدول يحتوي كل المعلومات والأحداث التي يتمكنون من جمعها مُصنّفة حسب نوع الخبر؛ (حراك، مجازر، تقدم عسكري، سيطرة... إلخ)، ثم في مرحلة ثانية يقومون باختيار أبرز الأحداث ووضعها ضمن الصورة المعدّة للنشر، بصياغة بسيطة ومباشرة. ولأن هناك عدداً هائلاً من الأحداث في كل يوم، فقد قام الفريق بتطوير آلية للاختيار، تعطي الأولوية لأخبار الحراك المدني، ثم المذابح، ثم العمليات العسكرية وأخبار تغيّر السيطرة والمعارك، ثم التصريحات السياسية والقرارات الدولية المؤثرة بشكل حاسم في مسار الصراع.

في الخامس عشر من آذار القادم، سيكون المشروع قد أنهى سنته الأولى، ويحاول الفريق العمل على تطويره في السنة الثانية؛ «لدينا عدة أفكار حول تطوير مشروع روزنامة الثورة، وما بدأنا به لا يتعدى كونه بداية الطريق، وأول هذه الأفكار هو وضع كل ما تم جمعه وأرشفته على موقع إلكتروني يتضمن آلية بحث سهلة الاستخدام، لكننا لا نستطيع الجزم بأن هذا الأمر سيكون جاهزاً مع نهاية سنة المشروع الأولى. لدينا مقترحات أخرى، لكننا لا نستطيع الإفصاح عنها حتى نتأكد من قدرتنا على تنفيذها قريباً، ونأمل أن يكون أحدها جاهزاً مع ذكرى انطلاقة الثورة السورية القادمة إن حالفنا الحظ وساعدنا الوقت».

يقول أعضاء الفريق إن هذه العودة اليومية إلى أحداث السنوات السابقة جعلتهم يستعيدون مسار الثورة والحرب بعيون جديدة، ويشهدون مجدداً التحولات الهائلة خلال السنوات الماضية، وهم يقولون إن العملية كانت أصعب مما توقعوا؛ «بعد البحث اكتشفنا أن الأحداث متناثرة ومشتتة ويصعب التحقق منها في حالات كثيرة، وأننا نفتقر إلى منصات يسهل البحث عن الأخبار والوصول إليها من خلالها، بالإضافة إلى مشكلة حذف أو فقدان كثير من مصادر الخبر التي عمل السوريون في بداية الثورة على توثيق حدثهم وحكايتهم فيها، من مدونات وصفحات فيسبوك وقنوات يوتيوب. لكن الأصعب في الحقيقة هو ما يحدث على المستوى النفسي، إذ يمر العاملون في المشروع على ذكريات بالغة القسوة، حتى أن بعضهم يطلب إجازة لمدة معينة كي يستطيع استعادة توازنه، فكل مشهد يعني حكاية معتقل أو شهيد؛ لحظات الموت الأولى في سوريا، أول نابالم، أول قذيفة، أول ضربة كيماوي؛ ملاحظتك لدهشة الناس تحت ذلك الموت، وشعورك بأن كل ما تكتب عنه الآن صار أكبر وأضخم وأكثر 'عادية' بعد سنين من توسعه وازدياده. مخيفٌ أن ترى ثماني سنوات من الصعود والهبوط، الخيبات والانكسارات، وكثير من المشاعر المتضاربة التي تستعيدها، وتذوق مرارتها مجدداً في اللحظة الحالية التي هي أقرب ما تكون إلى لحظة هزيمة؛ اللحظة التي ترى فيها مجدداً مشاهد من مظاهرة ضخمة في حمص أو دمشق أو إدلب أو غيرها، فيترجمها عقلك إلى مذابح وصور لبشار الأسد لا تزال جاثمة على صدور السوريين».

حملات مستمرة وبيانات

بالتوازي مع العمل على روزنامة الثورة، استمرت حملات المجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينها حملة لدعم إدلب في شهر أيار (مايو) 2019، بالتزامن مع تصاعد الحملة العسكرية الكبرى عليها منذ نيسان (إبريل). وشملت الحملة حديثاً عن المجتمع في إدلب، ثم تطرقت إلى تاريخ مدن إدلب المنسية مثل قلب لوزة وسرجيلا، واختتمت بالحديث عن نشاطات اشتهرت بها مدينة إدلب مثل جداريات مدينة سراقب، ولافتات مدينة كفرنبل، وبعض المنظمات التي تعمل وتنشط اليوم فيها. وتضمنت الحملة على وجه الخصوص طلباً من أصدقاء المجموعة تصوير عبارات تضامن مع إدلب ونشرها مع هاشتاغ #لسا_موجود، بلغ عددها نحو 150 صورة، وجاء بعضها من مدن يسيطر عليها النظام مثل حمص وحلب واللاذقية وجبلة.

كذلك كان هناك حملة في 5 أكتوبر 2019، تضمنت دعوة أصدقاء المجموعة خارج البلد للحديث عن أشياء حملوها معهم من سوريا، مع مشاركة صور لهذه الأشياء، وقد بلغ عدد المتفاعلين معها نحو 150 شخصاً أيضاً. ثم حملة أخرى حملت اسم #أنا_لاجئ، لتسليط الضوء على العنصرية التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في دول الجوار السوري على وجه الخصوص، وذلك بالتزامن مع الإجراءات اللبنانية والتركية المشددة ضد اللاجئين السوريين.

لكن الحملة المتعلقة باللاجئين تم تعليقها مؤقتاً بالتزامن مع الحملة العسكرية التركية على شمالي الجزيرة السورية، كنوع من الاحتجاج على تلك الحملة، وكانت المجموعة قد أصدرت في آب (أغسطس)، بالتزامن مع تصاعد التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية، بياناً استنكرت فيه ما قالت إنه «تحوّل متسارع في موقف حكومة الجمهورية التركية من السوريين وقضيتهم»، متمثلاً في «رعاية حملات ترحيل جماعية للاجئين» و«دعم مسار أستانا» و«الاستعداد لاجتياح الجزيرة السورية» وإفساح «المجال لما نراه من تطبيق فاشيّ لسياسة الأرض المحروقة» من قبل روسيا في أرياف حماة وإدلب.

لم يكن ذاك هو البيان الأول للمجموعة، بل سبقه في أيار(مايو) بيانٌ بخصوص الحملة العسكرية للنظام السوري وروسيا على ريفي حماة وإدلب، وبيان في شهر تموز (يوليو) بالاشتراك مع عدة جهات أخرى من بينها منظمة تبنى ثورة والرابطة السورية لكرامة المواطن، وذلك بخصوص أعمال الترحيل القسري للاجئين السوريين في لبنان.

بالإضافة إلى هذا، أطلقت المجموعة مشروعاً لـ «تقييم المعارضة» السورية في الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، ويعتبره أعضاء المجموعة «محاولة متواضعة لدمقرطة مؤسسات المعارضة»، وذلك من خلال استبيان يهدف إلى تقييم أداء المعارضين السوريين، وكان دافعهم لإطلاق هذا المشروع قناعتهم بضرورة البحث عن وسيلة تتيح لعموم السوريين الثائرين على النظام ممارسة حقهم في تقييم المعارضين الذين تصدوا لمهمة تمثيل الثورة ومحاسبتهم. وقبل أيام، قالت المجموعة على صفحتها على فيسبوك إن عدد المشاركين في الاستبيان اقترب من 500 شخص، وقال أعضاء في المجموعة في حديثهم إن «هذه المحاولة لا تزال أوليّة»، وإنهم «يعملون على تطويرها وتفعيلها».

تعمل المجموعة عبر وسائل عدة على صيانة سردية الثورة وتوثيق الأحداث، ومن هذه الوسائل الصور والرسم، وفي هذا الإطار قامت المجموعة بابتكار شخصية تمثّل الرسومات التي يقومون بمشاركتها تباعاً، منحوها اسم «طلّ»، وذلك «لارتباط الاسم في ذاكرة السوريين بالمعتقلة السورية طلّ الملوحي، التي كانت من أصغر معتقلات الرأي عمراً في سجون النظام، ولارتباطه بما ننتظره من أمل يطلّ علينا وعلى سوريا».

استخدمت المجموعة صورة طلّ هذه في فعالية حملت اسم «صراع السردية والعدالة في الثورة»، جرت في ألمانيا بالاشتراك مع مدونة سرد، بالتعاون مع منظمة هاينريش بول الألمانية.

مأسسة وديمقراطية داخلية

تزايدَ عدد أعضاء المجموعة خلال هذه الأشهر، حتى بلغ ثمانية عشر عضواً في دول عديدة حول العالم، وترافق ذلك مع عمل تدريجي على المأسسة والتنظيم، طابعه الأساسي هو إرساء نوع من الديمقراطية الداخلية، بدأ منذ مطلع العام 2019 من خلال الاتفاق على منصب منسق لعام للمجموعة، تستمرّ ولايته ثلاثة أشهر، ثم استتبع ذلك في شهر آذار إضافة ما أسموه «هيئة التشريع والاستشارات» للتدقيق في الأعمال الإدارية الداخليّة والفصل في أي خلافات قد تحصل بين الأعضاء، وكذلك مفوضيات تخصصية من بينها مفوضية لإدارة صفحات التواصل الاجتماعي، ومفوضية للنشاط طويل الأمد، ومفوضية للعلاقات الخارجية، وحديثًا مفوضية للملتيميديا. يجرى الاقتراع على هذه المواقع كل ثلاثة أشهر.

يبدو هذا الشكل من المأسسة للوهلة الأولى أكبر من حجم نشاط المجموعة الحالي، لكن إذا أخذنا في عين الاعتبار طموحات المجموعة في التوسع والاستمرار طويل الأمد، فإن هذا التنظيم يبدو «ضرورة لا خياراً» وفق تعبيرهم، وخاصة في ظل «اللامركزية واسعة النطاق»، الأمر الذي يتطلب مرونة وتنظيماً يساعد على الاستمرار، تحديداً إذا ما تذكرنا أن العمل تطوعي بالكامل، ما يعني ضرورة التنظيم وتوزيع المهمات كي لا يتباطأ العمل وتفتر الهمم مع مشاغل الحياة وضغوطاتها الهائلة؛ «ليس لدنيا تمويل حالياً، لكننا نبحث في مصادر تمويل تدعم بعض المشاريع، خاصة على المستوى التقني، مثل ضرورة تصميم موقع إلكتروني فعّال، وتمويل بعض الأنشطة بما تتطلبه من معدات وقاعات وتكاليف سفر، لكننا لا نسعى إلى أن يكون أي من نشاطنا مأجوراً، بل نحن متمسكون بالجانب التطوعي، ونتوسع ونتقدم بخطوات بطيئة ومدروسة».

طموحات كبيرة

لدى أعضاء المجموعة طموحات كبيرة يعملون عليها بهدوء ودأب، وهي ليست طموحات سياسية آنية كما يؤكدون مراراً، بمعنى أنها ليست طموحات بالتحول إلى تيار سياسي في المستقبل المنظور، بل هي طموحات بتقديم مساهمة فاعلة في صيانة إرث الثورة السورية، وطموحات بالاستمرار واستعادة فعالية العمل التطوعي، وطموحات بتدرّب مديد على العمل الجماعي التطوعي المنظّم، والمساهمة في صناعة مستقبل بلادهم التي تم تشريدهم منها، والمساهمة في الفعالية السياسية والثقافية للشتات السوري.

ليس هناك أعضاء في المجموعة يعيشون داخل البلد الآن، وذلك لأن المجموعة «لا تستطيع حماية أعضائها من الخطر الذي قد يتعرضون له في الداخل السوري جرّاء مواقف ونشاط المجموعة في الخارج»، لكنهم في الوقت ذاته لا يشعرون بأنهم منفصلون عن الداخل السوري؛ «لا نؤمن بثنائية الداخل والخارج ولا نريد الاستسلام لها، ولا نؤمن أيضاً بالتقسيم بين من يعيشون في مناطق سيطرة النظام ومن يعيشون خارجها. نحن سوريون مؤمنون بقدرة الشعب السوري على مواصلة الكفاح من أجل حقوقه داخل البلد وخارجه، ونسعى إلى تقديم مساهمتنا المتواضعة في هذا الكفاح الشجاع».