ليبيا: دولة العقيد الديمقراطية

 

لا تزال المعارك العنيفة مستمرة منذ أشهر طويلة في محيط العاصمة الليبية طرابلس، ويعلن كل من طرفيها الرئيسيين، قوات «عملية الكرامة» بقيادة خليفة حفتر وقوات «حكومة الوفاق» في طرابلس، أنهما ماضيان في حربهما التي تبدو بعيدة عن أي حسم قريب. وخلف هذه المعارك، تكمن سلسلة من التعقيدات والأحداث التي شهدتها ليبيا منذ الإطاحة بالقذافي، والملمح الأساسي لها هو «كثرة الديمقراطية»، أو بكلمات أخرى كثرة البرلمانات والحكومات التي تعتبر نفسها شرعية ومنتخبة، حتى أن البلاد ضمت في أحد المراحل برلمانين وثلاث حكومات في آن معاً.

وقد بدأت بوادر هذه الديمقراطية الفريدة من نوعها منذ انتخاب البرلمان الأول في تموز 2012، الذي حمل اسم المؤتمر الوطني العام، وكانت له مهام محددة تتلخص في أن يقود ليبيا نحو إعداد دستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، للتحول من المرحلة الانتقالية التالية للثورة إلى مرحلة الدولة. وقد ظهرت الصراعات السياسية بين أعضاء المؤتمر سريعاً، من خلال تشكيل تكتلات عملت على فرض قرارات وفق مصالحها أو توجهاتها الإيديولوجية، وشرعنت وجود المليشيات وتمترست خلفها وأضعفت دور المؤسسات الأمنية والعسكرية والحكومية الناشئة، حتى سيطر تكتل صغير على المؤتمر وقرارته تحت اسم «كتلة الوفاء لدماء الشهداء».

وقد كان هذا التكتل مكوناً بشكل أساسي من تيار الإخوان المسلمين والتيارات السلفية وبعض المتحالفين معهم لأسباب عقائدية أو بسبب مصالح سياسية واقتصادية. كانت كتلة لا يتجاوز عدد أعضائها ثلاثين شخصاً، لكنها استخدمت كل أساليب العنف والاستقواء بالسلاح لفرض إرادتها على مؤتمر منتحب ضمّ مئتي برلماني.

كانت المليشيات الأقوى تسليحاً وعدداً هي تلك التي تتبع لتيارات إسلامية، أو التي تتبع لمدن بعينها، وكل تيار سياسي أو ديني كانت له مليشيات تحميه وتحمي مصالحه، وتم اقتسام المناصب الحكومية كمحاصصة سياسية وجهوية دون أي اعتبار للكفاءة، بالتزامن مع موجة اغتيالات كبيرة طالت ضباطاً وعسكريين وخاصة شرقي ليبيا، كما طالت عدداً من السياسيين  والنشطاء المدنيين المؤثرين، ثم جاء إقرار قانون العزل السياسي ليزيد الشقاق في المجتمع، ويعمّقَ الشرخ بين أنصار ثورة فبراير 2011 وخصومها.

سطوة المليشيات وانتشار السلاح وغياب الأمن، والغضب الشعبي نتيجة تمديد المؤتمر الوطني لنفسه رغم فشله في أداء المهمات الموكلة له، أدى إلى خروج مظاهرات ضخمة في ليبيا منذ نهاية العام 2013، طالبت بعودة المؤسسات الحكومية والأمنية، وهو ما أوصل إلى انتخابات برلمانية جديدة في حزيران 2014، كانت الثانية منذ سقوط القذافي. وقد خسرت التيارات الإسلامية في تلك الانتخابات خسارة فادحة، بحيث لم تتجاوز مقاعد التيار الإسلامي ستة مقاعد من أصل مئتين، ولم يتجاوز مجموع مقاعدهم مع حلفائهم الثلاثين مقعداً، وهو ما اعتُبر وقتها مفاجأة كبيرة في المجتمع الليبي الموصوف بأنه شديد المحافظة والتديّن.

قبل تلك الانتخابات بقليل، كانت مجموعات عسكرية يقودها اللواء خليفة حفتر، الذي رفّعَ نفسه لاحقاً إلى رتبة مشير، قد بدأت عملية «كرامة ليبيا» في أيار 2014. وخليفة حفتر جزء من المؤسسة العسكرية، كان من الضبط المنشقين عن نظام القذافي وعاد إلى ليبيا للمشاركة في المعركة ضده، ثم برز بعدها كطرف يسعى إلى السلطة، ويقود بعض الضباط والعسكريين فيما عُرِفَ وقتها باسم «أولياء الدم»، وهم أهالي الضباط والعسكريين الذين اغتيلوا على أيدي ميليشيات إسلامية بعد سقوط القذافي. وقد تحصّلَ حفتر على دعم كبير من أهالي الشرق الليبي وخاصة في مدينة برقة، وكان الهدف المعلن لعمليته هو القضاء على الميليشيات الإسلامية المرتبطة بالقاعدة، وحالت المعارك التي كان ميدانها الأساسي في بدايتها شرق ليبيا دون انتقال البرلمان إلى مدينة بنغازي، التي كان مقرراً أن تكون مقراً له، وتم نقله إلى مدينة طبرق في شرق ليبيا أيضاً بشكل مؤقت.

وقد رفضت القوات العسكرية التابعة للقوى النافذة في المؤتمر الوطني العام عملية خليفة حفتر تلك، معتبرة أن الحرب على الجماعات الإرهابية يجب أن تكون مسؤوليتها هي باعتبار أنها جيش الدولة الليبية، كما رفض المؤتمر الوطني التسليم للبرلمان المنتخب الجديد، وانحاز له بعض أعضاء البرلمان الجديد القريبين في توجهاتهم من التيارات الإسلامية وكتلة الوفاء لدماء الشهداء والميليشيات التابعة لمدن رئيسية في الغرب الليبي، ليتحول الصراع إلى منحى آخر، بين المدافعين عن شرعية البرلمان الجديد والمدافعين عن شرعية المؤتمر الوطني العام، غير أن المجتمع الدولي اعترف وقتها بشرعية البرلمان الجديد.

وقد انحازت للواء خليفة حفتر مجموعات عسكرية عديدة في غرب ليبيا وليس في شرقها فقط، وردّت الميليشيات والقوات التابعة للمؤتمر الوطني العام في تموز 2014 بإطلاق ما أسمته حرب «فجر ليبيا» أو «قسورة»، وأعرب قادتها الذين يرون أنفسهم «حماة الثورة» عن أنها حرب مضادة لعملية الكرامة التي «تنوي القضاء على ثورة فبراير، وإعادة حكم العسكر»، وأنها تهدف كذلك إلى طرد مليشيات محسوبة على حفتر في طرابلس، بتهمة إشاعتها لعمليات السرقة والخطف والابتزاز وغيرها من الممارسات التي عززت الفوضى، وهي التصرفات التي كانت تقوم بها في الواقع جميع المليشيات تقريباً، ولا تزال تقوم بها حتى اليوم.

أدت تلك الحرب إلى تدمير مطار طرابلس الدولي، وخروج جميع البعثات الدبلوماسية من ليبيا، وأنهت الحلم ببناء دولة مدنية مستقرة، وأدت إلى انقسام جغرافي وسياسي في ليبيا، دفع المواطنون الليبيون ثمنه ولا يزالون. وعلى الطرف الآخر من الصراع، كانت عملية الكرامة بقيادة حفتر تكتسب مشروعيتها في محاربة الإرهاب، وخاصة بعد أن أعلنت عدة مليشيات إسلامية في بنغازي ودرنة مبايعتها  لداعش، لكن هذه الحرب طال أمدها ودمارها، واستمرت في محاولة فرض سيطرتها على سائر الأراضي الليبية معتبرة أن جميع الميلشيات والقوات العسكرية الأخرى إرهابية ويجب القضاء عليها، ليبدو واضحاً أنها حرب سياسية يهدف قادتها للسيطرة على ليبيا وحكمها.

وقد قام المؤتمر الوطني العام الذي رفض التسليم للبرلمان المنتخب بتشكيل حكومة أسماها «حكومة الإنقاذ»، وذلك في طرابلس التي باتت تحت سيطرة ميليشيات وقوات فجر ليبيا، فيما بدأ البرلمان الجديد في الشرق بممارسة مهامه، وشكل حكومة تتبعه في مدينة البيضاء شرقي ليبيا أسماها «الحكومة المؤقتة»، التي تمارس أعمالها في مناطق سيطرة قوات وميليشيات عملية الكرامة. أما الجنوب فقد تُرك ليواجه مصيره مع مليشيات متعددة فيها مقاتلون أجانب، وتنتشر الفوضى في مساحاته الشاسعة قليلة السكان، ويصبح المعبر الأساسي للمهاجرين من إفريقيا نحو الشمال، وتختار كل مدينة فيه تبعيتها لأحد البرلمانين والحكومتين وفق توجه غالبية أهلها.

مع تزايد حدة الانقسام السياسي وغرق ليبيا في الفوضى أكثر فأكثر، تدخل المجتمع الدولي لرأب الصدع من خلال مفاوضات في مدينة الصخيرات بالمغرب، نتج عنها ما عرف باتفاق الصخيرات في كانون الأول من العام 2015، تم بموجبه تشكيل مجلس رئاسي من تسعة أعضاء، وكالعادة كانت المحاصصة هي أساس هذا التشكيل، بحيث نجد ممثلاً لكل تيار سياسي، مع ممثلين لمدينتين هما مصراتة والزنتان باعتبارهما المدينتان الأكثر تسليحاً واللتان تضمان العدد الأكبر من المقاتلين، ذلك مع الإبقاء على البرلمان الجديد، وتسمية البرلمان القديم باسم المجلس الأعلى للدولة، وتشكيل ما سمّيَ بـ «حكومة الوفاق الوطني الليبية».

 فشل الاتفاق الجديد سريعاً على الرغم من محاولة إرضاء جميع الأطراف، إذ استمرت الحكومة المؤقتة التابعة لبرلمان 2014 في عملها في مناطق شرقي ليبيا، فيما عملت الحكومة الجديدة التي حملت اسم حكومة الوفاق في الغرب الليبي وبعض مناطق الجنوب فقط، واحتفظت حكومة الإنقاذ التي شكّلها المؤتمر الوطني العام بوجودها بضعة أشهر بالتزامن مع وجود حكومتي الوفاق والمؤقتة، لتعلن حلّ نفسها لاحقاً والانضمام إلى حكومة الوفاق، التي احتفظت بهذا الاسم مع أنها نسخة جديدة معدلة قليلاً عن التركيبة التي حكمت باسم المؤتمر الوطني العام. وجميع هذه الحكومات كانت ولا تزال واقعة تحت رحمة المليشيات المسلحة بلا استثناء، لتمضي ثلاث سنوات تقريباً على اتفاق الصخيرات دون أن يجد سبيله إلى التنفيذ الفعلي، مع استمرار وتفاقم الفشل والتدهور الأمني والأزمات في جميع مناحي الحياة، واستمرار المعارك في محيط طرابلس على وجه الخصوص.

هذا الصراع والانقسام بين الليبيين، لم يكُ ليبياً خالصاً، فكل طرف تحصّلَ على دعم مالي وسياسي وعسكري واستخباراتي من أطراف خارجية، تقتضي مصالحها استمرار الفوضى أو سيطرة للطرف الذي تدعمه على الحكم في البلاد. لقد تحصّلَ حفتر ومن معه على دعم واضح من روسيا وفرنسا ومصر والسعودية والإمارات، فيما تلقى الطرف الآخر، المتمثل بشكل رئيسي في التيارات الإسلامية ومن يواليها ومسلحين يرون في أنفسهم استمراراً لثورة فبراير 2011، دعماً من قطر وتركيا وإيطاليا وبريطانيا. أما الموقف الأميركي فبدا غير واضح، أو ربما بالأصح يمكن القول إن الولايات المتحدة على اتصال بجميع الأطراف، بمن فيهم حتى الموالون للنظام السابق، الذي راحوا يبرزون مؤخراً كطرف يسعى للعودة إلى الحكم، عبر التفاوض مع بعض الأطراف الداخلية والخارجية، والترويج لفكرة عودة النظام السابق برئاسة سيف الإسلام القذافي كشرط لإعادة الاستقرار وبناء الدولة.

ثمة صورة عن الشعب الليبي حاول إعلام القذافي ترويجها في الأشهر القليلة السابقة لسقوطه، خاصة في إفريقيا والوطن العربي، وهي أن الليبيين جاحدون لنعمة القذافي وما كان يوفره من رفاهية لهم. وفي ظل الأوضاع القاسية الراهنة، تعود هذه الصورة للظهور في أذهان كثيرين داخل ليبيا وخارجها، من خلال أسئلة حول دواعي إسقاطه أصلاً، حتى أن كثيرين ممن يعرفون ديكتاتورية نظام القذافي، يقولون اليوم في تعليقاتهم إنه دكتاتور كغيره من حكام الأنظمة الشمولية، لكنه مع ذلك وفَّرَ عيشاً كريماً لشعبه، وأن الشعب الليبي لم يعرف الحرمان مثل غيره من شعوب المنطقة، وعلى وجه الخصوص دول ثورات الربيع العربي.

ولكن إذا كان هذا صحيحاً فعلاً، ترى ما الذي حصل للشعب الحر السعيد الذي يتحدثون عنه؟!!

جميع الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام عن ليبيا اليوم تتحدث عن سوء الأوضاع المتفاقم وعن استمرار الحرب بين أبناء شعب سبق له أن هتف يوماً: «يا قذافي موت موت، الشعب الليبي كله خوت»، أي أن الشعب الليبي كله إخوة. وإذا أردنا تحليل المشهد الدموي العنيف، فإن علينا أن نحاول قدر الإمكان عزل مشاعرنا وتقديم رؤية موضوعية، من خلال قراءة المشهد الحالي ثم تتبّع جذوره، التي ستقودنا حتماً إلى القمع والإقصاء والعنصرية التي كانت عماد النهج السياسي للبلد طوال حكم القذافي. لقد بُنيت دولة العقيد على أسس واضحة جداً، هي الفكر الواحد واللون الواحد والمنهج الواحد الذي لا بديل عنه، فدولة العقيد ألغت الدستور وأفرغت مؤسسات الدولة، عطلت الأحزاب السياسية والتعددية الفكرية، وغيبت مؤسسات التنمية المكانية والاقتصادية والحقوقية، واستبدلتها بأجسام هزيلة تخدم النظام وحده.

تخيلوا معي، على أي صورة يجب أن تكون ليبيا بكل ما تملكه من ثروات اقتصادية وجغرافية، بحار النفط والغاز الطبيعي والمعادن، وموقع جغرافي يتوسط العالم، وشواطئ تمتد ألفي كيلومتر مع ما توفره من إمكانيات سياحية وثروة بحرية، وصحراء واسعة وطاقة شمسية هائلة، وغيرها الكثير من الثروات؛ صحيحٌ أن القذافي وزّع بعضاً من ريع هذه الثروات الهائلة على شرائح من أفراد الشعب، لكن لماذا لم يتم استغلال كل هذه الثروات وتسخيرها لبناء دولة قوية فعلاً، وبرامج تنمية بشرية معرفية وعلمية وثقافية واقتصادية؟ الجواب واضحٌ طبعاً؛ ليس في صالح دولة العقيد أن يكون هناك دولة رفاه وتنمية فعلية، لأنه أراد لهذه الدولة أن تكون في قبضة يده، يديرها كما يشاء، ويحرك خيوطها كدمى المسرح.

يبرز بعد هذا سؤال آخر، هل الذين جاءوا خلفاً للعقيد أفضل منه؟ وهل تجوز المقارنة بين دولة العقيد والوضع الحالي؟

ما نراه اليوم من صراع على السلطة، هو نتيجة حتمية لنظام سابق حكم البلاد بأدوات فاشيّة طيلة نصف قرن، مخلفاً في عقلية أفراد المجتمع سياسة الانفراد بالحكم والتسلط والإقصاء كوسيلة وحيدة، مع صورة مشوهة عن ديمقراطية وحيدة الاتجاه، تنتهي كلها إلى تركيز الحكم في يد القذافي وعائلته وأعوانه. ورغم أن بدايات البناء ما بعد سقوط النظام كانت واعدة نسبياً بانتخابات نزيهة، لكن جميع الأطراف وقعت سريعاً في فخ الفوضى التي كانت محتومة نتيجة رغبتها باحتكار السلطة والانفراد بالحكم، ليبدو أن «دولة العقيد» مترسّخة في أذهان قادة ليبيا السياسيين والعسكريين، ما جعل كثيراً من المواطنين الليبيين يشعرون بالخيبة، ويصلون إلى قناعة مفادها أنهم «شعب لا يستحق الديمقراطية كوسيلة لنظام حكم يحفظ كرامة المواطن وحقوقه»، وهو ما قاد كثيرين لتأييد عودة حكم العسكر، سواء عبر رموز النظام السابق، أو عبر الاصطفاف إلى جانب حفتر ضد خصومه، وخاصة مع تفاقم الأزمات واستمرار الحرب التي تمزق البلاد وتحصد الأرواح من أجل كرسي الحكم.

يدفع المجتمع الدولي اليوم باتجاه استكمال بنود اتفاق الصخيرات، عبر انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة بعد الاستفتاء على مشروع دستور جديد، لم يتم البت فيه بسبب انقسام أعضاء هيئة إعداد الدستور، وهذه معضلة أخرى لا بوادر انفراج فيها. والأرجح أنه لن يُكتب لهذا السيناريو النجاح، نظراً لانتشار السلاح والمليشيات التي لن ترضى أن تبقى خارج المعادلة بعد أن عرفت طعم السلطة والمال، والتي تدرك جيداً أن قيام دولة قانون سيقابله محاكمات ومحاسبة، وأيضاً لأن الشعب الليبي فقد ثقته بصناديق الاقتراع، فمن يضمن له اليوم أن أطراف الصراع ستقبل بنتائج انتخابات جديدة، وأنها لن تفتعل حرباً جديدة للالتفاف على نتائجها. لن تنتهي هذه الدوامة التي تبتلع ليبيا إلا بمصالحة حقيقية يقودها أطراف الصراع الليبي، وبعد أن تكفّ الأطراف الخارجية عن تمويل الفوضى والحرب.