مأساة النازحين تتفاقم

 

عند كل مفصل يحتاج إلى تدخل إنساني طارئ في سوريا، ينكشف عجز وتقصير المؤسسات والمنظمات الإنسانية، سواء كانت مستقلة أم مرتبطة بجهات دولية أو حكومية، وهو ما يتجدد هذه الأيام مع شلل هذه المؤسسات شبه التام تجاه المآسي التي خلّفها تصاعد العمليات العسكرية من قبل نظام الأسد وحلفائه على أرياف حماة وإدلب وحلب، ومنها محنة عشرات آلاف النازحين والمهجرين المتروكين لمصيرهم.

يقول محمد الحلاج، مدير «منسقو استجابة سوريا»، للجمهورية إن «الفريق قام بتوثيق أعداد النازحين منذ أواخر شهر نيسان الماضي وحتى الثالث عشر من أيار الجاري، الذي وصل إلى 41814 عائلة بعدد يقارب 260500 نسمة، وهي الفترة التي شهدت تصعيداً كبيراً وقصفاً عنيفاً من قوات الأسد والقوات الروسية على محافظة إدلب وريف حماة».

وقد عبَّرَ الحلاج عن مخاوفه من ارتفاع أعداد النازحين في المنطقة نتيجة استمرار العمليات العسكرية، وما دمرته من منشآت وبنى تحتية كالمشافي والمدارس ومراكز الدفاع المدني ومخيمات النازحين، إضافة إلى البيوت السكنية. مضيفاً أن «الأعداد تزداد بشكل يومي، وأن فرق منسقو الاستجابة لا تزال تحصي أعداد النازحين الذين توزعوا على أكثر من خمسة وثلاثين نقطة من مناطق ريف حلب الشرقي والشمالي وعفرين وريف حلب الغربي وإدلب، منها على وجه الخصوص بلدات الدانا وحارم وسلقين ودركوش وسراقب ومعرتمصرين وكفر تخاريم».

عن الظروف التي يعيشها النازحون، يقول أحمد شبيب مدير مكتب منظمة غصن الزيتون في شمال غرب سوريا: «هرب كثيرٌ من أهالي ريفي حماة الشمالي والغربي وريف إدلب الجنوبي من القصف الذي يستهدف مناطقهم بكافة أنواع الأسلحة، فمنهم من توجه نحو المناطق القريبة من الحدود التركية ومخيمات الشمال السوري التي اكتظت وأصبحت غير قادرة على استقبال المزيد، ومنهم من لجأوا إلى أقاربهم في القرى القريبة من أماكن سكنهم الأصلي، في حين أصبحت البساتين والكروم والأراضي الزراعية المأوى الجديد لكثيرٍ من الأسر الهاربة من الموت».

يرفض عدد من السكان مغادرة مناطقهم رغم القصف الكثيف، وذلك لأسباب تتعلق بعدم توفر الأكلاف المادية للنقل أو الإيجار، فضلاً عن غلاء أسعار المواد الغذائية، علماً أن معظم أهل هذه المناطق يعيشون على محاصيل الزراعة التي تزامن موسم حصاد كثير منها مع إجبارهم على مغادرة أراضيهم ومنازلهم.

أم علاء واحدة من الذين رفضوا مغادرة مدينة خان شيخون أول الأمر، إلّا أن كثافة النيران وخلو المدينة تقريباً من سكانها أجبرها على المغادرة؛ تقول: «اضطررت لحزم أمتعتي والتوجه نحو مخيم أطمه علّي أحظى بخيمة تؤويني، فأنا بالكاد أستطيع تأمين قوت يومنا بعد وفاة زوجي». تتابع أم علاء أن «سقوط عدة صواريخ في الحي الذي تسكنه في المدينة عدّل من قرارها بالبقاء رغم كل شيء»، وهي تعتبر نفسها محظوظة لحصولها وأطفالها الأربعة على خيمة صغيرة في واحد من مخيمات بلدة قاح الحدودية، وتقول إن أصوات الطائرات والانفجارات لا تزال عالقة في أذنيها، «كان علينا الاختيار بين الرعب والخوف، وبين حياة الخيمة وظروفها السيئة».

وفيما سُمح لأعداد من النازحين بالعبور إلى منطقة عفرين، لم يُسمح لآخرين بهذا العبور، ومنهم خالد العبدو وعائلته، من بلدة كفرنبودة بريف حماة، الذي يقول «إن عناصر تابعين للجيشين الحر والتركي في نقطة تفتيش دير بلوط منعونا من الدخول إلى عفرين، وطالبونا باللجوء إلى مخيمات إدلب، دون ذكر أي سبب بالرغم من سؤالنا».

يخبرنا خالد العبدو أن اكتظاظ المخيمات وغلاء إيجارات البيوت هو ما دفعه للتوجه إلى عفرين، مؤكداً أن حاله حال عشرات الآلاف من العائلات النازحة على «غير هدى» حسب وصفه، التي لم تجد أي جهة مسؤولة تلتجئ إليها للحصول على المساعدة، خاصة مع دخول شهر رمضان «الذي زاد من معاناتنا، خاصة وأننا خرجنا من بيوتنا بالملابس التي نرتديها».

يشير العبدو، الذي يفترش مع عائلات نازحة أخرى كرماً للزيتون، إلى الحال الكارثي الذي يعيشونه «لا مقومات للحياة هنا، تغيب الحمامات وخزانات المياه والنقاط الطبية»، مطالباً المنظمات بتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش «خيمة وماء وبعض المساعدات الغذائية».

لا يغيب تجار الأزمات عن المشهد، فكثير من أصحاب المنازل والمكاتب العقارية استغلوا زيادة الطلب لرفع الإيجارات، إذ تتراوح إيجارات بيوت في المدن والبلدات القريبة من الشريط الحدودي بين 100 و300 دولار أميركي، باعتبارها مناطق أكثر أمناً، فيما تنخفض هذه الأسعار في المناطق الأخرى كمدينة إدلب وسراقب وسلقين والأتارب لتتراوح بين 30 و50 دولاراً باعتبارها مناطق أقلّ أمناً.

علي العثمان، أحد النازحين من قرية الشريعة بريف حماة الغربي، يقول إنه اضطر لدفع مبلغ 150 دولاراً كإيجار لمنزل من غرفتين وصالة في مدينة سرمدا الحدودية، مؤكداً أن أصحاب المكاتب العقارية، الذين وصفهم بـ «ضعاف النفوس والمحتكرين»، استغلوا حاجة الناس الملحة للابتعاد عن المناطق المستهدفة دون شفقة أو رحمة.

لم تخلُ المنطقة طبعاً من بعض التحركات والمساعدات المحدودة، قام بها عدد من الناشطين والفعاليات المدنية في الشمال السوري لمساعدة النازحين ومتابعة أوضاعهم، منها حملة «كن عوناً» التي أطلقها فريق منسقو الاستجابة بعد ازدياد حركة النزوح، وذلك بهدف حشد الدعم والتخفيف من معاناة النازحين، وتعويض ضعف الاستجابة الإنسانية من المنظمات العاملة في المنطقة، في محاولة منهم لتحريك كامل الفعاليات لتأمين المأوى والمستلزمات الأساسية للنازحين. ويوضح محمد الحلاج ذلك بقوله: «يرجع سبب ضعف استجابة المنظمات إلى كثافة أعداد النازحين، وإلى طول الفترة التي يتطلبها جمع الأرقام والإحصائيات اللازمة لتحديد حجم الاحتياجات».

يحاول بعض الأهالي في مناطق إدلب الأقلّ تعرضاً للقصف مساعدة النازحين، من خلال استضافة عائلات نازحة في منازلهم أو تأمين منازل لهم. مصطفى الخطاب من مدينة سراقب استضاف في منزله عائلة نازحة من قلعة المضيق، ويقول عن ذلك: «لقد خبرنا جميعاً معنى النزوح ومرارته، لذلك يجب علينا مساعدة النازحين، ومراعاة ظروفهم التي يمرون بها، وفتح بيوتنا لهم إلى حين تجاوز هذه المرحلة العصيبة التي يمرون بها».

مع استمرار الحملة العسكرية الأعنف منذ اتفاق سوتشي في أيلول 2018، تتالي مشاهد النزوح والتهجير في الشمال السوري، يشدّ آلاف المدنيين رحالهم على عجل نحو المجهول، خارجين بأرواحهم من جحيم النظام وحلفائه، تاركين أرزاقهم وذكرياتهم خلفهم.