ما ثمن إخراج إيران من سوريا؟

 


يبدأ في القدس المحتلة اليوم اجتماع ثلاثي يضمّ مستشاري الأمن القومي لكل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، وستتركز النقاشات في هذا الاجتماع على سوريا، والوجود الإيراني العسكري فيها، وهو ملف تأمل واشنطن أن تصل فيه إلى اتفاق مع موسكو، تمهيداً لإخراج القوات الايرانية والميليشيات التابعة لها من البلاد.

يأتي هذا الاجتماع بعد اقتراح من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قدَّمه في شهر شباط الماضي خلال زيارته لروسيا ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك حسب ما نقلت عدة تقارير في الصحافة الإسرائيلية، إلا أن اللقاءات التي أجراها كل من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والمبعوث الخاص إلى سوريا جيمس جيفري مع المسؤولين الروس خلال الشهر الماضي، كانت على ما يبدو هي المحرك الأساسي لهذا الاجتماع.

ويبدو أن واشنطن ترى أن العقوبات الاقتصادية على إيران يجب أن تترافق مع عملية لعزلها عن محيطها، واستهداف وجودها في مناطق النفوذ التابعة لها في المنطقة، بهدف محاصرتها استراتيجياً، ويبدو أيضاً أن سوريا هي الساحة الأنسب لتبدأ منها واشنطن هذه السياسة بشكل فعّال، إذ وعلى الرغم من امتلاك طهران لقوات عسكرية كبيرة في البلاد، إلا أن وجودها سيتعرض لضربة كبيرة إذا ما قررت موسكو الانسحاب من التحالف معها.

تتيح علاقات روسيا الجيدة مع الإسرائيليين أرضية متينة للمحادثات مع الولايات المتحدة، التي ستبدأ من هواجس حكومة نتنياهو الأمنية دون شك، لكن الأمر لن يقف عند هذا الحد، إذ أن الوجود الإيراني في سوريا، كما تقصده واشنطن في التصريحات المتكررة لمسؤوليها، لا يشمل فقط نفوذها على الميليشيات المنتشرة جنوب البلاد على الحدود مع الأردن والجولان المحتل، بل يمتد عبر عدة مناطق رئيسية أبرزها محيط دمشق الجنوبي الغربي، ومحافظتا حمص وحلب والحدود مع العراق.

وربما تكون المبادرة الأميركية التي تحدث عنها تقرير في صحيفة الشرق الأوسط، والتي تتضمن ثمانية نقاط للحل في سوريا، مثالاً جديداً على مدى التحول في نوع الدور الأميركي في الملف السوري، إذ يبدو أن واشنطن بدأت تسعى لقيادة العملية السياسية في سوريا بالكامل، بعد أن كانت تكتفي بالمراقبة عن بعد مع الحفاظ على بعض الثوابت منذ أكثر من عامين. لكن بالمقابل، فإن سياق هذه الجهود الأميركية، والقوى التي تعتمد عليها واشنطن في تطبيق سياساتها بخصوص سوريا، قد تُعرض هذه الجهود على المدى البعيد إلى خطر الانتكاس.

تعتمد عودة واشنطن إلى الملف السوري بشكل تدريجي على أساسين مترابطين؛ هما أمن إسرائيل ومحاصرة النفوذ العسكري الإيراني والتضييق عليه، وهو ما يفتح الباب على تصورات قد تعطي كل من بوتين ونظام الأسد هوامش للحركة مقابل تخليهم المفترض عن إيران، إلا أن مثل هذه التصورات تصطدم بواقع مختلف على الأرض، فالنظام السوري لا يُظهر أي نية للتخلي عن حلفائه في طهران، كما أنه في الحقيقة لا يملك القدرة على الاستغناء عن القوة العسكرية الإيرانية، ومن باب أولى القدرة على إجبار إيران على الانسحاب، ذلك عدا عن رفضه لدفع أي ثمن سياسي، حتى ولو كان مجرد إجراءات شكلية تؤدي إلى تحريك المسار السياسي.

من جهة أخرى، فإن روسيا ليست مستعدة حتى اللحظة للتخلي عن العلاقة مع إيران في سوريا، فأداء الميليشيات المرتبطة بروسيا عسكرياً في معارك ريف حماة، أظهر تفككاً وضعفاً شديداً على الرغم من الدعم الجوي الكبير الذي قدمته موسكو لتلك الميليشيات، عدا عن الأسلحة الجديدة التي وصلتها من موسكو.

كذلك فإن الركيزة الأساسية للسياسات الأميركية في سوريا، وهي تحقيق أمن إسرائيل، قد تنطوي على إجراءات تتعلق بأمن الحدود وتراجع دور الميليشيات الإيرانية، إلا أنها في الحقيقة لا تمسّ السبب الرئيسي وراء الحرب في سوريا، وهو استمرار نظام بشار الأسد في الحكم، ما يعني عملياً اقتصار الضغوط الأميركية على تفاصيل بسيطة لن تغير في المعادلة السورية شيئاً، مقابل تنازلات من الولايات المتحدة قد تكون حيوية لبقاء النظام.

نتيجة كل ذلك، يمكن القول إن التغير في الدور الأميركي سيساعد على تحريك المسار السياسي في سوريا، خاصةً في ظل التراجع الإيراني نتيجة الضغوط الاقتصادية القاسية التي تُمارس عليها الآن، لكن الأثمان التي قد تضطر واشنطن لدفعها لموسكو مقابل مشاركة الأخيرة في الضغط على إيران في سوريا قد تكون كبيرة، وهو ما لن يسمح بتحقيق تغيير حقيقي في هذا الملف، لأنه طالما بقي نظام الأسد في دمشق، فإن أي تغيير يتم الحديث عنه سيكون مجرد مسح للدماء عن أيدي القتلة، وسيعني استمرار المأساة في سوريا.