متظاهرو العراق «يريدون وطناً»

 

سارَعَ البرلمان العراقي يوم الإثنين الفائت، وبالتزامن مع اتساع رقعة التظاهرات الشعبية التي تشهدها بغداد ومحافظات عراقية جنوبية، إلى التصويت على مجموعة من القرارات الإصلاحية؛ أهمها تشكيل لجنةٍ لتعديل الدستور وإلغاء المجالس المحلية والامتيازات المالية الممنوحة للمسؤولين. ولكنّ هذه الإجراءات لم تغيّر شيئاً في المشهد العراقي، ويبدو أنّ أوانها قد فات بالنسبة للمتظاهرين الذين عاودوا النزول إلى الشوارع بشكلٍ كثيف منذ الجمعة الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر)، بعد تهدئةٍ مؤقتة تزامنت مع أربعينية الإمام الحسين.

وارتفع سقف التظاهرات إلى حدود المطالبة بتغييرٍ جذريٍّ يطال النظام السياسي العراقي القائم برمته، بعد أن كانت يوم انطلاقتها الأولى في مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مجرد دعواتٍ لتنفيذ واجباتٍ تقاعست الحكومة عن أدائها، والمطالبة بحقوق بسيطة لا تتعدى توفير الوظائف والخدمات.

وبخلاف التظاهرات التي عمّت أرجاء العراق خلال السنوات المنصرمة، وتمكّنت الأجهزة الأمنية من قمعها، فإن الاحتجاجات الراهنة ظلت صامدةً رغم مجابهتها بالرصاص الحي والقنابل المُسيّلة للدموع، ورغم محاولات عزلها عن العالم عبر حجب خدمة الإنترنت. واتّسمت بترديد شعاراتٍ وطنيةٍ عامة، ليس فيها بعدٌ طائفي أو حزبي أو مناطقي، وكان عمادها من الشباب غير المنخرط في الأحزاب، وغير الآبه بالمُحدِّدات الدينية والقومية. ولم تشهد أيٌ من المظاهرات، سواءً التي تركزت في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد أو التي طافت شوارع مدنٍ أخرى كالبصرة والناصرية والديوانية وكربلاء، رفع لافتاتٍ تمثّل تياراً سياسياً أو دينياً، وهو الأمر الذي زاد من صعوبة التعامل الأمني معها.

علاوةً على ذلك، فإنّ مقاطع مصورة نشرها المتظاهرون أنفسهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت طردهم لرموز وشخصيات ذات خلفيات طائفية وسياسية موالية للحكومة العراقية، كانت قد أرادت الانخراط في التظاهرات لتغيير مسارها أو إضعافها من خلال سبغها بطابعٍ فئوي، وهو ما دفع وسائل الإعلام المملوكة لأحزاب مُمثَّلة في الحكومة إلى توجيه اتهاماتٍ لجهات دولية بدعم التظاهرات بهدف زعزعة النظام، في حين عمدت وسائل إعلام عراقية أخرى؛ كشبكة الإعلام العراقي مُمثَّلة بقنوات العراقية شبه الرسمية، إلى تخصيص مساحات بثٍّ واسعة لتغطية التظاهرات المُزامِنَة في لبنان، متجاهلةً ما يجري على بعد أمتارٍ من مقارّها في العاصمة بغداد.

ومع مرور الوقت، تحولت مظاهرات ساحة التحرير في بغداد إلى اعتصامٍ مفتوح، ونجح العشرات في بلوغ أعلى مبنىً يُطلّ عليها، وأطلقوا عليه اسم «جبل أُحد»، بعد أن كان معروفاً باسم «المطعم التركي»، وشكّلوا من طوابقه المهجورة منذ العام 2003 برج مراقبةٍ يشرف على ذلك جزءٍ من المدينة. كما تشكّلت فرقٌ لإبطال مفعول القنابل المسيلة للدموع، وأخرى للتخفيف من أثرها على المتظاهرين باستخدام وسائل بدائية؛ كالسوائل الغازية الممزوجة بالخميرة. وكانت لافتةً مشاركة سائقي عربات «التوكتوك» في الأعمال الاحتجاجية، من خلال تطوّع أصحابها في إخلاء الجرحى ومدّ المتظاهرين بالماء والإسعافات الأولية، فيما كان المتظاهرون أنفسهم وسيلة إعلامٍ ضخمة نقلت الأحداث عبر وسائل التواصل الاجتماعي على نحوٍ متواصل.

إلى ذلك، انتقلت عدوى التظاهرات يوم الإثنين 28 تشرين الأول(أكتوبر) إلى المدارس والجامعات، وتظاهر الطلاب على الرغم من قرار وزارتي التربية والتعليم العالي فرض عقوباتٍ بحقهم، كما انضمت للاحتجاجات فئاتٌ من المثقفين والمهنيين، ليتعزّز ذلك بإعلان نقابة المعلمين الإضرابَ العام، وارتفعت أصواتٌ تطالب باقي النقابات والاتحادات بإجراءٍ مماثل؛ بهدف الدخول في مرحلةٍ جديدة من الاحتجاج تتمثّل بالعصيان المدني الشامل.

ودفعت هذه التطورات المتلاحقة بالحكومة العراقية للإعلان عن حظرٍ تامٍّ للتجوال في بغداد ومحافظات الجنوب، من الثانية عشر ليلاً لغاية السادسة من صباح الثلاثاء الماضي. وفي غضون ذلك عقد مجلس النواب العراقي جلسةً أصدر فيها مجموعة من القرارات؛ منها حلُّ مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، وتكليف المحافظين بتولي شؤونها المالية من موازنات وسواها، فضلاً عن تشكيل لجنة لتعديل الدستور، على أن تُقدّم توصياتها لمجلس النواب خلال أربعة أشهر. وقرر المجلس أيضاً إلغاء الجمع بين الراتبين؛ ومن ضمنهما المرتبات المأخوذة من قوانين العدالة الاجتماعية، وتشمل امتيازات «رفحاء» التي مُنحت بموجب قانونٍ صدر عام 2003، حصل بموجبه معارضو النظام العراقي السابق وعائلاتهم على رواتب شهرية كبيرة، على الرغم من أن غالبيتهم يعيشون كمواطنين في أوروبا وأميركا.

وشملت القرارات كذلك إلغاء جميع امتيازات ومخصصات الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان وكبار المسؤولين والمستشارين ووكلاء الوزراء والمدراء العامين والهيئات المستقلة والسلطة القضائية وهيئة النزاهة والمحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى والمحافظين ومن هم في مثل درجتهم، وذلك ابتداءً من يوم الإثنين الفائت، مع دعوةٍ لاستضافة رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي لاستجوابه على خلفية القمع الذي مورس ضد المتظاهرين، وما تسبب به من ضحايا وجرحى في بغداد ومدنٍ أخرى، واشترط الأخير للموافقة على ذلك إعلانَ تفاصيل مناقشات الجلسة ونصب شاشات عملاقة في ساحة التحرير ليطلع المتظاهرون على مجرياتها مباشرةَ.

من جانبهم، لم يكترث المتظاهرون بقرارات مجلس النواب، وواصلوا احتجاجاتهم يومي أمس وقبل أمس محتفلين بنجاحهم، وشهدت ساحة التحرير رقصاتٍ على أنغام أغنيات لمطربين غنّوا خصيصاً لتظاهرات أكتوبر؛ مثل كاظم الساهر وحسام الرسام وآخرين.

وقلّل متخصّصون في القانون من أهمية قرارات مجلس النواب العراقي، واعتبروها إعلاميةً لا تعدو كونها «إبراً مخدرة» على حد تعبير العديد منهم، وذلك لأنها ستُرَدّ بسهولة من قبل المحكمة الإدارية، كون أثرها لا ينسحب على القوانين التي صدرت بشأنها؛ بمعنى أن القرارات تعلقت بقوانين صدرت بتشريعات من مجلس النواب ذاته، والقوانين لا تُلغى أو تُعدَّل إلا بقوانين تماثلها، وكلّ قانون يفترض أن يكون مقترحاً يعرض للمصادقة في البداية، ومن ثم يصاغ كقانون في وقتٍ لاحق، وتُحدّد له مدة نفاذ ويصدر في جريدة الوقائع العراقية الرسمية، وهو ما يستغرق زمناً قد يمتد لأشهر، ولا يمكن في حالٍ من الأحوال اختصار ذلك كله في بضع دقائق كما حدث في مجلس النواب العراقي.

كما يمكن رصد عدم الجدية في القرارات ذاتها، بغضّ النظر عن ضعفها من الناحية القانونية، وذلك بسبب نصّها على إلغاء امتيازات ومخصصات الدرجات الوظيفية التي تضمّنها القرار، دون أن تشمل الرواتب الكبيرة لهذه الدرجات، وهي التي تعتبر مثارَ جدلٍ ورفضٍ شعبيين منذ سنوات.

يمكن القول إنّ النَفَس الطويل هو الذي يغلب على المظاهرات. ومن الواضح أن الخارجين فيها لن يعودوا الى ممارسة حياتهم العادية دون تحقيق للمطلب الرئيسي: «نريد وطن»، وهو ما قالوه صباح يوم الأربعاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) لممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت التي زارت ساحة التحرير واستمعت بنفسها إلى مطالبهم. ولعلّ ما يسهم في دعم التظاهرات هو تزامنها مع مناسبات دينية شيعية، تكون عادةً بالسير لمسافات طويلة قد تصل الى عشرات الكيلومترات نحو الأضرحة المقدسة في ظروف مناخية تكون قاسية في غالب الأحيان، ويحصل فيها السائرون على تبرعات عينية يقدمها ميسورون تشمل المواد الغذائية والماء والدواء، وقد سُخّرت جميعها هذه السنة لخدمة التظاهرات.

ورغم التأييد الشعبي الكبير لتظاهرات بغداد ومدن الجنوب، والذي ظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد فضّل أبناء المدن ذات الأغلبية العربية السنية شمال العراق وغربه، كالموصل والأنبار، عدم الخروج في تظاهراتٍ مؤيدةٍ للحراك، وذلك بسبب تخوفهم من أن يُستغلّ ذلك طائفياً من قبل جهات سياسية وحزبية أو من فصائل مسلحة كخلايا داعش ومؤيديه. وهو ما سيسوّغ للحكومة لاحقاً استخدام القوة المفرطة واعتقال المواطنين وتقييد حرياتهم وتوجيه الأنظار إلى المدن السنيّة بدلاً من بغداد، مما سيؤّثر بالنتيجة على المظاهرات ويقلّل من زخمها وأهميتها. ويأتي هذا نتاجاً لتجربة مريرة إبّان تظاهرات واعتصامات شهدتها نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة أشهراً طويلة، قبل العام 2014، احتجاجاً على الإهمال الحكومي.

وبسبب الفراغ الأمني الذي نشأ عن ذلك حينها، استغلَّ تنظيم داعش تلك التظاهرات لصالحه، وانتهى المطاف بسيطرته المطلقة على تلك المحافظات لما يقرب من ثلاث سنوات بعد انسحاب قوات الأمن العراقية، ليعيش المواطنون هناك في ظلّ قوانين داعش المميتة ثم أهوال حرب التحرير منه، التي أودت بحياة الآلاف، ودمّرت البنى التحتية وأحياء سكنية بأكملها، في حين جرّب الناجون من قبضته وتبعات الحرب عليه مصاعب الحياة في مخيمات النزوح، التي أُقيمت لهم في محافظات إقليم كردستان وجنوبي العراق.

أما في شمال العراق، حيث محافظات إقليم كردستان التي تعيش وضعاً إدارياً خاصاً منذ العام 1991، فلم يتجاوز التفاعل حدّ التأييد الشعبي الخجول للتظاهرات على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب الموقف العراقي الرافض، بنحوٍ عام، للاستفتاء على إقامة دولة كردية والانفصال عن العراق، والذي أُجري في الإقليم في أيلول (سبتمبر) 2017.

وقد أدى ذلك الاستفتاء إلى سحب الامتيازات الكثيرة الممنوحة للإقليم من المركز؛ كإدارة محافظة كركوك الغنية بالنفط وإبدال محافظها الكردي بآخر عربي، ورفع يد الإقليم عن المنافذ الحدودية مع تركيا وإيران وعن إدارة المطارات، فضلاً عن التقتير على الإقليم بالعوائد المالية لتوزيع الرواتب وتنفيذ المشاريع، مما جعل العلاقة بين الإقليم وباقي أجزاء العراق متوترةً إلى حد كبير. ويضاف إلى ذلك التوجّه الرسمي للإقليم، المتمثّل بسعي نيجيرفان بارزاني لتعويض خسائر الإقليم عبر تهدئة الأمور مع الحكومة المركزية في بغداد، وتجنّب أي تصعيدٍ معها قد تتسبب به مظاهراتٌ مناوئة لها في محافظات كردستان.

وسط كل هذه التعقيدات، ورغم أعداد الضحايا والجرحى الكبيرة، يواصل المتظاهرون العراقيون نضالهم في ساحات العراق، مؤكدين أن هذا النضال لن ينتهي قبل أن يصير لجميع العراقيين وطن يعيشون فيه بكرامة.