مدى مصر في مواجهة هجمة أمنية

 

اقتحم عناصر من الأمن المصري مكتب موقع مدى مصر في القاهرة ظهر يوم أمس الأحد، وذلك بعد يوم واحد فقط من اعتقال الصحفي المصري شادي زلط، المحرر في مدى. وقد قام عناصر الأمن بتفتيش هواتف أعضاء الفريق والصحفيين المتواجدين في المكتب وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، ومنعوا الجميع من مغادرة المكتب أو استخدام الهاتف. وعلى مدار ثلاثة ساعات، قام العناصر باستجواب رئيسة تحرير مدى مصر لينا عطالله ومدير التحرير محمد حمامة، ومحرري القسم الإنكليزي في الموقع إيان لوي وإيما سكولدنج، بالإضافة إلى استجواب مراسلَين صحفيَين من قناة فرانس 24، كانا متواجدين خلال المداهمة ضمن مكتب مدى مصر لإعداد تقرير عن اعتقال الزميل شادي زلط.

خلال تلك الساعات، كانت الأخبار ترد بشكل متقطع عن وضع الزملاء المحتجزين ضمن مكتبهم، إلى أن غادرت القوة الأمنية المكتب بعد اعتقال كل من الزملاء لينا عطالله ومحمد حمامة ورنا ممدوح. وقد كان عناصر القوة الأمنية الذين اقتحموا المكتب يرتدون الزي المدني، كما أنهم رفضوا مراراً التصريح عن هوية الجهة الأمنية التي يتبعون لها، ورفضوا الإفصاح عن الجهة التي سيتم اقتياد الزملاء الثلاثة المعتقلين إليها. 

بعد حوالي ساعة من الاعتقال جرى إطلاق سراح الصحفي شادي زلط، ومن ثمّ كل إطلاق سراح كل من الزملاء لينا عطالله ومحمد حمام ورنا ممدوح من قسم شرطة الدقي في مدينة القاهرة. وقد نشر موقع مدى مصر بعدها تفاصيل ما جرى خلال تلك الساعات، وجاء في ختام تلك التفاصيل أن عملية الاقتحام جاءت «في وقت تشهد فيه مصر أكبر موجة اعتقالات منذ وصول الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي إلى سدة الرئاسة، والتي شهدت اعتقال أكثر من 4000 مواطن، منذ 20 سبتمبر الماضي».

ولم يكن هذا الإجراء الأمني هو الأول ضد موقع مدى مصر المستقل، فقد قام الأمن المصري قبل أسابيع قليلة بتوقيف دانيال أوكونيل الذي يعمل محرراً ضمن الموقع في مطار القاهرة وترحيله من البلاد، كما أن موقع مدى مصر محجوب من قبل هيئة الاتصالات المصرية منذ أيار (مايو) عام 2017.

مدى مصر هو أحد المواقع التي تعمل في المنطقة لإنتاج صحافة حرة في مواجهة أنظمة الحكم التسلطية، وصحافة مستقلة عن تجاذبات مواقع النفوذ في المنطقة. وطوال أكثر من ست سنوات، كان مدى مصر أحد العناوين القليلة التي بقيت تناضل في سبيل وجود صحافة مصرية مستقلة، ليبقى المنفذ شبه الوحيد للمعلومات الموثوقة عن ما يجري في مصر، بعد سيطرة المنظومة الأمنية المصرية على الغالبية العظمى من وسائل الإعلام، وتملّكها بشكل مباشر من خلال شركات تسيطر عليها.

إن مداهمة مكتب موقع مدى مصر، واعتقال الزميل شادي زلط لنحو يومين، والزملاء لينا ومحمد ورنا لساعات، هو خطوة جديدة من المنظومة الأمنية-العسكرية الحاكمة لمحاربة حرية الصحافة في مصر، التي يتم خنقها بمختلف وسائل القمع والترهيب والابتزاز. وقد أنتج فريق مدى مصر على مدى سنوات تحقيقات ومواد صحفية تعنى بحياة المصريين، مستقبلهم ومعاناتهم نتيجة القمع السياسي الشديد والأوضاع الاقتصادية المتدهورة. تحافظ الصحافة المصرية على معناها وكرامتها من خلال عمل عدد من الصحفيين والكتاب الشجعان في مصر، ومن أبرزهم الصحفيون والمحررون والكتاب والعاملون في موقع مدى مصر، الذين يعملون ضمن ظروف شديدة الخطورة طوال الوقت في مواجهة سيطرة العسكر المطلقة على جميع نواحي الحياة.

يعلن فريق الجمهورية تضامنه الكامل مع الزملاء في موقع مدى مصر، وذلك في مواجهة القمع ومحاولات إسكات أصواتهم، التي هي جزءٌ من كفاح شعوب المنطقة المستمر من أجل حريتها وكرامتها، وجزءٌ من إرث ثورة يناير 2011 في مصر، الذي يحاول النظام الحاكم تصفيته تماماً.

الطريق ليس سهلاً أمام الصحافة المستقلّة في منطقتنا، لكن هناك كثيرين يسلكون هذا الطريق بإصرار وشجاعة ومهنية عالية، ومن أبرزهم زملاؤنا في مدى مصر.