مشهد من حرب المرويات

 

كنت الطالب السوري الوحيد في معهد الدراسات السياسية في ليون Sciences Po Lyon، المتفرع عن المركز الرئيسي للمعهد في باريس. والمعهد واحدٌ من أبرز المدارس العليا للعلوم السياسية في العالم، وقد درست فيه شخصيات فرنسية مهمة، من بينها آخر ثلاثة رؤساء حكموا فرنسا، وحده نيكولا ساركوزي بينهم مَن فشل في الحصول على الشهادة. ومن خرّيجي المعهد المعروفين لنا كسوريين ميشيل سورا، صاحب كتاب الدولة المتوحّشة، الذي قُتل في لبنان عام 1986 على يد منظمة الجهاد الإسلامي، أحد واجهات عمل حزب الله آنذاك، وتحمل إحدى قاعات المعهد اليوم اسم الباحث تكريماً له.

قررتُ الالتحاق بالمعهد بعد أشهر قليلة من وصولي إلى ليون الفرنسية مطلع العام 2016 بموجب منحة دراسية، وتمكّنت من الحصول على القبول بعد تقديم ملفّ يتضمن عرضاً لتحصيلي العلمي السابق في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، والتدريبات التي خضعت لها، فضلاً عن نماذج من عملي المهني في الصحافة، وبعد اجتياز مقابلة مع ثلاثة أكاديميين من الكادر التعليمي في المعهد، عرضت خلالها مشروعي الأكاديمي والحوافز التي دفعتني للتقدّم للدراسة فيه، تحديداً في شعبة العلاقات الدولية المعاصرة.

تسلمتُ ملفين في يومي الدراسي الأول، الأول يحوي المقررات الإلزامية التي ينبغي لي دراستها، أمّا الثاني فيضمّ قائمة بالمقرّرات الاختيارية التي ينبغي عليَّ الالتحاق بأربعة منها. والمقرّرات الاختيارية هذه مفتوحة لطلاب المعهد جميعهم، من السنة الأولى حتّى الخامسة، فيما كنت أنا في السنة الثالثة، التي قُبلت فيها دون حاجة للمرور بالسنتين الأولى والثانية، بعد معادلة المواد التي كنت قد درستها سابقاً في جامعة حلب.

حين عدت إلى بيتي، وجدت في القائمة الاختيارية ثلاثة مقررات تهمّني أكثر من غيرها، هي الأزمات والصراعات في العالم العربي، والإسلام في المغرب ودول جنوب الصحراء الإفريقية، والتاريخ السياسي للولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد اخترتُ هذه المقررات الثلاثة دون تفكير طويل، أمّا انتقاء المُقرّر الرابع فقد كان يحتمل المفاضلة بين واحد يحكي عن انهيار الدولة العثمانية، وآخر عنوانه إيران الراهنة، أي بين تركيا التي كنت أسكن فيها قبل عام وأودّ معرفة المزيد عن تاريخها، وإيران الدولة، «عدوّتنا التي ينبغي أن نعرف عنها المزيد».

تزامنت مواعيد المُقرّر المتعلق بتركيا مع بعض المحاضرات الإلزامية، وهو ما حال دون اختياري له، ليبقى الخيار الوحيد الممكن هو المُقرّر المتعلق بإيران، الذي يشرف عليه أستاذٌ يحمل اسم «مجيد وحيد». لم أجد صورةً للأستاذ أثناء بحثي عن معلومات عنه، لكنّ تعريفاً به على موقع إحدى الجامعات الفرنسية على الإنترنت يقول إنّه بروفيسور إيراني، يشغل منصب مدير مركز دراسة السياسات العامة في كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران.

رحت أرسم في رأسي كثيراً من التخيّلات عن شكل هذا الأستاذ القادم من طهران، لكنّ تصوّراً واحداً كان هو الطاغي؛ رجلٌ يشبه الموظفين الديبلوماسيين الإيرانيين، أولئك الذين لا يعتمرون العمائم ولا يصافحون النساء، لحية خفيفة مرسومة بإتقان، تسريحة كلاسيكية، بدلة سوداء أنيقة وقميص أبيض دون ربطة عنق، نظارات طبية، حذاء نظيف دون لمعة، صوت خفيض وبسمة دقيقة. ربّما يكون الشخص الذي تخيّلته هو محمد جواد ظريف أو بهرام قاسمي، وبالفعل لم تكن هذه الصورة النمطية بعيدة عن شكل البروفيسور الحقيقي حين رأيته أول مرة.

فُوجئتُ بأن عدد الطلاب الذين قرروا الالتحاق بهذا المُقرّر الاختياري كان كبيراً نسبياً، لا سيّما من زملائنا الأميركيين. الجميع يريدون أن يعرفوا أكثر عن هذا البلد، فالانغلاق الذي صار سمةً لإيران منذ وصول الملالي إلى الحكم وحتى اليوم جعل منه بلداً غامضاً لكثيرين، كما أن له تاريخاً كبيراً مغرياً بالبحث والاطلاع.

قرّر أستاذنا، بصوته الهادئ وجمله القصيرة والبسيطة، أن يقسّم كلّ واحدةٍ من محاضراته، التي تستغرق في مجملها 16 ساعة، إلى قسمين متساويين: الأول يقوم فيه بتسليط الضوء على مراحل وزوايا مُحدّدة من التاريخ الإيراني قبل وبعد الإسلام، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية القائمة اليوم، وفي القسم الثاني ستكون المحاضرة أشبه بحلقة نقاش مفتوحة مع الطلاب حول إيران الراهنة.

كانت البداية سياحيّة إلى حدّ بعيد، تكلّم البروفيسور عن طبيعة البلاد الجميلة والحضارة والفكر والموسيقى والشعر والعمران في أرض فارس، وتنقّل بين الفردوسي وعمر الخيام وحافظ شيرازي، مروراً بعددٍ من أبرز علماء إيران وأعلامها في مجالات شتّى، ثمّ أسهب في الحديث عن «الشاهنامه»، الملحمة الفارسية الأثيرة، ودعا الطلاب إلى التفريق بين العرب والفُرس، مشتكياً من بعض الخلط لدى كثير من الفرنسيين.

أعقبت هذه المقدمة السياحية دعوةٌ للطلاب إلى زيارة الجمهورية الإسلامية، فـ «الإيرانيون يحبّون الأوروبيّين وتربطهم بأوروبا علاقات قديمة»، موضحاً للطلاب أنّ ما يرونه في وسائل الإعلام عن انغلاق البلد ليس حقيقياً، والصبغة الدينية التي تكسو إيران اليوم زائفة، ولا تعبّر عن الإيرانيين الذين هم لا يقلّون انفتاحاً عن الأوروبيّين، ولكن بسبب طبيعة النظام الديني فإنّ هذا الانفتاح يأخذ شكل الصالونات المغلقة، ولا يمتد إلى خارج عتبات البيوت.

وأضاف البروفيسور أنّ هنالك فرصة للقدوم إلى طهران من خلال برنامج تبادل الطلاب بين ساينس بو وجامعة طهران، داعياً الراغبين بزيارة طهران إلى الالتقاء بزملائهم الذين خاضوا التجربة من قبل وتعلّموا الفارسية. سأعرف فيما بعد أنّ البروفيسور مجيد هو المسؤول عن الجانب الإيراني في اتفاقيات التعاون الأكاديمي لتبادل الطلاب بين ساينس بو ليون وجامعة طهران، وأنّه يرعى شؤون زملائنا الذين يذهبون إلى إيران لتعلّم الفارسية، وتربطهم به علاقة مودّة.

بعد انقضاء ساعتين على بداية المحاضرة الأولى، سنكون على موعد مع القسم الثاني المُخصّص للنقاش، وقد كانت الأمور تجري على أحسن حال حتى تلك اللحظة، وجاءت أسئلة الطلاب في البداية عمومية ومُتأثّرة بالمقاربة السياحية التي بدأ بها البروفيسور محاضرته، ثمّ رحنا بعدها نقترب شيئاً فشيئاً من السياسات الإيرانية اليوم، حتى طُرح سؤالٌ عن اليمن والصراع السعودي الإيراني.

كانت إجابة البروفيسور تركز على الوهابية والصراع السني الشيعي وضحايا التدخل السعودي في اليمن، وهي لم تكن علميّة بقدر ما كانت تعبّر عن موقفٍ إيراني رسمي، فالسعوديون مُخطئون في اليمن، لكن ماذا عن إيران وحلفائها المحليين؟! بدأتُ أشعر أنّ الأمور لن تكون على ما يُرام إذا تحوّل النقاش إلى سوريا، فأنا أخشى المشاركة والردّ على من أختلف معهم بلغتي الفرنسية الضعيفة حينها، ولن يكون بوسعي الصمت أيضاً. في الحقيقة، تمنّيتُ أن ينسَ الجميع أمر سوريا.

السؤال التالي مُباشرةً كان عن سوريا، تساءل الطالب كيف لإيران أن ترفض التدخل السعودي في اليمن وفي الوقت نفسه تُجيز لنفسها التدخل في سوريا؟ عاد البروفيسور في إجابته إلى النقطة التي بدأ منها؛ الوهابية والسلفية الجهادية والإرهاب وتنظيم القاعدة المدعوم سعودياً وتنظيم داعش، حتى أنه بإمكاننا سماع ما قاله عشر مرات على الأقل في اليوم الواحد لو غامرنا بمشاهدة «تلفزيون الميادين».

في تلك اللحظات، أحسستُ أنّ جميع الطلاب من حولي راحوا ينظرون إلي، ربّما كان يريد مَن يعرف أنني سوريٌّ منهم أن أردّ عليه، وبدوري كنت أنتظر أن يُلجمه أحدهم. تبادلتُ النظرات مع عديدين، نظراتي كانت تستجديهم الردَّ عنّي دون جدوى، وبينما كان البروفيسور يُسهب في كلامه كنت أزداد تحرّقاً للرد، بيد أنّي خشيتُ أن تخونني فرنسيتي المتواضعة قياساً بموضوع النقاش وما أودّ قوله؛ لماذا لا يتكلم البشر لغةً واحدة؟

يعرف كثيرٌ من زملائي الفرنسيين لبنان، ومنهم مَن زاره مراراً، لذا انتقل الحديث سريعاً من سوريا إلى حزب الله، الميليشيا الدولة، وقد كانت إجابة مجيد وحيد هنا دقيقة، فيها خليطٌ من كلام ضيوف «قناة المنار» عن الأرض والمقاومة الشرعية وحماية لبنان وصدّ الإرهاب، مشفوعاً بخطابٍ رومانسيٍّ موجّه للأوروبيين، يقول إنه لا مشكلة لدى إيران مع إسرائيل، وإن الأمر محصورٌ بين اللبنانيين والإسرائيليين، نحن خارج هذه اللعبة ونحب اليهود. سألتُ نفسي وقتها عن سبب وجود الأستاذ في موقعه هذا؟ هل نحن في ندوة للدبلوماسية الإيرانية؟ كيف يمكن لمؤسسة أكاديمية أن تسمح لمثل هذا الأستاذ أن يكذب على طلابها؟ سيجيبني لاحقاً زميلٌ لي بلغة ديبلوماسيّ أوروبيّ أبيض: نحن نحب سماع جميع الآراء هنا.    

أسمع كلام البروفيسور وأكتوي غيظاً، أحاول اتّخاذ قرار شجاع بالكلام، وأبدأ بكتابة ما أودّ قوله على الورق، ثمّ أتمرّن في قرارة نفسي على نطقه؛ أنوي رفع يدي ثم أعدل عن ذلك: لماذا أزجّ نفسي في هذا الإحراج؟ وبعد تفكيرٍ وتردّدٍ طويلين قرّرت أن أتحايل عبر طرح سؤالٍ بسيطٍ لا يكلّف قوله عناءً كبيراً.

وبالفعل، قبل انتهاء الحوار بدقائق قليلة رفعتُ يدي بشكلٍ مواربٍ وخجول، متمنّياً ألا تلحظني عين الأستاذ، غير أنّه رآني وطلب مني التفضل بالسؤال، فقلت بسرعة: ما هو الفرق بين القاعدة وحزب الله؟ أليست كلتاهما حركتان إرهابيتان، الأولى سنيّة والثانية شيعية؟، عدتُ بعدها للجلوس، وفي الحقيقة لم أكن أعرف حينها إذا ما كان فعلاً قد فهم سؤالي أم لا.

كانت إجابته على سؤالي قاسية، وفيها بعض التقريع، فكيف يمكن لي أن أقارن منظمة إرهابية بحركة مُقاومة!؟ أنا من جهتي لم أكن أودّ الحصول على إجابة، بل أردتُ فقط أن أذهب بالنقاش إلى نقطةٍ تجعل زملائي يختلفون معه، لذا لم أكن لأتفاعل مع ما قاله البروفيسور لو كان ذلك بإمكاني. وفي الحقيقة، لم أكن أفهم كل ما يقال لي بالفرنسية في تلك الفترة، حالي كحال كثيرٍ من زملائي غير الفرانكوفونيين؛ وكذلك لم يكن مهماً لي أن أفهم ما سيردّ به الأستاذ، أطرقتُ رأسي حتى انتهت المحاضرة، وحين خرجنا من المدرّج حاولت أن أشرح لزملائي أنّ أستاذنا متحيّز، ويمثّل وجهة نظر الملالي.اتفق بعضهم معي، واختلف آخرون.

خرجتُ بعدها إلى ساحة المعهد أحمل معي أطنان غضب: لماذا لا يتكلم الناس في هذا العالم اللغة نفسها؟ أسأل نفسي مجدّداً. بقيتُ في ساحة المعهد أراقب الضيف الإيراني وهو يناقش عدداً من الطلاب، ثمّ رحت أقترب منهم وأبتعد، غير أني كنت الوحيد الذي لم ينصرف حين انتهى الجميع من أسئلتهم.

بادرني البروفيسور قائلاً: تفضل يا سيد، هل لديك سؤال؟ دون تفكير، وكأنّي طفلٌ يشكو ظلماً وقع عليه، قلت له إنني سوري، وأنتم تقتلون السوريين. كان في ردّه أكثر لطفاً مما كان عليه في المدرج، وأنهى كلامه بأنّنا مسلمون وتربطنا علاقات أخوّة. لم أحاول أن أجادله، كان تفكيري ينحصر في اتجاهين؛ الأول أن أضربه وأهرب، والثاني تخيّلٌ داخليٌّ مكتومٌ في النفس لشكل الحوار المُفترض بيننا لو أنه كان يتكلّم العربية.

بعد أقل من عشر دقائق، لم يكن هذا النهار البائس يحتاج سوى أن يوقفني شابٌّ على باب السكن الجامعي ليسألني: هل أنت إيراني؟ أشبّهكَ لفلان صديق فلان، ألست هو؟ في تلك اللحظة انفجر بركان غضبي الذي كتَمتْهُ قلة الحيلة مع لغة بلاد الغال، أجبت: لا.. لست إيرانياً، أنا سوري وأكره الإيرانيين، ثمّ رحتُ أسردُ أشياء وددت لو قلتها لأستاذنا الجامعي: مجازر، قَتَلَة، ميليشيات، ثورة، سلمية، مظاهرات، أماكن مقدّسة، لسنا محافظة إيرانية، اتركونا وشأننا، نرفض التدخل الإيراني، والكثير الكثير من الأشياء المرتبطة بإيران على أرض الواقع، وغير المترابطة فيما بينها لغوياً.

ما أن انتهيت من كلامي حتّى خلع الشاب، الذي كان اسمه دانييل، ثيابه العلوية ليُريني ندباً كبيراً بين ظهره وخاصرته اليمنى، قال إنّه نتيجة مشاركته في مظاهرات الاحتجاج على نتائج الانتخابات الإيرانية في العام 2009، في مدينة مشهد التي ينحدر منها، مضيفاً أنه اليوم ناشطٌ ضدّ النظام الإيراني، يعارضه قدر ما أعارضه أنا وأكثر. كلام الشاب خفّف من عدوانيتي، وامتدّ حديثنا لوقت طويل، ثمّ تبادلنا الأرقام حتى نجتمع مجدداً!

بعد أن صعدتُ إلى غرفتي، خطر في بالي أن أدعو أحد السوريين الذي يعيشون في فرنسا منذ زمنٍ طويل إلى المعهد في الدرس القادم، لكي يلجم هذا البروفيسور ويضع له حدّاً، وفكرت أيضاً أن أشكوه لأستاذنا الجزائري المؤيّد للثورة السورية حتّى يوبّخه؛ فكرتُ أيضاً في أشياء أكثر طفوليةً من هذا، وظلّت قصة البروفيسور الإيراني حديثي على مدى أكثر من شهر، حتى ملّها كلّ من يعرفني.

صبيحة اليوم التالي، في السابع من شباط/فبراير 2017، صدر تقرير منظمة العفو الدولية، تحت عنوان «المسلخ البشري»، ويذكر التقرير أنّ النظام السوري أعدم في سجن صيدنايا 13 ألف معتقلاً سوريّاً، بين عامي 2011 و2015. كلّ مشاعر الغضب والحقد والحزن صُوّبت نحو الأستاذ الإيراني، وقرّرت أن أطبع مئة نسخة من التقرير لأوزّعها على الطلاب قبل قدوم الأستاذ، وأن أترك له نسخة على طاولته، أردتُ أن أقول له: هؤلاء هم أنتم. عدلتُ بعدها عن الفكرة، واكتفيت بمشاركة النسخة الفرنسية من التقرير في مجموعة تضمّ طلاب المعهد على فيسبوك.

حين بدأ الأستاذ محاضرته الجديدة، عاد إلى حيث انتهى في المرة السابقة، إلى سوريا، ونظر إليّ قائلاً: قرأتُ التقرير الصادر اليوم عن «أمنيستي»، متأسّفٌ لما يحصل في سوريا. وتابع كلامه بعدها عن المصالح الإيرانية والجيوبوليتيك، ومن ثمّ عاد ليسألني عن رأيي في ذلك بوصفي سوريّاً، وما كان منّي سوى أن أجبتُ بأنّي غير متّفقٍ مع ما يقوله البتّة، محاولاً أن أُعيد ما قلته لدانييل بكثيرٍ من الارتباك.

وما أن انتهيت من كلامي حتى طلب أحدهم الإذن بالكلام، وكان عدائيّاً، وفي رأيه أنني أبني موقفي انطلاقاً من كوني سنيّاً ليس إلا... كيف شقَّ على قلبي؟ ثمّ أضاف أنّ ما يحدث في سوريا مؤامرة يدعمها السعوديون والأميركيون والأوروبيون. سيتبيّن لي فيما بعد أنّ هذا الشخص هو ابن البروفيسور الإيراني، وأنه سيكون زميلاً لي اعتباراً من العام المقبل، ويبدو أنّ أباه راجعه فيما قاله لي حين عادا سويّاً إلى المنزل، لذا عاد في المحاضرة التالية ليعتذر عن نعتي بالسنّي.

تابعتُ بقية المحاضرات دون اهتمام، وكأنّني غير معنيّ بكل ما يقال، إلى أن جاء يوم تقديم الامتحان، وكان الامتحان سؤالاً من كلمات قليلة: كيف تشرح التدخل الإيراني في سوريا؟

لم يستغرق مني البدء في الإجابة وقتاً طويلاً، فقد عدتُ قبلها لقراءة كثيرٍ من المعلومات عن إيران وعلاقتها بالنظام السوري وطبيعة تدخلها العسكري والاقتصادي والسياسي في المسألة السورية، وأحفظ كثيراً من الأرقام والمعطيات التي لم تكن مهمّةً لأقراني الطلاب.

عندما سلّمت ورقة الامتحان، ذهبتُ للأستاذ وأخبرته أنّي جديدٌ في فرنسا، ولا بدّ أنّ تصادفه كثيرٌ من الأخطاء اللغوية في ورقتي، فطلب مني ألا أهتم لذلك، لأنه قد مرّ هو نفسه في تجربةٍ مشابهة حين وصل فرنسا طالباً في مثل عمري، متمنياً لي النجاح والتوفيق وكذلك... «العودة إلى بلادي».

مرّ شهرٌ بعدها، وحصلنا على النتائج، 18/20 هي علامتي، وهي درجة عالية جدّاً هنا، ولكن لماذا؟ وعلى ماذا؟ لا أعتقد أنّ الأستاذ يوافق على كلمةٍ واحدةٍ مما كتبته! باستثناء أنّه يعرف تماماً أنّ التقييم لا ينبغي أن يخضع لرأيه السياسي هنا.

أمّا ابن البروفيسور الإيراني، فقد صار اعتباراً من العام الدراسي التالي زميلاً لي، وصرتُ أراه بشكل شبه يومي حتى آخر يوم من دراستي في المعهد؛ كان يتجنّب رؤيتي والحديث إليَّ بقدر ما كنتُ أتجنّبُ ذلك. دار بيننا حديث واحد فقط في أحد الأيام، وكان ذلك عقب امتحان قدّمناه سويّاً، إذ كان السؤال المُراد الإجابة عنه في هذه المادة يحمل صيغةً مُتخيّلة: «أنت مستشارٌ لوزير الخارجية الفرنسي، وطُلب إليك كتابة خطاب يُلقيه الوزير في اجتماعٍ لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، من أجل التعليق على الانسحاب الأمريكي من اتفاق لوزان بين إيران ودول 5+1. على ضوء الموقف الفرنسي الرسمي، اكتب ذلك الخطاب». أخبرت فريد يومها أنّي كنت مُضطراً في إجابتي للدفاع عن إيران الرسمي، فقط لأنّه الموقف الفرنسي الرسمي حينها، وهذا ما لم أكن أتوقّعه يوماً.

أفكّر اليوم بالفرصة التي ستجمعني مجدّداً بالبروفيسور مجيد وحيد، وقد صار بوسعي أن أقول له ما أريد، دون الخوف من خذلان اللغة، ودون ارتباك الوافد حديثاً إلى عالم الفرنكوفونية الذي أتاح لي اللقاء به وبنماذج أخرى من الناس، قد أتّفق معهم وقد أختلف. أُفكّر اليوم بالإيرانيين المُهدّدين بحربٍ قد تندلع قريباً، تحديداً بأولئك المدنيين الذين سيدفعون ضريبتها من دمائهم، بعد أن دفعوا ضريبة العقوبات، وضريبة قروسطية نظامهم السياسي جوعاً وفقراً وبطالة. أقول لنفسي إنني سأكون ملاكاً لو لم أتمنّى الحرب، غير أنّي سأتألّم لآلام الناس هناك حينها، وسأقف معهم، دون أن أهتمَّ لمصالحنا والجيوبولتيك، ولن أُبرّر للقتلة... آمل أن ألتقي مجيد وحيد قريباً، وأن أخبره بذلك.