مصير اللجنة الدستورية بيد واشنطن

 


شهدت جلسة مجلس الأمن، التي عُقدت يوم الخميس الفائت 27 حزيران/يونيو 2019، تصريحات أميركية وفرنسية قد تكون بداية تحول في المسار الذي يسلكه الحل السياسي في سوريا خلال السنتين الماضيتين. وكانت الجلسة قد بدأت مع الإحاطة التي قدمها المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، والتي قال فيها: «بعد تجاوز عدد من العقبات الصعبة، أعتقد أن السبيل للتوصل إلى اتفاق حول تشكيل اللجنة الدستورية والقواعد الإجرائية قد يكون متاحاً الآن».

جاءت هذه التصريحات المتفائلة بعد تسريبات عن موافقة روسيّة على حلحلة عقدة الأسماء المختلف عليها في قائمة المجتمع المدني ضمن اللجنة الدستورية، لكن التفاؤل الذي أبداه بيدرسون لم يمنع السفير الأميركي في مجلس الأمن جوناثان كوهين من انتقاد كل من موسكو والنظام نتيجة تعطيلهم المفاوضات حول اللجنة، داعياً المبعوث الأممي إلى «تجربة طرق أخرى لتحقيق الحل السياسي». من جهته، أيد السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتر التصريحات الأميركية، وقال إنه «لم يتم إحراز أي تقدم في تشكيل اللجنة الدستورية» وأضاف أن «النظام السوري يرفض أي حل وسط، ويضاعف مناورات التسويف للحؤول دون نجاح هذا المنتدى الأول للحوار».

وكان قد تم الاتفاق بداية العام 2018 على أن تتكون اللجنة الدستورية من ثلاث قوائم تضم كل منها خمسين عضواً، يسمي النظام واحدة منها، والمعارضة السورية واحدة، فيما يقوم المبعوث الدولي والأمم المتحدة بتسمية خمسين عضواً في القائمة الثالثة من ممثلي منظمات المجتمع المدني في سوريا. وكان النظام قد اعترض على أسماء محددة في هذه القائمة حسب ما أفادت عدة تسريبات صحفية، ما أعاق الإعلان عن تشكيل اللجنة وبدء العمل فيها، رغم مرور قرابة سنة ونصف على الاتفاق الذي جرى بين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ووزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف، والذي يقضي بدعم موسكو لجهود المبعوث الدولي لتشكيل لجنة صياغة دستور جديد في سوريا.

وعلى الرغم من تحقيق اختراق في عملية تشكيل اللجنة الدستورية الخاصة بسوريا، إلا أن التصريحات الأميركية يمكن أن تكون بداية لنزع الغطاء عن هذا المسار، الذي بدأ مع مؤتمر سوتشي، مطلع العام الماضي، بالاتفاق مع الأمم المتحدة على أن يكون جزءاً من التسوية في سوريا وفق قرار مجلس الأمن 2254. وتقتضي السياسات الأميركية الجديدة حول سوريا خلق مسار سياسي فعّال يسهم في وقف الحرب، وتحجيم الوجود العسكري الإيراني فيها وصولاً إلى إنهائه، وهو ما يقتضي إمساك واشنطن بمفاتيح العملية السياسية، مع إعطاء أدوار للقوى الدولية والإقليمية الفاعلة في سوريا وتوزيعها بشكل يناسب التوجهات الأميركية، الأمر الذي يعني بالضرورة منع موسكو من مواصلة استخدام العملية السياسية وسيلة للمماطلة.

ويبدو الموقف الأخير للسفير الأميركي في مجلس الأمن مؤشراً على اصطدام المباحثات الأمريكية الروسية حول سوريا، التي كانت تجري طوال الأسابيع الماضية، بحائط مسدود، ما اقتضى ضغطاً أميركياً ينزع الغطاء السياسي عن مسار اللجنة الدستورية، الأمر الذي سيدفع المبعوث الدولي إلى التراجع تدريجياً عنه، إذ دائماً ما كان المبعوثون الدوليون إلى سوريا حساسين للغاية للتصريحات الأميركية، إلى درجة دفعت المبعوث السابق ستيفان ديمستورا إلى إطلاق تصريحات قاسية عن روسيا والنظام قبيل انتهاء مهمته، بعد أن كان واضحاً وقتها تشدد واشنطن وانتقادها للدور الروسي عبر تصريحات للمبعوث الأميركي إلى سوريا.

إلا أن ما سيحدد مصير اللجنة الدستورية هو مدى استجابة موسكو للطلبات والتوجهات الأميركية الجديدة، خاصة في ظل الأجواء المتوترة في المنطقة، وتشابك عدة ملفات على رأسها الوجود الإيراني في سوريا، وهو ما سيدفع واشنطن إلى مزيد من الضغط، بينما ستكون ردة فعل الروس هي ما يحدد موقعهم المقبل في تشكيل الحل السياسي لسوريا، إذ لا يبدو أن الولايات المتحدة ستسمح بأن يقود ثلاثي أستانا مجدداً العملية السياسية في سوريا أو يتحكم بها منفرداً، وفيما ستقوم بإشراك كل من روسيا وتركيا بشكل رئيسي في صياغة العملية السياسية، إلا أنها ستسعى للإمساك بخيوط هذه العملية وإدارتها، وهو ما كان واضحاً في التصريحات الأميركية الأخيرة حول سوريا طوال الأشهر الماضية، وفي اللقاءاتُ والتحركات الدبلوماسية المكثفة التي قام بها كل من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري.

بالإضافة إلى التحركات الأميركية، فإن الجوهر الرئيسي من العملية السياسية اليوم هو الوصول إلى نظام يتم الاعتراف به دولياً ليتلقى أموال إعادة الإعمار، التي من دونها ستكون الانتصارات العسكرية التي حققها نظام الأسد خلال الأعوام الثلاث الماضية بدعم من موسكو قليلة الفائدة بالنسبة للسياسة الروسية، إذ أنها لن تمكّن روسيا من تخفيف وجودها العسكري الكبير في سوريا، الذي تترتب عليه تكلفة باهظة لا تستطيع موسكو الاستمرار بدفعها إلى الأبد. لذلك، فإن اجتماع هذه الظروف مع السياسات الأميركية الجديدة، سيقود ضمنياً إلى تغّير الأدوار في المسار السياسي للحل في سوريا، وهو ما يعني أن مسار اللجنة الدستورية لن يستمر كغطاء لمماطلة الروسية، فإما أن يبدأ بشكل جدي أو أن تقوم واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون بإفشاله نهائياً.