معارك القلوب المُتعبة

 

تبرز كل يوم أسئلة جديدة في وجوهنا، نحن أبناء هذه البلاد المنكوبة، خلال السنوات الأخيرة، وتتوسع المساحات التي نُدرك أن الخراب طالها حتى تهتّكت دون أن ندري. أسئلة من قبيل: ما آخرة هذا الخراب؟ إلى كم جيل ستنتقل التروما؟ إلى متى سيصمد الحطام في الجينات؟ ما الذي تداعى سرّاَ، كتحصيل حاصل، مع سقوط المدن وفعل الانتهاك والاستباحة والقتل، وحملناه إلى خارج ساحات المعارك والسجون والقرى المحترقة؟ هل باتت قلوبنا أضعف قدرة على التحمل من ذي قبل؟ ألم ننجُ من قبضة الموت أو الجنون، بعد عبور هذه القارات الواسعة؟ وهل ما زال بإمكانهما التسرب عبر الكوابيس وبذور الخوف المزروعة في الذاكرة؟

ليس هناك رادار أو مؤشر، يكشف لنا ما تهشّم إثر ارتطامنا بالحائط الصلب الذي رفعته تعقيدات قضيتنا الإقليمية والدولية. علينا أن نُتابع قلوب الشبان التي تتوقف، لنكتشف ما راكمه الإحباط والقلق.

تترصد عيوننا الأحداث منذ سنوات، وننتظر انعطافاً في التغيرات السياسية في بلادنا. مرت السنوات الأخيرة وتتابع فيها التفاوت في خرائط السيطرة وبروز حقائق وتطورات جديدة كل يوم، ونسينا، في خضمّ انشغالنا بالعام، ذلك التحطم والتداعي الذي يحصل في قلوبنا وأعصابنا على المدى الطويل. وقد جاء خبر موت ستة شبان سوريين، وشاب مصري، بجلطة قلبية، قبل أيام، بمشاعر مختلطة من الحزن والقلق والاستفهام عن كيفية حدوث ذلك.

طعم المرارة الذي يخلّفه موت الشبان الفجائي يكون أكثر تركيزاً، خصوصاً حين نعرف أنهم غادروا المقتلة، عبر رحلات قاسية للغاية، للوصول إلى مكان لا ترتفع فيه احتمالات الموت والخطر، سعياً لبناء حياة جديدة، لكن الموت تمكن من إطفاء عيونهم، بعد أن تكفّلت الهزيمة النفسية بإطفاء بريقها.

الكارثة تفتح العيون

لا نعرف بالضبط غير أسباب الوفاة المعلنة لهولاء الشبان حتى الآن: «سكتة قلبية»، وفق ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي. وتكثر التكهنات والتحليلات التي تلت الحادثة، لكن لا يغيب عن جلّها حقيقة واحدة مشتركة واجهت معظمهم، وتواجه معظمنا، وهي الشعور العميق بالانكسار جراء الخسارات الشخصية والعامة، والشعور بالعزلة في مجتمعات جديدة، لا يستطيع كثيرون التكيف معها. إضافة إلى الحاجة العميقة إلى البوح، مقابل عدم القدرة على ذلك، أو غياب الأشخاص المقربين المستعدين للإصغاء، الذين حتى إن وجودوا قد لا يصغون دون إدانة أو تجريح أو استهزاء.

تأتي الوفاة المتقاربة زمنياً لهؤلاء الشبان لتفتح عيوننا على موضوع حساس وخطير للغاية، وهو حاجتنا جميعاً إلى التواصل والتنفيس، بعد الأيام العصيبة التي قضتها غالبيتنا تحت القصف أو الحصار، أو في السجون، أو خلال رحلة اللجوء، ثم الاستقرار في أمكنة لا نعرف كيف نتحدث مع سكانيها، مع ما راكمه كل ذلك من الإحساس بالضعف والتعرّض والضيق، فضلاً عن متطلبات الحياة المطلوب منا التكيف معها ومواكبتها، والتي يصعب حتى على «الإنسان الطبيعي» عدم التبرم من بيروقراطيتها وبرودها. عين السوري الرّمدى من الأرق في منفاه، تنظر بوجل إلى صندوق البريد ودوامات الأوراق والبحث عن منزل والاكتفاء المادي في معارك التأسيس من الصفر.

سيرة الانتكاس النفسي السوري كانت قد بدأت على مراحل، وكان لها نقاط علام، بدأت بحدوث القتل الفردي والاعتقالات، ثم بالمجازر الجماعية، التي كانت أكبرها مجزرة الكيماوي. وترسخ هذا الانتكاس بعد التطبيع الدولي مع المجازر، وصعود التيارات العدمية، وسقوط المدن وموجات التهجير الجماعي في حمص وداريا، ثم في حلب، التي كانت قاسمة الظهر ومقتل الآمال. ثم بتشظي الصراعات والمكونات الأهلية، وأقلمة المسألة السورية وتدويلها لتخرج كاملة من أيدي السوريين، وتفرّق العائلات نتيجة إغلاق الحدود وفرض التأشيرات، وصولاً للإقرار شبه العام بأن الثورة هُزمت، وأن علينا الخوض في ميادين أخرى للعمل على تغيير طويل الأمد قد يمتد لأجيال.

تعرض أهل هذه المنطقة عموماً، وشريحة الشبان الذين يحملون أحلام التغيير في بلاد الثورات المتعثرة، إلى صدمات نفسية قاسية، ودخلوا في حالات من الاكتئاب والقلق واليأس (توصيفات غير سريرية)، تحولوا فيها إلى أشخاص قانعين بغياب الأمل وصعوبة التغيير بالشكل الأمثل، أو استحالته. بدأ الشحوب والتعب يغزو وجوهنا جميعاً، وذهب بريق العين الطافحة بالطاقة، ليحل محله خفوت باهت، يجعل حتى الفن والجمال والموسيقى أشياء جارحة، بسبب انتفاء القدرة على التفاعل معها، جراء غياب المعنى وانهراسه تحت المجنزرات.   

جروح الأسارير

هذه الحمولة الثقيلة من المشاعر السلبية تحولت إلى اضطرابات نفسية قد لا يُدرك معظمنا وجودها وطريقة التعامل معها، وآثارها المباشرة على الصحة والقلب والأعصاب. وقد أصبح من الضروري اليوم التنبه لها والاعتراف بوجودها وإدراك ما يجب أن نفعله حتى لا نُمنى -كما حصل في حالة الشبان- بفجائع غدا من الواضح أننا حصلنا على كفايتنا منها خلال هذه السنوات.

وتتضاعف ضرورة إدراك أبعاد الضرر النفسي الحاصل لدينا كسوريين، وطرق التعامل معه، بعد مرورنا بأهوال كبرى، واستقرار كثير منا في بلاد جديدة، بسبب وجود عيوب تتجلى في أفكار ومفاهيم خاطئة وفادحة في ثقافتنا، علينا الإقرار بها، حتى لا تساهم اليوم في قتل من نجا من المقتلة.

أكبر ضحايا هذه الأفكار هم أولئك الذين مروا بصدمات نفسية عنيفة، كالنساء المغتصبات المُحاصرات بسيوف «الشرف» و«العفة»، والشبان والرجال الذين يسمعون كلاماً تقريعياً بسبب خوفهم أو حزنهم أو ضعفهم، إضافة إلى أولئك الوحيدين والوحيدات، الذين تطفح قلوبهم بالمرارة ولا يجدون من يتحدثون إليه، ولا يعرفون كيفية تصريف هذه الأوبال والحرائق التي تلتهم قلوبهم، ما يجعلهم غارقين في دوامات تُفتح فيها بوابات الانتكاس النفسي على مصراعيها. وتتجلى مسؤوليتنا، نحن السوريين الشاكين من عدم اكتراث الآخرين بموتنا، في مراجعة أفكارنا التي تساهم في فتح النافذة على ما يوازي الموت وخامةً.  

رصاص القلق في الأفئدة

أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً في صفوف السوريين، اليوم، هي تلك التي تخلقها أو تعززها الحرب، كاضطرابات القلق والاكتئاب والهلع والرُهاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وهي في مجملها اضطرابات لها أعراض وملامح تتداخل وتتقاطع، ولها آثار مشابهة على صحة القلب.

وتتزايد الأدلة، اليوم، على الترابط بين الضغوط المزمنة والصدمات النفسية الشديدة من جهة، وأخطار الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية من جهة أخرى. وتفيد الدراسات بارتفاع احتمال الإصابة بالأمراض القلبية لدى أولئك الذين يشعرون بالعزلة والشعور بالوحدة الاجتماعية، بنسبة تصل إلى 50 في المئة، وفقاً لدراسة أجرتها مجلة أمريكان هايبرتنشن الصادرة عن جامعة أوكسفورد.

وخلصت الأبحاث المنشورة في الدراسة، والمُجراة على المحاربين القدامى في الجيش الأميركي، إلى تزايد احتمالات حصول أمراض قلبية، في صفوف أولئك المتعرضين لصدمات جراء عملهم في مهام قتالية، مقارنة بسواهم من العاملين في مهمات غير قتالية.

وتضيف الدراسة أن القلق يؤثر على مستويات تدفق الدم وعمل الغدد النخامية والكظرية، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى احتمال تلف بطانة الأوعية الدموية وتصلب الشرايين وأمراض الشريان التاجي. فيما اتضح خلال الأبحاث أن نسبة ما بين 30 إلى 70 في المئة من مرضى الشريان التاجي، يُصابون بنقص التروية الحاد لعضلة القلب، استجابة للضغوط النفسية. ويتضاعف تأثير هذه الاضطرابات على القلب بسبب اقترانها بسلوكيات سلبية، مثل كثرة التدخين، واستهلاك الكحول، وقلة النشاط البدني، وسوء التغذية.

إلا أن الأخصائي بيركو سلمو، يشير إلى أن كل «هذه المعلومات يجب على المصاب بنوبات هلع ألا يخاف منها، وألا تضاعف له الخوف المفاجئ من الموت، الذي يصيبه أثناء النوبة. فنوبة الهلع لا تقتل، وإنما تسبب خوفاً مفاجئاً هناك طرق للتعامل معه، وهنا تبرز ضرورة استشارة أخصائي قادر على تشخيص وجود نوبة الهلع، وتقديم نصائح لاحتوائها».

وأضاف سلمو: «لقد سمعت الأنباء التي تتحدث عن وفاة شبان سوريين بشكل مفاجئ جراء سكتات قلبية. وهناك احتمال، لا أجزم به، بأن يكون ذلك ظاهرة إعلامية سببها الاستعداد العام ووجود قناعة مسبقة بأن الحرب سببت كارثة إنسانية ورفعت منسوب القلق، ما سهل التركيز على القضية. فلو حصلت حادثة وفاة لشاب قبل الحرب في قرية ما للأسباب ذاتها، قد لا يُثار هذا التفاعل الكبير مع الخبر. أقول هذا كوجهة نظر بديلة من المشروع طرحها، باعتبار أن نسب الوفيات المفاجئة في صفوف الشبان قد تكون موجودة في السابق، ولكن السياق العام قد عزز انتشارها كخبر لافت اليوم».    

ضرورة الإقرار بالضرر الحاصل

نحن اليوم بالملايين خارج بلادنا، تمتد أمامنا دروب جديدة وطويلة، ويلزمنا الكثير من الطاقة والصبر في تأسيس حيواتنا من جديد، والتكيف مع القوانين، والبقاء في الحد الأدنى من الاتزان النفسي والعاطفي، ونحتاج في ذلك إلى الإقرار بوجود المشكلة، وعدم المكابرة عليها، وهي أن معظمنا، إن لم يكن جميعنا، يعاني في سره ويحتاج إلى المشورة والدعم، وهذا شيء طبيعي تماماً، بسبب مأساتنا العامة، التي تُعتبر واحدة من أسوأ ما حصل في هذا القرن.

يحتاج كل واحد منا إلى التصالح مع فكرة الحاجة إلى اللجوء للمختصين إن كانت ثمة مشاعر سلبية تطبق على صدره وتؤرقه، ولأجل ذلك، يجب هدم كل تلك الأفكار التي تعتبر ذلك عيباً أو نقيصة. ويستطيع من يرغب البدء بالسؤال عن إمكانية مراجعة مختصين في البلد الذي يعيش فيه، إن كان ثمة مراكز مجانية لتقديم ذلك، أو اللجوء إلى المبادرات المجانية للعلاج عبر الانترنت: اضغط هنا

وإلى جانب هذا، يؤكد المختصون وجوب تغيير مفاهيم نؤمن بها، تحثّ المتألم على الكتمان بسبب اعتبارات اجتماعية، وتضاعف جرعات الألم التي تكويه من الداخل. ويشيرون إلى أن وجود أشخاص مقربين في محيطه، يستطيعون الإصغاء له دون إطلاق الأحكام، يخفف عليه ما يمر به.

خطوات خارج العتمة

بعد الوفاة المفاجئة للشبان الستة، سادت مشاعر عامة بالحزن والصدمة، أدت بدورها إلى تأسيس مجموعة على فيسبوك، تحمل اسم «قلبي قلبك»، هدفها حث الأشخاص الذين يواجهون مشكلة ما، أو يعانون من الوحدة والانعزال، إلى البوح والفضفضة، سعياً لإخراج المشاعر السلبية التي يكتمونها في قلوبهم، خشية أن تنوء بالحمل الثقيل.

وانضم الآلاف بسرعة خيالية إلى هذه المجموعة، وبدأ مئات الأشخاص بكتابة قصص عن معاناتهم الخاصة، فيما اتضح الكم الكبير من التعاطف الذي يبديه أعضاء المجموعة الآخرون. جاءت المجموعة كفعل استنفاري جماعي، بعد اتضاح معالم الكارثة الحاصلة في النفوس. وقد كتب كثير من أصدقائي قصصاً لم أكن أعرف عنها شيئاً، رغم تواصلنا الدائم، تكشف عن تجاربهم الشخصية ومعاناتهم التي كانوا يخفونها عن الآخرين.

دينا أبو الحسن، مؤسسة المجموعة، قالت في حديث للجمهورية: «أنشأتُ المجموعة بعد قراءة خبر وفاة الشبان، ومن بينهم حسام الحسون الذي أعرفه. وقد سبب لي ذلك شعوراً بالصدمة والحزن، فحسام كان شاباً ناضجاً ومتعلماً ودمثاً، وكنت أتابعه على فيسبوك، وكان خبر وفاته المفاجئ صاعقاً».

تضيف دينا: «أنا شخصياً حصل معي أزمة قلبية واحتشاء قبل شهور، وكنت بالصدفة حينها عند صديقتي التي أسعفتني، وقد قال لي الأطباء إن وجود شخص قربي قد أنقذ الموقف، لأن الأزمة كان من الممكن أن تكون قاتلة. أدركتُ حينها كم من الممكن أن تكون الوحدة قاتلة». مشيرة إلى أنه «مهما كانت أسباب وفاة هؤلاء الشبان، هناك مسؤولية مجتمعية علينا القيام بها لاحتواء شريحة الشباب، المتعودين عموماً على عدم البوح بمشاعرهم والتعبير عنها. كان يجب اتخاذ خطوة في هذا الشأن».

توضح أبو الحسن أن الحياة في أوروبا «غير سهلة، وكثيرون يجب عليهم البدء من الصفر، وتحتاج هذه البلاد إلى الكثير من الجد والاجتهاد والتركيز. يجد هؤلاء الشباب أنفسهم في وضع يجب اتخاذ قرارات مصيرية فيه، ما يزيد الضغوط النفسية عليهم، إضافة إلى الحوادث العنصرية التي تحدث أحياناً، وتُصعّب عليهم مسألة الاندماج. كل هذا يجعل بعض الشباب في أوضاع نفسية تدفعهم لاتخاذ قرارات بتغييب العقل أو تعاطي المخدرات أو حتى التفكير بالانتحار أحياناً. وهذا عموماً ما دفعني لإنشاء المجموعة، يستطيع فيها أي أحد يعاني التعبير عن نفسه، أو استشارة أحد ما بخصوص ما يواجهه، والتفاعل وقراءة تجارب الآخرين والاستفادة منها، علّ ذلك يخرجه من أزمته، ويجعله يدرك أنه ليس وحيداً».

الخطوات تتعثر

بعد تأسيس المجموعة بأيام وانضمام الآلاف إليها، بدأت الخلافات في وجهات النظر، حول كيفية إدارة هذه المجموعة ومن يجب أن تضم، تطفو إلى السطح وتَشيع بين أعضائها، وأبرز القضايا الإشكالية كانت حول ما إذا كان مقبولاً وجود مؤيدي النظام في مكان كهذا.

قد يكون وجود هذه الخلافات مفهوماً، بسبب عدم وجود خطة ورؤية مسبقة للتعامل معها كمكان يضم شريحة واسعة من السوريين ذوي التوجهات المختلفة، ولكنه يطرح، أو يجدد طرح الأسئلة ذاتها، حول إن كان ثمة عمل ومبادرات جماعية سورية سيكتب لها النجاح أو العمل بفعالية، أو إن كان هناك، ببساطة مجردة، ما يجمع السوريين عموماً لدى الغوص في التفاصيل، وهي الأسئلة التي ينبغي الخوض فيها بشكل معمق قبل البدء بأي مبادرات تريد البقاء.

كل ما جرى خلال الأيام الأخيرة في هذا الشأن يسير في اتجاه إثبات حقيقة واحدة: قائمة الأسئلة والحقائق والأزمات التي يجب أن نواجهها ستتوسع وتطول، أياً كان المكان الذي نحاول البدء منه لاتخاذ أي خطوة إلى الأمام.