مفاوضات قسد والنظام رهن الإيقاع الأمريكي

 

شكّلت الاشتباكات بين عناصر الأمن العسكري التابع للنظام السوري وقوات الأسايش في مدينة القامشلي يوم السبت الفائت حدثاً مفاجئاً، وذلك لأنها جاءت في وقت يتواصل فيه مسار التقارب بين النظام وقسد، الذي كان قد بدأ منذ أواخر شهر تموز الماضي عبر لقاءات أجراها ممثلون عن مجلس سوريا الديموقراطية مع مسؤولين من النظام السوري في دمشق. ولا يبدو حتى الآن أن هذه الاشتباكات ستكون سبباً في تراجع هذه العلاقة التي كانت أخذةً بالتطور بين الطرفين.

بدأ مسار الحوار بين قسد والنظام ضمن حالة من عدم اليقين حول استمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وهو ما دفع قسد، بترحيب من المسؤولين المباشرين عن الملف في واشنطن، لبدء حوار مع النظام السوري، يذهب باتجاه تثبيت الأوضاع في شرق الفرات حتى بغياب الوجود الأمريكي. وخلال الحوار حضرت مطالب قسد بالسيطرة على الملفات الإدارية والأمنية والعسكرية في المنطقة، فيما قدّمَ النظام عرضاً وحيداً هو العمل بقانون الإدارة المحلية لعام 2012 الذي يعطي هامشاً أوسع للبلديات بإدارة شؤونها، مع بقاء السلطات الرئيسية بيد المحافظين الذين يتم تعيينهم من قِبل رأس النظام.

يعني عرض النظام في الواقع تفكيك الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديموقراطية نفسه، ولذلك فهو كان بعيداً جداً عن ما يمكن للمجلس أن يقدمه من تنازلات، إلا أن المفاوضات استمرت وتم تأسيس لجان بين الطرفين لمناقشة نص قانون الإدارة المحلية 107 لعام 2012. وترافق ذلك مع زيارات سرّية لمسؤولين كبار من نظام الأسد إلى مناطق سيطرة قسد حسبما أفادت مصادر متقاطعة للجمهورية، كما أن مسؤولين حكوميين في النظام قاموا بزيارات شبه معلنة إلى مدينة الرقة، مثل مدير الصحة في الوزارة التابعة للنظام، ضمن تصور عن تقارب واسع بين الطرفين سيشمل الملفات الرئيسية ومن بينها النفط والإدارات الحكومية.

يصطدم هذا التقارب اليوم بتحول في الموقف الأمريكي من البقاء في سوريا، الأمر الذي يغير من ميزان القوى بين الطرفين دون أن يعني ذلك توقف الحوار بينهما بشكل نهائي. فقد كان للإعلان الرسمي الأمريكي عن استمرار الوجود في شرق سوريا حتى القضاء نهائياً على تنظيم داعش ووقف تمدد النفوذ الإيراني أثرٌ واسعٌ على ما تملكه قوات سوريا الديموقراطية من أوراق في مفاوضاتها مع النظام، خاصة بعد زيادة الدعم الأمريكي المقدم لمجلس سوريا الديموقراطية، وإعلان المجلس يوم الخميس الفائت عن تشكيل الإدارة الذاتية الموحدة لمنطقة شرق الفرات في سوريا، بعد مؤتمر عُقد بحضور ممثلين عن الإدارات التي تشرف عليها قسد في المنطقة.

ستدفع زيادة الوجود الأمريكي واستمراره شرق سوريا مزيداً من الدماء في عروق مشروع قسد، الذي كان يواجه فترة عصيبة للغاية مع حديث الرئيس الأميركي عن الانسحاب من سوريا خلال الأشهر الماضية، وعلى الرغم من أن قسد قد لا تنخرط بشكل كامل في استراتيجيات واشنطن التي تهدف إلى مواجهة إيران أيضاً في المنطقة، إلا أنها ستحصل على مكاسب تساعدها على الإبقاء على الأوضاع القائمة حالياً، وعلى سلطات الأمر الواقع التي تُسيّرها بفضل سيطرتها العسكرية على تلك المناطق. بالمقابل فإن الحديث عن قطيعة تامة بين النظام وقسد ستكون مستبعدة حالياً، خاصةً وأن تداخل المصالح بين الطرفين مستمر على الأقل لجهة السيطرة المشتركة على عدة مناطق، بالإضافة إلى توفير النظام لخدمات قد تكون الإدارات الذاتية المرتبطة بقسد غير قادرة على توفيرها، وهو ما سيمكّن قوات سوريا الديموقراطية من التفرغ لملفات أخرى.

أما النظام، الذي سبق وهدد بحل عسكري إذا ما فشلت المفاوضات على لسان وزير المصالحة علي حيدر خلال حواره مع وكالة سبوتنيك الروسية، فسيكون عاجزاً عن تشكيل أي تهديد عسكري لتلك المناطق طالما احتفظت واشنطن بوجودها العسكري فيها، وهو ما سيدفعه إلى خفض مطالبه أو سقف شروطه بانتظار أن تحدث تحولات في موازين القوى، وذلك بهدف البقاء في تلك المنطقة والتغلغل فيها أكثر عبر الملفات الخدمية، والحفاظ على مكتسبات له فيها، من بينها حصته من عوائد نفط شرق الفرات، الذي يُعدُّ الخزان الرئيسي للنفط في سوريا.