مكرمة السيد الرئيس

 

الـ «مَكْرُمَة» هي هدية يتم تقديمها إلى شخص لا يستحقها، من قبل شخص أرفع منزلة وغير ملزم بإعطائها، يزيد بها من رفعته ومن ذلّ متلقيها.

بعد الكلام في مقال سابق عن «الهيبة» كأحد مصطلحات اللغة العربية المرتبطة في أذهاننا بنظام الأسد، بسبب استخدامه المفرط لها والمعاني التي تحملها وطبيعة النظام وسلوكياته التي تفصح عنها، قفزت إلى رأسي العديد من المصطلحات التي يضمها قاموس الأسد للمعاني، وعلى رأسها كانت كلمة «مكرمة». 

و«مكرمة» هي كلمة يجب أن تتبعها في سوريا لازمةٌ لا بدَّ منها حتى يكتمل معناها، وهي عبارة «السيد الرئيس»، فبدونها لا يمكن لأي شيء في سوريا أن يكون «مكرمة»، بل سيكون مجرد تعدٍّ على اختصاص السيد الرئيس الحصري بتوزيع «المكرُمات» على الشعب السوري جماعات وأفراد. «مكرُمَة السيد الرئيس تعيد مئات النازحين حاملين صوره إلى قرى في البوكمال»، «وزير الإدارة المحلية: القانون رقم 10 الذي أصدره السيد الرئيس بشار الأسد اليوم مكرمة تتزامن مع الإجراءات التي تقوم بها الدولة لإعادة تأهيل المناطق المدمرة بفعل الإرهاب»، «في مكرمة من السيد الرئيس بشار الأسد، وللمرة الثانية في شهر رمضان المبارك، تم الإفراج عن 25 موقوفاً من محافظة درعا وريفها»، «في مكرمة من السيد الرئيس سوف يتم توزيع ناموسيات على أهالي قرية جرجيسة وفق الآتي…».

«المُكْرَمُون» هم السوريون الذين لا يستحقون دستورياً أو قانونياً أي شيء، وكل ما يقدمه الرئيس هو «تكرّمٌ» منه، ومن حُسن حظ السوريين الحصول عليه. فالرئيس لا يقع على عاتقه أي واجبات أو مهام، ولا شيء بإمكان السوريين القيام به لو أن السيد الرئيس لم يقدم شيئاً، فعدم تقديمه لـ «مَكرُمة» ما، هو في حد ذاته «مكرمة» ليس من الضروري أن نعرف قدرها.

السوريون لا حقوق لهم في هذا البلد، وما استطاعوا أن يكونوا سوريين ابتداءً لولا «مكرمة» السيد الرئيس بعدم حرمانهم من الجنسية السورية. هو يملك هذه البلد، وكل ما يحصلون عليه فيها هو «مكرمة» منه، حتى الهواء الذي يتنفسونه، أو الحيز الذي تشغله أجسادهم من سوريا. عدم خطفهم في منتصف الليل، وعدم ضربهم وسرقتهم من قبل عناصر الأمن، وحتى بقاؤهم أحياء هو «مكرمة». بطاقاتهم الشخصية والعائلية وجواز سفرهم وشهاداتهم الجامعية؛ المنزل والسيارة والهاتف التي يملكونه؛ زوجاتهم وأطفالهم وإخوتهم وأمهاتهم وآبائهم؛ برامج أرضنا الخضراء وما يطلبه الجمهور وبريد الأطفال كلها «مكرُمات». في الحقيقة لا يمكن إحصاء «مكرُمات» السيد الرئيس، لأنها لا نهائية ويمكن لأي شخص من «المُكْرَمين» أن يَعُدَّ قائمته اللانهائية منها.     

«المُكْرَمُون» تحت حكم نظام الأسد وأشباهه اعتادوا أن يتلقوا «المكرمة» بكل حبور وتقدير لهذه الميزة التي حصلوا عليها فردياً أو جماعياً، فهم بفعل الخوف المتراكم لسنين طويلة وعدّة أجيال متتالية فقدوا أي إحساس بوجود أي حقوق لهم في هذا البلد؛ السوري يحصل على راتب من الدولة، وهذا لا يمكن أن يكون مقابلاً لعمله في وظيفة ما؛ وهو يدرس في المدرسة والجامعة «ببلاش» بغض النظر عن الجهود الدراسية أو الدرجات التي حققها أو حتى الضرائب التي دفعها؛ والضابط يترفعّ في الجيش لأنه حصل على ثقة القيادة، ولا تهمّ هنا أي ميزات يملكها أو مستوى أدائه العملي. 

هذه «المكرُمات» تزيد لدى السوري الشعور بالجميل والرغبة برد الدين، عبر المزيد من الخضوع للسلطة مُمثَّلة بالسيد الرئيس، والالتزام بالقواعد التي تحافظ على المواقع المختلفة لثنائية المُكرِم والمُكرَم.

بالتأكيد هناك استثناءات لسوريين شربوا من نهر الجنون، واستطاعوا الخروج من حالة التنويم المغناطيسي التي يطبقها نظام الأسد عليهم، وعرفوا أن هذه «المكرُمات» هي فُتات من حقوقهم وواجبات السلطة، ولكن لم يكن لهم تأثير كبير على هذه الثنائية، بعد أن اختاروا الصمت، أو اختاروا الكلام الذي أدى بهم إلى السجون أو المنفى.   

لا وقت محدداً «للمكرُمات»، فوجودها هو الدليل المستمر على وجود السيد الرئيس، وعلى دوام هذه العلاقة بينه وبين السوريين. هي النبضات المؤشرة على حياة هذا النظام، الذي يمكن أن يستغل أي حدث سنوي روتيني لتقديمها، كمنحة الـ 50% من الرواتب التي يقدمها في عيد فطر، أو «المكرُمات» العشوائية التي ينالها غالباً فرد أو مجموعة من السوريين بسبب إنجاز ما. كما أنها قد تتهافت بشكل كبير في بعض الأوقات، مثل حزم «المكرُمات» التي ترافق تجديد البيعة للسيد الرئيس كل سبع سنوات. «المكرُمات» كذلك قد تكون مرتبطة بحدث ما، مثل التضخم الاقتصادي الذي يرافقه «مكرمة» زيادة مرتبات العاملين في الدولة.

كانت «المكرمة»، قبل السطو عليها من قبل نظام الأسد، تعني هي واشتقاقاتها أشياء كثيرة للسوريين، الذين اعتادوا «إكرام» الضيف كإحدى أهم «مكارم» الأخلاق التي بُعث النبي محمد لإتمامها كما ورد في الحديث النبوي، لكن السوريين اليوم يعرفون «الإكرامية» كمصطلح شبه مقونن للرشوة، و«أكرمني» كفعل أمر لطلبها، كما حدث مع كثيرين، ومعي يوماً في القصر العدلي في مدينة حلب من قبل أحد عناصر الشرطة، الذي أذلّ نفسه كثيراً بقوله لهذه الـ«أكرمني». 

ويعرفون كذلك «أكرم» إماموغلو، الاسم التركي الذي صعد نجمه بشكل سريع، وخصوصاً بعد أن أصبح أول شخص يستطيع انتزاع رئاسة بلدية اسطنبول من حزب العدالة والتنمية منذ حصوله عليها قبل نحو عشرين عاماً، الأمر الذي جاءت بعده فوراً حملةٌ كبيرةٌ لترحيل السوريين من ولاية اسطنبول، تضمنت مزيداً من عدم «إكرامهم» والحط من «كرامتهم»، الأمر الذي بدا كما لو أنه رد فعل من حزب العدالة والتنمية الحاكم على خسارته تلك، تم استخدام السوريين فيه كورقة من أوراق السياسية التركية الداخلية.

ويرفق السوريون طلباتهم لبعضهم بعضاً بعبارة «إذا تكرّمت»، فيأتي الرد بـ «تكرم عينك»، ليضيف الطالب «لله يكرمك»، لكن «التكريم» الرسمي اليوم هو عبارةٌ عن عملية يتخصص بها أفراد بعينهم، أو عدد قليل منهم، بـ «مكرمة» السيد الرئيس، التي لا ينالها باقي أفراد الشعب، مثل «تكريم» ذوي شهداء الجيش السوري بساعة حائط أو بعلم لسوريا، أو «تكريم» المنتخب السوري الذي خرج بشرف من إحدى البطولات. 

الشهداء «أكرم» من في الدنيا، مقولة لحافظ الأسد يستمر المؤيدون بترديدها، كـ «مكرمة» لأشخاص فقدوا حياتهم ضريبة لوصوله للسلطة واستمراره فيها، فخسارتهم لحياتهم في سبيل الأسد ترفع مرتبتهم للمركز الأول في قائمة «المُكْرَمين» النظامية. منطقياً، لا يمكن أن تكون هذه الجملة صحيحة، لأن الشهداء بعد أن ماتوا لم يعودوا موجودين في هذه الدنيا ليتلقوا «المكرُمات»، وهم لن يعرفوا بهذا «التكريم» أصلاً.   

و«الكرامة» هي الصفة التي يجب أن تتوفر بشكل بديهي في مُقدِّم «المكرُمة»، ففاقد الشيء لا يعطيه حسب الحكمة الشهيرة، ولا «كرامة لقوم ما لم تكن لملكهم كرامة» بحسب كليب وائل بن ربيعة، ولا «كرامة لملك يريد رعيته دون كرامة» كما ردّ عليه الحارث ابن عباد في أحد أجمل حوارات مسلسل الزير سالم. و«شوية كرامة» هو فقط ما كان ينقص غوار الطوشة في مسرحية محمد الماغوط كاسك يا وطن، لكن مع مرور الزمن اكتشفنا أن مؤدي هذا الدور دريد لحام لا يريد هذه «الشوية كرامة»، ولا يريد لأي من السوريين الحصول عليها، وفضَّلَ أن تكون «كل الكرامة» للسيد الرئيس. 

«الكرامة» كذلك نادٍ رياضي سوري من مدينة حمص، عاصمة ثورة «الكرامة». وقد قُتل العديد من لاعبي فريق «الكرامة» تحت التعذيب وفي القصف والمعارك، وتشتت جمهوره في أصقاع الأرض لأنهم رفضوا إلا أن يحصلوا على «كرامة» كاملة غير منقوصة، ولم يقبلوا بالفتات الذي «يتكرّم» به السيد الرئيس. 

تُعبّرُ هذه الكلمة ومشتقاتها بشكل كبير على شكل الحكم في سوريا، الذي هو بشكل بديهي غير ديمقراطي، فالرئيس هنا مصدر كل السلطات، ولا وجود لأي دور للشعب فيها. وهو مختلفٌ عن الحكم القبلي الذي يربط سلطات شيخ العشيرة بمجموعة مختلفة من الالتزامات تجاه أفراد عشيرته، مثل الحفاظ على «كرامتهم» وحمايتهم وصيانة مصالحهم، وتقديم الدعم المادي اللازم لهم عبر نظام تضامن قبلي يكفل تقديم المساعدة الفورية، أو تفعيل ميزة «الودي» لدفع الدية أو التعويض عن الضرر الذي تسبب به أي فرد من أفراد القبيلة. لدى الملك في النظام الملكي ميزات مشابهة لنظام الأسد، إلا أننا لا يمكننا وصفه بالملكي، بسبب العدد الكبير من الملوك الذين تشاركوا سلطاتهم مع جهات أخرى عشائرية أو دينية أو برلمانية شعبية. 

قد نكون بحاجة للكثير من الوقت لندرس نظام الأسد كأسلوب حكم، ونقاط الاتفاق والشبه بينه وبين الأنظمة الأخرى، لكن أظن أن التوصيف الأقرب له أنه «نظام ربوبيّ»، يقوم على تأليه الأسد الذي لا يخطئ ولا ينسى ويعرف كل شيء وإليه يعود كل شيء. الأسد هو مبدأ الإحداثيات ومركز الكون الذي تدور حوله السلطة وعبيدها، وهو غير قابل للنقد ولا حتى التفكير في غاياته. لا حاجة له بأي عقد إجتماعي أو حتى نظام حكم مُعلن يؤلّه نفسه من خلاله، فأقرانه من المتألهين وصلوا إلى هذه المرتبة انطلاقاً من نظم مختلفة، وسمّوا أنفسهم ملوكاً ورؤساء وسلاطين وشيوخاً، وأطلقوا على أنظمتهم مختلف التسميات مثل الجمهورية والمملكة والسلطنة والإمارة. 

«الكرامة» في سوريا قبل الثورة هي المصدر الذي يحوزه السيد الرئيس وحده، ولا يجوز لأي سوري أن يشاركه فيه، لأن هذه المشاركة في ملكية «الكرامة» سوف تنسف الثنائية القائمة، وتجرّد «مكرمة» الرئيس من معناها وتلغي الفوارق بينه وبين الشعب، الأمر الذي سيؤدي منطقياً لانهيار النظام القائم على مثل هذه العلاقات. لا غرابة إذن في إطلاق تسمية ثورة «الكرامة» على ثورة السوريين، التي قامت لتدمير شكل العلاقات التي أقامها نظام الأسد بينه وبينهم، وبين السوريين أنفسهم، ولا غرابة كذلك في انعدام القيمة والأثر «للمكرُمات» التي تم تقديمها بعد انطلاق الثورة السورية، مثل الزيادات الكبيرة في مرتبات العاملين في الدولة ومنح الجنسية للمكتومين الأكراد، وإلغاء قانون الطوارئ وسحب صفة القائد للدولة والمجتمع من حزب البعث. ثار السوريون في ذلك اليوم لاستعادة العلاقة الطبيعية بينهم وبين الرئيس، واستعادة موقع الشعب كمصدر مانحٍ «للكرامة» لا مُستقبِلٍ لها، وإعادة توزيع الأدوار بين الشعب كمصدر للسلطات والرئيس كموظف بأجر مثل أي موظف آخر في الدولة السورية، وفشل هذه الثورة يعني تكريس الوضع الذي كان قبلها إلى درجات غير مسبوقة.